سواطير تقطيع العراق بين المحتل والسذج

 

 

 

بقلم :د. سامي الصفار*

 

لقد سرني جدا وأنا اطالع جريدة اندبندنت الانكليزية الصادرة يوم 25/10/2002 رؤية الرسالة القيمة التي بعثها الاخ والصديق القديم الاستاذ عبد الغني الدلي ـ حفظه الله ـ الي تلك الجريدة، تعليقا علي رسالة لمواطن عراقي اسمه فخري شهاب نشرتها تلك الجريدة في 12/10/2005، تضمنت اقوالا غريبة جدا ان تصدر من مواطن عراقي حول ضرورة تمزيق العراق، علاوة علي اقواله الاخري التي تخالف الحقيقة، ومنها قوله بأن العراق قطر مصطنع خلق منذ (80 عاما) لا غير! وانه يقترح تقسيمه الي ثلاثة اقاليم، فيلتحق الاقليم الشيعي بايران، بينما يلتحق الاقليم الكردي بأكراد تركيا وايران وسورية، ولكنه لم يقل كيف يلتحق الاكراد بتلك الدول الثلاث، حيث ليس للاكراد دولة او حتي اقليم ذي حكم ذاتي ليصح الالتحاق به. ثم انه لم يشر بشيء بالنسبة لموقف تلك الدول من اقتراحه هذا. كما انه تجاهل وجود مجموعات عرقية اخري (اشار اليها ما يسمي الدستور العراقي)، ولم يتفضل السيد فخري بتحديد مصير التركمان والارمن، والي اية جهة ينبغي الحاقهم؟ وعلي اي حال فان هذه الاقتراحات لا تملك قطرة واحدة من الجدية، بل هي الي الهزل اقرب، ولعلها من (نكات) عادل امام!

اما بالنسبة لزعم السيد المشار اليه، بأن العراق دولة مصطنعة منذ (80) عاما، الامر الذي فنده الاستاذ الدلي، فأنا اضيف اليه حقائق تاريخية ـ بصفتي استاذا جامعيا للتاريخ مدة (18) سنة ـ ولكن ما اضيفه ليس من عندي، وانما نقلا عن كتاب لم يؤلفه عراقي او عربي، بل هو يهودي اسمه (جون برايت) صنفه في تاريخ اسرائيل بعنوان A HISTORY OF ISRAEL صدر في لندن سنة 1970 ضمن سلسلة (كتب مكتبة المعهد القديم) ـ والمقصود بذلك التوراة ـ ويؤكد المؤلف بأن العراق شهد ولادة اول استيطان بشري ثابت، علي وجه الارض، منذ الالف السابع قبل الميلاد، بينما لم تشهد مصر مثله الا في عصور تالية (انظر ص 18 ـ 20 رقم 1 ص 463 من الكتاب). اي ان البشر استقروا لاول مرة في التاريخ في بقعة ثابتة، ومارسوا الزراعة وتدجين الحيوان، بعد ان كانوا يهيمون علي وجوههم في الغابات لجمع الغذاء او الصيد، ويأوي فريق منهم في الكهوف.

هذا وقد اشاد المؤلف اليهودي (برايت) بالتقدم الحضاري بالعهد السومري في العراق خلال الالف الرابع قبل الميلاد، بل انه اكد بأن مصر قد استعارت الكثير من ثمار تلك الحضارة، كالطرز المعمارية والاختام الاسطوانية، واشكال الفخار، وأهمها الكتابة (ص 25 ـ 27). كما اشاد بالتقدم الثقافي والفني الذي شهده العراق، وخاصة اختراعه للكتابة قبل نهاية الالف الرابع قبل الميلاد ( 21) ويضيف علي ذلك قائلا بأن العراق عرف التشريع القانوني، قبل اي قطر آخر في العالم، وعلاوة علي ذلك فان المؤلف يقول بأن البابليين عرفوا في عهد (حمورابي) تأليف المعاجم اللغوية وكتب النحو بما لم يكن له مثيل في عالم معاصر لهم. كما كانت لهم انجازات رائعة في العلوم الرياضية، ولا سيما في علم (الجبر) اذ بلغوا مستوي عاليا لم يحرز مثله اليونانيون بعدهم، كما ان لهم انجازات في علم الفلك (ص 52 ـ 53).

واعود الان الي ما اكده الاستاذ الدلي من ان العراق لم يعرف حربا أهلية ذات سمة مذهبية او طائفية علي الاطلاق، فالشيعة والسنة كانوا شعبا واحدا وكتلة واحدة. ثم ان ما قاله الاستاذ الدلي عن التزاوج بين الفريقين كان أمرا مألوفا بين العراقيين علي نطاق واسع لا تقيده قيود. وكاتب هذه السطور (وهو سني المذهب) اثنان من اخواله تزوجا بامرأتين من الشيعة، كما ان من بنات اخواله اثنتان منهن تزوجتا برجلين من الشيعة. ثم ان بعض ابناء شقيقاته وبناتهن تم زواجهم من اشخاص من الشيعة، وهو امر نلمسه اينما ذهبنا في انحاء العراق، ومن الامثلة علي ذلك ان سفيرة العراق في واشنطن (وقد نسيت اسمها، واظنها استقالت) والدها من بيت (الرحيم) في النجف الاشرف، وأمها من بيت (السعيدي) في بغداد، اي اب شيعي وام سنية.

اما بالنسبة لاقتراح السيد فخري علي الشيعة بالالتحاق بايران، فان شيعة العراق ـ وهو امر اكده الاستاذ الدلي ـ ليسوا علي استعداد للان ضمام الي ايران والخضوع لحكمها برغم اتحاد المذهب اقول: وقد ثبت ذلك بالدليل القطعي في الحرب العراقية ـ الايرانية، فقد كان سواد الجيش العراقي من الشيعة الذين قاتلوا بصدق طيلة سنوات الحرب الثانية، ولم يبد علي احد منهم ما ينم عن خلل في الولاء للوطن العزيز.

 

سفير عراقي سابق