يتسابق الناس إلى رثاء الكبراء أما المطمورون فلا بواكي لهم
بقلم :الهادي بريك
-ألمانيا
تذكرني هذه الايام التي يرحل فيها رجال كبار
ونساء كبيرات من مثل الامام أحمد ديدات
والداعية زينب الغزالي بتلك الايام من منتصف التسعينات
حيث غيب الموت عنا رجالا أناروا دروبا كانت من قبلهم دامسة من مثل الشيخ محمد
الغزالي الذي سرعان ما تبعه الشيخ جاد الحق علي جاد الحق وقائمة أخرى طويلة نسأل
لهم الله سبحانه جمعيا جزيل الرحمات .
مات الملك فهد عليه رحمة الله سبحانه في ذات اليوم الذي مات فيه قرنق فكادت أن تتحول الارض بأسرها
إلى مأدبة عزاء وقيل فيهما ما لم يقل أحيانا في نبي مرسل ولا ملك مقرب وتحول قرنق الانفصالي الدموي الرهيب بحكم القبضة الامريكية على السودان وفرض إتفاقيات
السلام المزعومة إلى بطل للسلام وأي سلام يتأهل فيه السودان أكبر البلدان الافريقية والعربية والاسلامية
مساحة وخيرات باطنية وسطحية لشر تمزيق .
في ذات اليوم تقريبا رحلت عنا الداعية الكبيرة زينب الغزالي عليها رحمة
الله سبحانه فلم ترث بكلمة واحدة من زعيم عربي ولا إسلامي واحد فيما علمت وقرأت وإطلعت . ألم يكن جديرا بزعماء الحركات الاسلامية
الاخوانية على الاقل أو
القريبة منها فكرا أو مسلكا أن يكتبوا مرثياتهم في
الفقيدة ويبرزوا مناقبها العديدة فهي أهل لذلك وأكثر منه ؟
تولت المرحومة أعباء الدعوة الاسلامية في عقود
عجاف إتخذ فيها الناس إلا من رحم ربي وقليل ما هم
الشيوعية والمادية والاشتراكية وعبادة الاصنام البشرية
الحية دينا مدينا . تجشمت كل تلك الاعباء فوق تضاريس
أرض مازالت سيما يومها لا ترحب كثيرا بصوت إمرأة تعظ وتهدي وترشد وتحاور وتكتب . لم يكن لها يومها عليها
الرحمة منه سبحانه يسيرا أن تقود قافلة الدعوة الاسلامية
النسائية ولم يكن لها يومها يسيرا أن تتكبد ظلمات السجون على مدى أكثر من نصف عقد
كامل من الزمان في ظل كاذب وعد بتحرير فلسطين وتوحيد الامة
العربية فقاد بكبريائه الساخر بلاده إلى هزيمة نكراء في أول إمتحان
له مع الصهيونية .
عرفنا ونحن شباب يافع المرحومة من خلال بعض كتبها المتميزة بالرواية
الصحيحة لتاريخ الدعوة الاسلامية المعاصرة في ثوب أدبي
قشيب وحلة بيانية بليغة فزادنا ذلك أملا في أن المرأة في ديننا ولي مسؤول وعضو مكرم . فلا يوجد تقريبا واحد منا على إمتداد الوطن العربي لم يتعرض لكتابها الفريد " أيام من
حياتي " في غضون السبعينات من القرن الميلادي المنصرم .
واليوم تحمل إلينا الانباء نعي الامام الكبير الشيخ أحمد ديدات
الذي ملأ الدنيا طيلة العقود المنصرمة بمناظراته العابرة للقارات وللغات والتي هدى
بها سبحانه جيشا من النصارى والمسيحيين منهم عدد كبير
من القساوسة والرهبان .
ليس منا واحد تقريبا لم يطلع على شريط مصور واحد على الاقل
من مئات الاشرطة التي تحوي مناظراته وهو يذكرنا بالفقيه
الثائر إبن حزم في عمق عارضته النقدية وقوة حجته وسطوع
برهانه وقدرته الفائقة على سبر أغوار بضاعة مناظره بسرعة ونخلها بسرعة ونقضها
بسرعة وإلا فما الذي يجعل مئات منهم بل آلافا
يسلمون وحضارتهم في قمة شموخها وعتو هيبتها ؟
إنتظم عقد التنصير في القرون الماضية ضمن مؤتمر دولي
كبير سخروا له من المؤهلات المالية والفنية والبشرية والعلمية ما سخروا ورفعوا
شعارا مازال حيا إلى اليوم " إدفع دولارا واحدا
تنصر مسلما " ثم إنطلقت الارساليات
التبشيرية تزحف على قلب إفريقيا السوداء التي أنهكتها المجاعات والحروب ونخرها
الجفاف وهزتها الفوضى هزا عنيفا مما جعل فتنة المسلم عن دينه هناك تنتصب مرفوعة
القامة تمشي وتضارع لا تلوي على شئ ولا تخشئ شيئا فلم يحرك المسلمون أنملا من يد وصمتت منظمة المؤتمر
الاسلامي وتجاهلت سائر المؤسسات العلمية والفقهية
والدعوية الخطب على جلالته وإنهمك الدعاة وإنحصروا في إهتماماتهم القطرية
الضيقة الصغيرة وخلا الجو لفتنة التنصير المدجج بالعلم والعرفان والمال والمؤسسات
ففرخ ونفق سوقه.
لم يكد يوجد يومها وإلى يومنا هذا في الحقيقة في سائر إفريقيا السوداء عائق أمام التنصير المسمى زورا تبشيرا سوى بعض
الرموز الدعوية قليلة العدد جدا وليس يختلف الناس في كون أعلاها شموخا ذلك الشيخ الامام أحمد ديدات الذي ظل لوحده
بإذنه سبحانه طودا شامخا ضد حملات التنصير التي كانت تدك إفريقيا دكا يوازي بل
يفوق دك أجندتها العسكرية الاميريكية والصهيونية في
فلسطين ومناطق أخرى عربية وإسلامية كثيرة .
قيضت أقدار الرحمان سبحانه ذلك الرجل العتيد العنيد لافريقيا
سندا منيعا يصد أذى التنصير عنها حتى أقعده المرض العضال منذ ما يقارب عقدا كاملا
من الزمان ظن الناس كلهم فيه أن الرجل قضى في غمرة إشتداد
الدك الصهيوني الامريكي المسيحي المتطرف للاسلام والمسلمين وما قضى الرجل ولكن الاعلام
العربي التافه قضى على ذكره بالاهمال والنسيان فلم يحمل
إلينا يوما خبرا عن حياته أو موته وكأن إفريقيا لم تعرف يوما برجلين كبيرين هما
مانديلا محرر بلاده من الميز العنصري وديدات محرر ذات
البلاد من الدجل العقلي .
أغضت وسائل الاعلام عندنا بأسرها دون أدنى إستثناء عن أخبار الرجل الكبير المرحوم أحمد ديدات إغضاء تفاهة وسخافة ثم ما لبثت أن إهتمت
بضرب آخر من الاقزام الذين يختبؤون
في كهوف مظلمة بعيدة ما فتؤوا يبرقون تهديدا ووعيدا
لذات المسيحيين والنصارى الذين طالتهم مناظرات المرحوم ديدات فهدت منهم بإذنه سبحانه مئات بل آلافا من قلب أروبا فضلا عن خارجها . تلك هي رسالة الاعلام
التافه عندنا : عكوف وطواف حول الاثارات السخيفة تحت
أسماء السبق الاعلامي والقيام على إبراز الرأي الاخر وفي المقابل إهمال تام وليس شبه تام لهامات عظيمة سامقة
شامخة هزمت المسيحية في عقر دارها بسلاح العلم والمعرفة والحجة والبرهان وليس عبر الارهاب والتهديد بالتفجير .
لك أن تسأل نفسك بنفسك : من خدم الاسلام ودعوته ومن هدمهما ولو بدون وعي . لك أن تسأل نفسك بنفسك : أي خطاب يسري في أوصال المسيحية فإما
أن يقيم عليها الحجة بالعقل وإما أن يهديها بإذن الله سبحانه وأي خطاب يسري في
أوصالها ببث الرعب فلا يزيدها غير تماسك وإهتبال لفرصة
سانحة لدك ما تبقى من منجزات عقود طويلة من العمل الاسلامي
في أمريكا وأروبا ؟
تماما كما رحل عنا أئمة فضلاء ورجال كبار ونساء عظيمات فيما سبق دون رثاء
يذكر يرحل عنا اليوم مثلهم دون بواكي عليهم ولا لهم
وكيف يبكي الناس على من طمره الاعلام العربي والاسلامي أيما طمر وسخر منه الاعلام
الامريكي والغربي أيما سخرية وكيف لا يبكي الناس على من
لولاه لم تخلق الدنيا من العدم حتى ليكاد يبثون في روعك الصغير بأن السجلات التي
تحصيها وتحفظها الملائكة عن أولئك الذين رحلوا بيضاء ناصعة ليس فيها سيئة واحدة
ولو طلبت من أحد المداحين المهرة قبل أن تحثو في وجهه
التراب إنشاء كلام في سيد المرسلين عليه السلام لما جاوز ما قاله في راحل لتوه . كيف
لا يبكي الناس المعتصم وبريق ذهبه يغشي الابصار ويطمس
البصائر وكيف لا يمدح الناس الحجاج وسنا سيفه يقتل الانفس
قبل موتها .
أما زينب الغزالي والامام أحمد ديدات فلا بواكي لهم .