تسونامي ومشكلة الشر والنجاة من البلاء2\2

ميادين النجاة والفلاح التي يطلبها المسلم

 

 

 

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

من خلال الذاتية الإسلامية يكون للفلاح مفهومه الخاص - المستمد من قيم الإسلام الخاصة -بحيث لا يخرج المسلم عن هذا المفهوم وهو يطلب الفوز بالخير ، والنجاة من الشر ، وإلا كان طلبه لأحدهما خسرانا مضافا إلى خسران سابق أراد الخلاص منه .

والميدان الرئيسي لهذا الفلاح هو" الإيمان  " يقول تعالى ( قد أفلح المؤمنون ) 1 المؤمنون

  وفي داخل هذا الميدان تأتي دوائر متداخلة متساندة متكاملة : تدل عليها مجموعة كبيرة من الآيات القرآنية  تجعل الفلاح في :

الإيمان بما أنزل الله ، وبالغيب ، والآخرة  ، ونية العمل لوجه الله الحكم بحكم الله ورسوله مع السمع والطاعة ، ، والإنفاق مما رزق الله في سبيله ، والجهاد بالنفس والمال ، لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،الإيمان بما أنزل الله مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتعزيره ، ونصرته ، واتباع النور الذي أنزل معه ،الانتماء  إلى حزب الله في مواجهة من يوادون من حاد الله ورسوله ، الوقاية من شح النفس ، إيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، ، إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة  وتزكية النفس ، والتقوى التي هي خير الزاد ،  ، واجتناب الرجس من عمل الشيطان ، خشية الله ، والإشفاق على النفس من عقابه ، ذكر الله كثيرا ، ذكر آلاء الله ، السجود لله وعبادته ، وفعل الخير ،  والتوبة ، والابتغاء من فضل الله ، الفوز برضوان من الله والخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار .

 

النجاة هي الإيمان يقول تعالى : ( ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة ،وتدعونني إلى النار ) 41 غافر

النجاة - أصلا - إنما تكون من الكفر ، يقول شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه ( قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد أن نجانا الله منها ) 89 الأعراف

والنجاة تبعا لما تقدم هي النجاة من الظلم ، ففي خطاب الله تعالى لنوح عليه السلام : ( فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ) 28 المؤمنون .

والنجاة تبعا للدخول في الإيمان هي نجاة من الغم ، يقول تعالى : ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم ) 88 الأنبياء .

والنجاة تبعا للدخول في الإيمان إنما تكون من النار  ، يقول تعالى ( ثم ننجي الذين اتقوا ،ونذر الظالمين فيها جثيا ) 72 مريم ، ويقول تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) 10 الصف .

والنجاة تبعا لما تقدم تكون أيضا من عذاب الله في الدنيا : ( قال إن فيها لوطا ، قالوا : نحن أعلم بمن فيها ، لننجينه وأهله إلا امرأته ، كانت من الغابرين ) 32 العنكبوت ، وعن سيدنا نوح يقول الله تعالى : ( فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ) 119 الشعراء .وتكون النجاة من العدو : يقول تعالى ( يا بني إسرائيل قد أنجيناكـم من عدوكم ) 80 طه ز

وهي  نجاة مزدوجة ؛ من عذاب الله في الدنيا ،  ومن عذاب الله في الآخرة ، يقول تعالى :

( فلما جاء أمرنا نجينا هودا ، والذين آمنوا معه ، برحمة منا ، ونجيناهم من عذاب غليظ ) 58 هود

 

وإنه لا ضمان  للفرد في النجاة من عذاب يوم القيامة بغير الإيمان والعمل الصالح .

ولاضمان للأمة في النجاة من وقائع الظلم الاجتماعي بغير تغيير هذه الوقائع انطلاقا من تغيير في النفوس ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ) ويقول تعالى : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) .

 

وفي المقابل فإنه لا فلاح لمن يولون ظهورهم لله ، أو المشركين ، أو الكافرين ، أو الظالمين ، أو المجرمين ، أو المسرفين ، أو الكذابين على الله ، أو آكلي الحرام ، أو محبي الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ، والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث .

يقول تعالى : ( فذرهم في غمرتهم يعمهون ، أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ؛ نسارع لهم في الخيرات ؟ بل لا يشعرون . ) 54 - 61 المؤمنون .

ويقول سبحانه وتعالى ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ؟ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) 124- 126 طه

ويقول تعالى : ( هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) 100 - 105 الكهف .

 

إنه لا فلاح ولا نجاة بمحاربة الله الذي نطلب منه الفلاح والفوز والنجاة .

وعلى سبيل المثال فإن ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، ذلك بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا ، وأحل الله البيع وحرم الربا ، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، يمحق الله الربا ويربي الصدقات ،والله لا يحب كل كفار أثيم ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) 275 - 279 البقرة

 

وإمكان الفوز والفلاح والنجاة مضمون بضمان الله لمن ينصرونه بالتوجه إليه : يقول تعالى ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ،وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور )

ويقول تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا : يعبدونني لا يشركون بي شيئا ، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ، وأقيموا الصلاة ،وآتوا الزكاة ،وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) 55- 56 النور

ويقول تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) 257  البقرة

هانحن اليوم في الظلمات ولا مخرج إلا بأن نكون من أولياء الله .

وهاهم اليوم في نور الدنيا ، يوشك الطاغوت الذي يعبدونه أن ينتقل بهم إلى ظلماتها ، ثم من بعد إلى النار يقول تعالى ( الشيطان يعدكم الفقر ، ويأمركم بالفحشاء ، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ، والله واسع عليم ) 268 البقرة .

 

وكنموذج فذ للنجاة الشاملة  نجاة إبراهيم عليه السلام من النار .

نعم هي معجزة .

نعم هي مكرمة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام .

لكن تعالوا ننظر إلى الوجوه الأخرى من الموضوع .

تلك الوجوه التي تمثل رسالة إلينا نحن البشر في جميع العصور  .

 

أول هذه الوجوه : أننا لا يجوز لنا أن نخاف جزعا ، أو نجزع خوفا من طغيان الطغاة إذا نحن توكلنا على الله ، وأخذنا بقوانينه ، وسلمنا أنفسنا إليه .

 

ثاني هذه الوجوه : كشف القناع عن مسئولية الناس بعد أن تظهر فيهم تلك الرسالة : ألا يوغلوا في بعدهم عن الله صاحب الرسالة ، بأن يخضعوا للتفسيرات الباطلة التي تجهض الرسالة من معناها ، وتعطل مغزاها ، وتحبط أثرها

نعم ، فلقد فسرت الجماهير حادث النجاة من النار بتفسيرات أبطلت جدوى الحادث .

كان هناك التفسير بأنه عمل من أعمال السحر .

وكان هناك التفسير بأن إبراهيم - إذن - إله !!

وإذن فهي المسئولية تقع علينا أولا ، وتقع علينا آخرا ؟!

وللأسف فما قام به الطغاة والجماهير في عصر إبراهيم عليه السلام من إفراغ حادث النجاة من مضمونه الصحيح .. يقوم به الطغاة ومن يستهوونهم من الجماهير في جميع العصور  .

يأتيهم الدرس ، ( تسونامي )  ويأتيهم التذكير ، وتأتيهم الرسالة - في صور شتى - ولكنهم جاهزون دائما لتحييدها ، وإفراغها من مضمونها ، وتعطيل أهدافها .

وقد كان حادث نجاة إبراهيم عيه الصلاة والسلام ، من أجل الناس ، وليست - في أصلها من أجل إبراهيم .

 

ما جدوى نجاة إبراهيم من النتر على النحو الذي تمت به ؟ هل كانت الجدوى لحسابه هو وإنه ليمكن أن ينجيه الله برفعه إليه سليما معافى ، وقد فعل مع عيسى عليه السلام ؟!

أم كانت الجدوى لحساب الرسالة في الأرض ؟ للناس ؟ لنا نحن البشر ؟

تلك الجدوى التي توزعت بين فئات ثلاثة :

الذين آمنوا بالله ؟

والذين فسروا الحادث بأنه سحر

والذين فسروا الحادث بأن إبراهيم هو - إذن - إله .

 

ووجه ثالث للحادث : إذ نرى حول دائرة تكريم إبراهيم عليه الصلاة والسلام .. دائرة أوسع ، هي دائرة تكريم البشرية كلها في شخص إبراهيم عليه الصلاة والسلام  ؟! نعم تكريم البشرية كلها وهي تتجه إلى الله ، فينالها من الله كل عناية ، وينالها من الله كل حياطة ، وينالها من الله أعز نجاة ، وينالها من الله إيقاف لسنن كونية ، وإحياء لسنن كونية أخرى !

لكن ما شرط حصول البشر على ذلك كله ؟

هو الشرط الذي حققه إبراهيم بإسلام النفس لله .

وإسلام النفس لله وإن يكن صعبا على النفس الأمارة ، لكنه يمثل أمامها طريقا بسيطا واضحا تمام الوضوح ، وهو من ثم أسهل الطرق عندما تقسر النفس على سلوكه ، عندئذ تدرك هذه النفس أنه أسهل الطرق .

ولو أن غير إبراهيم عليه السلام سلم نفسه لله كما سلم إبراهيم ، فجاهد ، فاستشهد ، لما كان أقل نجاة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام .

 

****

في هذا السياق نجد للإسلام نظرته المتميزة لما هو الفرح ، ولما هي السعادة .

لابد من الكدح والابتلاء والجهاد ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) 6 الانشقاق

بهذا الكدح ، والجهاد ، والحرمان ، والابتلاء  … تبنى الشخصية الإنسانية أساسا .

في الحضارة العلمانية يتم بحث الإنسان عن اللذة ابتداء ، فإذا هو يصل إلى الشقاء انتهاء

( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القامة أعمى )

وفي التصور الإسلامي يأتي التحرك من الحرمان ابتداء ، ليصل إلى النوال انتهاء .

إن الجهاد والتحريم والحرمان في المشروع الإسلامي يطرح باعتباره يقوم بالدور الأساسي في بناء الإنسان ، وباعتباره يقوم بالدور الأساسي في الحصول على السعادة أو النعيم ، والنوال .

بدأت قصة الحرمان مع الإنسان كشرط لإدراك الفرح والنوال ، و استمرت معه في الدنيا كشرط لهذا الإدراك نفسه ، ولاحقته العناية الإلهية في جميع هذه الخطوات  : بالهدي ، والتوبة ، والمعرفة .

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ) رواه مسلم

ويقول عليه الصلاة والسلام : ( للصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه ) رواه مسلم

ذلك أن الإدراك الإنساني يدور في فلك النقائض ، " وبضدها تتميز الأشياء " ، هكذا عند الإنسان بخاصة ، ذلك الذي قام تعليمه في مدرسة الله على " العلم بالأسماء "

يقول الإمام ابن حزم : ( إن الله خلق الدنيا دار محنة وبلوى ، خلقها أضدادا وأزواجا ، لتقع المحنة ، وتتم الدلالة بذلك ، لأنه لا يعرف الشيء بحقيقته إلا من قبل ضده ، فبالظلمة يعرف النور ، وبالمكروه يعرف المحبوب ، وبالظاهر يعرف الباطن ، كل واحد منهما يعرف بصاحبه ، ويهتدى إليه بزوجه وضده ، ويهتدى بالأضداد كلها - في مجموعها - إلى وحدانية الخالق لها )

ولنستحضر معا وقائع ما حصل لأبينا آدم عليه السلام .

إن آدم عليه السلام - كما يقول عنه القرآن الكريم - " نسي " ، ماذا نسي ؟ نسي الحكمة من التحريم ،لم ينس التحريم نفسه ، وإلا - والله أعلم - لما عوقب .

نسيان الحكمة من التحريم حدث بإلحاح الرغبة في الحصول على ما حرم منه .

أخذ هذا الإلحاح - بوسوسة الشيطان - يزحف على تذكره للحكمة ، شيئا فشيئا  حتى غطاها ، " ولم نجد له عزما "

لقد كان لابد لآدم عليه السلام وهو في الجنة متمتعا بنعيمها أن يستمر على تكبد الحرمان من شيء ما  .. وكان هذا الشيء هو الشجرة .. ليتحقق له التمتع بما يتمتع به .

إن آدم عليه السلام نسي - والله أعلم - أنه محكوم بأن يدور إدراكه في فلك الأضداد ، والنقائض .

وأنه لا يحيا حياة المطلق إلا الله وحده سبحانه وتعالى

لابد لآدم عليه السلام لكي يدرك وحدانية الله تعالى أن يدرك تعددية المخلوقات فيما تعلمه من الأسماء .

ولابد لآدم عليه السلام لكي يتحقق له التمتع بنعيم الجنة أن ينتصب أمامه رمز الكبد في الشجرة المحرمة .

لقد كان مطلوبا منه قدر هائل من العزم يصاحبه أثناء الدوام في الجنة .

كان الأمر في حرمانه من الشجرة مؤبدا .

لقد كان المطلوب منه مقدارا هائلا من العزم ، يصاحبه أثناء الدوام في الجنة

إن ما نحرم منه في هذه الدنيا - على فرض كثرته - نعرف أنه إلى زمن مؤقت ، إذ لا حرمان خالـدا في هذه الدنيا . إن أمرنا إزاء الحرمانات الدنيوية - والله أعلم - أسهل نفسيا بكثير مما كان مطلوبا من آدم عليه السلام.

فلما اخترم آدم عليه السلام قاعدة الحرمان اللازم لشعوره بالنعيم  تزايدت عليه الحرمانات التي يصعب عليه أن يتخلص منها .

هكذا  … ( فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما ، وطففا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى . قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ، فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) 121-124 طه .

 

ومن هنا كان نزول آدم إلى الأرض استرسالا في تطبيق المبدأ الذي قام عليه تحريم الشجرة

… ليواجه صنوفا من  الحرمان  ، يعجز عن التحايل عليها دفعة واحدة ، وذلك لكي  يتأهل للجنة مرة أخرى ، وبصفة نهائية  .

وهكذا هبط آدم .

هبط في سلم المكابدات ، ولكن …

ليصعد مرة أخرى

كلما انتصر على حرمان ابتعد عن محرمات … حتى يصل إلى الجنة .

فكما أن عملية الهبوط مستمرة فعملية الصعود مستمرة كذلك .

 

وعملية الهبوط والصعود هذه ليست خاصة بآدم عليه السلام ، ولكنها واردة على ذريته ، كلما اقترف محرما زادت عليه الحرمانات ( ثم رددناه أسفل سافلين ) ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو )

وكلما نجح في البعد عن محرم  تأهل لكي ينتصر على حرمانات .. إلى أن يعود إلى الجنة

 

لقد صاحبتنا في عملية الهبوط نعم لا تحصى : هي الهداية ، والرسالات ، والتشريعات ، والتوبة ، والغفران ، وعون الملائكة … حتى المكابدات ؛ فإنه كلما واجهها الإنسان بالطريقة المطلوبة - من الرضا والطاعة -  كلما كان ذلك خطوة ناجحة للعود إلى مقامه الأول .

( وإن عليكم لحافظين ، كراما ، كاتبين ، يعلمون ما تفعلون ) 10-13 الانفطار

( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) 11 الرعد

( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة  ) رواه مسلم

( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) حديث صحيح

( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني  يمشي أتيته هرولة ) متفق عليه

( ما يزال عبدي  يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي  يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي  يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ) حديث صحيح .

 

وتتوالى عملية الصعود ثم تكتمل بعودته إلى الجنة .

وفي هذه العودة لا توضع في طريقه الشجرة المحرمة ، لأن مهمة الكبد - كطريق إلى النعيم - يحل محلها " "التذكر" … ؛ أي التذكر للمكابدات التي حصلت له ولغيره في دنياه ، كما يحل محلها إدراك العذاب الذي عليه أهل النار .

( إنا كنا  قبل في أهلنا مشفقون ، فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم )

ولهذا كان النعيم في الجنة متشابها بنعيم الدنيا (قالوا هذا الذي رزقنا من قبل  وأوتوا به متشابها ) 25 البقرة ، وذلك من اجل التذكر والمقارنة والإدراك .

إنه كما يقول الله عز وجل في الحديث القدسي : ( أعددت لعبادي  الصالحين مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر؛ فاقرءوا إن شئتم " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين "17 السجدة   ) صحيح البخاري

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة يشتاق الأخوان بعضهما لبعض ، حتى يجتمعا ، فيقول أحدهما لصاحبه : تعلم متى غفر الله لنا ؟ فيقول صاحبه : يوم كنا في موضع كذا وكذا …) رواه ابن القيم عن ابن أبي الدنيا

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( إن في الجنة أسواقا لا شراء فيها ولا بيع ، يجتمعون فيها حلقا حلقا يتذاكرون : كيف كانت الدنيا ؟ وكيف كانت عبادة الرب ؟ وكيف كان فيها فقراء أهل الدنيا وأغنياؤها ؟ وكيف كان الموت ؟ وكيف صرنا بعد البلى إلى الجنة ) ذكره الإمام أبو الليث السمرقندي في بستان العارفين

 

والدرس الأخير هنا هو ربط ذلك كله - حرمانا ونوالا - بالله تعالى ، إذ لا سعادة بغير ضمان الدوام ، وذلك بربطها بالله تعالى مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا لقي ربه فرح بصومه ) فلا يتم بناء النعيم إلا بالرجوع إلى الله ، وفي جواره بالخلود في الجنة

وهذا الحديث يعني أن الفرح الحقيقي لا يكون بغير الله ، ولذا يقارن القرآن الكريم بين الفرح الحقيقي ، والفرح الزائف

ففي الفرح الزائف كان فرح قارون ( إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ) 76 القصص .أي لا يحب الذين يفرحون بغير الحق فرحا زائفا ، يقول تعالى للمشركين يوم القيامة ( ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تمرحون ) 75 غافر

وفي الفرح الحقيقي يأتي قوله تعالى ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء ، وهو العزيز الرحيم ) 4 الروم ، ويأتي قوله تعالى ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون ) 170 آل عمران

 

****

ولا يمكن في سياق هذا الطرح للتصور الإسلامي عن الخير والشر، والبلاء ، والنجاة ، والفوز والفلاح ، والفرح والسعادة والشقاء … لا يمكن إغفال تساؤل هام : ماذا عن الشيطان ؟؟

والجواب : لقد كان - وما يزال - للشيطان دور أساسي في صناعة الخير والنجاة والسعادة من الجانب الذي سخره الله فيه ، والشر والخسران والشقاء من الجانب الذي - مع تسخيره فيه - كان مقصودا له ، وهو في الحالين يعمل - رغم أنفه - لتحقيق الخير العام في رفعة شأن الإنسان .

نعم ، فالشيطان مسخر لإرادة الله في رفع شأن الإنسان : أي في إيجاد نوع من الخلق - هو الإنسان - يسلم نفسه لله بإرادة واختيار ، وتمكن من الخير والشر معا ، والدور المسخر فيه الشيطان هنا : هو في تمكين الإنسان من الشر .

وإذا كانت وظيفة الشيطان هي ذاك فهذا لا يمنع أن تكون إرادته شيئا آخر هي هلاك الإنسان ، وأن يكون حسابه عند الله بقانون ( إنما الأعمال بالنيات ) .

 

وهنا يحدث التدبير الإلهي في تحقيق إرادته سبحانه وتعالى في شأن وضع الإنسان في طريق الخير - بنفس خطوات الشيطان التي يقوم بها قاصدا هلاك الإنسان ، وهذا هو تسخير الشيطان لغير ما يريد . مصداقا لقوله تعالى ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) 30 الأنفال ، ولقوله تعالى ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) 43 فاطر  ولقوله تعالى ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا )76 النساء وقوله تعالى ( أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون) 42 الطور .

وقد ضرب الله لنا المثل فيما تشرحه سورة يوسف : من تساوق مكر إخوة يوسف  بقصدهم إلى هلاكه = ومكر الله بإرادته رفعة شأن يوسف ، بنفس إجراءات أعدائه ، يقول تعالى :

( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ،ولنعلمه من تأويل الأحاديث ،والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) 22 يوسف ،ويقول تعالى ( ذلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ، وهم يمكرون ) 102 يوسف

وكذلك كان التدبير في قصة موسى عليه الصلاة والسلام وقومه :  فرعون بكفره وجبروته يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ، موسى الوليد يقذف به في اليم … هذه الإجراءات نفسها هي التي أدت بموسى إلى مقام النبوة والرفعة في الدنيا والآخرة  .. ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) 8 القصص

وعلى هذا المنوال تتحقق إرادة الله برفع شأن الإنسان - أن يكون مختارا - بنفس الإجراءات التي يقوم بها الشيطان في فتنة الإنسان .

وهكذا يسخر الله الشيطان في خدمة الهدف من خلق الإنسان منذ آدم عليه السلام ، وإلى أن تقوم الساعة .

 

*****

تقوم استراتيجية الشيطان في معركته مع الإنسان على مبدأ أساسي : ذلك هو سحبه من منهج الاتباع إلى منهج الابتداع ، أو بعبارة أصح : من منهج الاتباع لله ، إلى منهج الاتباع لأعوان الشيطان .

هذا وإذا كانت قضية الحرمان التي تحدثنا عنها آنفا قد جاءت على أساس من قانون المعرفة في إدراك الشيء بنقيضه … إدراك النعمة بذوق المحنة …

فإن قضية الاتباع تأتي على أساس من قانون المعرفة كذلك : حيث  يحدث التقابل بين صاحب العلم الأعلى أمام صاحب العلم الأدنى … فتكون النتيجة أنه لا مفر من الاتباع .

اتباع صاحب العلم الأدنى لصاحب العلم الأعلى .

وقد ضرب الله لنا المثل لذلك في قضيتين متشابهتين : قصة آدم مع الله ، وقصة موسى مع الرجل الصالح  . هنا لابد من الاتباع ؛ اتباع آدم عليه السلام لأمر الله ، واتباع موسى عليه السلام لأمر الرجل الصالح .

 

والمشكلة أن بعض المفكرين المعاصرين يملئون الساحة ضجيجا : أن صراعا يدور بين منهج الاتباع الذي تلتزم به الرجعية الدينية ، ومنهج الإبداع الذي تلتزم به التقدمية التنويرية .

وقد جهل هؤلاء أو تجاهلوا أن الاتباع هو الأصل بالنسبة للإنسان ، سواء آمن بالله أولم يؤمن ، لا مفر للإنسان من أن يسلك مسلك الاتباع ،  لأنه - على شتى المستويات - عندما يكتشف أنه ذو علم ضئيل .. أمام مصدر يكتشف فيه أنه ذو علم واسع  فلابد من الاتباع .

هذا شأن البشر جميعا : العقلانيين ، والتجريببين ، واللاأدريين ، والنفعيين ، هم جميعا : اتباعيون .

اتباع العقليين لأي شيء يكون ؟ للعقل ، حسنا ، لكن : لماذا ؟ ما هو العقل ؟ لماذا العقل ؟ لا أحد يجيب ، وإنما هو محض تسليم !!

اتباع التجريبيين لأي شيء يكون ؟ للتجربة ، حسنا ، لكن  : لماذا ؟ وهي لا تعطي اليقين ، وتقوم على الظن ، وتنتظر التصحيح ؟ لا أحد يجيب ، بغير الخضوع لمنطق التسليم .

اتباع اللاأدريين لأي شيء يكون ؟ لحكم اللحظة ، وضرورة الوقت  ، حسنا ، لكن : لماذا ؟ وهي محفوفة بالخطر ، والمجهول ، والفناء ؟ لا أحد يجيب بغير منطق التسليم  .

اتباع البراجماتيين لأي شيء يكون ؟ للمنفعة ؟ حسنا ، ولكن : لماذا ؟ وهي منفعة مشتبكة مع أضرار ، مهددة بالخداع ، والدمار ؟ لا أحد يجيب بغير منطق التسليم  .

حتى ما يسمى الإبداع الفني ، هو في عمقه قمة الاتباع ، فالفنان المبدع لا يكون عبقريا إلا بأن يتبع حالته الوجدانية ، التي تدفعه - في شبه غيبوبة - إلى إنجاز النوع الفني الذي يعمل في أسره ، وفي نطاقه : شاعرا كان ، أو نحاتا ، أو رساما ، أو قصاصا  ألخ

وإذن فالقضية أولا وأخيرا هي قضية اتباع ، اتباع لله ، أو لغير الله .

وقد بين الله سبحانه وتعالى ذلك الأمر منذ وضع الإنسان قدمه على هذه الأرض ، وذلك في قوله تعالى : ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ، فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) 123 طه .

ويقول تعالى : ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا ، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ، والله بصير بالعباد ) 20 آل عمران

ويقول تعالى : ( قل إنما أتبع ما يوحى إلي من  ربي ، هذا بصائر من ربكم ، وهدى ورحمة ، لقوم يؤمنون ) 203 الأعراف

ويقول سيدنا إبراهيم لأبيه : ( يا أبت إني قد جاءني من  العلم  مالم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ) 42-43 مريم

ويقول تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ، والله غفور رحيم ) 31 آل عمران

ويقول تعالى : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ، واتقوا لعلكم ترحمون ) 155 الأنعام

ويقول تعالى : ( وإنه لعلم للساعة ، فلا تمترن بها ،واتبعون ، هذا صراط مستقيم ) 61 الزخرف

وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( من سن سنة حسنة ) يكون الوصف بالحسن رجوعا إلى مقياس الشرع .

وكما قلنا سابقا من لم يتبع الله ورسوله تبع غيره حتما .

إنه الاتباع العكسي ، الذي يحذرنا منه العليم الخبير :

يقول تعالى ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم  ،واتبعوا أهواءهم ) 16 محمد

ويقول تعالى : ( اتبع ما يوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ) 106 الأنعام

ويقول تعالى ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) 83 النساء

وهو الاتباع العكسي الذي تفسد به السماوات والأرض ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) 71 المؤمنون .

 

وهنا يأتي استمرار دور الشيطان ، فبعد أن قام بدوره المسخر له في قضية الحرمان بدءا من آدم عليه السلام … يأتي دوره في قضية الاتباع ، بدءا من دوره مع آدم ، وامتدادا مع ذريته .

فهو يمتحن - أو يمتحن به - الإنسان ، في قضية الاتباع : إما أن يتبع الإنسان أمر ربه فيظهر خيره ، وإما أن يتبع الإنسان الشيطان _ باختياريته الخيرية في أصلها  _ فيظهر فساده ، ويقول الشيطان هنا : ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم  وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ، ما أنا بمصرخكم ، وما أنتم بمصرخي ، إني كفرت بما أشركتموني من قبل ، إن الظالمين لهم عذاب أليم ) 22 إبراهيم

وفي الرؤية الإسلامية فإن دور الشيطان مع الإنسان في هذه الحياة لا يدعو للابتئاس ، أو الحزن ، أو الخوف المرضي : تلك مسيرة ابتلاء واختبار وارتقاء ، يقول تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، إنما سلطانه على الذين يتولونه ، والذين هم به مشركون ) 199 النحل

 

وهي مسيرة تصاحبنا فيها العناية الإلهية طوال المسيرة .

صاحبتنا فيها الرسالات ، والتشريعات :

والتوبة : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لله أشد فرحا بتوبة  أحدكم  من أحدكم بضالته إذا وجدها ) رواه مسلم

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لو أخطأتم  حتى تبلغ خطاياكم السماء ، ثم تبتم لتاب الله عليكم )رواه ابن ماجة في سننه

وفي الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( هلك المسوفون ) والمسوف من يقول : سوف أتوب ، وهو هالك لنه بنى الأمر على البقاء الذي ليس مفوضا إليه ، فلعله لا يبقى ، ولو بقي فإنه كما لا يقدر على ترك الذنب اليوم يكون أشد عجزا عن تركه غدا ، لأن عجزه عن الترك في الحال ليس إلا لغلبة الشهوة والاعتياد عليه ، والشهوة إن ضعفت عنده غدا   تتضاعف وتتأكد بالاعتياد .

 

والغفران ، يقول تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا )  .

ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : ( ابن آدم ، إنك لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ) أخرجه الإمام الترمذي ، وقال حسن صحيح

ويقول صلى الله عليه وسلم ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ، ومن كل هم فرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ) رواه  أبو داود ، وابن ماجة

ومن هنا يقول صلى الله عليه وسلم  : ( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) أخرجه البخاري

وقال الحسن البصري رضي الله عنه : ( لا تملوا من الاستغفار ) ، وقال : ( أكثروا من الاستغفار في بيوتكم ، وعلى موائدكم ، وفي طرقكم ، وفي أسواقكم ، وفي مجالسكم ، وأينما كنتم ، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة)

 

وصاحبتنا فيها الملائكة :يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله عز وجل ملائكة سياحين في الأرض ، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا بغيتكم ، فيجيئون ، فيحفون بهم إلى السماء الدنيا  .

فيقول الله تبارك وتعالى : أي شيء تركتم عبادي يصنعونه ؟ فيقولون : تركناهم يحمدونك ، ويمجدونك ،ويسبحونك . فيقول الله تبارك وتعالى : فهل رأوني ؟ فيقولون : لا ، فيقول جل جلاله : كيف لو رأوني ؟ ، فيقولون : لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا ، وتحميدا ، وتمجيدا وأشد ذكرا  .

فيقول الله عز وجل : وأي شيء يطلبون ؟ فيقولون : الجنة . فيقول تعالى : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا ، فيقول : وكيف لو رأوها ؟ فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد لها طلبا وأشد عليها حرصا .

فيقول الله عز وجل  : من أي شيء يتعوذون ؟ ، فيقولون : من النار . فيقول تعالى : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا ، فيقول الله عز وجل : فكيف لو رأوها ؟ فيقولون  : لو رأوها لكانوا أشد هربا منها ، وأشد  منها خوفا ، وأشد منها تعوذا  .

فيقول جل جلاله : إني أشهدكم أني قد غفرت لهم .

فيقولون : كان فيهم فلان  الخطاء لم يردهم ، إنما جاء لحاجة ، فيقول الله عز وجل : هم القوم لا يشقى لهم جليس   )  رواه الترمذي في سننه ، ولأحمد مثله

وفي صحيح مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري قال خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا ، قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا والله ما أجلسنا إلا ذاك . قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة . )

و صاحبنا فيها الله جل جلاله وتعالى أيضا : يقول تعالى ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) البقرة 186

ويقول الله تعالى في الحديث القدسي : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ) متفق عليه .

****

ذلكم - في مقاييس الذاتية الإسلامية - هو معنى النجاة ، والفلاح ،  والفوز ، والفرح ، والسعادة ، واولئكم هم المستحقون له وفقا لنظام الله في كون الله ومن هنا - ووفقا لهذه المقاييس - يصبح من الهلاك أن نطلب النجاة بغير مقاييس النجاة التي حددها مالك النجاة

ويصبح من الفشل أن نطلب الفلاح بغير مقاييس الفلاح التي حددها مالك الفلاح

 

حتى النجاة في صراع مع عدو متفوق تكنولوجيا ونوويا مضمونة بالتقدم الأخلاقي الذي نملك مفاتيحه ، ونملك إمكانية التفوق فيه ، وكما يقول عمر بن الخطاب في رسالته إلى سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنهما ، وهو في قلب المعركة ( إنما تنصرون بذنوب أعدائكم ، فإذا كنتم مثلهم فبم تنصرون ؟؟ )

 

وفقا لهذه المقاييس - انطلاقا من الذاتية الإسلامية بعد تحريرها من التخليط بغيرها - لا تكون النجاة ، ولا يكون الفلاح - بكل بساطة الحق ووضوحه -  في شعارات العصر المرفوعة فوق صواري الزيف ، والاستعلاء ، والقوة ، واللذة .

لا يكون الفلاح ولا النجاة ولا الفوز … في جائزة نوبل ، أو في تحفير صورة الفرد على أصنام التاريخ ، أو رفع رسمه في أيدي الملايين في مظاهرات العبيد ، أو وضع يده على أزرار القوة الغشوم ، أو التحرك بحراسة مئات الألوف من الجنود ، أو النجاح المتوالي في انتخابات التزوير  ، أو القدرة على خرق التوازن الذي انبنت عليه الطبيعة ، أو الصراخ الهستيري أمام مرمى الكرة في منطقة الخصم ،  أو امتلاك نوافذ المتعة ، وطاقات السرور.

 

ولعلنا بذلك نكون قد ساهمنا في تجلية أساسيات الموضوع : حول تصور المسلم طالب النجاة لمعنى النجاة ، وارتباط هذا المعنى بمعنى الفلاح ،  وإمكانات نجاة الإنسان المسلم وجهه لله  من الخطر الحقيقي الذي يهدده في جميع المستويات ، وما عليه إلا أن يطلب النجاة من مالك النجاة ، بشروطه ،وفق علمه ، وعنايته وامتلاكه للدنيا وليوم الدين .

إن نظرة الإسلام إلى السعادة والفرح والنجاة على النحو الذي ذكرناه يعني أولا وأخيرا ربطها بالآخرة .

وهذا هو ما يؤكد أن المشروع الإسلامي للخلافة في هذه الأرض ( الحضارة ) يختلف اختلافا جذريا عن المشروع الغربي  ( المسيحي الصهيوني العلماني !!! ) ، حيث بدأ هذا الأخير من اللذة فانتهى إلى الشقاء ، وبدأ من الحرية فانتهى إلى العبودية ، وبدأ من الابتداع فانتهى إلى الاتباع  ، وانحصر في الدنيا فانتهى إلى الفناء .

أما المشروع الإسلامي : فيبدأ من اتباع الرسول لينتهي إلى الحق ، ويبدأ من العبودية لله وحده لينتهي إلى الحرية ،ويبدأ من العمل للآخرة فيصل إليها حائزا للدنيا وهي راغمة ، ويبدأ من الإقرار بالحرمان المنظم وفقا لأمر الله ، لينتهي إلى النعيم الحقيقي في الخلود والقرب من الله .