النظام المصري من عجرفة البطش إلي حتمية الصدام
بقلم :أحمد دراج
لايظهر في الأفق المنظور أي مظهر من مظاهر التصالح
بين فصيلين أحدهما قليل العدد ويمسك بتلابيب السلطة
ويكدس المال الحرام والجاه في ظل امبراطورية الفساد
وسياسة التناحة، ومع هذا الفصيل
تكاثرت الجراثيم- التي نمت في بيئة عفنة- من لصوص ومنافقين ومنتفعين، أما الفصيل الآخر الذي يمثله عامة الشعب المصري المضطهد بشرائحه
المختلفة من عمال وفلاحين وقضاة ومهندسين وأطباء وأساتذة جامعات ومحامين ، نقابات
وأحزاب فجميعها يرزح تحت سطوة الإجرام والظلم والفوضي.
وازدادت الهوة عمقا
بين عائلة الرئيس ودهاقنته المتسلطين علي مقاليد الحكم
والمال والإعلام من ناحية وقوي الشعب الرافضة لاستمرار استغفال الشعب واستحماره علي يد نظام عائلي يستقوي بأعداء الشعب الصهاينة
والأمريكيين، في هذه الأجواء الملبدة والمشاكل المتقيحة لا يمكن استمرار الصمت
تجاه عملية شفط ثروات مصر من مصانع وأراضي وعقارات وبيعها ضمن صفقات مشبوهة للتربح
والسمسرة من أعضاء نظام عصابي لم يكتف بتجريف الحياة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية لربع قرن مضي ، بل مازال يطمع في
المزيد من الثروة والسلطة.
إذن لم يعد هناك بديل
عن عقد جديد يقوم علي الشرعية والشفافية ويعود بالسلطة إلي الشعب صاحب الكلمة
العليا في اختيار حكامه من خلال صندوق انتخابي شفاف وبين مواطنين متساويين في
الحقوق والواجبات، فالشعب وفق نص الدستور هو مصدر كل السلطات.
ولا يلوح في الأفق
القريب بوادر انفراج حقيقي في العلاقة المتنافرة بين شعب مصر ونظام فقد شرعية
الحكم وهتك شرف شعبه وذبح كرامته كما هتك عرض صندوق الاقتراع بالتزوير في استفتاء
الأربعاء الأسود في 25 مايو، وأعقبه بشن حملة اعتقالات وتنكيل في سبت إرهاب الدولة
يوم 30 يوليو إيذانا بعقاب جماعي للشعب المصري في مستهل فترة خامسة لتزوير إرادة
الشعب ، هذا التنكيل والصلف والإجرام الذي استهدف طلائع المعارضين لنظام حكم سادي يتعقب القوي المطالبة بالتغيير والمناهضة لألاعيبه
بالالتفاف حول المطالب القانونية الشرعية والسلمية لجموع الشعب وفي مقدمتها مطالب
نادي قضاة مصرالدستورية الداعية لاستقلالهم عن السلطة
التنفيذية وبإشرافهم علي كامل العملية الانتخابية بما يضمن تحقق العدل والمساواة
بين المرشحين بانتماءاتهم المختلفة، وضمان حق الناخين
في عدم اهدار اختياراتهم.
لقد اتسمت مواقف رئيس
النظام ومستشاري الكوارث بالتصلب مرة والمماطلة والتسويف مرات والتحايل آلاف
المرات إزاء حتمية التغيير تحقيقا لآمال جموع الشعب التواق إلي الحرية من خلال
ترسيخ عقد جديد بشرعية دستورية غير شرعية البلطجة والتزوير والتدمير التي دشنها
النظام وحماها بأنياب قانون الطواريء.
لقد تحايل النظام بكل
وسائل الإفساد علي سيادة شريعة الغاب التي تتوكأ علي الجمود والشيخوخة وتصلب
الشرايين وتجبيس الحريات وإطلاق يد المفسدين في شرايين المجتمع ومؤسساته، وهذا
ينذر بأوخم العواقب علي المستويين الداخلي والخارجي وقد لاحت في الأفق نذر هذه
العواقب في التفجيرات الأخيرة التي لا يمكن قراءتها بعيدا عن شظايا البطالة وألغام
الفشل واشتعال الأسعار مهما حاول إعلام السلطة تزييف الحقيقة بكلمات فارغة المحتوي
تدر ذهب المعز وعطاياه.
والآن، بعد انسداد
الأفق بغيوم الفساد وهراوات الأمن المركزي وسنج المسجلين الخطرين وسيوفهم، لم يعد
هناك أي بصيص من الأمل في استرداد الشعب لحقوقه المغتصبة والمسلوبة بالطرق
السلمية، ولم يعد هناك ثمة حل في مواجهة إرهاب مؤسسات الرئاسة التي دأبت علي
التنكيل بالمعارضين وأصحاب الرأي واعتقالهم وتعذيبهم حتي
الموت المادي والمعنوي، فإذا سلكت بعض القوي المطالبة بالتغيير مسلكا آخر للدفاع
عن حقها بمواجهة إرهاب النظام وأجهزة أمنه فلا يلومنهم
لائم لأن النظام أوصد بعجرفته وبطشه كل البوابات السلمية للتغيير الآمن ومحاسبة
اللصوص والمفسدين.
فقد سعي النظام بكل
ما لديه من قوة إلي الصدام بدل التجاوب مع مطالب الشعب وقوي التغيير، ولم يبق لهذه
القوي سوي الدفاع عن أنفسهم ومستقبلهم ضد إرهاب الدولة ومؤسساتها الأمنية، إنهم
يدافعون عن حقهم في الحياة والعمل والمساواة ويذودون عن أنفسهم ضد بلطجة نظام فقد
شرعيته بكل المقاييس العالمية ووفق كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية .
إن القوي المتحكمة في
مصير الشعب المصري ومقدراته الاقتصادية والسياسية والاعلامية
محدودة العدد والذكاء ولكنها غير محدودة المصالح والنفوذ والمطامع، وهي تعتمد في
سطوتها وجبروتها علي عدد محدود جدا من ضباط الأمن والشرطة، تدعمه جحافل من جنود
الأمن المركزي والقوات الخاصة فاقدة الإحساس بآلام الشعب وأصبح النظام كالثور
الهائج ويدفع باتجاه الصدام ولايري ماتحت
أقدامه من خراب صنعه بيديه، وهم في كل خطوة يدقون مسامير نعش حكم انتهت صلاحيته
بالدفاع عنه بغباء منقطع النظير، وبهذا الخراب والغباء رجعت مصر ألاف السنين إلي
الوراء حتي صارت في مقدمة الدول المهددة بالانهيار في
العالم وفق تقرير أمريكي( الوفد 31يولـــيو 2005 )
وهنا يتبادر التساؤل:
كيف استمرأت قيادات الأمن المصري قهر المواطن المطالب بحقه سلميا وتعذيبه بدون
رادع ديني أو أخلاقي ؟ ألا يفكرون في عقاب الله لهم ؟
ألم يهتز لهم جفن لقوله تعالي ( إن ربك لبالمرصاد ) ؟
إن الذرائع التي
يسوقها النظام المصري لتبرير اعتدائه علي حرية المواطنين وكرامتهم وتلفيق القضايا
للأبرياء لم يعد ينطلي إلا علي فاقدي الضمير والوعي، ولم يعد له صدي إلا في خيالات
المنافقين وأوهام الطامعين، ومهما حاولوا تأجيل العقاب والحساب في الدنيا فإن
المجرمين لن يفلتوا بجرائهم أو غنائمهم مهما اشتد وطيس البطش والمواجهة بين النظام
القائم علي خرق الدستور والقوانين من جهة وقوي التغيير والثورة من جهة أخري
فالتغيير آت لامحالة ولنسترشد بالحكمة التي تقول "
اشتدي يا أزمة تنفرجي"، وها هي الأزمة في عنفوانها
تزداد شدة واحتقانا بتهئية النظام وأتباعه من البلطجية لصدام وشيك قد يفجر الصراع في أي لحظة.