مبارك .. أعز اليهود والنصارى.. و أذل المسلمين..
شعب (بل
نظام) يستحق الحرق..!!
الطـوفـان(2/2)
التنكيل بعلماء الأزهر جريمة لم يجرؤ
عليها شارون وتستوجب عزل مبارك..
جزى الله الشيخ سيد عسكر خيرا عن
الأمة.. دافع عن القرآن فسحلوه..
بقلم د. محمد عباس
www.mohamadabbas.net
mohamadab@gawab.com
ماذا يحدث لإنسان إذا نزعت
روحه..
ماذا يبقى منه..
أيبقي شئ سوى
الجيفة؟؟!!
وحتى لو استطاعوا
بالوسائل الصناعية، وبالتزوير والتدليس والكذب، لو استطاعوا الإبقاء على مظاهر
الحياة دون جوهرها، فهل تتغير الجيفة؟ هل تتطور؟.. هل يمكن إصلاحها دون إعادة
الروح إليها؟!..
ماذا يبقي من العين إن
سلبت منها البصر..
وماذا يبقى من الأذن
إن سلبت منها السمع..
وماذا يبقى من المخ إن
سلبت منه العقل..
وماذا يبقى من القلب
إن سلبت منه الوجدان والعقيدة..
***
لا أريد أن أفلت
الواقع في بحر المثال أو دنيا الخيال.. فما أقصده بالإنسان الذي نزعت روحه وبالعين
بلا بصر والأذن بلا سمع والمخ بلا عقل والقلب بلا عقيدة هو جمع الأمة أما الروح والسمع
والبصر والفؤاد فهي الإسلام..
والطوفان الذي يدهمنا
يغرقنا لا يكتفي بإغراقنا بل يفصل ما بين هذه المتلازمات..
بين الجسد والروح..
العين والبصر.. السمع والأذن..والمخ والعقل..
الوجدان والقلب.. والأمة والإسلام..
يغرقنا الطوفان ويفرقنا
شذر مذر فيجعلنا نقرأ سطرا واحدا من صفحة واحدة من سفر الوجود الهائل ثم نحكم على
الأمر كله و كأننا قد قرأنا السفر كله..
نعم..
كأنك قرأت صفحة واحدة
من رواية ثم رحت تحكم على الرواية كلها كما لو كانت لا تحتوي إلا تلك الصفحة..
كأنك قرأت صفحة واحدة
ثم لم تقرأ سواها.. أو كأنك حين قرأت سواها نسيته أو أنسيته..
وذلك جوهر الحداثة دون
إخلال حقيقي مهما ادعى الحداثيون: القطيعة المعرفية.. أن تقاطع معارفك السابقة
كلها و أولها الدين والإيمان.. أن تنسي الأحداث والأفكار والوجدان والأحاسيس.. فلا
تذكر إلا الصفحة التي أمامك .. فإذا أضفنا أن الصفحة التي قدمت إليك إنما هي صفحة
مزورة مدسوسة مغشوشة كاذبة اكتملت الكارثة..
سبحان الله..
أليس ذلك ما حذرنا منه
القرآن الكريم من أن ننسى الله فينسينا أنفسنا:
وَلا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ
الْفَاسِقُونَ ( الحشر19)
نعم..
صدق الله العظيم..
أولئك هم الفاسقون..
هم الفاسقون..
***
تعاقب الأحداث ينسي
بعضه بعضا..
وكلما طال الأمد قست
القلوب و أعتمت العقول فعجزت عن رؤية الحقيقة وتاهت عن أصل الحكاية فأصبحت الخطوات
خبط عشواء.. كالمريض الذي عجزنا عن تشخيص مرضه فرحنا نعالج الظواهر والأعراض بما
قد يزيد وطأة المرض وتفاقمه من ناحية.. ومن الناحية الأخرى فهو لا يمكن أن يعالج
مرضا لم يعرف أصله ولا تشخيصه..
وتحت هذا المثل تندرج
كل محاولات الإصلاح في عالمنا الإسلامي.. وتندرج بالتالي ممارسات مبارك وبدائله.
يجب أن نعرف أصل الداء
كي نعرف الدواء..
***
أصل الحكاية إما إيمان
و إما كفر..
لا سبيل إلى إعادة
الجيفة إنسانا إلا بإعادة الروح إليها..
ولا سبيل إلى إحياء
الأمة من مواتها إلا بعودتها إلى الإسلام..
ذلك هو سبيل الإصلاح
الذي نتنكبه وطريقه الذي نسير في عكس اتجاهه..
ذلك هو سبيل الإصلاح
وغيره مزيد من الفساد والإفساد والخراب..
لطالما مضت الأمة في
سبيل التيه وهي تنحدر على الهاوية من ضلال إلى ضلال أضل و من فساد إلى فساد أشد
ومن مصائب إلى مصائب أكبر..
نعم..
يجب أن نفهم أن كل
قضايا الوجود يلخصها أمر من أمرين:
إما إيمان و إما كفر..
هل خلق هذا الكون إله
أم وُجد هذا الكون صدفة..
يجب أن نبدأ من
البداية فنور البداية هو الذي يضئ لك النهاية..
وسيختلف كل شئ في هذا
الوجود إذا ما آمنت أو كفرت..
إذ لو لم
يكن الله موجودا – حاش لله – لأصبح كل ما نفعله بلا قيمة.. يصبح الجهاد حماقة
والصلاة عبثا ومكارم الأخلاق بلا جدوى
والصدق سخفا والشرف بلاهة والالتزام سفاهة.. وتصبح العلاقة بيننا وبين
الفلسطينيين والعرب والمسلمين وهما وخرافة وينقسم العالم – بمفهوم الشيطان – إلى
متحضرين مستنيرين لا يؤمنون بالغيب ولا بالله ومتخلفين همج ما زالوا يؤمنون
بالله.. أما أشدهم تخلفا فإنهم أولئك القلة الذين يعتقدون بأن القرآن وحي الله الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقرون بأن الشريعة الإسلامية هي مرجعهم الأعلى
في كافة شؤون حياتهم.(!!)
نعم .. إذا لم يكن
الله موجودا فكل شئ مباح..
و إذا لم يكن موجودا،
فإن الإنسان الضائع في هذا الكون، الإنسان الذي لا أصل له ولا بداية ولا مآل ينتهي إليه إلا مآل الجيفة بعد
طلوع الروح.. هذا الإنسان الذي خسر روحه
قبل أن تطلع لا يبقي له إلا الجسد.. غواية الجسد.. هوة الجسد.. نتن الجسد.. جيفة
الجسد.. حيث الحق هو القوة ولا حق إلا القوة.. وحيث متعه الجسد التي سرعان ما
تُسأم.. ليتحول الشذوذ إلى مكون رئيسي في المنظومة..
سوف نتناول ذلك بمزيد
من التفاصيل في مقالات قادمة.. لكننا هنا نقول أن الإنسان إما أن يؤمن بالله..
بالقدرة الكامنة خلف الأشياء والأحياء و إما أن يؤمن أنه في البدء كانت المادة ولا شيء وراءها و
أنها تفسر كل شيء عبر الإحساس المباشر ، لكن المنطق العقلي المجرد في هذه
الحالة يستلزم أن تكون المادة بسيطة
ومتجانسة ، إذ يمكن بمنطق الشيطان أن نصدق أن الكون كله مكون من الهيدروجين على
سبيل المثال ( لا يصدق ذلك إلا مجنون أو غبي خاصة عندما يكون لديه أبسط إلمام
بتركيب الذرة).. ويمكن لعقل الشيطان إذن أن يقتنع بتكون استثناء أو استثناءين، أو
على الأقل أن يكون وجود العناصر عشوائيا لا يسلكه نظام. أما أن تكون هذه
الاستثناءات 102 استثناء : هي عدد العناصر في الأرض ( ما كان يسمى بجدول مندليف)، و أن يكون كل عنصر منها خاضعا
لترتيب رياضي مذهل في دقته، للدرجة التي أمكن بها التنبؤ بوجود بعض العناصر رياضيا
قبل اكتشافها في الواقع، حينئذ يكون الاستثناء هو القاعدة، وتنهدم نظرية التفسير
المادي للتاريخ، ذلك أن أي محاولة لتفسير تنظيم المادة وتراتبها المعجز بأي قوة
خارجها هو اعتراف بوجود الله!! خاصة إذا وضعنا في الاعتبار ملايين ملايين العوامل
في نطاق الأرض وخارج نطاقها ، والتي لولاها ما كانت الأرض هي الأرض ولا السماء هي
السماء. إذ لو أننا صدقنا التفسير المادي في الأرض فهل كان له أن يتم بمعزل عن
سرعة دوران الأرض والمسافة بينها وبين الشمس وعلاقتها بالأفلاك. ونحن أمام
احتمالين: إما أن تكون هذه البلايين من العوامل بلايين من الصدف ( و أنا والله يا
قراء أشك أنه حتى المجنون يمكن أن يصدق هذا) وإما أن يكون كل ذلك مظهرا من مظاهر
المشيئة وسننها وقوانينها.
الخيال المريض الذي
يفسر الوجود بتوافق ملايين الصدف أشبه بمجنون يفسر وجود مكتبة هائلة تحوي ملايين
الكتب في الدين والتاريخ والفلسفة والأدب الشعر والموسيقى و..و..و..و.. أن يفسر
ذلك بانفجار حدث في مخزن للورق تصادف أن حدث معه انفجار في مخزن للحبر فنتج عن
الانفجارين – بالصدفة- أن تناثر الحبر على الورق، وبالصدفة أدي تناثر رذاذ الحبر
إلى طباعة بلايين الصفحات، دونما خطأ يذكر، ودونما خلل في توزيع الحبر وتجانسه على
الصفحات، ثم تصادف أن حدث انفجار ثالث نتج عنه أن تطايرت بلايين بلايين الصفحات
فرتبت نفسها دون أي خلل في ترتيب الصفحات ودون سقوط صفحة من هنا أو صفحة من هناك،
ثم تصادف أن حدث انفجار رابع في مخزن للورق المقوى فتناثر الورق كي يكون أغلفة
للكتب، ثم تصادف أن حدث انفجار في مخزن الأحبار الملونة ترتب عليه رسما مختلفا
لغلاف كل نوع من الكتب يتشابه فقط في نسخ الكتاب الواحد ولا يتكرر في كتابين
مختلفين، ثم تصادف أن حدث انفجار في غابة مجاورة فنتج عنه – بالصدفة أرفف المكتبة،
ثم تصادف انفجار آخر ترتبت فيه الكتب، ثم تصادف انفجار أنشأ الفهارس ثم تصادف
انفجار أنشأ المبنى..
ويمكن أن أستمر في هذا
العبث بلا نهاية لكنني أتوقف عنه لأقول لكم يا قراء أن هذا المثل الذي ضربته مخجل
إلى درجة الخزي إذا ما وضعنا بدلا من المكتبة الخلية أو الذرة.. أو الذبابة.. ضعف
الطالب والمطلوب.
سوف نتناول ذلك في
مقالات قادمة بمزيد من التفاصيل إن شاء
الله، ولن أعتمد على كتب علماء الدين فقط، بل سأعتمد على كتب علماء في الفيزياء
والهندسة، مثل الدكتور محمد الحسيني
إسماعيل خاصة في مؤلفين جليلين له هما :" الحقيقة المطلقة : الله والدين
والإنسان" و " الدين والعلم وقصور الفكر البشري" وناشر الكتابين :
مكتبة وهبة: القاهرة"والذي يتناول قضية الإيمان فيهما، ليس عبر النصوص الدينية،
ولكن عبر النظريات الفلسفية والقوانين
العلمية.
***
الإصلاح إذن في حالة
إذا ما كان الله موجودا يختلف عن الإصلاح إذا ما كانت شياطين الجن والإنس هي
الوجود الوحيد..
لو لم يكن الله موجودا
– حاش لله- لكن بوش وشارون ومبارك على حق وكنا نحن على باطل.. ولكانوا هم الذين
فازوا بدنيا ليس بعدها آخرة.. فليس هناك أي مقياس ثابت أو معيار دائم فكل شئ نسبي ووقتي ومتغير
ومعياره الوحيد المصلحة والقوة واللذة..
لكن ما الأمر إن كان
العكس هو الصحيح؟!..
إذا كان الله موجودا..
وثمة غيب وحساب وثواب وعقاب ..
هل يجوز لنا والحال
ذاك أن تكون اختياراتنا و إصلاحاتنا بمعزل عن أوامر خالقنا..؟..
هل يجوز ذلك إلا في
أحد حالين:
أولاهما أن ننكر وجود
الله ذاته – حاشا لله-.
وثانيهما -كما يدعي
بعض العلمانيين- أن يؤمنوا بوجود الله 0 ككيان غامض بلا معنى – لكنهم يكذبون
بالرسل.
أو نقول ما قاله
الخنزير ليو شستراوس أن الدين كذبة نبيلة يجب أن نحافظ عليها.. لكن كما يقول جيمس
وايت: علينا أن نحدد نحن مواصفات الله و أن نحدد نحن بنود الشريعة التي تتغير
بتغير احتياجاتنا ومصالحنا و أهوائنا ( في التطبيق العملي أسفر هذا عن إباحة كل
شئ.. حتى القتل والسرقة والشذوذ)..
دعنا الآن من المبشرين
الصليبيين واليهود.. فأولئك طمس الله على قلوبهم فنكصوا عن الكامل ليؤمنوا بالناقص
ورفضوا الصحيح وقبلوا المحرف..
دعنا منهم الآن..فلذلك
مقال يجب أن يكون وحده.. لكنني أريد أن أؤكد هنا أن المؤمن بالله يجب أن يؤمن بضرورة
تطبيق شرعه.. والعكس صحيح.. فكيف يكون مؤمنا بالله وبكتابه ويعرف أي نوع من العذاب
سيتعرض له إن لم يبادر إلى تطبيق شرع الله.. ثم لا يفعل..
كيف..
كيف يرى الهاوية تحت
قدميه فيقفز..
كيف..
كيف يرى الجحيم أمامه
فيقتحم..
كيف يرى أمامه قطعة من
الحلوى فيسارع إلى التهامها رغم علمه أن السم الزعاف مبثوث فيها..
كيف إن كان يؤمن
بالأبد أن يضيعه ليشتري به الدنيا؟..
كيف..
كيف؟..
كيف؟..
إذن: اختيار الإيمان
أو الكفر ليس اختيارا نظريا بل هو أهم محور ومفترق طرق في حياتنا و هو الذي يحدد
لنا طريق الإصلاح وفي أي اتجاه نسير.
والأمر إذن ليس أمر
خرافات و أساطير كما تحاول فئة الصعاليك والسفلة وشذاذ الآفاق من علمانيين وقوميين
وشيوعيين ويساريين وبراجماتيين وحداثيين وما بعد حداثيين أن تثبت.
في الغرب كان لهذه
الفئات السافلة بعض احترام لأنها لم تخدع أمتها ولا هي غشت قومها فاعترفت وأعلنت أنها
لا تؤمن بالله و أنها ارتضت المادة إلها..وترتب على هذا وضع غايات – أو على الأحرى
نفي الغايات – الوجود التي تتلخص في أن متعة الوجود والغاية منه هو القوة واللذة،
حيث القوة هي الحق – ولا حق سواه- والسعادة هي اللذة – ولا سعادة سواها-.
و لأسباب عديدة اقتصر الخلاف
هناك – في الغرب- على جوانبه الفكرية
والفلسفية حتى و إن تحول المجتمع إلى ساحة مفتوحة لصراع يتم طبقا لنظام محدد لا
يبيح للملحدين التنكيل بالمؤمنين بدين.
في بلادنا كان
الإيمان يقوم بوظيفة جوهرية لم تعرفها
الأديان الأخرى.. فلأن الإسلام دين ودولة
فقد كان الإسلام يقوم بعمل النسيج الضام الذي يربط بين أجزاء الأمة وبدونه
لا تتفتت الأمة فقط بل وتدول دولتها وتزول..
لذلك.. ففي بلادنا
المنكوبة أضاف العلمانيون إلى رذائلهم رذيلة الخيانة، حين أخفوا كفرهم. ثم أضافوا
إلى رذائلهم محاولة هدم الدين بادعاء تفسيره، ثم أضافوا سلوكا همجيا وحشيا
استئصاليا للقضاء على المؤمنين.. القضاء بكل معانيه، بالقتل خارج منظومة القانون،
أو بالقانون، والعزل والتشويه والتجويع والحصار والمنع من الوظائف ومن وسائل النشر
وحتى من الوظائف المرموقة في المجتمع. بلا عقل ولا خلق ولا ضمير، وهم إذ يفعلون
ذلك يرفعون شعارات خالية من المضمون، يرفعون شعار الديمقراطية مثلا، فإذا رأوا أن
المؤمنين هم الذين سيفوزون لعنوا الديمقراطية التي جاءت بهتلر ثم تكاد تأتي
بالمسلمين. أو يرفعون شعار تحرير المرأة وهم يقصدون تعهير المرأة وحرية الزنا
وخلخلة أساس المجتمع الإنساني بإهدار عفة المرأة وشرفها والتزامها ببيتها و
أبنائها فذلك في النهاية هو الذي سيكوّن َلـبـِـنات مجتمعهم الملحد.
في
مجتمعنا الإسلامي لعب العلمانيون دور وحش خرافي.. تنين أسطوري وفك مفترس أضراسه أجهزة الأمن و أنيابه كتاب الصحف
وقواطعه وسائل الإعلام. أما الذي أطلق هذا التنين علينا فقد كان الغرب.
***
نعم..
في
الغرب كان مثل هذا الفكر رد فعل لدين حرف فانحرف..
وعندما
فارقوا الفكر المحرف المنحرف فارقوا تخلفهم..
أما
عندنا فكان الأمر على العكس..
دين
صحيح أدى ابتعادنا عنه إلى تخلفنا..
في الغرب.. لم يدع مفكر
ملحد الإيمان..
وعندنا لم يجهر ملحد
بالكفر..
وعملية الإخفاء نفسها
تدل على الجبن والخسة والسفالة..
وهي تدل ضمن ما تدل
على أن هذه النخبة السافلة المنحطة المنحرفة الخسيسة التي تقودنا الآن لا تقودنا
كما تدعي إلى التقدم والتنوير والحداثة – وإلا لجاهرت بمعتقداتها- .. و إنما
تدفعنا إلى العبودية الكاملة للغرب..
***
كلاب اليسار لم يكفوا
أبدا عن النباح على جورباتشوف لأنه فكك الاتحاد السوفيتي.. رغم أنه لم يكن يربط
بلاده ببعضها سوى الاحتلال والاستغلال والقهر..
ودببة القومية لم
يكفوا أبدا عن التنديد بالدولة الإسلامية لمصلحة الدولة القومية التي لم يصلوا
إليها أبدا.. أبدا..
ولقد كان هؤلاء و
أولئك أدوات الصليبيين واليهود في تفكيك الدولة الإسلامية والتنفير منها..
...
أصرخ في الخنازير
والأفاعي والكلاب والدببة..
أصرخ فيهم..
حتى لو كان الإسلام
–حاش لله – باطلا.. حتى لو كان ذلك.. فكان يجب عليهم المحافظة عليه كما حافظ
الصينيون على الكونفشيوسية واليابانيون والهنود على البوذية والهندوكية وما شابه..
كان عليهم أن يحافظوا عليه كنسيج ضام للأمة يقيها من التفتت كما حافظ الملاحدة
الصهاينة على أساطيرهم لإنشاء دولة مزيفة من العدم والخرافة والأسطورة.. بينما
ضيعنا نحن – بفضلهم الحقيقة..
حتى لو كان ذلك لوجب
ذاك..
لكنهم أضمروا الكفر و
أظهروا الإيمان..
ولم يكتفوا حتى
بالموقف السلبي من الإسلام بل جعلوا من أنفسهم معاول لهدمه وتمزيقه..
ولم يكن ذلك لأنهم
اكتشفوا أن الإسلام باطل..
ولا لأنهم اكتشفوا –
كما اكتشف سيدهم ومولاهم – أن الدولة الإسلامية محور شر لا بد أن يزال..
لا ..
لم يكن الأمر كذلك..
بل لأنهم بلغوا درجة
من السفالة والحقارة والخسة جعلتهم يدركون أن ثمن الإسلام – بالخيانة – ثمن مرتفع
جدا..إنه الثروة والسلطة والحكم.. من أجل هذا باعوه.. ولم يكن في بيعهم له مجرد
مروق من الإيمان ودخول في الكفر.. بل كان تهديدا لأمن أمتهم كله.. فعبر التاريخ
كان الدفاع عن الأمة تحت راية الدين هو الدفاع الأقوى.. لذلك فإن كلاب الاستعمار
وعبيد الصهاينة وصبيان اليهود كان عليهم ليس مجرد الخروج من الإسلام.. بل منع المسلمين
من دخول المعركة كمسلمين..
فحين تكون الحركة –
كما يقول أستاذنا العلامة محمد قطب-
جهاداً إسلامياً فالقضية واضحة: مسلمون ثائرون، يجاهدون عدواً صليبياً يحتل
بلادهم.فهل يتصور فيهم أن يلتقوا مع العدو الصليبي في منصف الطريق؟ هل يتصور فيهم
أن "يتفاهموا" مع عدوهم على شئ؟ هل يتصور فيهم أن يسكتوا على حركة
التغريب وحركة التقريب؟ هل يتصور فيهم أن يسكتوا على تنحية الشريعة الإسلامية عن
الحكم، ويسكتوا على الغزو الفكري المتمثل في المنهج الذي وضعه دنلوب للتعليم
والمنهج الذي تتبعه وسائل الإعلام بمعاونة المستعمر الصليبي؟!
أما حين تكون حركة
وطنية فكل هذا جائز! بل لقد وقع
بالفعل! ففي ظل الحركة الوطنية قام
التغريب والتقريب، واتسع نطاق الغزو الفكري، واستمر المنهج الدنلوبى، واستمرت
وسائل الإعلام تؤدى "مهمتها" في إبعاد المسلمين عن الإسلام!
***
يقول العلامة محمود شاكر
في مقدّمته لكتاب "المتنبي":
"صار
بيّناً عندي أننا نعيش في عالم منقسم انقساماً سافراً: عالم القوة والغنى، وعالم
الضعف والفقر، أو عالم الغزاة الناهبين، وعالم المستضعفين المنهوبين.كان عالم
الغزاة الممثل في الحضارة الأوروبية، يريد أن يحدث في عالم المستضعفين تحولاً
اجتماعياً وثقافياً وسياسياً فهو صيد غزير يمد حضارتهم بجميع أسباب القوة والعلو
والغنى والسلطان والغلبة.والطريق إلى هذا التحول عمل سياسي محض، لا غاية له إلا
إخضاع هذا العالم "المتخلف" إخضاعاً تاماً لحاجات العالم
"المتحضر" التي لا تنفد، ولسيطرته السياسية الكاملة أيضاً.ومع أن هذا
العمل السياسي المحض المتشعب، قد بدأ تنفيذه منذ زمن في أجزاء متفرقة من عالمنا،
إلا أنه بدأ عندنا في مصر، قلب العالم الإسلامي والعربي، مع الطلائع الأولى لعهد
محمد علي، بسيطرة القناصل الأوروبية عليه وعلى دولته، وعلى بناء هذه الدولة كلها
بالمشورة والتوجيه.ثم ارتفع إلى ذروته في عهد حفيده إسماعيل بن إبراهيم بن محمد
علي الخديوي، حتى جاء الاحتلال الإنجليزي في سنة 1882 وبمجيء سيطر الإنجليز سيطرة
مباشرة على كل شيء، وعلى التعليم خاصة، إلى أن جاء "دنلوب" (في 17مارس
1897) ليضع للأمة نظام التعليم المدمر الذي لا نزال نسير عليه، مع الأسف، إلى
يومنا هذا"
وفي كتاب"أباطيل
وأسمار" يصف العلامة الغزو الأوروبي
للعالم الإسلامي بأنه :
"غزو
خفي الوطء، بعيد المرمى، طويل الأجل ، لم يكن غزواً بالمعنى الذي كان الناس
يعهدونه يومئذ، أو الذي نعهده إلى اليوم،لم يكن جيوشاً وجحافل لها صليل يقعقع ونقع
يثور، فتدك في زحفها الحصون حصناً حصناً، حتى تفرغ من الأرض كلها في شهر أو شهرين،
أوعام أوعامين.كان غزواً أقل ما فيه نكاية هو"الجيوش"،وأبلغه افتراساً
هو "التجارة"،وأفتكه بالإنسان هو "التبشير""أباطيل
و أسمار "
ثم يعود العلامة ليصف
التدمير المفزع لعالمنا الإسلامي .. والذي شارك فيه مثقفونا ومفكرونا:
"لم ينتصب أحد لوصف هذا التدمير المفزع
الذي يشترك في جريمته مثقفون كثيرون، في الأدب، وفي العلم، وفي التاريخ، وفي
الفلسفة، وفي الاجتماع، وفي السياسة، وفي الفن كله من مسرح وسينما وموسيقا وغيرها
(...) وقد زاد الأمر فلم يبق مقتصراً على التعليم والكتابة والتأليف والصحافة، بل
دخل كل بيت دخولاً مفزعاً عن طريق الإذاعة والتلفزيون،بلا رقيب ولا حسيب
"(المتنبي).
ولم يكن ذلك تنويرا
للأمة بل كان تدميرا للأمة..
ولم يكن التحرير
تحريرا بل تعهيرا..
ولم يكن الأمر أمانة
بل خيانة..
ولم يكن نورا بل
ظلاما..
ولم يكن طهرا بل
دنسا..
***
نعم..
كان ذلك و أكثر ..
وكل خطوة لإبعاد
المسلمين عن الإسلام لم تكن فقط جريمة كفر بل جريمة أمن دولة..
وكل خطوة إبعاد
المسلمين عن الجهاد لم تكن مجرد جبن بل كفرا وجريمة أمن أمة..
***
طريق المؤمنين في
الإصلاح إذن غير طريق العلمانيين..
وبهذا المنهج.. وبهذا
المنهج وحده نحكم على مبارك وبدائله..
***
ليس هناك خلاف على أن
مبارك يقدم مثالا نموذجيا للعلمانية والبراجماتية بمفهومها الشرقي لا الغربي..
فالرجل لم يتوان منذ جاء عن الإساءة للإسلام والتنكيل بالمسلمين وتفتيت الأمة
لصالح أعدائها.. بل ووصل الأمر عندما حذره البعض من مغبة الجمود والعناد للأمة
المستفزة حتى توشك أن تحترق وتحترق معه البلاد .. وصل به الأمر أن أجاب على هذا
التحذير بقوله:
-
ما تتحرق.. ما تولع بجاز.. شعب يستحق الحرق
.
(عن
د: محمد عبد الحكيم دياب - القدس العربي 19-5-2005)
***
نعم..
أنا
أصدق محمد عبد الحكيم دياب رغم أنه قومي..فأنا أنظر إلى ما قال لا إلى من قال..
نعم:
- ما تتحرق.. ما تولع بجاز.. شعب يستحق الحرق .
ويخيل إلى أن هذا كان هو برنامج مبارك منذ جاء.. و أنه لهذا
استبقته أمريكا في الحكم ربع قرن.. وقد تستبقيه أكثر..
***
اختيار مبارك إذن لا
يناسبنا.. فهل يناسبنا أيمن نور أو سعد الدين إبراهيم..؟!..
فلنعترف أن أجهزة
جوبلز قد نجحت في تشويه الرجلين نجاحا غير منكور ولا مشكور..
فلنعترف بذلك منذ
البداية.. فتلك الأجهزة قد تمرست على غسل مخ الشعوب.. وليس أدل على ذلك من قدرتها
على تغيير وجدان الرأي العام أربع مرات في غضون نصف قرن.
ولكن لنعترف أيضا
بأمرين:
أولهما أن جل ما قالته
أجهزة الإعلام من قدح فيهما صحيح..
لكن الثاني هو أن ما
لم تقله أجهزة الإعلام أيضا صحيح.
وما لم تقله هو أنه
إذا كان سعد الدين إبراهيم قد حصل على معونات
أجنبية اختلس بعضها فإن النظام الذي يتهمه بذلك قد حصل على ألف ضعف ما حصل
عليه من معونات ورشاً و أنه اختلس عشرة آلاف ما اختلسه سعد الدين إبراهيم..
ثلاثمائة مليار دولار
تم تهريبها إلى الخارج.. ولم يكن أيمن نور أو سعد الدين إبراهيم من هربها..
نعم..
ما قالته أجهزة
الإعلام صحيح..
لكن ما لم تقله أيضا
صحيح.
و إذا كان أيمن نور قد
زور ألف أو ألفي توكيل فإن النظام قد زور أكثر من عشرين مليون صوت( الأصوات
الانتخابية) ..
و إذا كان أيمن نور
مارس التزوير عاما أو بعض عام فإن النظام يمارس التزوير منذ نصف قرن بل يزيد.
***
ولقد تذكرت ما يحدث ما
بين مبارك وما بين بدائله، حين كنت أضحك ذلك الضحك الأمر من البكاء، إذ أقرأ حكاية
اللص الخائن العميل أحمد الجلبي مع حكومة الأردن. كان الجلبي مدير بنك في الأردن،
فاختلسه، وضاعت حقوق المساهمين ومقدارها ثلاثمائة مليون دولار ( ملياري جنيه
مصري).. وحكم عليه بالسجن 22 عاما مع الأشغال الشاقة وبرد المال المنهوب.. فهرب
إلى أمريكا.. وكان أكبر المحرضين على بلاده والكذابين عليها بفرية أسلحة الدمار
الشامل.. و أصبح من أهم حكام العراق بسبب تدعيم أمريكا له.. أمريكا التي لا تدعم
من الحكام إلا اللصوص.. ووجد الأردن نفسه في حيص بيص.. إن ملك ملك الأردن نفسه هبة أمريكية .. و أمريكا هي
التي جعلته ملكا.. وقررت الأردن الانحناء و إصدار عفو عن أحمد الجلبي.. لكن
المفاجأة كانت أن الجلبي رفض العفو وطلب تعويضا و إلا ورط كبار المسئولين
الأردنيين فهم اللصوص لا هو..!!
نعم..
ضحكت ذلك الضحك الموجع
المؤلم لما صرنا إليه من هوان..
قلت لنفسي أن الطرفين
كليهما صادق فيما يتعلق بصاحبه وكاذب فيما يتعلق بنفسه.
وهذا هو نفس الوضع
فيما يتعلق بمبارك وبدائله..
***
كل ما يقوله مبارك عن
بدائله صحيح.. وكل ما يقوله عنه بدائله صحيح.. لكن ما يقوله كل طرف عن نفسه غير
صحيح..!!..
وبغض النظر عما قيل
وعما يقال وعن رد فعل الشعب إزاء تشويه صورة سعد و أيمن فإنني أظن أنه من الأفضل لأمريكا فعلا أن يكون
شخص كسعد الدين إبراهيم أو أيمن نور رجلها القادم بديلا عن مبارك.. لكن هذا
الاستبدال لا يدور في إطار استبدال المنهج بمنهج.. بل هو نفس المنهج بطريقة
مختلفة.. والفرق بين هذا وذاك كالفرق بين الاغتصاب والغواية.. أو بين البلطجة
والإجرام من ناحية والنصب والاحتيال من
ناحية أخرى..
نظام الحكم الحالي
اغتصاب مستمر للأمة..
وسعد أو أيمن.. هي
غواية للأمة للوصول إلى نفس الهدف!!..
نعم..
لا يتغير المنهج من
منهج غير شريف إلى منهج شريف..
فقط تتغير الوسائل دون
الغايات..
فبدلا من البلطجة التي
أصبحت تستمطر اللعنات على أمريكا يأتي النصب والاحتيال!!..
وبغض النظر عن تصديق
أو عدم تصديق ما نسب إلى سعد الدين إبراهيم أو إلى أيمن نور أو إلى حزب الغد فإنه
مع افتراض صحة كل ما قيل تظل جرائم الحزب الوطني آلاف الأضعاف للدرجة التي يكون
فيها حزب الغد ملاكا رحيما أمام شيطان رجيم.
كما أن سعد الدين
إبراهيم مهما قيل فيه إلا أنه رجل يمكن التحدث معه.. و أنه على الأقل سوف يجهد
نفسه في خداع الأمة وفي ذلك بعض احترام لعقلها.. وعلى الرغم من أن الاحتيال كله
مرفوض إلا أنه أفضل من البلطجي الذي يواجهك بالكذب والسياط والرصاص والمحاكم
العسكرية.
***
وبغض النظر عن صحة أو
تزوير الاتهامات فإن النمو الجارف لحزب الغد لم يكن أبدا طبيعيا. ثم أن هذا ميلاد
هذا الحزب- كأي حزب آخر- لا يرجع إلى لحظة
ولادته بل إلى لحظة أخرى أبعد بكثير.
في الطفل فإن لحظة البداية تسبق لحظة الولادة
بشهور تسعة هي فترة النمو المستتر بعيدا عن العيون. وقد يكون الحمل شرعيا من أب
شرعي و أم شرعية وقد يكون سفاحا..
في الأحزاب وما إلى
ذلك قد تكون هذه الفترة – بغض النظر عن الحلال والسفاح- عاما أو أعواما أو عقودا أو أجيالا أو حتى
قرونا.
إنني أريد أن أنبه
القراء إلى فترة النمو السرية تلك.. و إلى الأب الحقيقي سواء كان شرعيا أم غير
شرعي.. و إلى احتمالات خطف الجنين نفسه.. لأن كل ذلك هو الذي يحدد خواص الوليد الجديد..
إن حركة الضباط
الأحرار – مثلا- لم تبدأ في 1952 .. لقد ولدت في هذا اليوم مكتملة
الخصائص . أما فترة الحمل فيها فقد بدأت قبل ذلك بأربعة عشر عاما ربما على أيد
كعزيز المصري ومحمود لبيب ومعروف الحضري.. ثم التقطتها – أو اختطفتها - أيد أخرى كمايلز كوبلاند وكيم روزفيلت..
ولد إذن حزب الغد
عملاقا بعد حمل طويل وليس هناك يقين عن أبيه الحقيقي.
على العموم لقد وجدنا
فجأة حزبا كبيرا.. يمثل التركيبة التي تريدها أمريكا.. فثلث أعضائه مسيحيون أما
الثلثان الآخران فليس لهم من الإسلام – غالبا – إلا اسمه وسطرا في بطاقة الهوية.
وهذه هي التركيبة المثالية بالنسبة للأهداف الأمريكية حيث يجرى عزل الإسلام كله (
ليس الأهداف الأمريكية فقط.. بل أهداف وزير أوقاف فاسق وعالم مارق وحاكم منافق)..
لكن.. لا داعي إذن
للاتهامات بالعمالة والخيانة واللصوصية والإجرام والتزوير والتلفيق و..و..و..وكل
المسميات التي قد تصدق وقد لا تصدق لكنها على أية حال و أيا كانت السميات فإن حزبا
من الأحزاب لا يستطيع منافسة الحزب الحاكم عليها.
ولقد سألني صديق ساخرا
وممرورا:
- إن
كان لا مفر.. ولم يكن هناك من طريق ثالث غير الاغتصاب أو الغواية.. فإن الغواية
أفضل.. و على هذا فإن سعد الدين إبراهيم أقل سوءا من مبارك.. و أيمن نور أقل سوءا
من جمال مبارك..
ورددت عليه في وجوم:
-
عليهم جميعا دائرة السوء.
ثم رحت أرتل في همس:
- وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ
عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (6)
***
أما حزب الوفد فلا
يصلح أبدا..
لم يعد يمثل الأمة..
وهو لا يستوفي متطلبات أمريكا.
ومهما كان رأينا في
نعمان جمعة الذي يمكن أن نشك في أشياء كثيرة جدا تقال عنه لكنه ليس عميلا ولا
خائنا ولا هو مستعد لبيع البلد لأمريكا.. وفي هذا الصدد فإن الحزب الوطني يتفوق
عليه – كما يتفوق على الآخرين جميعا .. ما عدا بعض التحفظات على التجمع والناصريين
- تفوقا ساحقا
لا يصلح حزب الوفد
أبدا..
و إذا كان وفد سعد
زغلول نفسه، أو مصطفى النحاس أو فؤاد سراج الدين لا يصلح.. فكيف يصلح وفد نعمان
جمعة..
لقد كان مكرم عبيد قبل
ذلك مثلا نادرا للسياسي الأحمق الذي دمر نفسه وانشق على حزبه ليكون حزبا هزيلا
عميلا.. ولم يكن يضاهيه في ذلك أحد حتى أتي نعمان جمعة ليسبقه.. فهو لم ينشق على
حزبه بل حول حزبا كان عملاقا إلى حزب هزيل عميل.. ولقد بدد نعمان جمعة في أقل من عشرة أعوام رصيده كله – وقد كان
كبيرا- ثم دمر حزبه حتى كاد أن ينافس حزب الصباحي في " المسخرة" وقلة
القيمة.. ولولا بعض الشخصيات التاريخية القليلة الباقية لما أبه به أحد.
لقد مارس الدكتور
نعمان جمعة طغيانا غريبا يجعل الكثيرين يفضلون
مبارك – كطاغية متمرس – عليه.. تماما كما يفضل الضحية في السجن جلادا
متمرسا يعذبه دون أن يكسر عظامه ويريق دماءه.. وليس هذا مجرد مثل.. فقد سمعته فعلا
من بعض ضحايا التعذيب.. فالجلاد المتمرس يسبب حدا أقصى من الألم لكن أثره يزول ي
بضعة أيام أو أسابيع.. أما الجلاد غير المتمرس – الغشيم- فقد يسبب قدرا أقل من
الألم ساعة التعذيب لكنه قد يترك كسرا يلتئم في شهور أو جرحا يتقيح أو حتى عاهة
مستديمة.
إن
نعمان جمعة كما يقول عنه منافسوه الوفديون
ومنهم فؤاد بدراوي وبعض المحسوبين عليه من
أنصار التطبيع مع العدو الصهيوني، كما أن دفاعه
عن الدكتور يوسف والي قضية جريدة الشعب، والخاصة باتهام دكتور والي بالعمل
لصالح إسرائيل شكل وصمة عار لا تمحى.. خاصة بعد ما أشيع من أن السبب لم يكن
الصداقة كما ادعى.
ولقد
تعرض الدكتور نعمان جمعة لانتقادات عنيفة مزقت كيانه وهيبته بسبب مواقفه من أعضاء حزبه وقرارات الفصل المتعددة التي طالت
الأقطاب مثل يسن سراج الدين – وهو تصرف
وصفه الأخير بأنه صغير - والصحافيين كمجدي
مهنا وغيره والنواب كمحمود الشاذلي و أيمن نور وفريد حسنين وعشرات وعشرات.. وكذلك
موقفه اللاأخلاقي من الدكتور جمال حشمت وحتى من المرشد العام للإخوان المسلمين .
حزب الوفد لا يشكل
بديلا إذن للحزب الوطني.. ليس بسبب انهياره على يد رئيسه نعمان جمعة الذي حوله من
حزب قوي إلى حزب كاريكاتوري ( انظر اتهامهم المضحك لحزب الغد بعملية تفجير الأزهر
الأخيرة).
فبغض النظر عن خواص
وطبيعة نعمان جمعة ودوره الحاسم في إنهاء دور حزب الوفد تاريخيا فإن الحزب لا يصلح
للعصر الأمريكي الجديد.
لا نتكلم عن الفساد
وهو موجود.. ولا عن الاستغلال والانتهازية وهي غالبة .. ولا عن ضحالة التفكير وهي
سمة..لكننا نتحدث عن حزب الوفد في صورته المثلى.. وفد فؤاد سراج الدين أو حتى
مصطفى النحاس.. بل وفد سعد زغلول.
إن فكرة الوفد النبيلة
– وهذه مأساة – قد فرغت منذ البداية من محتواها لتتحول إلى فكرة لغسل مخ الأمة..
لقد كان سعد زغلول
صنيعة كرومر..
.يقول الدكتور فهمي
الشناوي:
"ابتداء من 1905م بدأ -الثعلب كرومر- أخطر
وأخبث حيلة؛ حيث ابتدأ في اصطياده نبهاء الأمة الإسلامية في شبابهم، ليلتقطهم ويسند
إليهم مناصب كبيرة تخدم خط تكوين قومي على حساب الأمة: التقط سعد زغلول وأسند إليه
وزارة المعارف 1906م أهم الوزارات.والتقط الشيخ محمد عبده -وجعله مفتي للديار،
وبذلك ضمن أولاً تفريغ صفوف الأمة الإسلامية من رجالها - وهم لم يكونوا رجالها -
ونقلهم إلى صف التفاهم مع الغرب، والتفاوض مع الغرب، واتخاذ الغرب نموذجاً ولو
جزئياً ولو ثقافياً.وأنشأ لنفسه مكاتب وصالونات تروج لفكرة اصطياد نبهاء الأمة
-مثل صالون الأميرة ناظلي فاضل( تنصرت وتزوجت مسيحيا)، وتم اصطياد لطفي السيد الذي
اندفع اندفاعا أعمى ضد الأمة بمقولة "مصر للمصريين" أي ليست للإسلاميين
حتى لو صارت للقبط ما داموا مصريين!
وأسموه فيلسوفاً دون أن تكون له أدنى علاقة بالفلسفة.واصطاد عبد العزيز
فهمي حتى أصبح قاضي قضاة مصر، ولكن بالقانون النابليوني لا بالشريعة! واصطاد قاسم
أمين الذي روج بدعوى مساواة المرأة إلى خلخلة تقاليد وأعراف المجتمع الإسلامي
.واصطاد عبد الرحيم باشا الدمرداش ليجعل للصوفية على الوعي السياسي الإسلامي قدحا
معلى.واصطاد خلفاؤه من بعد نبهاء؛ أمثال عبد الخالق ثروت وطه حسين، وعناصر قبطية؛
مثل البروتستانتي مكرم عبيد سكرتير المستشار القضائي، الذي وصل لقمة الحركة
الوطنية، واليهودي رينيه قطاوي الذي وصلوا به إلى وزير مالية لسعد زغلول وزوجته
وصيفة للسراي، ومئات غير هؤلاء.وهذا كله لصياغة مجتمع جديد من عجينة جديد" .
نفس الطريقة تتكرر..
ما حاوله نابليون عن
طريق المعلم يعقوب يفعله الإنجليز عن طريق كرومر ويفعله الأمريكيون عن طريق
روزفيلت وكوبلاند..
وما فعله محمد على و
أبنائه عن طريق الطهطاوي فعله كرومر عن طريق سعد زغلول وقاسم أمين و أحمد لطفي
السيد ثم صبيانهم كطه حسين وسلامة موسى .. وهو نفس ما فعله القوميون – تحت إشراف
أمريكي- بعد ذلك عن طريق مئات كصلاح عيسى
وجمال الغيطاني وغالي شكري ولطفي الخولي ووحيد عبد المجيد وجابر عصفور ويوسف
القعيد.. و.. و.. و..
يقول الأستاذ أنور
الجندي:
"لقد كان
الاستعمار حريصاً على صنع طبقة خاصة من المثقفين، عمل كرومر على إعدادها ووعدها
بأن تتسلم قيادة الأمة بعد خروج الإنجليز لعلمه بأن المجتمع المسلم قد يتقبل من
هذه الطائفة المتدثرة باللباس الإسلامي ما لا يتقبله من الاحتلال أو من العلمانية."
***
بدايات سعد زغلول –
كشقيقه فتحي زغلول – لم تكن مبشرة أبدا بخير..
ولقد كان سعد يقول عن اللورد كرومر –في مذكراته- :
"كان يجلس معي الساعة والساعتين، ويحدثني
في مسائل شتى كي أتنور منها في حياتي السياسية"..
وكانت هذه من بدايات
التنوير في مصر!!
كان سعد زغلول انحرافا
بالأمة من الطريق الإسلامي إلى التغريب..
ينبه العلامة محمد قطب
في كتابه: "واقعنا المعاصر" إلى علامات سعد في طريق التغريب، إن سعد
زغلول ينتهز فرصة الثورة التي تخرج فيها
المظاهرات الحاشدة تطالب بالجلاء التام أو الموت الزؤام، ويطلق الإنجليز الرصاص من
مدافعهم الرشاشة علي المتظاهرين فيسقط منهم كل يوم قتلي بلا حساب – وهي ثورة
استغلها سعد زغلول ولم يشعلها- ليسوق مظاهرة من النسوة وعلي رأسها زوجته صفية هانم
زغلول إلى ميدان الإسماعيلية ليلقين الحجاب ويدسنه بأقدامهن.. وليتحول اسم الميدان
إلى ميدان التحرير.. ليس تحرير مصر من الانجليز بل تحرير المرأة من تعاليم
السماء!!..
وكانت القاهرة –
بطبيعة الحال – هي مركز الثورة.فكانت المظاهرات تخرج يوميا من الأزهر،
وازدادت حدة فسحبت بريطانيا مندوبها السامي من مصر
وجاءت باللورد أللنبى مندوباً سامياً في مصر على أمل أن يقضى على الثورة فقد كان أللنبى هو
القائد "المظفر" الذي تغلب على جيش دولة الخلافة.
مكث اللنبى مكث شهراً كاملاً يدرس الأحوال في مصر
ثم أرسل تقريراً مطولاً إلى حكومته أبرز ما فيه جملتان ذواتا دلالة عميقة وأهمية
بالغة:
"إن الثورة تنبع من الأزهر، وهذا أمر له خطورته
البالغة".."أفرجوا عن سعد زغلول وأعيدوه إلى
القاهرة! ".
لقد أدرك الرجل الداهية
– وما كان في حاجة أن يكون داهية لكي يدرك – أن الثورة تنبع من الأزهر – أي أنها
ثورة دينية إسلامية – وأن هذا الأمر له خطورته البالغة! .
إن أعداء هذا الدين
يعلمون جيداً أن أخطر شئ عليهم هو روح "الجهاد" في هذا الدين.
وعاد سعد زغلول ليقدم
التطبيق العملي لنظرية أللنبي و ليقول:
الدين
لله..والوطن للجميع!
بعبارة أخرى: حول سعد
الثورة من ثورة دينية إسلامية، إلى ثورة وطنية لا علاقة لها بالدين.
إن سعد زغلول كان
زعيما بلا شك.. كما أنه كان أكبر من أن يكون عميلا للإنجليز.. لكنه – وهذا هو
الأخطر – كان قد تغرب هو نفسه. كان قد عاصر فترة الانكسار بعد هزيمة عرابي.. وكان
أمامه طريق الندامة وطريق السلامة.. وكان طريق الندامة يؤدي إلى شِعْبٍ من شعبين:
شِعْب الانهيار وشِعْب الانبهار.. ولقد أنقذ سعد نفسه من الوقوع في شِعْب الانهيار
باللجوء إلى شِعْب الانبهار بالغرب.. دون أن يفكر في طريق السلامة.. طريق استعلاء
المسلم.. طريق أنتم الأعلون..
لو كان سعد زغلول
عميلا مباشرا للفظته الأمة ولما مثل خطرا على وجدانها..
كان فعلا زعيما..
وفعلا أحبه الناس..
ليس لأنهم غفلوا عن
حقيقته – كما حدث مع جمال عبد الناصر – لكنهم أحبوه برغم أنهم عرفوا حقيقته..
يقول العلامة محمد
قطب: أصبح ما يقوله سعد هو الحق مهما كان مخالفاً للحق! وأصبح ما يفعله سعد هو الصواب، أو أصبح على
الأقل مسكوتاً عنه ولو كان أبشع الأفاعيل!
كان سعد يقامر – كما
أقر في مذكراته – ويغرق في لعب القمار حتى يخسر أمواله، وأعداؤه السياسيون يكشفون
للجماهير ذلك، فتبتلع الجماهير ذلك، وتزداد تعصباً لسعد كلما أوغل أعداؤه
السياسيون في النيل منه! وكان يفطر فى
رمضان، ويشرب الخمر – حتى في رمضان – ويذيع عنه أعداؤه ذلك، فيعتذر عنه المعتذرون
بأنه ضعيف لا يقوى بدنه على الصيام – فهو من أهل الأعذار – وأن الطبيب قد نصحه
بأخذ جرعات من الخمر بين الحين والحين لإصلاح معدته! ( ) فتبتلع الجماهير إفطاره في رمضان وشربه
الخمر، وتزداد تعصباً له! !
وكان يوظف أقاربه
وأصهاره في الوظائف الكبيرة، ويعيب عليه أعداؤه هذه ا"المحسوبية" فيرد
عليهم متحدياً: "سأجلعها زغلولية لحماً ودماً" فتصفق الجماهير إعجاباً
بالزعيم الكبير! !
وفي النهاية لم تعد
القضية عند الجماهير هي قضية "الوطن" – حتى بعد تحولها من قضية إسلامية
إلى قضية وطنية – بل أصبحت القضية هي قضية سعد زغلول ..
***
كان سعد زغلول مرحلة
في تقديم نموذج جديد للزعيم الذي لا تشينه نقائص الأخلاق.. الزعيم الذي لا يعتمد
في زعامته على علمه وورعه ونظافته ونقائه كالسيد عمر مكرم على سبيل المثال..
وكان هذا مقصودا في حد
ذاته.. ليس من أجل سعد بل من أجل نموذج سيتم تعميمه على العالم العربي والإسلامي..
ثم أن سعد لم يكن خلوا
من المزايا.. لكنه تحت وطأة الانبهار بالغرب لم يقدم للأمة ما تحتاج إليه و إن قدم
بعضه..
فبرغم تعريبه للتعليم إلا تعريبه اقتصر على
الشكل دون المضمون فاستمر تشويه التاريخ والإسلام كما أنه شارك أيضا في مجلس شورى
القوانين حيث كان هدفه إصدار
"قوانين" تحكم البلاد بدلاً من الشريعة الإسلامية!.. وبرغم أنه استغل
الثورة وتزعمها – وكان على حجم الزعامة بمعناها العلماني.. إلا أنه لم ينجح في قطف
ثمار الثورة التي تخلى عنها بعد عودته من المنفى فوافق على وقف الثورة على أساس "التفاوض مع الإنجليز"
.. لكن التفاوض فشل.. فلم يندم على قبوله بوقف الثورة وإنما قال كلمتين كل منهما كارثة تهدم مشروعه
كله:
"خسرنا المعاهدة وكسبنا صداقة
الإنجليز" ..!!..
و..
"الإنجليز
خصوم شرفاء معقولون"! ! ! ...
ورضيت بذلك الجماهير! ! !
ولم يكن منهج الإسلام
ليرضى!!..
***
ثمة تساؤل هنا لا بد
أن نسأله..
كانت بريطانيا في ذلك
الوقت قد هزمت الخلافة الإسلامية فعليا وكانت على وشك إلغائها.. فهل يتصور أحمق
أنها لم تعد عدتها في العالم الإسلامي لمن يضبط لها الأمور.. بنفس الطريقة التي
ضبطت بها الأمور في 4 فبراير 1942..
هل نتصور أن بريطانيا
خططت لهدم أكبر و أعظم إمبراطورية في التاريخ: الإمبراطورية العثمانية الإسلامية
دون أن تمهد الأرض من جاكارتا إلى طنجة.. ومن الهند إلى الشيشان؟..
ماذا يمكن أن نقول
اليوم عمن يتصور أن أمريكا لم تخطط لانهيار الاتحاد السوفيتي ولم تمهد العالم
للتعايش مع انهياره..
ماذا يمكن أن نقول على
من يتخيل أن انتخابات الرئاسة القادمة في مصر تتم بمعزل عن التخطيط والتدخل
الأمريكي؟!..
نعود لنقول أن
بريطانيا كانت قد مهدت لانهيار الخلافة كما مهدت لحادث 4 فبراير..
أقول هذا رغم أنني واحد ممن يتعاطفون إلى حد كبير مع موقف مصطفي النحاس في ذلك الوقت.. أتعاطف معه تعاطف المشفق لا الموافق فقد تصرف الرجل ببراءة وقصر نظر نادر المثال إن لم يكن منقطع النظير.. وأنا أدرك أن خطيئته التي وقع فيها كانت خطيئة منهج لم يره ولم يفهمه رغم طيبته ونزاهته..( دعنا من اتها