آخر سيناريوهات امريكا: تدمير العراق علي سكانه!
بقلم :حمدان حمدان
لا مراء في ان الهم غير المعلن لدي الادارة الامريكية، هو الخروج من العراق، وقد ثبت في سيناريوهات تخفيف
الحمل العراقي، دعوة العديد من دول العالم، غربية وغير غربية، للاضطلاع بدور مساند
في العراق، وقد اخفق هذا الطلب في حينه، وما تزال آثاره بادية في برودة العلاقات الامريكية ـ الاوروبية، عدا
بريطانيا، في كل صعيد.. وكان السيناريو الثاني، في تفعيل الدور الخاص بالامم المتحدة، سواء في زيادة عديد القوات من ذوي القبعات
الزرق، او بتفعيل الدور الخاص بالاشراف
علي الانتخابات العراقية، فيما ظلت الاستجابات باهتة، ولا تتعدي دور الاشراف الرمزي، علي العملية الانتخابية، خارج العراق باكثر من داخله.
وكان السيناريو
الثالث، بعد الانتخابات، في توليد الدستور، والايهام،
توطئة للخروج بان العراق اصبح بالغا راشدا، يقود نفسه
بنفسه، فيما القواعد العسكرية الطرفية، تجد طريقها للتكون، وان عراقا علي الطريقة الفلبينية، يجري تأسيسه بتوقيع رعاة (العملية
السياسية) في بغداد.
ثم يأتي السيناريو
الرابع، بتقسيم العراق بقوة الدستور، ويبدو ان المخاض
مازال عسيرا، ان لم يكن المولود، يجيء بولادة قيصرية.. فالتوافق
علي الدستور، حتي بين قوي (العملية السياسية)، ما زال
بعيد المنال، وهناك من يراهن علي اسقاطه استفتائيا، اما قوي المقاومة
الوطنية، بجميع اطرافها، فانها
ترفض حتي الاستفتاء (بلا) علي الدستور، ذلك ان الدستور، وما يتطلبه من استفتاء شعبي، وبغض النظر عن
مضمونه التآمري، يشكل حلقة في سلسلة تطبيع الاحتلال، والرضا المضمر ببقائه وشرعية
وجوده.
في السيناريو الامريكي الذاتي، دون معونة آخرين، هناك في الادارة من يقول شيئا، عن اليوم المبكر والغد المتأخر. وهذا
الرأي يطرح خروجا سلسا وسريا، علي شكل سحب قوات، بحجة استبدالها، ويزيد في جرعة
هذا الرأي، ان دول الائتلاف (القوات المتعددة)، ما فتئت
تعلن مواعيد تاريخية لخروج قواتها من العراق، الي الوقت
الذي لا يبقي من الائتلاف غير القوتين الاساسيتين اصلا، امريكا وبريطانيا.
وتتجمع في اجواء الادارة البوشية،
حلقات سيناريوهات الخروج، باكثر مما سبق لها ان تجمعت في سيناريوهات الدخول، وهذا يعكس سطحية المعرفة بوضع
العراق وتاريخه، وكما يشير البروفسور الامريكي الشهير، انتوني كوروسمان، في معظم بحوثه
ومقالاته، فان (ادارة بوش وحتي
وقت متأخر من تموز 2004، كانت بمعظم اعضائها من ذوي
المناصب الرفيعة، تغط في احلام بلاد العجائب، من حيث
بياناتهم الدعائية، وسطحية عمق ادراكهم لعداء العراقيين
المتنامي وحجم المخاطر المحدقة، فقد ظل الناطقون باسم الادارة،
يتحدثون عن قوة مقاومة، لا تتجاوز خمسة الاف رجل، فيما
لم تكن تقل عن عشرين الف رجل في اقل الحسابات).
ولا يتعلق الامر بعديد الارقام، قدر ما هو
تجاهل من الادارة لطبيعة المقاومة الحقيقية واتساع
انتشارها، فالمقاومة المتصاعدة، ظلت تدل علي مؤشرات كبري، منها ان مدنا واريافا بحالها، تحتضن ابناء المقاومة وتساعدهم علي التخفي، مما يجعل بلدانية عراقية ذات ملاذات آمنة،
وقواعد انطلاق جديدة، تحت تصرف خطط المقاومة وبرامج عملها، وهذا يعني بالمقابل، ان نقاط الضعف في مزايا الاحتلال، تتمثل بكراهية الكتل
الشعبية لمرآه ووجوده وتحركاته، مما يزود المقاومة بقوة اخبارية
موفورة في الشباب اليافع والصبية ممن يقومون بدور الكشافة والمستطلعين، فعلي الطرق
العامة شمال العراق وغربه وجنوبه.. تجد الاولاد من
بائعي المحارم الورقية والسجائر والكبريت والشنكلتس.. وقد
باتوا يميزون بين الهامفي والهامر
وحاملات الجنود والابرامز، وهم يعملون بفعالية استطلاع
تفوق مثيلاتها في الجيوش العربية، حين يحددون الطرق والمسارات والمسافات وعديد
الحملات المجردة والاشارات والرموز.. ورغم ان المقاومة الوطنية، خسرت العديد من رجالها وعتادها، خلال
سنتين وخمسة اشهر من الاحتلال، الا
ان احدا من (جنرالات التحالف
لا يشعر اطلاقا، بوجود مشكلات لدي المقاومة، سواء
بالرجال او العتاد، وهذا بالنظر الي
الكميات الضخمة من السلاح والذخائر، التي وزعها نظام صدام، او
خبأها في زوايا العراق قبل ان يسقط ـ المصدر السابق).
ويذكر الجنرال كيسي،
قائد القوات الامريكية في العراق، في اذار 2005، بأن المقاومين العراقيين يملكون من القوة البشرية والاسلحة والذخيرة والمال، ما يمكنهم من شن ما بين خمسين الي ستين هجوما يوميا، ورغم الاعتقالات لمجموعات غفيرة من
المشتبه بهم، ومصادرة كميات ضخمة من السلاح، الا ان وتيرة العمليات لم تخف واذن فان
المقاومة جارية في تصاعد باعتراف الامريكيين.
ولعل ما يدفع الي التردد في مسألة الخروج امريكيا،
هو الرهان علي قيادة الحافلة العراقية من المقعد الخلفي، اي
باحتلال غير مرئي، مع حكومة عراقية مطواعة، وهو شكل متخيل في ذهنية المحافظين
الذين اقترحوا علي انفسهم والعالم، نظرية فوضوية، تقول
بالتدمير المبدع والخلاق، فما ان وقع اعصار كاترينا، حتي غدا التدمير دون ابداع، مع
قتلي ومفقودين ومليون لاجيء يفترشون الارض ويلتحفون السماء ويقتاتون من صحن العبقرية في الفوضي الخلاقة!
في المخيلة السياسية،
للهاربين من مدرسة التروتسكية، ما يحلم بالاحتفاظ
بالعراق دون احتلال، وهو ما يشي بذهنية التوتر في المأزق، فاذا
كان الاحتلال، بالمنطق السقراطي، لا يستطيع الاحتفاظ بالعراق.. فكيف بدونه؟!
لكن المخيلة تتكيء علي اوهام في مخارج اخري، منها علي سبيل التذكر، رد السيادة، وانتخابات وجمعية
وحكومة ثم وثيقة الوثائق في الدستور، ومنها الي توليد
جيش شرطة وامن.. تكون بمثابة البديل الامين للاحتلال.
فالرحيل بهذا المعني،
يكون بعد الاطمئنان علي رسوخ نسق خياني بامكانه تأمين ذات المهام في خطة الاحتلال.
غير ان المشكلة العويصة، ظلت تتمثل في التفارق
الزمني، بين ما تستلزمه مدة التكريس وضرورة الرحيل.
ويزداد الطين بلة، حين يؤتي من قبل البنتاغون
علي عديد (القوات العراقية) التي تم تدريبها لغرض الامساك
بالامن، وقد اكتشفت الصحافة الامريكية
مدي الخداع في الارقام المدربة لعديد القوات المحلية،
حين يتم الخلط بين المجاميع المدربة والمجاميع التي مازالت في مستوي الاغرار، فالقوات العراقية المنتدبة لحفظ الامن
بديلا عن القوات الامريكية، تجد استهتارا امريكيا ملحوظا، في مدد التدريبات ومستوياتها وطرق امدادها ونوعية آلياتها واسلحتها ولوجستياتها، فضلا عن اطقم اخلائها وتبعثر مستشفياتها وندرة الادوية
التي يحتاج اليها المصابون.. واضافة
الي الوضعيات المادية، بما فيها انحطاط الرواتب مقابل
مهمات الموت عند كل ساحة وشارع وزاوية، فان الوضعيات المعنوية تضيف انحطاطا اخر في مستوي الجهود، فليس اصعب
علي النفس، من شعور المرء بانه يقاتل اخيه في العراقية او العشيرة او العروبة او الدين، الا (القوات العراقية) التي تقاتل بخلفيات ارتدادية في
الطائفية والشعوبية، وهذا النوع من القوات العراقية، ابلي بلاء مشؤوما في الفلوجة كما في النجف
سيان، كما انه يبلي اليوم، في تل عفر والرطبة، وهو بلاء طائفي يستهدف اهل السنة، فيما يفسح في المجال عريضا، لخروج الوحش الطائفي
من القمقم، وليسبح العراق بدماء ابنائه في الكاظمية والنهروان، مثلما سبق له ان سبح بدماء ابنائه في الفلوجة والقائم والكربلة وتل عفر
والرطبة.. وهذا هو السيناريو الاخير لخروج الاحتلال من
العراق، فالجبار شمشون، لا يهدم البناء، فوق شمشون واعدائه،
كما هي الاسطورة في التاريخ، بل يهدم البناء فوق اعداء واعداء، اعداء
الاحتلال من السنة واعداء الاحتلال من الشيعة، اما المساهمون الاقوياء في هذا
السيناريو، فهم جماعات الطائفية الايرانية التي كانت اول من افتتح البازار (علي الاقل
بقتل الف عالم عراقي وتشريد الاخرين،
كما صرح اياد علاوي نفسه
لجريدة الشرق الاوسط في 13 ايلول
2005)، وجائحة القتل علي الهوية المذهبية علي قوائم لقوات بدر الايرانية
طوال سنتين وخمسة اشهر من الاحتلال.
ان آخر سيناريوهات الامريكيين
للخروج من العراق، هو تدمير البلد فوق رؤوس سكانه، وقد اشار
العجوز هنري كيسنجر، بصفته جذرا امبرياليا في تاريخ المنطقة، الي
مقاربات وعظية، اذا اريد للامريكيين ان يخرجوا من العراق،
وكان علي رأس هذه المواعظ ارشادات تقول، بالحيلولة دون
تشبيه الخروج بأية صورة من صور الخروج من فيتنام، فاذا
كان الاعلام الامريكي، قد
لعب دورا هاما في اثارة الرأي العام الامريكي ضد الحرب في فيتنام، فانه ينبغي علي الادارة ان تبذل قصاري جهدها، لعدم تكرار المشهد الفيتنامي امام العالم.
وفي الموعظة الثانية،
ان تشن القوات الامريكية
وداعيا، هجمات ساحقة ضد جميع المناطق المتوترة في العراق (ومن الطبيعي ان يسكت رجل مثل كيسنجر، عما ستلحقه الهجمات الساحقة
بالمدنيين من شيوخ واطفال ونساء فضلا عن تدمير البني المعاشية للسكان!).
فالمهم بالنسبة
لنصائح كيسنجر ان تدمر الروح المعنوية للمقاومة، بقتل
جماعي لعائلاتهم وذويهم من الاقربين والابعدين.
اما الموعظة الثالثة، فتتمركز في ترك العراق
قاعا صفصفا، فالرجل يقترح للعراق، كما في الدستور الجديد تماما، ثلاث حكومات
لثلاثة مكونات، واحدة جنوبية للشيعة، وثانية وسطي للسنة، وثالثة شمالية للاكراد، فحين التقسيم بحسب القوميات، يصبح الشيعة، فالمفهوم الحداثوي الامريكي، قومية ثالثة،
من حيث لا هي عرب ولا هي اكراد، وحين التقسيم بحسب
المذاهب، يصبح الاكراد مذهبا ثالثا، من حيث هم لا
ينتسبون الي السنة، ولا يوضعون علي قائمة الشيعة،
فالمهم اعمال المزيد من التقسيم، حتي
ولو بخلط التاريخ والاوراق.
وما جاء الدستور
العراقي، الا ليمهد للتقسيم الكيسنجري
المقترح، وعليه فانه لم يكن بحاجة الي مئة وتسع وثلاثين
مادة، مع زحمة الديباجة المدرسية الركيكة والطائفية، فقد لخص كيسنجر بسطر واحد،
ومن خارج الادارة البوشية،
ما هو المطلوب من العراق اليوم.
في معمعان العمليات الدموية الاخيرة
في العراق، ما يشير الي اقتراب وجهة القصد الامريكية من هدفها الاخير، فالحرب
الطائفية التي تذر قرنها، مازالت تجول في اسباب سياسية
وليست مذهبية بذاتها، ولا هي اجتماعية، من حيث ان الاسرة العراقية الواحدة، يمكن ان
تكون سنية وشيعية بآن واحد، لكن رؤوس السياسة، ممن ارتضوا ان
يلعبوا دور الخادم، لسياسات خارج العراق، امريكية او ايرانية، هم الذين تلفعوا
بالمذهب، ونموذجه في البيت الشيعي، المؤسس عن طريق اركان
احتلالية وايرانية، من امثال السيستاني والجلبي والحكيم والجعفري، وقد فرخ هذا البيت (الذي لا هو من
الشيعة ولا السنة) القائمة الانتخابية التي نقلت المجموع الي
سدة الحكم او الي النفوذ
السياسي، بحيث يصبح رجلا مثل عبد العزيز الحكيم، مع ابنائه
وابناء عمومته، هو الاول في
البيت الشيعي السياسي، علي رأس القائمة، التي تمثل القبول بالاحتلال بل والخنوع لاوامره ونواهيه، وبمقدور المرء ان
يلحظ (قوة) عراقية الزعيم الحكيم!
حين يجلب معه الي العراق، عصابات بدر الهولاكية،
مثلما يقترح تعويضا علي ايران، بمئة
مليار دولار من ثروة العراق، جزاء وفاقا، لما اقترفه نظام صدام ضد ايران.
ان هذه الحثالة، هي التي ادارت
اللعبة السياسية القذرة، الي مسارات طائفية، فهي التي
ضربت علي الوتر الطائفي، منذ مجيئها من ايران، في ظل
قبول احتلالي امريكي واضح، وقد سبق لهذه المجموعات ان اشعلت حربا طائفية جنوب العراق
في اذار من العام 1991، وكان العراق ما زال في حالة حرب
خارجية ضد الحلف الثلاثيني او ما سمي بحرب عاصفة
الصحراء الامريكية، فتحت غطاء الثورة ضد صدام (وهي
صناعة ايرانية معززة بحرس ثوري ايراني)
اجتاح المغول من فارس، اجزاء شاسعة من جنوب العراق،
وكان هذا الاجتياح اباديا شاملا، لا يعرف شيعة ولا سنة،
اذ قتل كل من يعمل بوظيفة حكومية، من مستوي الحارس الي مستوي المحافظ، وقد شجعت هذه السياسات ضد العراق، باستثارات طائفية متباينة، تحت الغطاء وفوق الغطاء، تقوية ذرائعية، حيث تظهر مطالب العدالة والسواسية
والديمقراطية، فيما المطلوب الحقيقي، فوز طائفة بعينها، بهدف اخراج
العراق من عروبته، والحاقه اما
بولاية امريكية او بولاية
الفقيه، حسبما تستقر مصائر الامور.
في جميع الاحوال، فاننا نفهم عمق المشاعر
الثائرة المتأججة والجريحة، ازاء سياسات ابادة في الفلوجة وسامراء والقائم وتل
عفر والكربلة والرطبة. نعرف التكوين المذهبي لضحايا
بعشرات الالوف من سن الفطام الي
الشيخوخة المودعة، نفهم طبيعة القوي التي ساهمت بالذبح والتقتيل والتشريد في مدي
سنتين من الاحتلال، نعرف عديد العلماء وكوادر البعث، الذين تم اعدامهم
(بالدرل) اي بمسدس ثقب الجدران
بكل نرجسية وروح انتقام.. نعرف ابطال اللعبة القذرة، من
امريكيين وبدريين وبيشمركة،
وسائر مجاميع القطعان التي تدب علي ارض (الفتوي) في الاوكار المعتمة كجناح غراب.. نعرف كل ذلك واكثر منه.. وتبقي اهداف المقاومة
المشروعة، في جميع هؤلاء، وعلي الاخص بأسيادهم. ولكن في
جميع الاحوال ايضا، ليس في
الساحات المكتظة بالساعين الي سد اود
عيالهم وانفسهم.. فهؤلاء في النهاية اهلنا واهل العراق.