اصلاحات مبارك "نص كم" على الطريقة التونسية!!.

 

 

 

 

بقلم : أسامة رشدي

 

لم يطل استبشار البعض في مصر بإعلان الرئيس مبارك المفاجئ –بعد رفض طويل- بتعديل نص المادة 76 من الدستور، ليكون انتخاب الرئيس بين أكثر من متنافس، وليس عن طريق الاستفتاء على مرشح واحد كما كان منذ ثورة يوليو 1952.

 

وسرعان ما تراجعت أجواء الأمل والتمني ليدرك الجميع أن الرئيس قد أخذ باليسرى ما أعطاه باليمنى وأن التعديلات ليست إلا إعادة إخراج لنظام الاستفتاء بنظام انتخابي عقيم متحكم فيه بالكامل.

 

وقد أدرك جميع المهتمين في مصر أن الرئيس الذي قال في السابق في حوار مع إحدى الفضائيات العربية معقبا على المعارضة المعلنة لمبدأ التجديد والتوريث في الاستحقاق الرئاسي القادم: أنه لا يريد أن يعمل"حركات نص كم" ويخرج مظاهرات تطالب ببقائه!!.

 

ولكن يبدو أنه قد عدل عن رأيه بعد تصاعد الضغوط الدولية، وبدأ معنا شوطا من هذه الحركات "النص كم" مستلهما في ذلك الطريقة التونسية في الانتخابات الرئاسية آملا في التملص وتشتيت الأصوات المطالبة بالاصلاح حتى يتم تمرير التجديد أو التوريث بغطاء ديمقراطي مفبرك.

 

ويبدو أن الرئيس يراهن على ضيق الوقت على موعد الاستحقاق الرئاسي في سبتمبر القادم وعنصر المفاجأة التي أحدثها القرار وما تبعه من حالة إرباك لم يستعد لها البعض مما يجعل الرئيس متفائلا بأن حركاته "النص كم" ستمر قبل أن ينتبه إليها أحد!!

 

فقد جاءت الفقرة الثالثة من البيان الرئاسي في 27 فبراير الماضي بـ(كفالة الوسائل اللازمة لضمان جدية الترشيح للرئاسة، ومن ذلك أن يحصل من يرغب في الترشيح علي تأييد من ممثلي الشعب المنتخبين في المؤسسات الدستورية وفي المجالس الشعبية المحلية) مطابقة تقريبا للفقرة الثالثة من المادة 40 من الدستور التونسي الذي تم تعديله بنفس الكيفية، مما أكد أن الرئيس سيأخذ بما بات يعرف "بالخيار التونسي"

 

وبالفعل بدأ ترزية القوانين صياغة التعديل الدستوري على غرار الطريقة التونسية،  واعتماد مبدأ الاستثناء المؤقت كما في الدستور التونسي وذلك لتفصيل المقاس على القوى والأحزاب التي سيجري اشراكها أو إقصاؤها طبقا لأهواء أهل السلطة والسلطان في انتخابات الرئاسة المتوقعة.

 

وللحقيقة فالإخوة في تونس لديهم خبرات دستورية غير مسبوقة يبدو أنها ستشكل مدرسة لأنصار حركات الـ "النص كم" من ترزية القوانين في العالم العربي الباحثين عن الجديد في صرعات الفبركة وتلفيق الاصلاحات.

 

 

 

والذين كتبوا للرئيس الفقرة الثالثة من المادة 40 من الدستور التونسي أخفوا عنه الفقرة الأولى من نفس المادة والتي تحدد سن الرئيس عند تقديم طلب الترشيح بحيث لا يقل عن 40 سنة ولا يزيد عن 75 سنة.

 

وطبعا  لأنهم لا يستطيعون أن يواجهوا رئيسنا العجوز ذو الـ 77 ربيعا، والذي مازال يطمح في المزيد من المدد الرئاسية ويرفض تحديد عددها أو تقليص مدتها من ستة أعوام إلى خمسة كما في الدستور التونسي نفسه. حيث أن رئيسنا فيما يتعلق بالعمر ومدد الرئاسة لا يؤمن إلا بخيار "عزرائيل"!!.

 

الدستور التونسي في الفقرة الثالثة من المادة 40 ينص على أن (يقع تقديم المترشح من قبل عدد من أعضاء مجلس النواب ورؤساء المجالس البلدية، حسب الطريقة والشروط التي يحددها القانون الانتخابي). كما ورد في خطاب مبارك الأخير تقريبا.

 

وقد تكفلت المادة 66 من القانون الانتخابي التونسي ببيان ذلك فأوجبت تزكية المرشح لمنصب الرئيس بصفة فردية أو جماعية من قبل ما لا يقلّ عن ثلاثين مواطنا من بين أعضاء مجلس النواب أو من رؤساء مجالس بلدية.

 

بينما يتداولون في مصر شرط الحصول على نسبة 20% من أعضاء مجلس الشعب والتي تقدر بـ 75 نائبا في الوقت الذي يملك فيه الحزب الوطني الحاكم 97% من المقاعد!!. وربما 99% من مقاعد المجالس المحلية.

 

وبما أنه لن يوجد لا في تونس ولا مصر أحد  يملك التزكيات التعجيزية المطلوبة في أنظمة بوليسية تسيطر على كل صغيرة وكبيرة في الدولة وبالتالي فإن الرئيس في هذه الحالة لن يجد من ينافسه ..

 

وبما أن الرئيس يريد فيلم ديمقراطي يفرقع به الموسم، ولذا فقد وجد إخواننا في تونسي الحلول –لهم وللسائرين على نهجهم في الحركات "النص كم" إلى يوم الدين- فقد بادر  الرئيس زين العابدين بن علي  بإصدار القانون الدستوري رقم 52 لسنة 1999 في 30 يونيو 1999 والمتعلق بأحكام استثنائية للفقرة الثالثة من الفصل 40 من الدستور وذلك لتمرير الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 ليتم إخراجها كانتخابات تعددية.

 

وقضي الاستثناء بتمكين المسؤولين الأول عن أحزاب المعارضة، سواء كان رئيسا أو أمينا عامّا لحزبه، من الترشّح لرئاسة الجمهورية في صورة عدم توفر الشروط العادية لتقديم الترشّح المذكورة بالدستور، بشرط أن يكون المترشّح مباشرا لتلك المسؤولية يوم تقديم الترشّح ومنذ ما لا يقلّ عن خمس سنوات متتالية، وأن يكون لحزبه نائب أو أكثر بمجلس النواب. وهو نفس الاستثناء المطروح اليوم في مصر.

 

وإذا طبقنا مثل هذا الكلام في مصر فإن أكثر قيادات الأحزاب في مصر لن تكون حتى مؤهلة للترشيح.

 

ففي تونس أرادو يومها تفصيل الانتخابات على مقاس شخصين طلب منهما الترشح لعمل "بروفة" ديمقراطية أحدهما صرح مدافعا عن نفسه بعد الانتخابات: بأنه قد أعطى صوته للسيد الرئيس !!. ونعم الديمقراطية..

 

وفي الاانتخابات الرئاسية التونسية العام الماضي احتاج الأمر لاعادة تفصيل الدستور مرة أخرى، فقاموا بعمل استثناء على الاستثناء الأول وذلك بتعديله باستثناء ثان في 13 مايو 2003 يتعلّق بأحكام استثنائية للفقرة الثالثة من الفصل 40 من الدستور لإدخال مزيد من المرونة على شروط الترشّح –زعموا- وتدعيم تعدديّة الترشّح للانتخابات الرئاسية.

 

فقضى الاستثناء أنه في حالة عدم توفر شرط تزكية المترشّح من ثلاثين نائبا المنصوص عليه بالفقرة الثالثة من الفصل 40 من الدستور يمكن بصفة استثنائية لكلّ حزب سياسي أن يقوم بترشيّح أحد أعضاء هيئته التنفيذية العليا للانتخابات الرئاسية لسنة 2004 شريطة أن يكون المعني يوم تقديم مطلب ترشّحه مباشرا لتلك المسؤولية وأن يكون للحزب بمجلس النواب نائب فأكثر ينتمون إليه. ويؤخذ في ذلك بعين الاعتبار إنتماء النائب إلى الحزب عند تقديم ترشّحه لعضوية مجلس النواب.

 

وهي شروط ملغومة كما نرى ولو طبقناها عندنا في مصر لأمكن فرز وحرمان الكثيرين من قادة الأحزاب من الترشح ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور أيمن نور رئيس حزب الغد والمعتقل حاليا والذي أعلن عن ترشحه من السجن، وذلك لأنه انتخب عام 2000 لعضوية مجلس الشعب على أساس الانتماء لحزب الوفد قبل أن يحصل على رخصة حزب الغد عام 2004.

 

وبالفعل ترشح ضد الرئيس التونسي ثلاثة مرشحين حصلوا جميعهم على 5% بينما حصل الرئيس على 95% (نتيحة متوقعة).

 

وعلى هذا فإن حكومتنا السنية باختيارها للنموذج التونسي في الاصلاح الدستوري -بدون تحديد عمر المرشح- لا تلجأ فقط لحركات الـ"نص كم" بل إنها تنوي بذلك أن تلاعبنا لعبة الثلاث ورقات على طريقة جلا جلا يا هووووووووه .

 

وقديما قالوا : وكم ذا بمصر من المضحكات  .. ولكنه ضحك مثل البكاء