ليس بالمناورة يعالج "استحقاق غزة"
بقلم :معتصم حمادة
يحمل شهر آب 2005 في
طياته استحقاقات للسلطة الفلسطينية، من المتوقع أن تشكل مقدمة لأحد احتمالين
كبيرين:
1 - الأول أن تثبت
السلطة جدارتها في ملء الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، فتضع
يدها بسهولة على الأراضي التي سوف يجلو عنها المستوطنون وقوات الاحتلال، دون
الدخول في تجاذبات أو توترات مع أي من القوى السياسية. وأن
تضع لهذه الأراضي مشاريع استثمارية ذات فائدة عامة، بحيث يشعر المواطن في القطاع
بإيجابية الانسحاب، على الصعيدين الأمني والمعيشي، وهو أمر سوف يعيد للسلطة هيبتها
المهدورة في عيون المواطنين، ويعزز مكانتها في الشارع، كما سوف يمنحها قوة سياسية
على الصعيدين الإقليمي والدولي (...).
2 - الثاني أن تفشل السلطة في أداء دورها، وأن تسود القطاع فوضى
سياسية وأمنية. إذ يبقى من المحتمل أن تنفلت الأوضاع
الأمنية من عقالها في الساعات الأخيرة للانسحاب الإسرائيلي. فتندفع مجموعات مسلحة
لضرب جنبات قوافل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين
ومؤخراتها وهي في حالة الانسحاب. أو أن يندفع الآلاف من
السكان نحو المستوطنات الخالية وما يحيط بها من أراضٍ
ومزارع ودفيئات للاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه. وضع كهذا سيدخل السلطة في
حالة حرجة جداً. فهي مطالبة من جهة بتوفير الهدوء في القطاع، وفرض التهدئة لحين
استكمال الانسحاب الإسرائيلي؛ وهو ما قد يدفعها للصدام مع المجموعات المسلحة
والدخول معها في اشتباكات دموية، ليس من المستبعد أن تتطور بحيث تتهم السلطة بأنها
تقف مع قوات الاحتلال في الخندق الواحد ضد المقاومة.
كما أن اندفاع
المواطنين - المحتمل -
للاستيلاء على المستوطنات سوف يضع السلطة في مواجهة الآلاف، ويفتح الباب لحوادث
عنف قد تعزز من حالة الفوضى وتوفر مبررات وحججاً للتحريض ضد السلطة والدعوة
للتشكيك بشرعيتها أو حتى لتجريدها منها. يعزز هذا الاحتمال أن يكون لدى البعض
مشروع لانتهاز اللحظة الانتقالية بمفصليتها وحساسيتها السياسية والأمنية، للدفع
بمشروع خلق ازدواجية سلطة في القطاع، تفتح على حالة سياسية جديدة (...).
ويمكن تغليف مثل هذه الخطوات بعناوين عشائرية
عائلية، والادعاء بأن ما حصل ما هو إلا رد فعل شعبي عفوي على سلوك السلطة وفسادها
وتعبير عن عدم الثقة بها وبقدرتها على توزيع الأراضي
وغيرها على المستحقين وبالعدالة المطلوبة. لمثل هذا التطور تداعياته السلبية غير
المحدودة. فهو من جهة يهدد بانهيار الأجهزة الأمنية
الهشة أصلاً، ويشل الأجهزة الإدارية الرسمية، ويخلق ازدواجية - أو أكثر - في
السلطة، مما يرسم علامة استفهام كبيرة حول مستقبل السلطة الفلسطينية نفسها في قطاع
غزة، ومستقبل علاقاتها مع الأطراف السياسية المكونة للحالة الفلسطينية. كما سيرسم
علامة استفهام حول موقعها في المعادلة السياسية الإقليمية، وموقف الجانب
الإسرائيلي منها، خاصة أن مثل هذا التطور سيقوّي ادعاءات "إسرائيل" حول
ما تسميه تهاون السلطة في القضاء على الإرهاب في القطاع.
ومن المتوقع، في
السياق نفسه، أن يلجأ الجيش الإسرائيلي إلى فرض حصار مشدد على القطاع، بدعوى منع
تسلل "الإرهابيين". وأن يلجأ في الوقت نفسه، في الضفة، إلى تسريع
إجراءات ضم الكتل الاستيطانية (...).
بطبيعة الحال، ما من حريص على مصلحة الشعب
الفلسطيني، إلا ويحاول أن يستبعد الاحتمال الثاني لخطورته وبشاعته، وأن يدفع في
اتجاه تغليب الاحتمال الأول. لكن مثل هذه العملية، الشديدة التعقيد، تتجاوز حدود
التمنيات والمشاعر الطيبة والنيات الحسنة، وتبقى رهناً بمقدماتها ومتطلباتها
وشروطها ومستلزماتها المختلفة (...).
من الخطأ النظر إلى مجمل العملية المرافقة
للانسحاب من الزاوية الأمنية المحدودة. ونجزم أن المدخل لضمان الاحتمال الأول هو
في تناوله من زاويته السياسية. في هذا السياق تلفت نظرنا النقاشات الدائرة في الصف
الفلسطيني، ونموذجها ما دار في اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في غزة في 19/7/2005،
وفي الاجتماع الموسع الذي عقد في اليوم نفسه بين اللجنة التنفيذية واللجنة
الوزارية المعنية من قبل السلطة بملف الانسحاب الإسرائيلي. وقد أبـرزت هذه
النقاشات عدداً من الملاحظات والمواقف منها:
* تشاؤم رئيس الحكومة
أحمد قريع (أبو علاء) من الحالة بشكل عام، وتخوفه من أن
يكون الاقتتال الذي شهده القطاع أخيراً (واستدعى تدخلاً مصرياً) مقدمة لاقتتال
أوسع يقع مع الانسحاب الإسرائيلي. ومن المنطقي القول إن تقدير أبو علاء استند
بالضرورة إلى قراءة سياسية، هي في الوقت نفسه ليست تعبيراً عن وجهة نظره الشخصية
وحده، بل وأيضاً وجهة نظر صف من كبار المسؤولين في
السلطة (...).
* تردد السلطة، بل
رفضها الصامت، اعتماد صيغة سياسية تنظيمية (تشكيل هيئة وطنية عليا) تشرك القوى
السياسية الفلسطينية في تحمل المسؤوليات الآتية مع الانسحاب الإسرائيلي، وإصرارها
في المقابل على إبقاء الملف بيد الوزير محمد دحلان
تساعده في ذلك أطقم وزارية عدة. على أن تبقى القوى
السياسية مراقبة لما يجري، تتلقى النتائج (غير كاملة) دون أن يكون لها دور في صوغ
القرار ومتابعته وضمان تنفيذه.
* لجوء
السلطة في معالجة الوضع إلى القرارات الفوقية، ظناً منها أن مثل هذه القرارات
كافية لضبط الوضع وفق الحدود المطلوبة. فتصدر على سبيل المثال قراراً تمنع بموجبه
المواطنين، وتحت طائلة المسؤولية، من الاقتراب من المناطق التي سوف يجلو عنها
الاحتلال والمستوطنون. ويغيب عن بال الكثيرين، في هذا
المجال، أن التزام المواطنين بقرارات السلطة وإنذاراتها رهن بعوامل عدة، يعتقد صف
واسع من المراقبين أنها ما زالت غير متوافرة بالقدر الكافي. وفي السياق نفسه، يغيب
عن بال السلطة أنه في ظل شروط معينة - بعضها متوافر في الحالة الراهنة - يكفي وقوع
اشتباك صغير مع مجموعة من المواطنين ليشتعل القطاع، خاصة إذا توافرت النيات
والمشاريع السياسية لاستغلال مثل هذه الأحداث الصغيرة ودفع الأمور نحو التصعيد
والتفجير الكامل.
ونعتقد أنه، في وضع
كالذي يعيشه قطاع غزة، من السذاجة بمكان المراهنة على حسن النيات وطيبة القلب في
إدارة الأمور. كما أنه من الغباء الشديد، من جهة أخرى،
المراهنة على القوة العسكرية لضبطها. فالخياران يشكلان
وجهين لسياسة واحدة، لا توفر ضمانات كافية للعبور بالقطاع عبر الاستحقاقات المقبلة
نحو بر الأمان. ومما يزيد في القلق أن السلطة ما زالت
تتعامل مع استحقاق غزة بعقلية تحكمها سياسة المناورة وليس عقلية الاستجابة
للاشتراطات الموضوعية للحدث. فدعوتها على سبيل المثال
لتشكيل "حكومة وحدة وطنية" تضم الجميع لاستقبال الاستحقاق الكبير في
غزة، بقيت في إطار المناورة. إذ وقفت السلطة عند حدود
الدعوة لتشكيل الحكومة دون أن تقدم للأطراف المعنية ما يوضح مضمون هذه الدعوة
وبرنامج الحكومة المنشودة، وآليات مشاركة الأطراف فيها وفي صوغ القرار السياسي.
وحتى عندما طُلب إلى
رئيس السلطة محمود عباس، في زيارته الأخيرة لدمشق، تقديم التوضيحات الضرورية في
هذا المجال (حكومة جديدة -
تعديل وزاري - إضافة وزراء جدد الخ...) اكتفى بعبارات عامة دون
الدخول في التفاصيل العملية. وفي اجتماع 19/7 (المشار إليه أعلاه) تذرع رئيس
الحكومة برفض كل من "حماس" و"الجهاد" دخول الحكومة الجديدة
ليبرر عدم تشكيل حكومة تكون على مستوى الحدث؛ وتحل محل الحكومة الحالية التي يتفق
الجميع على أنها باهتة ولا تملك القدرة على إدارة الأمور بالكفاية المطلوبة. وكان
واضحاً أن اشتراط دخول "حماس" و"الجهاد" لا يندرج إلا في إطار
الاشتراطات التعجيزية أو المناورات المكشوفة. فالجميع يدرك أن الظرف الخاص بالحركتين في الوقت الراهن لا
يوفر لهما شروط المشاركة في السلطة التنفيذية. لذلك من حق أي مراقب أن يتساءل عن
الحكمة في موقف أبو علاء، حين يرفض تشكيل حكومة موسعة تضم كل أطراف منظمة التحرير
الفلسطينية ويتمسك بحكومة من لون واحد (هو اللون الفتحاوي)
في وقت يدعي فيه الرغبة بتشكيل "حكومة وحدة وطنية".
بطبيعة الحال لا نستطيع أن نصف السلطة بأنها لا
تدرك حقيقة الاستحقاق المقبل وطبيعته. فقرار رئيس السلطة
في الإقامة الدائمة في غزة، منذ مطلع آب لمواكبة التطورات تعبير عن اهتمام (وقلق) بما
يجري. غير أننا نستطيع في المقابل أن نصف السلطة بأنها ما زالت تتعامل مع
الاستحقاق بروحية التفرد بالقرار، يحكمها في ذلك وعي يرى في مشاركة الآخرين مشاركة
لها في الكعكة، وقيداً قد يحد من قدرتها على الحركة السياسية، ويقلل من هامشها تحت
سقف "خريطة الطريق". علماً أن القوى السياسية تفهمت ظروف
السلطة وانخراطها في هذه الخطة مرتين. الأولى حين دعا أبو مازن، من موقعه كرئيس
للحكومة عام 2003، إلى هدنة التزمتها الفصائل وخرقها
شارون. والثانية حين التزمت الفصائل دعوته للهدنة في 8/2/2005.
في الحالتين كانت القوى السياسية تدرك جيداً أن الهدنة تندرج
في إطار استحقاقات "خريطة الطريق".
ملخص القول إن الاستحقاق المقبل في غزة يضع، ليس
السلطة الفلسطينية وحدها، بل مجمل المشروع الوطني الفلسطيني، عند مفترق طرق. وتقديرنا أن حجم الاستحقاق يتجاوز قدرة السلطة على تحمل أعبائه
منفردة. من هنا دعوتنا إلى إعادة النظر في الآليات القائمة، وفتح الباب لإشراك
القوى السياسية في هيئة وطنية عليا، لا تشكل بديلاً من السلطة، بل توفر لها غطاءً
سياسياً يمكنها من أداء دورها والانتقال بالقطاع إلى مرحلة جديدة، تزرع في نفوس
المواطنين الثقة بأن مشروعهم الوطني يشق طريقه، وإن بصعوبة وبتضحيات غالية، كما
يزرع الثقة لدى الأطراف المعنية، إقليمياً ودولياً، بأن الفلسطينيين يملكون
الجدارة لإدارة شؤونهم وبناء دولتهم فوق أرضهم وممارسة سيادتهم عليها.