قميص
الحريري!
بقلم :د. أحمد نوفل
هذا العنوان، على
قياس، وعلى وِزان: قميص عثمان، عليه الرضوان، فقد رفع قميص الصحابي الجليل على
أسنة الرماح، وهو يحمل دمه وهو الذي استشهد وهو يلبسه، وكان القرآن امامه يتلو منه. حمل قميصه اورفع
ليكون رمزاً للمطالبة بدمه والثأر له واحقاق الحق في
قضيته.
وكان هذا الظاهر في
واد، والنوايا الحقيقية في واد آخر.
واليوم تعاد القصة مع
امريكا التي تحولت الى ولي
الدم، وولي القتيل المطالب بثأره من القتلة «الدون»، السفلة، وصار دم الحريري.. قميص
عثمان.. في هذه المرحلة من الزمان.. من حياة العربان، في حقبة الهوان، وعربدة الامريكان.. وكأنهم مجموعة من الصبيان -أعني العربان- يتلاعب
بهم الامريكان، ويرتبون لهم المكائد والمصائد.
ونحب ان نسجل هنا عدة ملاحظات:
1- جريمة مقتل
الحريري وعشرين معه جريمة كاملة الاوصاف، لا تبرير لها
ولا عقل ولا دين ولا تسويغ يمكن ان
يفلسف الجريمة او يدخلها في اي
منطق او تحت اي باب اقناع.
2- سجلنا في مقالات
سابقة مرات، وآخرون كثر سجلوا ان المسألة برمتها فن اخراج، يدبرون لكل بلد سيناريو، ويتفنون
في الاخراج كي لا تبدو الامور
مرتبة، حتى اذا انكشفت فهو حكم القوي الفاجر، وقلنا
وقال كثيرون: ان مجموعة الثيران ستؤكل على الدور، ثوراً
بعد ثور.. وان المسألة مسألة وقت وان التعاون الأمني الذي قدموه لن يجديهم، ولن
يطيل اعمارهم. «فتسونامي» امريكي يضرب منطقتنا بشدة هذه الايام.
3- الانظمة العربية لا تدع لاحد فرصة ان يدافع عنها، بل تضع الناس في زاوية حرجة تمنع التعاطف
والتعاون والمناصرة، وتجعل من يحاول الوقوف ضد مخطط «امركة»
و«أسرلة» المنطقة كانه
مشاركة في الجرائم التي تجري على يد هذه الانظمة، بدءاً
من دخول العراق الكويت، وانتهاء بمقتل الحريري.. مسلسل اخطاء
بل خطايا ورزايا، توقع الأمة في اشد البلايا.. ومنهم لله.
4- بالرغم من كل شيء
فإن الموقف لن يكون الا ضد محاولات الهيمنة الامريكية، والعربدة الاسرائيلية
على المنطقة. ولا يعقل ان يقف حر مهما كانت الدعاوى في
الخندق الامريكي - الاسرائيلي.
5- المعركة في
التحليل الأخير والنهائي هي معركة الكيان المغتصب الصهيوني في اضعاف
العالم العربي التعس الذي هو آيل للسقوط من شدة الضعف والاعياء،
وهذه الضربات للرجل المريض حتى يقضي ويقتسم الغرباء تركته..
6- اعتقد ان الاختراق هو الحلقة المفقودة في تفسير نظرية دارون في مقتل
الحريري فشخص في قمة هرم الاجهزة «مدوبل»
او «متربل» (اي وكيل متعدد للجهات الأمنية او «الضد
أمنية» العالمية).. هذا الشخص «المخترق - بالكسر» يوحي بفكرة «التصفية»، ثم تختمر
الفكرة لتصبح قراراً، وانما طبخت اصلاً
في مطابخ الاسياد، كدفع صدام دفعاً «باسباب كثيرة..» لدخول الكويت.. وكقتل ناجي العلي.. و.. وقتل
الحريري اخيراً.. وليس آخراً.
فالكبار يرتبونها،
والصغار يدفعون الثمن!
7- المخرج من كل هذه الازمات هو التلاحم ما بين القمم والقواعد، ورأس الهرم
والجماهير، وهذا ما لم ولن ولا.. وكل ادوات النفي والسلب
والنهب، ما لن يحدث.
وكأن العيون تعمى عن
مصالحها، او كأن عرباننا يراهنون الى
اللحظة الأخيرة على عودة امريكا عن تصميمها، او انها تلعب معهم لعبة «حافة
الهاوية..» المهم انه لا احد يعود الى الجماهير ويتقوى بها على الاستقواء الامريكي والغطرسة الصهيونية.
8- هذا الابتزاز ثمن
من وقف ولو مواقف كلامية ضد الدولة العبرية، وان مرحلة -حتى الكلام- قد انتهت،
ودخلنا الآن في طور جديد، هو انسجام الظاهر والباطن في الاعتراف بـ«اسرائيل» اما
الزواج السري والطلاق العلني فما عاد مسموحاً به.. في قانون الاحوال
الشخصية الامريكي الجديد.
9- ستتفرج البلاد
العربية على ثور جديد يطيح، وبلد جديد ذبيح، وباقي الحظيرة مشغول اما بالعلف واما.. ينظر نظرات فارغة من أي معنى لما يدور، وكأنه في كوكب آخر.
10- على الارجح، فإن امريكا لن تتورط في
حرب جديدة، ولكنها على الغالب، ستمارس الابتزاز بغية الحصول على اعتراف بـ«اسرائيل» وتطبيع، دون قتال
والعرب فنانون في اوكازيونات التنزيلات دون حروب.
ودرس القذافي غير بعيد. والعجيب ان
الذين كانوا اشد الناس عداوة للحريري هم الذين -اليوم- يرفعون قميصه وما اشبه قميص الحريري.. بالقميص
الحريري.. الذي كساه ملك الروم او «عملائهم» كساه لامرئ
القيس، وكان القميص مسموماً.. فكان في القميص حتف
الشاعر الملقب بالملك الضليل.. وما اشبه
الليلة بالبارحة. تعددت القمصان.. ومقالب العربان.. واحدة.