وفي كل شيء له آية

 

 

 

 

بقلم : حسن السرات

serrat2@yahoo.fr

 

خصصت "سيونس إي في" أي "العلم والحياة" المجلة العلمية الفرنسية الواسعة الانتشار غلافها الرئيس لشهر غشت 2005 لموضوع حساس ومتجدد، ألا وهو موضوع الإيمان الديني، ووضعت على غلاف العدد 1055 سؤلا كبيرا مثيرا "لماذا لن يختفي الله أبدا". وتناولت تفاصيل الموضوع في محاور متعددة منها "دماغنا المبرمج على الإيمان" و"اكتشاف جزيء الإيمان؟" و"الدين يزيد في نسبة الأمل في الحياة" و"الروحانية المتصاعدة منذ البدايات". ومن أهم النتائج المعروضة في هذا الملف أن أبحاثا جديدة في بيولوجيا الأعصاب أكدت أن كل شيء في دماغنا يدفعنا إلى الإيمان، وأن هذه الأبحاث مكنت من اكتشاف الجزيء الخاص بالإيمان، ألا وهو "السيروطونين"، وأن الإيمان يخفف من القلق بطريقة معجزة ويزيد في نسبة الأمل في الحياة، ويحسن صحة المؤمن أكثر من غير المؤمن. وساقت المجلة ضمن الملف، الذي شارك فيه علماء وخبراء وباحثون ودارسون من مختلف التخصصات ذات الصلة بالموضوع، خلاصة دراسة قام بها فريق متخصص في علم النفس بجامعة مينيسوتا الأمريكية، ونشرت في مجلة علمية محكمة هي "مجلة الشخصية"، حيث أكد الباحثون أن الشعور الديني لا يتأثر بالبيئة التي ينمو فيها، ولكن له جينات خاصة به. وعرضت المجلة أيضا خلاصة دراسة أكد صاحبها أن الدين يكسب الفرد والمجتمع صحة جيدة ومتكاملة، بل إن دراسة أخرى أظهرت أن الشعور الديني يساعد الأشخاص على مقاومة مرض "ألزهايمر" إذا ما أصيبوا به. وأن الشعور الديني ليس مستعدا للانطفاء، إذ أنه منذ ثلاثة ملايين من السنين وهو يكسب الأنصار والمساحات ليصل اليوم إلى حوالي 85 بالمئة من ساكنة هذا الكوكب: 35 بالمئة مسيحيون و20 بالمئة مسلمون، وما تبقى موزع على عدد من الديانات، بينما لا يتدين من الناس إلا 15 بالمئة. (انظر التفاصيل في العدد المذكور على الصفحات46-66).

مثل هذه الدراسات، وإن كان ينبغي أن نقرأها على حذر علمي، وذلك ما نبهت عليه المجلة ذاتها، إلا أن كثيرا من القضايا المفصلة فيه مقبولة في ديننا وشريعتنا، بل سبق للوحي الأعلى أن أثبتها وأيدها في الآيات والسور التي تنزل بها على قلب نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، منذ ألف وخمس مئة عام، ومنها أن الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر من شأنه أن يحيي الإنسان والمجتمع حياة طيبة سعيدة هنية، وأكتفي بهذا المقطع من سورة طه حيث قال الله تعالى (قال اهبطا منها جميعا، بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم، إن في ذلك لآيات لأولي النهى) طه 122-128. فهذه آيات تصل حياة البداية بحياة النهاية مرورا بحياة الدنيا، وتؤكد أن لها قانونا واضحا ثابتا لا يتغير، فمن آمن فله السعادة والاستقامة، ومن أعرض فله العكس، وسينعكس كل ذلك في الآخرة. وما أكثر الآيات التي تبدئ وتعيد في هذا. وعليه، فما أحوجنا نحن المسلمين إلى دراسات اجتماعية ونفسية وتاريخية وأنتروبولوجية قديمة وحديثة نفسر بها آيات ربنا من واقع حياتنا بالأرقام والإحصائيات والبيانات والمعطيات ثم نعرضها عرضا حسنا على أبنائنا وبناتنا وعلى العالم كله. ولعل شعبة الدراسات الإسلامية والتربية الإسلامية وشعب العلوم الإنسانية هي أولى من يقوم بهذا. بل إن هذا من مسؤوليات الحركات الإسلامية الرسمية والشعبية التي جعلت وظائفها الأساسية دعوة وتربية وتكوينا.

ومن المسلم به أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك، كما دأب على تكرار ذلك علماؤنا الأجلاء. وعليه، فإن البحث عن جزيئات الإيمان وجيناته في الدماغ أو في النخاع الشوكي وأعصابنا للقول هاهي ذي الصبغيات والفصوص الصدغية المسؤولة عن إيماننا وتديننا أمر مجانب للصواب لعدة أسباب تتعلق بمنهج البحث أو بموضوعه. وأكتفي بالقول هنا إن كل شيء في هذا الكون يشهد بالإيمان وعلى أن الله تعالى هو الخالق البارئ المصور البديع السميع البصير وليس هذا الجزيء أو تلك الجينات... وقد أفاض القرآن الكريم في هذا، وقال شاعرنا "وفي كل شيء له آية...  تدل على أنه الصانع". وقال الآخر "وتحسب أنك جرم صغير... وفيك انطوى العالم الأكبر". وأضيف أن الإيمان لا ينغرس في الدماغ، بل ينبت وينمو ويكبر في أعماق الأفئدة والصدور، ففي قلوبنا يصدع الإيمان ويجهر، ومنه تنطلق أشعته ومقتضياته نحو باقي الأعضاء والأكوان، وأنه مزروع في أصلابنا منذ الخلق الأول ولا يمكن التنكر له ولا إطفاء جذوته المتوهجة. قال الله تعالى ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) سورة الحج 46. وقال أيضا (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) الأعراف 172