الـلا يقين اللبنــاني

 

 

 

بقلم :د. محمد احمد النابلسي

                        رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

        تبدو ملامح النظام اللبناني الجديد على وشك الاستقرار. فقد إستقر هذا النظام عبر العملية الإنتخابية رغم صعوباتها. وهي أثمرت عن مجلس من 128 عضواً كما ينص الدستور. ونجح المجلس بانتخاب رئيس له ومن ثم في ترشيح رئيس للحكومة في أجواء توافقية شبه إجماعية. ورغم بعض الصعوبة نجح الرئيس المكلف في تشكيل حكومته ضامناً لها الثقة ب92  صوتاً من أصوات النواب. وبين هذا وذاك تمت عودة الجنرال عون فشارك في الانتخابات وتكشف عن زعيم ماروني ذي وزن وشعبية، أيضاً أطلق سمير جعجع وتم التجديد لحاكم المصرف المركزي. كما تجاوز النظام أزمة الموازنة فقام بالصرف وفق القاعدة الإثني عشرية. الأهم من كل ذلك فإن التحقيق في إغتيال الرئيس الحريري يجري على قدم وساق على يد لجنة دولية. وإن كان تحقيقها يجري على الطريقة الإسترجاعية تفتح أبواب المفاجآت والنتائج المفخخة مخابراتياً.

 

      في هذا النظام الجديد ظهرت قيادات جديدة على علاقة جيدة بالسفارة الأميركية. ولا ضير في ذلك فأميركا هي القوة الأعظم وهي موجودة بقوة في المنطقة كما في لبنان. وهذا الوجود يدعم النظام الجديد عند الحاجة ويوجهه عند الضرورة. وهذه التدخلات الأميركية هي أكثر ليونة من التدخلات السورية التي عرفها اللبنانيون.

 

     في النظام الجديد تمكنت كل طائفة من تنصيب زعامة لها. فاختار الموارنة الجنرال عون وكرس الدروز زعامة وليد جنبلاط والشيعة زعامة حزب الله أما السنة فاختاروا سعد بن رفيق الحريري زعيماً لهم. وقس عليه بالنسبة لبقية الطوائف. ولهذه الزعامات الجديدة مرشحيها في كل المناطق اللبنانية.  وهي بالتالي زعامات غير محدودة في مناطقها بل متجاوزة لها. ويبقى التحدي في الحفاظ على النظام الجديد وهو شرط لاستمرارية الزعامات الجديدة. وهذا الحفاظ يبدو معقداً لوقوعه في مواجهة قائمة من الاستحقاقات الصعبة المعروفة. لكن المسألة ليست بمثل هذه الدرامية. فالحفاظ على هذا النظام هو مسؤولية أميركية- فرنسية مشتركة. وهي تهون مع تواجد القوات الأميركية في العراق. وليس أدل على الفعالية الأميركية من سهولة وسرعة الإنسحاب السوري من لبنان. وهذه القوة الأميركية تفترض ملكية القدرة على تسهيل العقبات المهددة للنظام الجديد وهي التالية:

 

1-    سحب سلاح حزب الله والمخيمات وإتمام تنفيذ بنود القرار 1559.

 

2-    عودة ثمانية آلاف لبناني مقيمين في إسرائيل حالياً إلى وطنهم لبنان.

 

3-    إبقاء سوريا خارج الساحة اللبنانية.

 

4-    تثبيت الزعامات الجديدة وتوابعها الهامشية.

 

5-    حل مشكلة لبنان الاقتصادية عبر تبرعات وهبات يمكن لأميركا فرضها على السعودية وعلى دول أخرى.

 

6-    تطبيق سياسة الخصخصة.

 

7-    محاربة الإرهاب على الأرض اللبنانية.

 

8-    إصلاح المؤسسات وتحويلها إلى الشفافية.

 

9-    تدريب الإعلام اللبناني ليكون عامل دعم للنظام.

 

10-   إنعاش المجتمع المدني اللبناني وتطويره.

 

11-  تسهيل التواجد الأميركي في لبنان بإقامة قواعد أميركية.

 

12-    التمهيد لانتخاب رئيس جمهورية جديد ينسجم مع الزعامات الجديدة ومع منطلقات النظام اللبناني الجديد.

 

          ولو تم إنجاز هذه المهمات بالصورة الموعودة لأمكننا الحديث عن لبنان جديد كان حلماً وردياً حتى قبل فترة قصيرة. وعندها نستطيع تخيل سيرورة تحول لبنان إلى هونغ كونغ جديدة. لكن بعض المفاجآت البسيطة قد تتعرض قليلاً هذا المشروع. ورغم ضآلتها وإنخفاض فعاليتها فإن تعدادها يبقى واجباً:

 

1-    ماذا لو فشل النظام في تحقيق البنود الأساسية المطروحة أعلاه؟. بل ماذا لو هو فشل فيها كلها؟.

 

2-    ماذا لو حدث الشقاق بين الحليفين الاميركي والفرنسي حول مصالحهما في لبنان والمنطقة؟.

 

3-  ماذا لو انسحبت أميركا وحلفاؤها من العراق؟ ولو حدث فإنها ستشعل الحرب الأهلية العراقية قبل انسحابها وكذلك فهي ستتركه مقسماً ومفرزاً قبل رحيلها. فهل لنا أن نتخيل إنعكاس هذه المفاجأة على لبنان؟.

 

4-    ماذا لو تعرضت أميركا لهجوم قاسٍ في الداخل الأمريكي؟.

 

5-  ماذا لو تحولت أميركا فجأة الى المنطق السياسي الذي طالما سخرت منه فتخلت عن جنون القوة المطبقة على دول المنطقة؟. ألا يمكن تفسير تغيير تسمية الحرب على الإرهاب وإستبدالها بالكفاح ضد العنف المتطرف في هذا الإتجاه؟.

 

6-    ماذا لو أغرى الوجود الأمريكي في لبنان أعداء أميركا فقرروا مقاتلتها في لبنان؟.

 

7-    ماذا لو تحركت بعض الجماعات اللبنانية ولأسباب متعاكسة ضد النظام الجديد؟.

 

8-    ماذا لو انشقت بعض الفصائل رافضة تسليم سلاحها؟.

 

9-    ماذا لو تنامت طموحات تقسيم لبنان في ظل الديمقراطية الجديدة؟.

 

10-      كيف سيحل النظام الجديد إشكالية الديمقراطية العددية؟.

 

11-      ماذا لو صدق متظاهروا 14 آذار بأنهم صانعو التغيير فراحوا ينزلون إلى الشارع بمناسبة وبدون مناسبة؟.

 

12-     ماذا لو عجز النظام الجديد ومعه الدعم الأميركي عن حماية الأمن ووقف سلسلة التفجيرات والإغتيالات؟.

 

13-    ماذا لو استغل أعداء النظام الجديد الفرص المتاحة للإنقلاب عليه وعلى الدول الداعمة له؟.

 

         إن مؤشرات الساحة السياسية اللبنانية تشير الى تواجد طموحات متناقضة داخل السلطة وخارجها. فطموحات عون تناقض طموحات ما يسمى بالكثرية وتصورات الحلول السياسية والإجتماعية والأمنية تكاد تتناقض بين كل الفرقاء الداخليين والخارجيين. وهي مؤشرات كافية لتغييب اليقين بحيث لا نعود نجد منطلقاً واحداً يقينياً داخل هذا النظام. ولكن هل النظام نفسه يقيني؟. إنها مرحلة خطيرة جداً من مراحل اللايقين اللبناني. وخطورتها تزداد بسبب ظروف تركيب هذا النظام على الطريقة الأميركية.