منهجية الإسلام في تحقيق العالمية

 

 

 

 

بقلم د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehiahashem.esmartdesign.com

 

 

تقوم   الحضارة الإسلامية في جوهرها على  الربط بين الأركان الثلاثة : العلم والعمل والإيمان ، وتتحرك فى ساحة التسليم لله ، بطاقة محركة تنبثق من العبودية لله ، وآلية تستمد من سيطرة الآخرة على الدنيا ؛ وتنفتح أرضها إلى آفاق  لا تقف دون العالمية .

وهي عالمية لا عولمة : إذ هي صيغة ملتزمة بالأصول ، تظهر بإلحاق الياء في خفة واستئذان ، أما العولمة فتنبئ عنها صياغتها : تظهر كسرا للأصول ، بإدخال الواو في جسد الكلمة بعد كسرها  نصفين ،  وللكسر عواقب لم تكن يوما حميدة

 

# وهى عالمية تقررت وفقا لصريح القرآن وصحيح السنة :

يقول تعالى سبحانه وتعالى : { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } الفرقان .

ويقول تعالى سبحانه وتعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون . } 28 سبأ .

ويقول تعالى سبحانه وتعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين . } 107 الأنبياء .

ويقول تعالى سبحانه وتعالى : { قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون . } 58 الأعراف .

ويقول تعالى سبحانه وتعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ... } 1 النساء

ويقول تعالى سبحانه وتعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . }  13 الحجرات .

ويقول تعالى سبحانه وتعالى : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم ، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون . } 51ـ52 المؤمنون .

وفى الحديث الشريف يقول الرسول   : ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود . ) صحيح مسلم .

 

# وعالمية الإسلام هي التي اخترقت حواجز القومية إلى أفق لا مجال فيه لعصبية عروبية أوفارسية أو هندية أو سودانية أو صينية أو كردية أو فرعونية أو تركمانية أو أمازيغية أو إفرنجية : ففى حجة الوداع يقول  ( أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا أسود على أحمر ، و لا أحمر على أسود  إلا بالتقوى )  أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح .

ولما بلغ النبى  استهانة أحد المنافقين بسلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، قام مغضبا وخطـــــب الناس في المسجـــد فقال : ( يا أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد ، وإن الدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربى .) ذكره في كنز العمال بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا

 

# وعالمية الإسلام هي التي اخترقت حواجز اللون :

وانظر قصة أبى ذر الغفارى مع بلال رضى الله عنهما ، إذ تجادل معه واشتد به الغضب ، فقال له أبو ذر ( ياابن السوداء .. ) فلما سمع رسول الله  بذلك أنكره أشد الإنكار ودعا أبا ذر إليه وسأله :

( يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية : إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم ) أخرجه البخارى في صحيحه.

وكان عبادة بن الصامت رضى الله عنه من الصحابة الأجلاء أسود اللون ، وكان رئيس الوفد الذى أرسله عمرو بن العاص رضي الله عنه لمفاوضة المقوقس ، فضاق به المقوقس لسواده ، وطلب من الوفد أن يتكلم غيره ، فاعتذر الوفد عن ذلك ، وأصروا على أن يكون عبادة هو المتكلم ، قائلين للمقوقس :

( هذا أفضلنا رأياً وعلماً ، وهو سيدنا وخيرنا ، وقد أمره الأمير علينا فلا نخالف أمره . )

 

# وعالمية الإسلام هي التي اخترقت طبقات الغنى والفقر :

مر رجل من وجهاء الناس أمام مجلس لرسول الله { فسأل أصحابه قائلاً :

ما ترون فى هذا ؟ قالوا : رجل من أشراف الناس ، وهو حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفّع ، وإن قال أن يسمع لقوله . فسكت رسول الله  . ثم مر رجل آخر ، فسألهم : ما ترون في هذا ؟قالوا : رجل من فقراء المسلمين وهو حري إن خطب ألا ينكح ، وإن شفع ألا يشفع ، وإن قال ألا يسمع قوله . فقال رسول  ( هذا خير من ملء الأرض من هذا ) .ـ أخرجه البخاري في صحيحه .

 

# وعالمية الإسلام هى التى اخترقت طبقية الحكام والرعاة .

وتعرفون قصة جبلة بن الأيهم من ملوك آل جفنة مع عمر رضى الله عنه  . أسلم على زمن عمر رضى الله عنه ، ولما قدم على عمر أحسن استقباله وخرجا إلى الحج . فبينما كان جبلة يطوف بالبيت إذ وطئ ازاره رجل من بنى فزارة فانحل ، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزارى .فلما علم رضى الله عنه بذلك خيّره بين أن يرضىَ الرجلَ أو يقتص الرجل منه ، فسخط جبلة وما كان منه إلا أن فر مع قومه إلى القسطنطينية ، ووجد في النصرانية موئلا له ، على ما به من كبر وعصبية وتعال على بقية خلق الله .

 

# وعالمية الإسلام هي التي اخترقت سدود الجنسيات والأعراق

وشهيرة هي  قصة محمد بن عمرو بن العاص مع المصري عندما ضربه لسبقه إياه ، قائلاً : أنا ابن الأكرمين . فشكا المصري محمدا إلى الخليفة عمر رضى الله عنه ، فأرسل إلى عمرو بن العاص وابنه أن يحضرا إذا جاءهما كتابُه ، فلما حضرا أمر عمرُ المصريَّ أن يضرب محمدا بالدرة ، فضربه كثيراً ، وعمر يقول : اضرب ابن الأكرمين ، ثم  قال : أجلها على صلعة عمرو ، فوالله ما ضربك ـ أي ابنه ـ إلا بسلطانه .

قال الرجل المصري : يا أمير المؤمنين ، قد ضربت من ضربنى . فقال عمر : أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه ، ثم قال لعمرو : أيا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أحراراً .

 

# وعالمية الإسلام هى التى اخترقت الحواجز بين المسلمين وأهل الذمة :

يقول رسول الله  ( من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة ، ومن خاصمته خصمته . ) ذكر العجلوني في كشف الخفاء رواية عن أحمد أنه لا أصل له ،  ثم قال ( لكن ناقش الحافظ ابن حجر في ثبوت ذلك عن أحمد ، وقال : إن له أصلا ) فقد رواه أبو داود بسنده عن عدد من أبناء الصحابة عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ ( من ظلم معاهدا أو تنقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو اخذ شيئا منه بغير طيب نفس منه ، فأنا خصمه يوم القيامة ) وذكر البيهقي مثله في سننه عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم بلفظ ( ألا من ظلم معاهدا أو تنقصه أو كلفه فوق طاقته أو اخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة  – وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره – ألا ومن قتل معاهدا له ذمة الله ورسوله حرم الله عليه ريح الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا )

وأوصى عمر رضى الله عنه ( أن يُوفّى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من وراءهم ، ولايكلفهم فوق طاقتهم . )

وأما المشهور من قوله صلى الله عليه وسلم عن الذمة ( لهم مالنا وعليهم ما علينا ) فقد أشار السندي – ت 1138- في حاشيته على النسائي بتحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم " تتكافأ دماؤهم " : أشار إلى ثبوته ، أنظر ج 8 ص 20 ط 2 ، بينما ذكر أبو بكر الضحاك – ت 278 هـ – في كتاب " السنة " ج2 ص 572إلى أن الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قالها في حق الذين يسلمون من الكفار ، ولو صح فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وبخاصة أن الأدلة الأخرى تتضافر على ذلك .

 

# وعالمية الإسلام هي التي أزالت الفروق بين الأنبياء جميعا:

يقول رسول الله  ( أنا أولى الناس بعيسى بن مريم فى الدنيا والآخرة ليس بينه وبيني نبي ، والأنبياء إخوة لعلآّت ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد . ) متفق عليه ،  ويقول ( إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وجمّله ، إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويَعْجَبُون له ويقولون : هلاّ وُضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين.) متفق عليه .ويقول تعالى { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . } 57 الأعراف .

 

# وعالمية الإسلام هى التى اخترقت حواجز الأرض والحدود فجعلت الأرض مسرحا متصلاً : يقول تعالى : { قل يا عبادي الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياي فاعبدون . } 56 العنكبوت ، ويقول تعالى : { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيراً وسعة . }100 النساء

وروى النسائي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال :

( مات رجل بالمدينة ممن ولدوا بها ، فصلى عليه رسول الله  ثم قال : يا ليته مات بغير مولده . قالوا : ولم ذاك يا رسول الله ؟ قال : إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس بين مولده إلى منقطع أثره في الجنة . )

# وعالمية الإسلام تطابقت مع خاتميته : لأنها ـ أى هذه الخاتمية ـ تعنى أنه لم تعد للبشرية جميعاً حاجة لنبى غيرمحمد  ، ولا يتطابق ذلك إلا مع العالمية .

يقول الرسول  ( فضلت على الأنبياء بست ... ) وذكر منها ( وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون . ) أخرجه مسلم في صحيحه .

ويقول  ( أنا العاقب الذي ليس بعده أحد  . ) والعاقب الذي لا نبي بعده .  أخرجه مسلم في صحيحه  . ويقول  ( ولى خمسة أسماء : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب . ) أخرجه البخاري في صحيحه .

ويقول : ( إني عند الله لخاتم النبيين ، وإن آدم لمجندل فى طينه ، وسأنبئكم باول  ذلك : دعوة أبى إبراهيم وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات الأنبياء يرين . ) رواه أحمد في مسنده .

# وإنه لمن روافد عالمية الإسلام أن أجناساً غير العرب وجدوا أنه  ـ أي الإسلام ـ يكون لهم كما يكون لغيرهم :

ومن هنا دخله الفرس فأحسوا أن الإسلام هو لهم أيضاً ، ودخله الأتراك فأحسوا أن الإسلام هو لهم كما قد كان للعرب والفرس من قبل .

ودخله أهل الأندلس فى الغرب فكان الإسلام لهم كما هو للمسلمين فى المشرق .

ودخله الأفارقة فأحسوا أنه هو لهم كذلك .

ودخله الأسيويون  فأحسوا أنه هو لهم كذلك .

ويدخله الأوربيون فى العصر الحديث فيحسون أنهم هم دعاة الإسلام.

ومن هنا فإن المتشائمين في مستقبل الإسلام ـ بالنظر إلى تدهور حال العرب أو الفرس أو الأتراك ـ يجهلون أعماق كون الإسلام عالمياً ، يجهلون أن الإسلام ليس لهؤلاء وحدهم ، وإنما هو للبشرية عموماً .

وأن دولة العرب لم تكن إلا دورة واحدة من دورات الحضارة الإسلامية .

وأن دولة الفرس ـ في ظل الإسلام ـ لم تكن إلا دورة واحدة من دورات الحضارة الإسلامية .

وأن الدولة العثمانية لم تكن إلا دورة من دورات هذه الحضارة كذلك.

وإذا كان بعض فلاسفة الحضارة ـ شبنجلر مثلاً ـ يرون ـ بحق ـ أن التاريخ ما هو إلا مسرح لعدد كبير من الحضارات العظمى ، وأن لكل منها فكرتها وعواطفها وحياتها وإرادتها وشعورها وموتها الخاص بها ... فإنهم لا يدركون الحقيقة بالنسبة للإسلام ، إذ ينظرون إليه باعتباره حضارة أدت دورها وانتهت .

ذلك لأن عالمية الإسلام تجعله باقياً في انسياحه وتنقله وقابليته لجميع الشعوب .

فالإسلام يصنع دورات من حضارة : يقوم فيها العرب بدور،  ثم يقوم فيها الفرس بدور ، ثم يقوم فيها الترك بدور ، ثم يقوم فيها الأسيويون والأفارقة ، والأوربيون بدور .

لأن الإسلام ليس لجنسية من هؤلاء ، إنما هو للعالم .

لأنه هو النظام العالمي ، وهو العولمة النظيفة التي ارتفعت عنها صبغة العرب لتسلمها للفرس ، وارتفعت عنها صبغة الفرس لتسلمها للترك ، وارتفعت عنها صبغة الترك لتستقبل من يقومون بالدور من الأوربيين و المسلمين ، والأسيويين المسلمين والأفريقيين المسلمين . .وما شاء الله من ذلك أو من غيره مما يعلم

 

# ولكي يكون نظام ما إنسانياً عالمياً فإنه لابد له من شروط موضوعية :

1  - أن يكون قائماً على إيثار الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات.

2  - أن يكون قائماً على الرحمة بالإنسان والعطف عليه وتكريمه والحب له .

3  - أن يكون محققاً للتوازن الضروري المطلوب بين حرية الإنسان وعبوديته .

4  - أن يكون قائماً على العلم : العلم بالإنسان وتكوينه وظروفه وغاياته القريبة وغايته العليا .

5  - أن يكون قائماً على العدل .

# وإنه لمن المؤكد أن ليس ثمة نظام يجمع بين هذه الصفات ليكون نظاماً إنسانياً عالمياً غير نظام وضعه الله ( الإسلام ) :

أولاً  :  فهو من الناحية الأولى : ( إيثار الإنسان ............ إلخ )   نجد ذلك في الإسلام من بداية وجود آدم عليه السلام .

فمن بداية الأمر ، وعند خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام ، أمر الله الملائكة بالسجود للإنسان .

ومن بداية الأمر أيضاً طرد إبليس من رحمة الله لعصيانه هذا الأمر وحكم عليه في علاقته بالإنسان ( إن عبادي ليس لك عليه سلطان ) .

ومن بداية الأمر أيضاً آثره الله على الملائكة إذ علمه ما لم يكونوا يعلمون .

والقرآن الكريم يصرح بأن الله سبحانه وتعالى خلق للإنسان البيئة الكونية المحيطة به ، وسخرها له وجعلها فى خدمته .

وحيث يصرح القرآن بذلك لا نجد به إشارة واحدة تدل على أن الإنسان مخلوق لخدمة أحد غيره ، أو لنفع مخلوق آخر .

ولقد جاء الإسلام إلى بنى آدم ـ منذ البداية ـ ليجعل الإنسان على شرف الصلة المباشــــرة باللـــه ، وليمحو الوسائط من طريقــــه إلى اللــه : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . } 56 الذاريات

 

ثانياً : أما كونه قائماً على الرحمة بالإنسان ، والعطف عليه والحب له فإن الإسلام يقدم لنا علاقة الإنسان بالله باعتبارها قائمة على الحب له والعطف عليه والرحمة به بشرط أن يتوجه اليه :

يقول تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )

ويقول : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }. 222 آل عمران

ويقول : { والله يحب المحسنين . }93 المائدة

ويقول : { إن الله يحب المتقين . }7 التوبة

ويقول : { إن الله يحب المتوكلين . }159 آل عمران

ويقول ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه  ) 54 المائدة .

وفى الحديث القدسي : ( وجبت محبتي للمتحابين فيَّ ، والمتجالسين فيَّ  والمتزاورين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ  ) مصابيح الامام البغوى / حسن .

ومن حديث عمر بن الخطاب مما رواه الشيخان ، أنه قدم على النبى  سبىُُ ، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي ، إذ وجدت صبياً فى السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال لنا النبى  :

أترون هذه طارحة ولدها فى النار ، قلنا : لا وهى تقدر على ألا تطرحه .

فقال : لله أرحم بعباده من هذه بولدها . ) متفق عليه

ومن حديث أبى هريرة أن رسول الله  قال: قال رجل لم يعمل خيراً قط .. فإذا مات فحرقوه واذروا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين . فأمر الله البحر فجمع ما فيه ، وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال : لم فعلت ؟ قال : من خشيتك وأنت أعلم . فغفر له . ) أخرجه البخاري في صحيحه

وروى مسلم في صحيحه :( والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة )

 

ثالثاً : أما عن كونه محققا لحرية الإنسان التامة ،  فذلك منبعه التوحيد في الإسلام :

( لا إله إلا الله . )

وهو التوحيد في مصدر التشريع : ذلك أن من يشرّع لك فإنه يستعبدك .

فأولئكم ـ في غير الإسلام ـ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله . )

أما في الإسلام ( إن الحكم إلا لله . )

يقول الدكتور هرمان راندال فى عبوديـــة التشريع ـ فى حديثــه عـــن بنتام ـ : ( كان من المتفق عليه فى القرن الثامن عشر أن الله هو المشرّع ..، ولقد سعى الناس لأن يجدوا قوانين الله في تلك الطبيعة.وهكذا فما صنعه الله للطبيعة والإنسان معاً يصنعه المشرّع للمجتمع.)

فلا مبالغة فى قولنا : إن من يشرّع لك يستعبدك ، سواء كان ذلك متمثلاً فى شخص المستشار القانونى المتواضع ، أو كان متمثلاً في تشريعات الكونجرس ، أو البنك الدولي ، أو مجلس الأمن ، أو المجمع المسكوني .

ومن ثم يصبح النظام الإسلامي هو الوحيد الذي  يحقق للإنسان حريته كشرط من شروط العالمية الإنسانية .

رابعاً : أما كونه قائماً على العدل :

فالعدل الإلهى هو وحده العدل الحقيقى ، لأن البشر جميعاً نسبتهم إليه واحدة ، فهو خالقهم جميعاً ورازقهم جميعاً ، ومعلمهم جميعاً ، وهاديهم جميعاً.

فلا يتحيز كما يتحيز البشر لطبيعة .

ولا يتحيز كما يتحيز البشر لجنس .

ولا يتحيز كما يتحيز البشر لإقليم .

ولا يتحيز كما يتحيز البشر لمصلحة .

وأخيراً فإنه لا يتحيز كما يتحيز الكهنة ضد البشرية كلها ليأتي خلاصها ـ أي هذه البشرية ـ على يدهم وحدهم .

ومن ثم يقرر الإسلام كما يقول  سبحانه وتعالى : ( ولاتزر وازرة وزر أخرى . ) 15 الإسراء ،فلا يرث البشر خطيئة آدم لتظل لعنة الخطيئة مسلطة على رقابهم إلى يوم الكنيسة (!).

يقول  سبحانه وتعالى : { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلاً . } 115 الأنعام .

ويقول سبحانه و تعالى : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامــة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كــان مثقال حبــة من خردل أتينا بهــا وكفى بنا حاســبين } 47 الأنبياء.

ويقول سبحانه وتعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . } 90 النحل .

ويقول سبحانه وتعالى : { وإذا حكمتم بين النــاس أن تحكمــوا بالعدل . } 58 النساء .

ويقول سبحانه وتعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } 8 المائدة .

ويقول سبحانه وتعالى : { وما ربك بظلام للعبيد . } 29 ق .

ويقول سبحانه وتعالى : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } 101 هود .

ويقول سبحانه وتعالى : { ولقد أهلكنــا القــرون من قبلكــم لما ظلموا . } 13 يونس .

وفى الحديث القدسى :( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة . ) صحيح / مصابيح البغوى .

( ما من أمير عشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا حتى يَفُك عنه العدلُ ، أو يوبقه الجور ) مصابيح البغوى .

 

خامساً :  أما كونه قائماً على العلم :

فذلك لأنه صادر من الله سبحانه وتعالى الخالق للإنسان .

يقول تعالى : { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير . }14الملك

صادر ممن يعلم علماً تاماً محيطاً : حقيقة الإنسان وتكوينه وإمكاناته وغاياته وتطوراته على مدى التاريخ الإنساني كله ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

وهو عالم أيضاً علماً تاماً محيطاً بالظروف المحيطة بالإنسان : فى المجتمع ، وفى الأرض ، وفى الكون . والإنسان بالضرورة يتأثر بذلك كله ؛ إنه يتأثر حتى بالأشعة الكونية التي تأتيه من وراء المجرة التي تسكنها الأرض .

إنه ليس هناك نظام يصح أن يوصف بأنه  للإنسانية كلها إلا أن يكون صادراً ممن يحيط بهذه العلوم جميعاً ، وليس ذلك إلا لله ، خالق الإنسان ، وخالق الأرض وخالق الكون ، والمدبر لها جميعاً ، لغاية يقررها لها جميعاً .

إن الله هو الصانع الحقيقي ، ولا نظام يصح للمصنوع إلا أن يكون مأخوذا من تعاليم الصانع .

إن الصانع هو الذي يعلم أسرار صنعته ، والإعراض عن الصانع فيه تدمير للمصنوع ، وانحراف به عن الغرض الذي صنع من أجله .

وإذن فلا نظام عالمياً للإنسان إلا أن يكون مأخوذاً من الله سبحانه وتعالى : أي إلا أن يكون هو الإسلام .

 

# المرجعية فى النظام العالمي :

إنك إذا دعوت إلى نظام عالمى أو عولمة فإنك لابد أن تحتكم إلى فلسفة أو نظرية أو عقيدة توضح الحقوق والواجبات والغايات التي يقوم عليها هذا النظام .

ولذا فإن لكل فلسفة أو نظرية نظامها الخاص بها ، وإذا كانت النظرية أو الفلسفة تنتمي إلى فرد معين ، أو أمة معينة ، أو طبقة معينة أو عصر معين ، ـ ولابد لها من ذلك ـ فإن النظام الذي تدعو إليه هو نظام هذا الفرد ، أو هذه الأمة أو تلك الطبقة في ذلك العصر ، وهذا في حد ذاته كاف في إبطال كونه نظاماً عالمياً إنسانياً .

وهذه العيوب الجوهرية يبرأ منها النظام الإسلامي براءة مطلقة .

لأن هذا النظام لا ينتمي لفرد ولا لطبقة ولا لأمة ، وإنما هو ينتمي إلى الله الخالق للإنسان ، الرحيم بالإنسان العليم بالإنسان .

وإذن فهو لا يحمل في ثناياه عوامل نقضه وانهياره ، كما هو الشأن في النظام العالمي المصنوع بإرادة مجلس الأمن ، أو مجموعة الدول ، أو مجموعة البنوك ، أو مجموعة المؤتمرات .

وقد يظن البعض أن عوامل التحيز والنسبوية والعنصرية الموجودة في الغرب اليوم مجرد تراث يضمحل شيئاً فشيئاً ، وهو فى طريقه إلى الزوال .

والحق غير ذلك .

إنها خطة رسمية دولية ، تختفي وراء أقنعة أحياناً ولكنها تنكشف أحياناً أخرى لتظهر في صورتها الصحيحة .

وعلى سبيل المثال العابر نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية بتاريخ 7/2/1992 نص مذكرة سرية للبنك الدولي تقترح أن يتولى البنك تشجيع تصدير الصناعات القذرة من الدول الصناعية المتقدمة إلى بلدان العالم النامي . وقالت المجلة إن لورنس سمرز كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي هو الذي أعد المذكرة وأنها أحدثت ضجة .

وقالت الإيكونوميست : إن سمرز ذكر في مذكرته السرية ما نصه : ( : أليس من الواجب على البنك الدولي أن يشجع على المزيد من هجرة الصناعات القذرة إلى الدول الأكثر فقراً ؟!

وأضافت المجلة إن سمرز قال في مذكرته ما ظنه تبريرا : إن أغلب مناطق أفريقيا على سبيل المثال أقل تلوثاً من لوس أنجلوس . ) (1)

وعلى صعيد آخر يذكر  ملحق جريدة الاتحاد بأبي ظبي الصادر في 20/2/1992 عن اليابانيين ، أنهم ( لا يشيرون إلى أنفسهم أبداً على أنهم آسيويون ، لأن باقي أهل آسيا بالنسبة لهم هم أجناس أقل مرتبة ، والسماح لهم بالاستقرار في اليابان والهجرة إليها لن يؤدي إلا إلى تشويه " النقاء العنصري للجنس الياباني " بدليل تلك المذكرة الداخلية التي تقول المراسلة إن جهاز الشرطة الوطني فى طوكيو أصدرها  لينبه فيها ضباط الأمن إلى أن بعض  هؤلاء الآسيويين له " رائحة نفاذة متميزة " ولا يتردد في الكذب ، وتطلب المذكرة منهم أن يغسلوا أياديهم بعد احتجاز هؤلاء المشبوهين . )

 

# أهمية العالمية :

إن الدعوة إلى العالمية أوالعولمة تشير بحق إلى تيقظ الشوق الفطري الإنساني إلى العالمية .

إن الإنسانية ضاقت بظلام الدروب ، والتواءات الطرق ، وتطلعت إلى الطريق الشامل المستقيم .

هذا هو الجزء المضيء في الدعوة إلى  العالمية والعولمة ، أما الاستجابة لهذا الشوق فكيف تكون؟

هذا هو الجزء الذي تجيب عليه القوى الاستعمارية والامبريالية إجابة خاطئة .

لقد تيقظ الشوق ولابد من إرضائه ، ولكن إرضاء هذا الشوق إلى العالمية لن يكون إلا تحت نظام تتحقق له شروط العالمية التي ذكرناها .

لا يمكن  تحقيق العالمية على يد الحضارة الغربية التى تقوم على العرقية والتفرقة العنصرية ،  وشرقنة الإسلام ، وتعمل وفقاً لسياسة التطهير العرقى ، والإبادة البشرية والتصفية الجسدية : في الأندلس ، وفى أمريكا " الهنود الحمر " وفى افريقيا ( مئات الملايين فى تصدير السود إلى أمريكا ... ) وهيروشيما ونجازاكي ، وفى شرق أوربا ، : البوسنة والهرسك ... وبلاد البلقان ، والقوقاز وفي أفغانستان وفلسطين والعراق والشرق الأوسط ؛ وحلف الناتو الذي أعلن عدواته للاتجاه إلى الإسلام (1) . تلك حضارة غبية لا ترى أبعد من وقع أقدامها .

 

ونحن ما نزال نذكر عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية الذي بلغ أربعين مليونا – فهل كان هؤلاء من العسكريين ،؟  كما يزال كثير منا  يذكر المعارك المؤثرة في مجريات الحرب العالمية الثانية بتدمير المدن الرئيسية الكبرى مثل لندن وبرلين وغيرها ، وما نزال نذكر كيف أن الضربة الحاسمة في انتصار الغرب الديموقراطي في الحرب العالمية الثانية كانت بتدمير مدينتين كبيرتين في اليابان هما هيروشيما ونجازاكي ، واليوم يِـُضرب العدو المسلم مدنيا في كل مكان عله يركع أو ( يتبع ملتهم ) في الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ، وأفغانستان وجينين فلسطين وفلوجة العراق إلخ

ومن العجيب ان ضرب كل من هيروشما ومجازاكي لم يكن ضرويريا لكسب الحر ب ( فقد نشرت مطابع جامعة هارفارد كتابا للبروفيسور تسوشي هاسيغوا من جامعة كاليفورينيا يُعد هذا الكتاب الدراسة المستفيضة الوافية حتى الآن التي تعتمد على المصادر اليابانية تؤكد الدراسة - التي لاقت نتائجها استحسانا واسعا - على أن القنابل النووية لعبت دورا ثانويا في قرار اليابان بالاستسلام وأن السبب الرئيسي وراء هذا القرار كان دخول الاتحاد السوفيتي في الحرب ضد اليابان في الثامن من أغسطس عام 1945 , أي بعد يومين من إلقاء القنابل النووية على هيروشيما ونجازاكي .

أوضح الكتاب أن القيادات الحربية اليابانية كانت على استعداد للتضحية بالمدن والمدنيين وأن الهاجس الأكبر بالنسبة لهم كان هو الجيش الأحمر الذي كان بإمكانه الوقوف في وجه القوة العسكرية اليابانية التي كانت تعاني الإجهاد في هذا الوقت سواء في اليابان أو في منشوريا يشير المؤلف إلى أنه ليست هناك حقائق تاريخية تدعم الاعتقاد الشائع بأن القنابل النووية هى التي أنهت الحرب .

تم التوصل إلى استنتاج مشابه في إصدار جديد للبروفيسور الياباني المعروف هربرت بركس , مؤلف السيرة الذاتية لهيروهيتو , والتي أبدع فيها كثيرا ومن ثم حصل على جائزة بولتز في الكتابة الصحفية في عام 2000م .

قبل إلقاء القنابل النووية بفترة طويلة كان الساسة الأميركان والبريطانيون على عمل بأن إعلان الاتحاد السوفيتي الحرب مع إعطاء الضمانات للامبراطور الياباني من شأنه أن ينهي الحرب .

في 29 أبريل عام 1945 م على سبيل المثال نصحت المخابرات الأميركية بدخول الوفيت إلى الحرب لأن ذلك سيجعل اليابانيين يصلون إلى قناعة بأن الاستمرار في الحرب يعني الهزيمة الساحقة وأن الاستسلام لا يعني الهزيمة ولا إهدار الكرامة بل إن الأمور ستسير على ما يرام .

تساءل كثير من الباحثين حول اختيار تاريخ إلقاء القنابل كان من المفترض أن يبدأ غزو اليابان في نوفمبر عام 1945 أي بعد ثلاثة شهور من إلقاء القنابل كان هناك الكثير من الوقت لاختبار إذا ما كانت القيادة اليابانية تدرك بتأثير قرار السوفيت إعلان الحرب .

في الواقع فإن التأكد من الخيار السوفيتي كان متوفرا في حالة فشلت التجارب النووية كان الخيار الأول في النصف الأول من عام 1945م .

على أية حال , بمجرد أن نجح الاختبار في يوليو فقد تم تفضيل خيار القنابل النووية يرى هاسغاوا وآخرون بأن القيادة الاميركية ولأسباب سياسية رغبت من السوفييت في دخول الحرب .

الأمر المثير للدهشة أن الكثير من القادة الأميركان رأوا أن القنابل النووية لم تكن ضرورية ذكر إيزنهاور في العديد من المناسبات أنه كان يرى بأنه لا يجب استخدام القنابل النووية ضد اليابان المهزومة بالفعل بعد الحرب , قال إيزنهاور : لم يكن من الضروري أن نضربهم بهذه القنابل البشعة .

تشير اليوميات التي كتبها رئيس أركان الجيش في عهد الرئيس ترومان - أدم وليام ليهي - بأنه كان يرى بأن الحرب يمكن إنهاؤها بشروط مقبولة في يونيو عام 1945 بعد الحرب كتب ليهي بأن استخدام الأسلحة النووية في هيروشيما ونجازاكي لم يضف كثيرا إلى موقف الولايات المتحدة مع اليابان لأن اليابانيين كانوا قد هُزمو بالفعل وعلى استعداد للاستسلام .

بعد ستين عاما من إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي , مازال التهديد الحالي مما يمكن أن يحدثه سباق التسلح النووي يطاردنا ) .

مقال : غار البيروفتز

أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة ميرلاند ومؤلف العديد من الكتب حول القنابل على هيروشيما ونغازاكي .

خدمة كيه أر تي - خاص بالوطن

# إننا نقول لقيادات العولمة في صفوف الحضارة الغربية .. لقد وسعناكم في إطار أهل الكتاب .

ففي أي إطار وسعتمونا أنتم ؟ وبماذا سميتمونا ؟

هل وسعتنا حقوق الإنسان الصادرة عنكم وهى حقوق مشروطة بالتخلص من حركة النهضة الإسلامية ؟

هل وسعتنا حريتكم الفكرية ، وهى تحتضن مقولات الفسق والفجور فى روايات سلمان رشدي وما أشبهه ؟ ولا تسع بحثاً علمياً حول مصداقية إبادة اليهود في ألمانيا كتبه روجيه جارودى ؟

هل وسعتنا علمانيتكم ، وهى مشروطة بالتخلص من الإسلام باعتباره لا يقبل العلمانية ؟

هل وسعتنا ديموقراطيتكم وهى مشروطة بالتخلص من الإسلام باعتباره آخذاً بشريعة إلهية ؟

هل وسعتنا نظمكم التربوية وأنتم الذين لا زالت مناهجكم تلقن تلاميذكم الأكاذيب والأحقاد ضد الإسلام والحضارة الإسلامية ــ كما هو ثابت في الدراسات التي تناولت هذا الموضوع في مصادركم نفسها ؟

إذا أردنا أن نجيب من منطلق قيمي بحت فلابد أن نتفق على أن الطريق إلى العلمانية  هو في انتصار الحضارة التي تسمح  –بحق - للآخر بأن يوجد على ظهر هذه الأرض .

الحل هو في انتصار الحضارة التي تتعايش  –بحق - في ظلها الأقليات والطوائف .

الحل هو في انتصار الحضارة التي تؤمن – بحق - للثقافات المختلفة أن تعبر عن ذاتها .

الحل هو في انتصار الحضارة التي تسمح – بحق -  للأفكار المختلفة بأن تعبر عن ذاتها في كافة أرجاء المعمورة ولو وقفت منها موقف النقد والنكران .

الحل هو في انتصار الحضارة التي لا ترفع  –بحق - شعار : من ليس معنا فهو ضدنا

الحل هو في انتصار الحضارة التي لا تقسم العالم إلى معسكرين اثنين : أحدهما للخير والثاني للشر

الحل هو في انتصار الحضارة التي تؤمن بأنه " لا إكراه في الدين "256 البقرة  .

الحل هو في انتصار الحضارة التي تمتثل بغير نفاق لأمر الله في قوله تعالى :

{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُـقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } 8 الممتحنة.

الحل هو فى انتصار الحضارة التي تؤمن بغير نفاق بقوله تعالى { يا أيها الناس إنٌا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا .. } 13 الممتحنة .

الحل إذن هـو فـي انـتـصار الحـضـارة الإسلامية ، فهي التي انطوت ــ مع الخلاف ــ على السماحة ، ومع الإنكار على التسامح ، : نظرياً كما انطوت على ذلك عمليا ...

ولأمر ما ــ وربما كان هذا الأمر هو ما نحن فيه -   ضمن الإسلام  لأهل الكتاب ، موقعاً حصيناً في المجتمع الإسلامي .

وقام المسلمون على تقدير هذا الموقع ، ولم يخامرهم قط خاطر التطهير العرقي ، أو إبادة " الآخر " ...

 

# لقد كانت الحضارة الإسلامية وعاء انصهرت فيه القوميات والجنسيات والعروق والشعوبيات ، ابتداء من أقصى الشرق فى الصين ، مروراً بفارس ، والشرق الأوسط وتركيا والأندلس ...

وكما يقول شيخ الأزهر الراحل ( الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق إبراهيم جاد الحق رحمه الله ) فى رسالة له إلى مؤتمر برلمان " أديان العالم" الذي انعقد فى شيكاغو في الفترة من 28/8 إلى 4/9/1993  .

( إن المسلمين لم يقترفوا في تاريخهم الطويل ما يشينهم .

فلم يضطهدوا شعباً ولم يُكرهوا أحداً على الدخول فى الإسلام .

ولم يقوموا بعمليات تطهير عرقي أو تفرقة عنصرية ، ولم يحدث أن أبادوا أتبــاع دين من الأديان الأخرى . وليس أدل على ذلك من أن البلاد التي دخلت في الإسلام ــ منذ كان وفى العصور المتعاقبة وللآن ــ مازال بها الجمع الـغـفـيــر من الديانات الذين كانوا بتلك البلاد حين دخلها الإسلام ، ولو كان الحكم الإســلامــي وقتذاك قد مارس ما يمارسه أصحاب الديانات الأخرى في العصر الحاضر ما بقى في بلاد المسلمين من أتباع الأديان الأخرى أحد) (1) .

وأنظر إلى ما يقوله الأستاذ الدكتور أحمد طربين ــ أستاذ التاريخ الإسلامي عن معاملة الدولة العثمانية للمسيحيين :

( يبدو أن كثيراً ممن كتب في هذا الموضوع ، يرى أن الدولة العثمانية أساءت معاملة غير المسلمين ، وخاصة بعد أن ضمت إليها العالم العربي الإسلامي ... وبالمقابل فإن عديداً من المؤرخين المنصفين يرون أن السلاطين برغم اعتقادهم في قرارة نفوسهم بأن المسيحيين لابد أن يكونوا حلفاء طبيعيين للقوى الأوربية المسيحية المعادية للعالم الإسلامي ، فإنهم لم يتجاوزوا حدود معاملة المسلمين السمحة ــ السابقة ــ بل كان تسامح الأتراك العثمانيين مع مسيحيي الولايات العربية أشد وضوحاً من تسامحهم مع مسيحيي البلقان الذين كانوا في بلادهم أغلبية تتآمر مع النمسا . كما يرون أن الدولة العثمانية حافظت على أملاكهم وحرية عبادتهم وكنائسهم ، وفتحت لهم أوسع أبواب العمل الحر فى الزراعة والصناعة والتجارة ، فانتظموا في سلك الحرف المختلفة على قدم المساواة مع زملائهم المسلمين ، وكانوا معهم في تعاطف وود ، بل إنهم برزوا في ميدان التجارة الخارجية لصلتهم مع الأوربيين ، وتكونت منهم طبقة برجوازية غنية ، وها هي ذي سجلات المحاكم الشرعية في مختلف الحواجز العربية تشهد بذلك ... ) (2) .

إن عجز الحضارة الأوربية المعاصرة عن دور التسامح هذا هو الذي يشكك في إمكانية العالمية  بعيداً عن مظلة الإسلام .

إن الإسلام هو المرشح الوحيد لتحقيق العالمية  ــ لمصلحة الإنسانية ــ وليقوم بنفس الدور الذي قام به في وراثة الحضارة اليونانية والرومانية والفارسية من قبل .

هناك كانت الوراثة بأن ضم العمل إلى العلم .

واليوم فإن الوراثة بأن يضم الإيمان إليها .

وهذا لا يعنى القول بأن الحضارة الإسلامية تنحصر ضمن قيود ضيقة ، أو أنها خاضعة دائماً لتفاصيل ما تم إنجازه في تاريخ الحضارة الإسلامية .

إن أقصى ما نقرره من قيود للحضارة الإسلامية لا يتعدى الثلاثية التي أشرنا إليها : العلم والعمل والإيمان .

وهى بعد ذلك ــ ومع ذلك ــ تقبل أن تتم إنجازها في صور متعددة ولكنها بحكم العولمة متقاربة ، فيصبح التعدد هنا كالتنوع داخل الجنس الواحد ، فيخرج إلى الوجود حضارة إسلامية ينتجها العرب ، كما يخرج إليه حضارة إسلامية ينتجها الفرس ، أو حضارة إسلامية ينتجها العثمانيون ، أو حضارة إسلامية تنتجها أوربا .

 

# إن الجمع بين أركان الحضارة الثلاثة التي هي العلم والعمل والإيمان هو مجمع تحديات المستقبل بالنسبة للإنسان على هذه الأرض ، وهنا تبدو لنا ملامح نصرة الإسلام فى مستقبل صنع الحضارة خصوصاً إذا لاحظنا بعض الظواهر التي تبدو أمامنا منذ الآن ومن أهمها :

1  - أن العالم المسيحي صائر حتماً إلى الأخذ بوجهة نظر الإسلام عن المسيح ، وهذا ما تؤكده الدراسات التي يقوم بها اللاهوتيون الكبار فى أوربا .

2  - أن الملحدين في العالم يتحولون ــ كما نرى ــ إلى الأخذ بدين من الأديان ، إذ هم يتناولون إلحادهم كدين وهم سوف يلتفتون حتماً إلى إجراء المقارنة بين ديانة الإلحاد ، وبين الأديان الأخرى ، وليس غير الإسلام دين يصلح لمخاطبة هذه العقول

3  - أن عالم القوة النووية صائر حتماً ــ كما نرى ــ إلى فقدان القدرة على استخدامها ، ولو تعجل فى استخدامها لكان ذلك ضد مصلحة العالم الذي يملكها إذ تتساوى حينذاك في الخراب جميع الأقدام .

4  - أن العالم الإسلامي صائر حتماً إلى ولادة جديدة ، وهذا هو مصدر الفزع عند كهنة الحضارة الغاربة .

والخطر الذي  يتهدده هو خطر التعجل ، تعجل الولادة قبل أوانها من ناحية ، وخطر الغفلة عما تستوجبه ساعة الميلاد من ناحية أخرى ، وعليه أن يستفيد من درس العروبة فى معالجاتها الخاطئة ، لقضية الخلافة الإسلامية عند سقوط الدولة العثمانية أولاً ، وقضية الوحدة العربية ثانياً ، وقضية فلسطين ثالثاً ، وقضية النظام العالمي الجديد أخيراً .

 

# ويبقى عبء خطير على العاملين في مجال الحركة الإسلامية أن يعدوا أنفسهم لهذا الميلاد بالتخلص من سلبياتهم ، ومنها ما يقع فيه بعض فصائلهم من خشونة في الأسلوب تارة ، ومن نظرة تشاؤمية للمستقبل تارة ، ومن فقر في القدرة على الاجتهاد تارات . وليتقدموا وفي يدهم وقلبهم : تحقيق العالمية بمنهجيتها الإسلامية ، فهي الحل الذي يطرق أبوابه  الإنسان المعاصر .

والله أعلم