الجيل الجديد من اليسار الجديد: كيف تدار السياسية الأمريكية اليوم

 

 

 

 بقلم: علاء بيومي

 

كتاب "الجيل الجديد من اليسار الجديد" لستيفين مالانجا - الباحث بمعهد منهاتين للأبحاث ومقره نيويورك والصادر في نهاية شهر مايو 2005 – حاز على اهتمام متزايد من قبل مراكز الأبحاث والأقلام المحافظة بالولايات المتحدة لكونه يعبر عن محاولة يمينية للرد على سيل الكتابات الليبرالية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة وركزت على نقد اليمين الأمريكي وخاصة تيار المحافظين الجدد.

 

فالكتاب يرد على الليبراليين بتسليط الضوء على مفهوم جديد وهو "الجيل الجديد من اليسار الجديد" وبتصوير هذا الجيل على أنه خطر متنامي يهدد الاقتصاد والسياسة الأمريكية من الداخل.

 

مفهوم الجيل الجديد من اليسار الجديد

 

          يرى مالانجا أن نفوذ الجيل الجدد من اليسار الجديد تنامي سياسيا خلال التسعينات من القرن الماضي على المستوى المحلي بعدد من أكبر المدن الأمريكية خاصة في الولايات ذات التوجه الليبرالي، ويقول مالانجا أن هذا الجيل الجديد نشأ نتيجة لصعود قوى جديدة وغير تقليدية بالسياسات المحلية للمدن الأمريكية وتتكون هذه القوى من اتحادات العمال التقليدية واتحادات العاملين بالمؤسسات الحكومية والذين كانوا محرومين من الانضمام لاتحادات جماعية خاصة بهم حتى منتصف الخمسينات من القرن العشرين ومنظمات الخدمات الاجتماعية ويساندهم تحالف واسع من الجماعات اليسارية كالجماعات المدافعة عن البيئة وعن حقوق المرأة وعن حقوق الأقليات والحقوق المدنية والإعلاميين والأكاديميين والسياسيين الليبراليين.

 

          ويقول مالانجا أن خطورة هذا الجيل الجديد تكمن في كونه تحالف ضد مصالح دافعي الضرائب الأمريكيين، فهدف هذا الجيل الرئيسي هو وضع مزيد من الضغوط على المؤسسات الحكومية المحلية لزيادة الضرائب على الشركات الرأسمالية وزيادة الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية وأنشطة الرفاهية وعلى مزايا موظفي القطاع الحكومي، لذا يصف مالانجا التحالف السابق بأنه تحالف "آكلي الضرائب" مقارنة بتحالف "دافعي الضرائب" الذي يمثل مصالح الشعب الأمريكي.

 

          كما يتهم مالانجا الجيل الجديد من اليسار بأنه يعيش عالة على أموال الدولة والتي تأتي منها معظم موارده وبأنه يعمل في سرية تامة في معظم الأحيان ولا يظهر إلى السطح أو يستفز معارضيه إلا قرب وصوله لهدفه وهو تمرير التشريعات والسياسات المساندة لأجندته، كما أنه يقوم بتلفيق الدراسات والتقارير الإعلامية التي تنادي بالأفكار والسياسات التي يريدها، كما يتآمر مع المساندين له لانتخاب السياسيين المساندين لأفكاره بمجالس المدن والمحليات الأمريكية مما يجعله خطر أكيد قادم من الداخل، ولمواجهة هذا الخطر يفرد مالانجا كتابه للحديث عن نفوذ هذا الجيل الجديد وعن أجندته وأفكاره ومسانديه.

 

وقبل تناول بقية محتويات الكتاب يجب الإشارة إلى أن مالانجا لم يقدم في كتابه تعريفا محدد للجيل الجديد من اليسار الجديد يميزه بشكل واضح عن مصطلح "اليسار الجديد" والذي ظهر ليعبر عن التحولات التي مر بها اليسار في أمريكا وأوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سعى اليساريون لمواجهة الضغوط التي تعرضوا لها نتيجة للحرب من خلال حركة جديدة تخطت مطالب اليسارية التقليدية المتمركزة حول حقوق العمال إلى حركة يسارية معادية للسلطة وللثقافة السلطوية التقليدية بشكل عام، وهي حركة انتشرت سريعا في الجامعات الأمريكية في الستينات من القرن الماضي.

 

 ولادة الجيل الجديد من اليسار الجديد

 

          يرى مالانجا أن ولادة الجيل الجديد من اليسار الجديد بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين وبفعل عدد من السياسات التي تبنتها الحكومة الأمريكية لمواجهة الفقر والتي أدت إلى ضخ مليارات الدولارات لدعم المنظمات الخيرية وأنشطة الدولة في مجال رعاية الفقراء وتقديم أنشطة الرفاهية لمحدودي الدخل. 

 

          وكان أول المستفيدين من تلك التحولات هم المنظمات الخيرية ومنظمات الخدمات الاجتماعية التي استطاعت الحصول على بلايين الدولارات من الأموال التي يعطيها دافع الضرائب الأمريكي للدولة.

 

          وفي الفترة ذاتها سمحت أمريكا لموظفي الحكومة بالانضمام لاتحادات جماعية تتفاوض نيابة عنهم وعن حقوقهم مما أدى إلى تضاعف أعدادهم لتصل حاليا إلى حوالي 3.3 مليون موظفي حكومي يتمتعون في الوقت الراهن بمزايا وظيفية عالية تفوق المزايا التي يحصل عليها العديد من موظفي القطاع الخاص، كما تحول موظفو الحكومة للوبي قوي يطالب بمزيد من المزايا الوظيفية وبواجبات وظيفية أقل وبمزيد من الإنفاق الحكومي على القطاع الحكومي نفسه وتوسيعه.

 

          كما ساعد الإنفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية ودعم الفقراء – كما يرى مالانجا – إلى سوء استغلال المال الحكومي من قبل الفقراء والمؤسسات الخدمية في آن واحد، إذا بالغت المستشفيات – على سبيل المثال – في إخضاع المرضى المدعومين حكوميا – لاختبارات صحية ليسوا في حاجة لها لكي تحصد المستشفيات أكبر قدر من أموال الدعم الحكومي.

 

          بل قامت الجماعات السابقة – كما يشتكي مالانجا - باستغلال الثروات التي حصلت عليها من تعاملها مع الدولة في استئجار شركات اللوبي والعلاقات العامة لممارسة مزيد من الضغوط على الدولة لزياد إنفاقها على أنشطتهم.

 

          ويزيد من مشكلة هذه الجماعات – كما يرى مؤلف الكتاب – فلسفاتها الخاطئة والتي تسيء استغلال مفهوم العدالة الاجتماعية وتدفع الفقراء للكسل وإلى التقاعس عن الإنتاج.

 

أجندة الجيل الجديد وأسلوب عمله

 

          يتعرض مالانجا خلال الكتاب لعدد من السياسات والأفكار المركزية لدى حركة الجيل الجديد من اليسار الجديد، وعلى رأس هذه الأفكار مفهوم "الأجر المعيشي" وهو مصطلح يروجه الجيل الجديد للمطالبة برفع الحد الأدنى من الأجور حيث يرى الجيل الجدد أن الحد الأدنى من الأجور لا يكفي ومن ثم هناك حاجة لتشريع مستوى أخر من الأجور يكفي لمعيشة الفرض.

 

          ويقول مالانجا أن مطالب الجيل الجديد بالأجر المعيشي بدأت في مدينة بالتيمور بولاية ميرلاند وأدت إلى انهيار الاقتصاد واختفاء الوظائف بالمدينة بسبب الضغوط التي وضعتها الحركة على الشركات الرأسمالية لرفع أجور موظفيها، ومع ذلك انتشرت الحركة في منتصف التسعينات في مدن أمريكية عديدة حتى أصبحت الآن موجودة في 43 ولاية أمريكية.

 

          ويرى مالانجا أن خطورة حركة الأجر المعاشي وغيرها من مطالب اليمين تكمن في أنها جزء من حركة أكبر لزيادة الضرائب والحد من أرباح الشركات الرأسمالية وهدم قاعدة العرض والطلب والتي تمثل أساس قوانين الاقتصاد الحر.

 

          كما يرى مالانجا أن الحركة تغافلت حقيقة أن أمريكا فتحت أبوابها لأكثر من 13 مليون مهاجر خلال التسعينات غالبيتهم من ضعاف التأهيل العلمي والوظيفي ويأتون من دول فقيرة ويمتلكون تعريفا مختلفا للفقر، فحصول هؤلاء المهاجرين للحد الأدنى من الأجور في أمريكا يساعدهم على بناء ثروات بمعايير بلادهم خلال سنوات قليلة من قدومهم لأمريكا.

 

          كما يقول مالانجا في نهاية الفصل الأول من كتابه - بلهجة تحذيرية - أن أجندة الجيل الجديد تتخطى الاقتصاد للمطالبة بالتعددية الثقافية في المدارس العامة وبالتنوع العرقي للمعلمين وبتدريس مواد عن حقوق العمال وتاريخ الحركة العمالية.

 

          لذا يتناول الفصل الثاني من الكتاب تأثير حركة الجيل الجديد على الجامعات وانتشارها فيها لاستخدام الدعم الذي تقدمه الدولة للجامعات في تنظيم برامج تعليمية واستصدار دراسات تخدم أهداف اليسار والحركة العمالية مما أدى لانتشار البرامج الدراسية الخاصة بتاريخ الحركة العمالية وبسبل تنظيمها وتنظيم عمل الاتحادات العمالية، حتى أن بعض البرامج – كما يقول مالانجا - تمنح الطلاب الفرصة في العمل في الاتحادات العمالية وتنظيم المظاهرات المؤيدة لحقوق العمال كجزء من المتطلبات الدراسية المفروضة على الطلاب.

 

ومن ثم تحولت هذه البرامج الدراسية – كما يقول المؤلف - لبرامج لدعم حركة العمال في الولايات المتحدة ولتعليم الطلاب كل شيء عن حقوق المرأة والحقوق العرقية وحقوق الشواذ والبيئة وكل الأفكار الناقدة لأسلوب الحياة الأمريكية، لذا يبدى مالانجا أسفه وتعجبه للأسباب التي أدت لتحول الحركة العمالية من حركة محافظة ترفض الثورة الثقافية في الماضي إلى حركة معادية للثقافة التقليدية في الوقت الحاضر.

 

          أما العنصر الأهم في أجندة الجيل الجديد فهو عداءه للقطاع الخاص وللشركات الرأسمالية الكبرى، لذا يفرد مالانجا الفصل الثالث من كتابه للدفاع عن أحدى تلك الشركات وهي شركة وال مارت التجارية العملاقة والتي تمتلك مئات المتاجر عبر الولايات المتحدة، لذا يحكي مالانجا قصة نشأة وال مارت كمثال للشركات الأمريكية الناجحة حيث قامت شركة وال مارت على أسلوب جديد في الإدارة يهدف إلى تجميع البضائع المختلفة في متاجر عملاقة لتباع بأسعار أرخص من السوق لكي تباع بكميات كبيرة، كما تدار غالبية المتاجر بموظفين يتقاضون أجور ضئيلة وبمقر رئيس متواضع جدا لخفض نفقات الإدارة لأقل من 2%، الأمر الذي ساعد الشركة على تحقيق نجاح كبير وسريع حتى أصبحت شركة يقدر ثمنها بحوالي 250 بليون دولار.

 

          وهنا يهاجم ملانجا الجيل الجديد من اليسار الجدد لكونه يضع وال مارت على قائمة الشركات التي يستهدفها بسبب الأجور القليلة التي تعطيها للموظفين وخوفه من انتقال أسلوب إدارة وال مارت لشركات أمريكية أخرى، في المقابل يرى مالانجا أن وال مارت شركة ذات إدارة عبقرية وإسهام كبير في الاقتصاد الأمريكي كما أن وجودها بأي مدينة يشجع الاستثمار فيها ومن ثم ترتفع الوظائف.

 

          كما يرى مالانجا أن جزأ كبير من أسباب كراهية اليسار والإعلام المساند له لشركة وال مارت يكمن في أن العائلة المالكة لوال مارت عائلة ذات توجه اجتماعي محافظ ترفض الثقافة الإباحية وبيع المواد الإباحية بأسواقها مما جعلها هدفا للإعلام الليبرالي.

 

          كما ينتقد مالانجا الجيل الجديد في الفصل الرابع من كتابه بسبب نشره لأفكار تصور الفقراء على أنهم ضحايا للطبقات الثرية وتطالب بضخم مستمر للأموال الحكومية في برامج موجهة لمساعدة الفقراء، وهنا يرى مالانجا أن الدولة الأمريكية أنفقت منذ الستينات 10 تريليون دولار أمريكي على برامج مكافحة الفقر ولم يؤدي ذلك لنتائج إيجابية ملموسة.

 

          وهنا يرى مالانجا أن المساعدات التي منحت للفقراء لمكافحة الفقر والثقافة التي ارتبطت بهذه المعونات أفسدت الفقراء لأنهم صورت لهم أنفسهم على أنهم ضحايا وأضعفت من هممهم ومن رغبتهم في العمل.

 

          لذا ينتقد مالانجا اليسار وأجندته حيث يرى أنها ساهمت في إيجاد ثقافة من الكراهية لدى الفقراء تجاه الطبقات الوسطي والثرية كما أنها ابعدت أمريكا عن الحل الصحيح لمشكلة الفقر ومشاكل الاقتصاد الأمريكي بشكل عام والتي تكمن – لدى مالانجا – في الحد من دور الدولة وتشجيع اقتصاد السوق على العمل بحرية.

 

خاتمة

 

          بقى لنا أن نشير أن المؤلف لا يقدم تصور محدد لحجم نفوذ الجيل الجديد من اليسار الجديد خاصة في واشنطن خلال الفترة الحالية التي تشهد سيطرة اليمين على الكونجرس بمجلسيه إضافة إلى البيت الأبيض، حيث يتحدث مالانجا عن هذا الجيل الجديد وكأنه ظاهرة محلية بالأساس في الوقت الذي يؤكد فيه على خطورة ونفوذ هذا الجيل، بقى لنا أن نشير إلى أن متابعة أفكار مالانجا واهتمام مراكز الأبحاث اليمنية الأمريكية به يكشف عن أجندة هذه المراكز وبعض فئات اليمين الأمريكي وأسلوب تفكيرها والسياسات التي ترغب في تطبيقها.

 

نقلا عن  الجزيرة نت