جون نيغروبونتي :

من فيتنام إلى العراق مروراً بأميركا الوسطى،

تاريخ طويل مليء بخرق وانتهاك حقوق الإنسان

 

كوبنهاغن – ميرون برس

 

فيما يمكن اعتباره إستجابة لتوصيات سابقة رفعتها اللجنة الخاصة بالتحقيق في الإخفاقات الإستخباراتية التي أدت إلى أحداث 11 أيلول 2003، رشح الرئيس الأميركي جورج بوش سفيره لدى العراق المحتل جون نيغروبونتي لتولي منصب مدير الإستخبارات القومية. وفي حال مصادقة "الكونغرس" الأميركي على هذا الترشيح، سيتولى نيغروبونتي الإشراف على 15 وكالة تعمل في مجال المعلومات الإستخباراتية وتحليلها، بدءاً بوكالة الإستخبارات المركزية "سي.آي.إيه" وصولاً إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي "أف.بي.آي"، فضلاً عن أجهزة وهيئات إستخباراتية موزعة داخل مؤسسات وزارة الدفاع " البنتاغون" هذا إلى جانب أنه سيصبح المستشار الرئيسي للرئيس للشؤون الإستخباراتية، وسيتمتع بصلاحيات واسعة لتحديد ميزانيات الأجهزة الإستخباراتية بأكملها.

وكان الرئيس الأميركي قد أقر في شهر كانون الأول الماضي قانوناً لإصلاح هذه الأجهزة، هو الأول من نوعه في الولايات المتحدة خلال الخمسين سنة الأخيرة. وبموجب ذلك القانون الذي تمت المصادقة عليه من قبل الرئيس بحضور أعضاء اللجنة الخاصة بالتحقيق في أحداث 11 أيلول 2003، تم تجميع الوكالات والأجهزة والهيئات العاملة في مجال المعلومات الإستخباراتية وتحليلها تحت إدارة واحدة، واستحداث المنصب الجديد الذي سيتولاه نيغروبونتي.

وفي حال المصادقة على ترشيح نيغروبونتي، سيتعين على الرئيس بوش إختيار سفير أميركي جديد يخلفه في إدارة شؤون السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، لا يقل خبرة عنه في الشأنين الدبلوماسي والإستخباراتي!

إتصف جون نيغروبونتي، اليوناني الأصل والمولد الأميركي الجنسية، الذي يخفي قبضة حديدية سوداء وراء "الوداعة" التي تظهر على وجهه، بتاريخ طويل مشوب بالوقوف وراء عمليات خرق وانتهاك مشينة لحقوق الإنسان عرفها العالم في العقود الأخيرة من القرن الماضي. وقد اكتسب خبرة دبلوماسية واستخباراتية واسعة من خلال المناصب التي تولاها في آسيا وأوروبا وأميركا الوسطى على مدار 37 عاماً (1960 – 1997).

عمل عام 1964 مستشاراً سياسياً في سايغون خلال الحرب الفيتنامية. وأتقن اللغة الفيتنامية لدرجة جعلت وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر يختاره لإدارة المفاوضات الأميركية الفيتنامية السرية في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون. واعتنق في حينه "الدبلوماسية الواقعية" التي كانت عزيزة على قلب كيسنجر.

وفي عام 1981 إختاره الرئيس رونالد ريغان ليكون سفيراً لبلاده في هندوراس، في وقت كانت الولايات المتحدة تخوض حرباً شرسة ضد الإتحاد السوفياتي في نيكاراغوا والسلفادور وأماكن أخرى داخل أميركا الوسطى. ومن موقعه هناك. أشرف على دعم متمردي الكونترا ضد الحركة الساندينية الماركسية الحاكمة في نيكاراغوا إلى درجة التورط المباشر في فضيحة "إيران كونترا" التي كادت أن تطيح بالرئيس ريغان نفسه.

بين عامي 2001 و2004 عمل نيغروبونتي سفيراً لبلاده لدى الأمم المتحدة، فأمن لها الدعم الدولي في عدوانها على أفغانستان، إلا أنه فشل في تأمين دعم مماثل لشن العدوان على العراق، الأمر الذي جعلها تغزوه وتحتله بدعم من بريطانيا فقط. وأثناء وجوده في المنظمة الدولية، أستخدم حق النقض "الفيتو" 6 مرات، 4 مرات لمنع تمرير مشاريع قرارات تدين الإنتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني ومرتين لمنع مشاريع قرارات تتعلق بمحاكمة مجرمي الحرب.

وليس من المبالغة القول أنه يوم ترك نيغروبونتي عمله في أميركا الوسطى، تنفس أبناؤها الصعداء لما تركه من أثر سيء لديهم. فقد كان وراء جميع الحركات والأعمال المضادة للشيوعية التي عرفتها معظم الدول في ذلك الجزء من العالم. وكان ينظر كثيرون منهم إلى نيغروبونتي على أنه المسؤول المباشر عن عمليات قتل وتعذيب وإخفاء شملت مئات الأشخاص.

ففي تعقيب لها على ترشيحه للمنصب الجديد، قالت بيرتا أوليفيا منسقة لجنة عائلات المعتقلين المفقودين في هندوراس "إن تعيين نيغروبونتي أمر محزن ورهيب. فبالنسبة لنا الآن، بات الكفاح من أجل تسليط الضوء على قضايا الإخفاء القسري أكثر صعوبة. وأضافت أوليفيا "يا لها من صدفة أن يكون نيغروبونتي سفيراً للولايات المتحدة في فيتنام وأميركا الوسطى والعراق أثناء الحروب فيها. وها هو اليوم الذي يتولى منصباً مهماً إلى هذه الدرجة"!!

وكانت دراسة تم نشرها عام 1981 قد بينت أن 184 هندوراسياً قد اختفوا على يد "سرايا الموت" التابعة للجيش الهندوراسي التي كانت تتلقى الدعم والتدريب من وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية ومستشارين أرجنتينيين كانوا مرتبطين بها عبر جون نيغروبونتي.

أما النائب عن الحركة الساندينية في برلمان أميركا الوسطى جاستينتو سواريز، فقد عقب على ترشيحه بالقول "إنه أرسل من قبل إدارة ريغان لكي يدير الحركة المناهضة للثوار، بما في ذلك في السلفادور وغواتيمالا. وأضاف "نيغروبونتي لم يمثل أبداً الدبلوماسية والسياسة الخارجية الأميركية، بل السياسة الإستخباراتية في نهجها الإرهابي ومجمل السياسة الأميركية العدائية. وزاد سواريز قائلاً: "هو موظف أُرسل الى فيتنام ونيكاراغوا وهندوراس والعراق حيث كانت الحروب. إننا نحذر من أن نيغروبونتي هو مرادف للسياسات العدائية التي تنهجها الولايات المتحدة في العالم".

يتكهن الخبراء بأن يواجه جون نيغروبونتي صاحب نظرية "الأمن قبل الإعمار في العراق"، مهاماً صعبة وشاقة في منصب مدير الإستخبارات القومية الجديد، أبرزها "التكيف" مع مزاج سيد "البنتاغون" وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي تسيطر وزارته على 80 في المئة من ميزانية الإستخبارات وتطمح الى توسيع عملياتها الإستخباراتية في ظل حرب الولايات المتحدة على ما تطلق عليه "الإرهاب". وما لم يدعمه الرئيس جورج بوش ويقدمه على رامسفيلد فلن يكتب له النجاح. هذا إلى جانب ما سيشكله له التعامل مع شخصيات بيروقراطية مخضرمة تتولى قيادة الوكالات الإستخباراتية الخمس عشر وعلى رأسها وكالة الإستخبارات المركزية "سي.آي.إيه" التي يتولى مسؤوليتها المدير الجديد بورنز جروس.

هل سينجح نيغروبونتي الذي وصفه لاري بيرنس عضو "مركز شؤون نصف الكرة الغربي" بـ "جيمس بوند" والمستشار السابق في البنتاغون ريتشارد بيرل بـ "مستهلك المعلومات" في مهمته الجديدة؟!!