أخطاء المعارضة
الفادحة وصفاقة الأحزاب الرسمية و أباطيل هيكل!!
الغيطاني
يتهمني بالتحريض على قتله!!..
بقلم د.
محمد عباس
www.mohamadabbas.net
mohamadab@gawab.com
الخطأ القاتل
الذي وقعت فيه المعارضة، والذي سيجعل محصلة نضالها هباء منثورا، هو أنها جعلت أهدافها منع التمديد
أو التوريث، فقضت على نفسها بالدخول في مناورة مع نظام طاغوت مجرم باطش جبار لا
يعرف دينا ولا قانونا ولا عرفا، وهو قادر بأدواته و أجهزته، وبكم الخسة والتدني
والوحشية والضراوة التي لا يمكن أن ينافسه فيها منافس، على أن يحقق – بالخداع
والغش والتزوير – الفوز في أي مناورة، ذلك أنه ليس مستعدا فقط لاقتراف كل الجرائم
والموبقات كي يستقر ويستمر ويمدد ويورث إلى الأبناء والأحفاد، ليس مستعدا لاقتراف
ذلك فقط، بل إنه يرتكب تلك الموبقات بالفعل.. يرتكبها منذ أتى.. وسيظل يرتكبها إلى
أن يموت بعد أن يورثها لأبنائه و أحفاده.. ذلك أن لديه خبرة في الممارسة المستمرة
المتواصلة منذ خمسين عاما.. بل إن خبرة بعض أجهزته يعود إلى ما قبل ذلك بكثير،
فمباحث أمن الدولة، ليست إلا الامتداد الطبيعي للبوليس السياسي والقلم المخصوص،
الذي أنشأه الإنجليز للقضاء على الحركة الوطنية، ومنع المجاهدين من التشكل لمقاومة
الاستعمار، وما زال هذا الهدف، رغم الزمن، هو الهدف الرئيسي لمباحث أمن الدولة، بل
إن إجرام الإنجليز، وخسة الاستعمار، الصليبي المجرم اللص الكافر لا تجرمننا من أن
نقول أنها كانت أقل خسة وهمجية ووحشية وضراوة من أجهزة أمننا الحالية.. بل و أكاد
أقول .. أنها كانت – أيضا – أقل عداء للإسلام..!!.
***
لطالما كتبت،
ولطالما كررت أن المنهج الذي يستعمله الصليبيون الصهاينة ضد دولنا هو نفس المنهج الذي
تستعمله حكوماتنا ضدنا، فليست حكوماتنا سوى أجهزة حكم محلي تخضع لرئاسة الأعداء،
وكل ولائها له، لا لمجتمعها ولا لله، و أن
قدر الذين يريدون أن تكون كلمة الله هي
العليا هو أن كتب عليهم القتال وهو كره
لهم، و أن يكون جهادهم مزدوجا، فهو ضد العدو القريب والبعيد، ضد الطاغوت العربي
والأعجمي، ضد أجهزة الأمن المحلية والعالمية، ضد صحافتنا وصحافتهم في نفس الوقت،
وضد الميديا المحلية التي تحركها الصليبية الصهيونية حيث تحالف الجميع علينا، إلا أن الأخطر من هذا وذاك، أن جبهة هائلة
مخيفة قد فغرت أفواهها تحت أقدام الجميع، فلأول مرة في التاريخ توجد هذه الجبهة
كدوامة أو كطوفان أو كبحر من الرمال المتحركة، تحاول أن تبتلع الجيش الذي نعتمد
عليه، الجيش الذي هو الأمة، التي بدأت تحت معاول الغواية وغسيل المخ والتزوير
وخيانة المثقفين تستلب شيئا فشيئا، على
أمل من أولياء الشيطان أن تتوه وتضيع وتشرد، أو أن تنضم إلى الأعداء تحت معاول
الغزو الفكري وتزييف الوعي ونزيف الذاكرة.
ومن هنا لزم
التنبيه..
***
نعم.. كان
الخطأ القاتل الذي وقعت فيه المعارضة هي أنها فعلت كمحمد حسنين هيكل فكانت كصاروخ انطلق من المكان الخطأ فكان حتما
أن يضل ويضيع منه الهدف. لقد ذابت الاستراتيجية في التكتيك وبهذا خسرنا المعركة
قبل أن تبدأ، كما أن التكتيك نفسه كان خطأ. كان أرض قتل، وهو تعبير عسكري يعني
استدراج العدو إلى كمين يسهل قتله فيه. وهو – للأسى – ما يحدث الآن للمعارضة
المصرية. ومع اختلاف المواقع والرؤى فقد استدرجت ثورة 23 يوليو إلى أرض قتل كتلك
ثم قضي عليها فيها بعد أن أدت المطلوب منها. ومن يطالع تصريحات رايس، بأن السياسة
الأمريكية في المنطقة خطأ منذ ستين عاما، و أن هذا الخطأ كان في تأييد نظم الحكم
الدكتاتورية في المنطقة لصالح الأمن الأمريكي ( والإسرائيلي بالطبع ).. من يقرأ
تلك التصريحات يفهم على الفور إن لم يكن قد فهم بعد أن الأمريكيين كانوا داعمين
معضدين لنظام الحكم الدكتاتوري في مصر.. لثورة 23 يوليو.. التي كانت جزءا هاما في
المخطط الأمريكي.. بل كانت الجزء الأهم.. كما أنه لابد أن يفهم على الفور إن لم
يكن قد فهم أن من وضع الخط الأحمر أمام وجود الإخوان المسلمين في الحكم لم يكن
حادث المنشية ولا تهم الإرهاب.. وإنما كان الخط الأحمر – وما يزال أمريكيا ( و
إسرائيليا بالطبع)..
لست أدري كيف
لا يفهم الناصريون وجل قواعدهم طيبة هذا.. لست أدري كيف لا يفهمون إلا إذا كان عدم
الفهم قرارا مسبقا.. أو أنهم كاليساريين يفهمون ويقبلون ويفضلون وجود إسرائيل عن
وجود نظام حكم إسلامي.
عدم إدراك
القوى الفاعلة لتلك الألغام قد يدفع بالحركة إلى السقوط في حجر عميل سابق
للمخابرات السوفيتية، وعميل حالي لأمريكا.. وعميل دائم لإسرائيل والصهيونية العالمية..
منذ هنري كوريل وحتى اليوم.. ذلك أن بقاءه وظهوره وبروزه كلها ضمن المخطط الأمريكي الصليبي الصهيوني
فيالضيعة مع من يتحالف مع مثل هذا أو ذاك
***
لا أريد أن
أقع في الخطيئة التي اعتاد محمد حسنين هيكل على ممارستها حين يلوي – ببراعة منقطعة
النظير – أعناق الحقائق ليرسم صورة سابقة التجهيز في وجدانه، حيث توجد الصورة أولا
ثم يجري البحث والتنقيب عن المبررات والتبريرات والمسوغات والخلفيات. فيكون بهذه
الطريقة كطبيب غير حاذق يبدأ بتشخيص المرض ثم يبحث عما يؤيد تشخيصه فإن لم يجد من
الأعراض والعلامات ما يؤيده لجأ إلى تلفيق
الأدلة. غير أن ما يغطي على القصور المنهجي لهيكل، وعلى إخفائه ما يشاء من الحقائق
و إبراز ما يريد، هو بلاغته و أسلوبه الأدبي الرفيع، حتى أنني سميته ذات يوم نجيب
محفوظ السياسة كما سميت نجيب محفوظ هيكل الأدب، بيد أنني أكتشف الآن أن ذلك
التشبيه كان رمية من غير رام، لأنني أكتشف فعلا أن هيكل لا يكتب تاريخا ولا سياسة،
و إنما يكتب روايات عظيمة فعلا ينطبق عليها ما ينطبق على الشعر الذي أعذبه أكذبه،
و أن أكذبه أعلاه في الصدق الفني، لكنني
أنبه القارئ هنا أن الكذب هنا لا يتعلق بسرد الوقائع بل في اختيار نقطة البداية
والنهاية واختلاف التفسير والتبرير والتقديم والتأجيل والإهمال والاهتمام، وبهذه
الآلية ، يمكن لعبقري كمحمد حسنين هيكل أن يصوغ – من نفس الأحداث – ألف رواية
عظيمة.
وعلى سبيل
المثال، فإن حديثه عن الشأن الراهن على شاشة قناة الجزيرة يوم الخميس 16 يونيو 2005، يصلح كنموذج مثالي لكشف عوار
منهجه. يصحبنا هيكل – كما تصحبنا كل فصائل المعارضة الرسمية- إلى أرض التيه، فإذا
قبلنا الدخول معه منذ البداية فلا مهرب منه حتى النهاية.. لأننا إن قبلت افتراضاته
الأولي فليس ثمة مناص أمامنا من أن تسلم بالوسائل والنتائج ، وسبيل النجاة الوحيد
أن ندرك منذ البداية أن نقطة البداية خطأ و أن الافتراضات باطلة.
إن هيكل،
الذي لم أكف رغم اكتشافي لخطاياه عن الإعجاب به، يشبه المرافق الرسمي الذي يصحب
الضيف فيريه ما يريد ويخفي عنه ما يريد, ويصل الأمر أحيانا إلى حد المهزلة، كذلك
اللواء الذي اصطحب لجنة تقصى الحقائق في مجلس الشعب إلى السجون، ليثبت لهم أن
سجوننا من أفضل سجون العالم. لقد دخلوا مع المرافق من الباب الخطأ، ورأوا المشهد
الخطأ، لكن أحكامهم في ضوء ما رأوه -لا ما أخفي عنهم- لابد أن تتسق مع رؤية
المرافق. ويكفي تدليلا على تحيزات هيكل أنه تناول باستعراض شامل فصائل وتوجهات
المعارضة، لكنه لم يتطرق قط إلى الإخوان المسلمين، فكان أشبه بالمشبوه الذي يتلافى
ذكر الجريمة القديمة خوفا من اكتشاف دوره فيها( دعنا الآن من تجنبه ذكر محمد نجيب
وهو يحصر الرؤساء.. جريمة أخرى يتجنب ذكراها).. وكان عوار منطقه في هذا الصدد وذاك
فادحا. فالوحيد الذي يتصدى الآن لهيمنة الغرب علينا وسحق هويتنا هو الإسلام وهم
المسلمون، لكن هيكل يريد أمرين متناقضين: استرجاع الهوية ( أي هوية .. لم يحدد!!)
واستبعاد الإسلام والمسلمين. كان العوار فادحا، كان يريد بمنهجه الغربي أن يعالج أمة
مسلمة، كان يريد من الإنسان أن يعيش في بيئة غير بيئته، وأن ينمو بعد ذلك ويزدهر، كان يريد من إنسانه
أن يعيش تحت الماء، ولم يردعه أنه جرب و أن إنسانه غرق. وكان يريد من إنسانه أن
يطير في الهواء، ولم يرتدع حتى بعد أن سقط إنسانه وهلك، ولم يفكر أبدا أن يبحث عن
أرض الواقع الصلبة، والمرتكز الوحيد للمقاومة والتقدم. أرض الإسلام.
لقد كنت
أتابع طوفان المعلومات الخصب عند هيكل وهو يتحدث عن تاريخ الفلسفة وحكمة التاريخ
محوّما حول ثقافات الرومان والإغريق وحول أحدث النظريات في الغرب وحول أشهر
الفلاسفة والمؤرخين. وكنت أنتظر اللحظة التي يحط فيها على مرفأ إسلامي يبلور فيه
رؤاه و أفكاره كي تتناسب مع مجتمع إسلامي. لكنه لم يفعل. لذلك كانت كل رؤاه هباء
ضائعا في التيه. فالطبيب البيطري مهما بلغت مهارته واتساع معارفه وعمق خبراته لا
يصلح أبدا لعلاج إنسان. أو قل أن هيكل كالطبيب الشرعي، قد يجيد تشريح الموتى
ومعرفة أسباب موتهم – أو التعتيم عليها – لكنه ضعيف جدا عندما يتصدى لعلاج
الأحياء، ومن هنا كان ضعفه وهو يتحدث عن أسوأ عهود مصر، عهد مبارك.
نعم.. عند
هيكل التاريخ موجود بقوة، كذلك الفن والفلسفة والأدب، وحتى الشيطان أيضا موجود،
وفاعل، لكن الغائب دائما عن عالمه هو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عمن يتجاهلون
وجوده عُلُوّاً كَبِيراً. وانظر على سبيل المثال إلى عبارته وهو يتحدث عن قصة صورة
دوريان جراي مع رسول الشيطان، ولعل التعبير يتسق مع الفكر الغربي وفكرته المشوهة
عن الرسل ، الزناة الخطاة، بل والشواذ، الذين صارع بعضهم الله وانتصر عليه
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً، أما الوجدان المسلم
فلا يعرف للشيطان رسلا، فالرسل يبعثهم الله، لكنها طريقة الحداثيين المستغربين في
امتهان المقدس وتلويثه والجرأة عليه ( نفس المنهج والغاية من تدنيس المصحف)..
إن الأديب
هيكل، نجيب محفوظ السياسة، يملك من الثروة اللغوية ما كان يغنيه عن استعمال عبارة
رسول الشيطان، التي لا توجد بكثرة نسبية إلا في الأدبيات التلمودية، وفي هجوم
المستشرقين الصليبيين على الإسلام، فبعضهم، لعنهم الله، يقولون أن سيدنا جبريل ليس
هو الملاك جبرائيل، و أن الثاني ملاك نزل على أنبياء بني إسرائيل، أما الأول حاشا
الله فقد كان رسول الشيطان إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم!!..
كان في وسع
هيكل أيضا أن يستعمل مرادفا آخر كترجمة لكلمة :" MESSENGER"
" التي
ترجمها بكلمة "رسول".. كان يستطيع أن يقول مندوب الشيطان أو وكيل
الشيطان أو مبعوث الشيطان أو ساعي بريد الشيطان.. لكنه اختار كلمة رسول.. لأن
الإنسان المسلم بالتداعي عندما يسمع كلمة رسول.. يكملها على الفور : رسول الله..
وعندما يكملها فإن من يخطر بذهنه على الفور ليس أي رسول لله بل سيد الخلق أجمعين
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يا هيكل!!..
هل غفل نجيب
محفوظ السياسة عن مثل هذا؟!..
أم أن
استعمال هذه التعبيرات يقوم بدور الشفرة في ربط علاقات معينة وانحيازات محددة.
تماما كما يحدث في بعض التنظيمات السرية، عندما يلبسون رباط عنق به نقش معين لا
يلبسها إلا الأعضاء، أو خاتما ذا نقش مميز، فيتعرف الأعضاء على بعضهم البعض، ويبذل
كل منهم ما يستطيع من عون لرفيقه.. دون أي تبادل للحوار قد يكشفهما معا.. لكنهما
بهذه الإشارات والطقوس .. يستطيعان أن يفعلا ما يشاءان دون أن يكتشف أحد ما
وراءهما من أسرار.. و أنا أضرب المثل بالأفراد.. لكنني أقصد الجماعات.. و أقصد أن
استعمال مثل هذه العبارات قد يؤدي – على سبيل المثال إلى فتح الأبواب المغلقة بل
إلى الفوز بجائزة نوبل!!.
ثمة ملاحظة
أخرى، حاولت إغفالها، إكراما لهيكل، لكنني لم أستطع، وكما كشفت في مقالات سابقة أن
هيكل غربي المنهج والنزعة والهوى، و أن حديثه عن السودان يتماشى تماما مع الأهداف
الأمريكية ( راجع قوله أنه لا يوجد سودان واحد بل أربعة، و أنها لا يمكن أن تستمر،
و أن لطفي السيد وافقه على ذلك).. أقول أن هيكل عاد إلى نفس المربع.. ذلك أن
اقتراحه بالتمديد لمبارك لمدة عامين – أقولها بأدب – يتماشى مع المخططات
الأمريكية.. قلتها بأدب.. لأن الحديث المباشر قد يكون ذابحا.
إن فترة
العامين ستكون كافية لابتزاز مبارك حتى آخر قطرة، وللقضاء على زخم ومد الحركة
الوطنية.
ولقد تمنيت –
بعد اليأس - أن ينطلق هيكل ولو من خلفية
ثقافة مسيحية ليسعى إلى خلاص روحه بالاعتراف بدوره في الانهيار العظيم الذي نعيشه،
تمنيت أن يقول : لا تصدقوني فقد قدتكم قبل ذلك إلى هاوية 67، ولو أنكم أطعتموني
اليوم لقدتكم إلى نفس الهزيمة مرة أخرى.. لأن منهجي هو نفسه لم يتغير. وددت ذلك من
هيكل، لكنه كعادته اصطحبنا إلى نقطة
الانطلاق الخطأ – تماما كما تفعل المعارضة الرسمية الآن- اصطحبنا إلى لحظة من يوم
7 أكتوبر 1973 ليؤرخ لبداية الانهيار العظيم. ولو أنك وافقته لكان كل حديثه منطقيا
وشديد التماسك بعدها، لكن بناءه كله سوف ينهار إذا ما فاجأته بالسؤال: ولماذا تكون
نقطة البداية هي 7 أكتوبر 1973؟! لماذا لا تكون 5 يونيو 1967؟؟!! كما أن بناءه سوف
ينهار إذا ما سألته لماذا لم تجعل نقطة البداية عام 53، عندما انقلبت الثورة على
مبادئها وبدأت في التهام بنيها، حيث أصبح أهم الدوافع لاستمرار الضباط الأحرار في
الحكم بعد ذلك هو خوفهم من أن يستلم الحكم غيرهم فيحاكمهم على الجرائم التي
ارتكبوها وعلى الأموال التي اختلسوها. ينهار البناء أيضا إذا ما سألته لماذا لا
تكون نقطة البداية 27 فبراير 1954 أو 25 مارس من نفس العام ، أو تنفيذ القرار
الأمريكي بسحق القوة الوحيدة القادرة على التصدي للغرب، ألا وهم الإخوان المسلمون،
وعبر تمثيلية المنشية. ولماذا لا تكون نقطة البداية هو الاعتداء المجرم على
السنهوري؟ وقد كان مقررا ليلتها عقد اجتماع لنقابة الصحافيين للمطالبة
بالديموقراطية لكنهم بعد أن رأوا كرامة السنهوري تباح وجسده يستباح، لم يذهب إلى الاجتماع منهم واحد، ليبدأ عصر
طويل، عصر الموتى وهم أحياء، وهو عصر استمر نصف قرن، بدأ الموتى بعده يتململون،
ويعلم الله إن كانوا يستيقظون أم يعودون إلى موتهم.
بقيت نقطتان حول هيكل:
الأولى حول
استشهاده بأوسكار وايلد، الذي و إن أقررنا بقيمته الأدبية الكبرى إلا أننا يجب أن
نتذكر أنه شاذ جنسيا بحكم محكمة سجن به
لمدة عامين، بل ويقال أن الرواية تمثل قصته هو شخصيا مع نبيل انجليزي كان عشيقا له.( في لقاء سابق في
قناة الجزيرة أبدى هيكل إعجابه الشديد بالشاذ فكريا أحمد لطفي السيد). ومرة أخرى
فإن هيكل أكبر و أعمق من أن يختار استشهاداته اعتباطا، و أظن أن الخاتم المميز
النقش هنا يخاطب من لا نعرف قائلا:
-
أنا لا يهمني الشذوذ، لا يهمني
الأخلاق، أنا حداثي، وكل تلك الصفات حريات
شخصية لا تمنعني من احترام الشواذ وتبجيلهم..
وبهذا
المفهوم يكون الأمر خطيرا جدا، ويكون هيكل آخر من يصلح لوضع علامات على الطريق.
النقطة
الثانية - أذكرها لإحساسي أنني تكلمت كثيرا عن عيوبه فأحاول البحث له عن ميزة- هي
عبارة قالها في حلقة 23-6 على قناة الجزيرة – حيث كان في أفضل حالاته المعنوية
والفكرية منذ بداية الحلقات بل والصحية أيضا- .. قال هيكل أنه رأي قطيعا من
الأغنام يقودها راع، فخطر بباله أن حكامنا – رعاتنا – يحاولون أن يجعلوا من الشعب
قطيعا كهذا القطيع، و أن راعي القطيع يريد أن يبيع قطيعه، و أن من سيشتريه يريد أن
يذبحه!!..
ألم
أقل لكم أنه نجيب محفوظ السياسة!!
ملحوظة:
لي انتقاداتي الجوهرية لفكر نجيب محفوظ، لكننا لا يمكننا عدم التسليم بأنه روائي
عملاق على مستوى العالم.. لكن ذلك ليس موضوعنا الآن.
***
أقول أن
الخطأ القاتل لأحزابنا الرسمية ليس مجرد أنها وقعت في مستنقع التفاصيل، بل إنها
منذ البداية خطأ، تحمل بذور الانهيار والفناء، إن الخلل لا يقتصر على الأحزاب
والهيئات والمؤسسات.. ولكنه تجاوز ذلك ليشمل الأفراد أيضا.. لقد أصاب العطب أفراد
الأمة.. ولقد تميعت أمامهم – تحت وطأة ضراوة التضليل- قضاياهم وانحيازاتهم.
ورغم أن
القيم الخلقية للهيئات ينبغي أن تكون أعلى من القيم الخلقية للأفراد، إلا أن ضراوة
الاجتياح أدت لانهيار الجميع أفرادا وجماعات، فلا الفرد مؤهل ولا الهيئات والأحزاب
تصلح، أما الأحزاب الرسمية فقد كانت أشد سوءا من ذلك كله، كانت عاجزة، معوقة،
مليئة بالعاهات، أسيرة الماضي مشلولة الحاضر عمياء عن المستقبل، ولقد كان مضحكا على سبيل المثال موقفها من
الإخوان المسلمين ومن حزب العمل، واعتبارهما غير شرعيين، على أساس أن السلطة
الحاكمة شرعية وتمنح الشرعية من تشاء وتمنعها عمن تشاء، وتجاهلت الأحزاب الرسمية
التناقض الصارخ الذي تقع فيه، فإن كان نظام الحكم شرعيا فلماذا كل هذه المعارضة
الصاخبة إلا إذا كانت هذه المعارضة الصاخبة تعنى الخروج عن الشرعية، وهل يعني
إقرار أحزاب المعارضة بشرعية نظام الحكم اعترافها بعدم تزوير الانتخابات على سبيل
المثال؟..فإذا كانت الانتخابات والاستفتاءات لا تزور فلماذا إذن دعاوى التغيير ؟ و
إن كانت تزور فإن هذه الأحزاب نفسها جزء من الواقع المزور وبهذا يكون الإخوان
المسلمين وحزب العمل أكثر شرعية من أن حزب آخر.. لأن منح الشرعية من سلطة تفتقدها
هو انتقاص للشرعية.
ولقد نالت
الأحزاب الشرعية من الحزب الحاكم ما تستحق من امتهان و تجاهل ومهانة.. لقد هانوا وسهل الهوان عليهم..
والحقيقة
أنني ألاحظ أن موقف هذه الأحزاب من جماعة الإخوان المسلمين ومن حزب العمل ومن القضية الوطنية ككل ليس
موقفا مبدئيا و إنما هي مناورات لتحصيل بعض المكاسب التافهة الهزيلة، لتسمح لهم
الدولة في النهاية بتزوير بعض المقاعد النيابية لأحزابهم. بل ألاحظ تطابق موقف هذه
الأحزاب مع موقف الدول العربية تجاه فلسطين والعراق، حيث تسير هذه الدول على
المنهج الأمريكي بحذافيره، وتتبنى المواقف الأمريكية كما تملى عليها، وهكذا تم
حصار فلسطين والعراق وتجويعهما ومنع المدد عن مجاهديهم، نفس الأمر وبنفس الخسة
مارسته أحزاب المعارضة الرسمية تجاه القوى الحقيقية الفاعلة في الأمة.
إلا أن الخطأ
في التقدير لم يقتصر على الأحزاب الرسمية فقط، ربما مع الأحزاب الرسمية كان الخطأ
مع سبق الخسة والإصرار والترصد، أما مع باقي القوى الفاعلة في المجتمع فقد كان
الخطأ خطأ تقدير.
***
على مستوى
الواقع، وعلى أرضية الممارسة العملية كان الخطأ في ظن سقيم أن الطاغوت يمكن أن
يفتح أبواب الحرية والصدق بمظاهرة هنا ومناشدة هناك.. كان ذلك خطأ فادحا.. لأن باب
الحرية لن يفتح.. بل سيكسر.. ولقد أدى عدم فهم ذلك إلى أساليب خاطئة كجعل التمديد والتوريث هدفا، وكان الأولى أن
يكون الهدف هو العزل والمحاكمة على ما اقترف الطاغوت و أعوانه و أجهزته في حق
الوطن والأمة من جرائم، لا ينبغي أن تسقط أبدا بالتقادم، إذ كيف يمكن أن تسقط
بالتقادم جرائم كجرائم شمس بدران وفؤاد علام ، أو حتى العادلى، أو جرائم الطواغيت
التي لا يقترب منها أحد، ومنها على سبيل المثال التقصير الجسيم الذي أدي إلى كشف
الجبهة في حرب 73 حيث أصبحت سماواتنا مفتوحة أمام طائرات العدو ابتداء من 19
أكتوبر 73 حتى تمكنت من تدمير قواعد الدفاع الجوي مما أدى إلى اكتمال حصار الجيش
الثالث، ومرورا بتدمير مقدرات الأمة وسلب روحها وسرقتها وخيانتها وموالاة الأعداء
وتفتيت كل إرادة عربية أو إسلامية أو حتى وطنية تحاول أن تلم أشتات الأمة . ولقد
كنا في أكتوبر 73 ندا قادرا على مواجهة إسرائيل، بل وقادرا على هزيمتها لولا خيانة
السياسة وخيبة الساسة، وكان هذا الجيش العظيم هو الذي بدأ به الرئيس مبارك، والذي
لا نستطيع الآن ، بسبب الجرح الذي لا يندمل في القلب، أن نواصل مقارنة القوة بينه
وبين الجيش الإسرائيلي، و أنا لا أتهم الطاغوت بأنه أضعف الجيش بسبب سياسات
الخاطئة، بل أشك أنه أضعفه عامدا متعمدا، وكان هذا هو سبيله للاستقرار في الحكم
ربع قرن أغلب ظني أنها ستزيد. كان سبيلا، لا السبيل الوحيد. نعم . كان يجب أن نحاسب النظام على الجرائم لا
تعد ولا تحصى، وبعضها لا يمكن الآن تقدير عواقبه، لكننا فقط نذكر – على سبيل
المثال – عمولات السلاح التي أثرت وتؤثر على القوات المسلحة، فضلا عن تدمير
معنوياتها، وليس أدل على ذلك مما
نشرته الصحف منذ أعوام من مضابط
التحقيق في قضية " منظمة ثورة مصر
" في أقوال البطل المتهم: المقدم
أحمد على في التحقيقات من أن الولايات
المتحدة باعت لمصر أسلحة فاسدة ومستهلكة وأن كافة أجهزة الرادار المشتراة من
أمريكا ثبت عدم فاعليتها.. وأن هذه الأسلحة قد تم شراؤها رغم رفض لجنة مشتريات
السلاح، وكشف أيضا أن أمريكا ظلت سنوات
ترفض إمداد مصر بقطع غيار الطائرات فانتوم 4أ مما أدى إلى إصابة 21 طائرة – هي كل
ما لدى مصر من هذا النوع آنذاك – بالشلل التام وتوقفها تماما عن الطيران في مطار
بنى سويف الحربي .
هذا بعض ما
فعله الطاغوت بالجيش، وما فعله في الشرطة لا يقل خطورة و إثما، لقد دمر مفهوم
الأمن كله، و أصبح الأمن جله مجرد خدم لشخص وغواياته و أخطائه وانحرافاته ومصالحه
بل وشذوذه، وفي سبيل ذلك فقد قام هذا الأمن الغبي بتحطيم كل من حاول التصدي
للطاغوت سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو أحزابا أو هيئات أو صحافة أو أي تجمع بشري
يمكن أن يرتفع صوته ليقول للص أنت لص وللطاغوت أنت طاغوت. استطاع الطاغوت أن يدفع
جهاز الأمن للقيام بعكس عمله، فبدلا من تأمين المواطنين إذا به يروعهم ويرهبهم،
وبدلا من حماية الأعراض إذا به ينتهكها، وبدلا من القبض على اللصوص إذا به يحميهم
ويقتل وينكل بمن يحاول التصدي لهم. و إذا به يزور الانتخابات ويلفق الاتهامات
ويقتل خارج إطار القانون بل ويسحق القانون بأحذية ثقيلة وهو يختطف الناس كأعتى
العصابات إجراما فيقتلهم أو يحبسهم رغم أحكام القضاء.. أقول كأعتى العصابات.. و إن
كان هناك فرق.. فأعتى العصابات شذوذ
تطارده الدولة.. أما في حالتنا فإن هذه العصابات هي الدولة.
إننا لا
نواجه حاكما ظالما كنابليون لكنه يحول بلاده إلى قوة عظمى.. ولا حتى سفاحا
كموسيليني أو جبارا كهتلر.. أو خسيسا كشارون أو غبيا معتوها مجرما كبوش، فكل أولئك
مهما كان رأينا فيهم كانت لهم سمتان: السمة الأولى أنهم كانوا يقصدون – صوابا أو
خطأ – رفعة بلادهم وسيادتها.. والسمة الثانية أن جل بأسهم كان ضد أعداء بلادهم -
,أيضا: صوابا أو خطأ- .. أما سمة طواغيتنا فهو أن كل بأسهم موجه تجاه مواطنيهم، و
أنهم يقصدون مع سبق الإصرار والترصد إذلال مواطنيهم وبيع أوطانهم مقابل استمرارهم
واستقرارهم على عروشهم.. مقابل التمديد والتوريث. ولقد بلغت الخسة بأحدهم.. بعد أن
حكم ثلاثين عاما أنه يرفض تحديد مدة الرئاسة على أمل أن تصل إلى ابنه، لذلك فقد
رفض التحديد بدورتين!!.
نحن إذن لا
نواجه حاكما ظالما أمرنا الإسلام –في ظروف خاصة وبشروط محددة- بالصبر عليه.. ولا
خلافات سياسية يجب أن نحلها بالحوار.. لكننا نواجه قرصانا استولي على السفينة وهو
مستعد لحرقها إن لم يتمكن من التمديد والتوريث!!.. ومثل هذا القرصان لا يفيد معه –
بل ولا يجوز – حوار. و إنما ضغط شعبي لا ينتهي حتى يستسلم..
قد يبدو
الأمر للوهلة الأولي غريبا، لكن القارئ يستطيع أن يدرك الحقيقة عندما يسأل نفسه :
كم من هذه النخبة الفاسدة العفنة يفضل أن يظل اليهود في غزة عن أن تحكمها حماس..
وقس على ذلك في العراق و أفغانستان والشيشان والفليبين وكافة بلاد المسلمين. بل
إنني أطرح سؤالا أسهل: كم من النخب في بلادنا تفضل حكم العسكر الباطش الجبار
الفاجر عن حكم إسلامي؟!!..
لا أريد أن
أوغل في تعداد هذه الجرائم ولا في الحديث عن مدى سفالتها وبشاعتها فهناك عشرات
ومئات يقولون الآن ذلك.. أما نحن.. فقد كنا نقولها في "الشعب"
و"الأحرار" و " الأسبوع"
وبأعلى صوت قبل أن يجرؤ على البوح بها أحد.. لكنني أتناول هذا الخطأ الجسيم
القاتل المدمر الذي وقعت فيه المعارضة، والذي أخشى أن يفيد الطاغوت ويفيد أمريكا
ويكون هو السبيل لنكسة جديدة للحركة الوطنية.
ولمزيد من
التفصيل فإن الموقف المجرم السافل للسياسة الأمريكية والتي تطلق إشارات متعددة
ومتناقضة يمكن لكل طرف أن يفهمها إما كما يشاء و يهوى , وإما كما يخاف ويخشى.. وفي
هذا الجو، فإن الطاغوت المرعوب مما بعد ترك السلطة سيحاول أن يحقق لأمريكا كل ما
تريد و أكثر.. سينافس حتى نفسه في التفريط والتسليم والخيانة.. سيفعل حتى ما لا
يطلب منه.. بل ما يتخيل أنه إن فعله فإنه سوف يرضى سيده ومولاه .. والذي بكلمة منه
سيجعله إما يستمر حاكما.. أو سجينا يحاسب على جرائمه.
لقد أعدت
أمريكا ميدان المعركة الكونية بعبقرية
الشيطان.. حتى أننا نرى المتناقضين يلجئون إليها ويعلقون آمالهم عليها.. أعدت
ميدان المعركة بحيث تبذل جميع الأطراف جهدها الأقصى لتحقيق غاياتها: نظم الحكم
والمعارضة العميلة كهدف.. وبعض المعارضة
كمناورة .. متجاهلة حتى المثل الغربي الذي ينصحك بألا تجلد جوادك المجهد وهو يتسلق
جبلا لأنه ببساطة سيموت – وهو تكرار فج للمثل العربي الرصين: إن المنبت لا أرضا
قطع ولا ظهرا أبقى- .. ولكن أمريكا لا يهمها أن يموت الجواد – كالشاة والسادات –
ما دام يغذ السير في طريقها الذي تريده.. لأنه إن مات فثمة ألف حمار يمكنها إكمال
المسيرة.
الخطأ القاتل
الذي وقعت فيه المعارضة أنها تصرفت كما لو كانت الحكومة حكومة فعلا .. والرئيس
رئيس حقيقة.. والمؤسسات مؤسسات..
ولم يكن أي
من ذلك صحيحا..
***
تنفك المعضلة وتنحل المشكلة عندما نتوقف عن
أوهامنا و خداع أنفسنا بالنظر إلى حكوماتنا كحكومات – مهما كانت باطشة وظالمة- .. لننتقل إلى تشخيص صحيح للواقع بأننا لا نواجه
حكومات بل نواجه عصابات .. ولا نواجه حكاما بل نواجه قراصنة..
في هذا
التصور يختلف كل شيء..
تختلف أحكام
الشرع التي تفرق ما بين حاكم ظالم قد تجوز – أقول قد – طاعته درءا لمفسدة أكبر وما
بين لص استولى على الحكم كما يستولي القرصان على سفينة.. فمع القرصان يجب القتال
ومن يموت يموت شهيدا.
ويواكب
القانون الدولي الشرع ويتفق معه.. فهو يجيز الخروج المسلح على الحاكم الذي يعطل
أحكام القضاء.. والقرصان أخطر من ذلك بكثير. إنه لا يعطل أحكام القضاء فقط، بل هو
يزورها تزويرا، ويختلقها اختلاقا، ويصطنع حوله فقهاء سوء فلا يتولى القضاء إلا
قضاة النار إلا فيما ندر..
***
نعم قرصان
وقراصنة.. أهدروا القانون فليس يجدي مواجهتهم به..
قرصان أفسد
كل شئ وخرب كل شئ..
تناول ما شئت
أيها القارئ لتكتشف أن التدمير والتخريب في كل مكان.
وسوف نكتفي بتناول
نماذج قليلة توضح إلى أي مدى بلغ التخريب والانهيار.. الذي وصلنا إليه، لا بسبب خطأ في الحسابات، بل بتعمد
وقصد. و إنني أرجو أن يتنبه القارئ أن هذا الشذوذ والإجرام والقسوة لا تأتي صدفة
ولا اعتباطا، و إنما هي منهج وتخطيط، حتى لو غفل المجرمون عن ذلك.
***
منذ فترة كنت
أزور صديقا، وهو أستاذ جامعي في كلية الطب، كان نافد الصبر ضيق الصدر متوترا، وكان
يرد على الهاتف مهتاجا ويدعو على الظالمين، والتفت إلىّ قائلا:
- يستعجلون نتائج الامتحانات، لقد انتهيت منها منذ أسبوع، لكنها تُـراجع في
الأمن..!!..
وصكت
الكلمة أذني فادحة وغريبة فهتفت به:
- تُـراجع في الأمن.. وما علاقة الأمن بذلك؟!..
فأجاب
الصديق في دهشة:
- ألا تعلم ما يحدث منذ سنوات..؟.. كل النتائج في كل الكليات لابد أن تراجع
قبل إعلانها من قبل الأمن.. إنها إحدى وسائلهم لتجفيف منابع الإسلام.. إذ تعدل
النتائج وتغير الدرجات كي لا تكون المراكز الأولى للإسلاميين، كي يتسنى منعهم من
الالتحاق بالسلك الجامعي..
وتساءلت
في ذهول:
- لكنهم يفعلون ذلك دون الحاجة لتزوير النتائج.. فموافقة الأمن على التعيين
أهم من شهادات الليسانس والبكالريوس والماجستير والدكتوراه!!.. إنهم يفعلون ما
يريدون دون معقب.. فلماذا يلجئون إلى هذه الطريقة البشعة في تغطية هم من الأصل غير
محتاجين إليها..
وفجأة
التمعت الفكرة في رأسي فرحت أتمتم والكرب يجثم على قلبي فيكاد يزهق روحي:
- ليس الهدف مجرد تجفيف المنابع أو منع الإسلاميين من الالتحاق بهيئة التدريس
في الجامعة.. الهدف أبعد من ذلك بكثير.. الهدف أن تصل الإهانة والخزي والإحساس
بالعار إلى كل أستاذ بالجامعة.. لأن كل أستاذ يرغم على قبول ذلك سوف يفقد كل
الجلال والهيبة المقترنة بالقيمة المعنوية لأستاذ الجامعة.. إن إرغام أساتذة
الجامعة على القبول بهذا الهوان أشبه
باغتصابه.. إنه يدمره تدميرا..
ثم
واصلت التساؤل:
- هل سيظل مقياس العدالة سليما عند هذا الأستاذ.. و إذا كان قد طأطأ وانحنى
للأمن إذ يفعل فعلته الشنعاء.. إن كان قد طأطأ وانحني تجنبا لشر الأمن فلماذا لا
يطأطئ وينحني بالتزوير في النتائج استجلابا لمنفعة خاصة أو وصولا إلى مصلحة. لماذا
لا يزور مقابل مال أو منصب، أو مقابل أن يورث لابنه منصبه في الجامعة.
لقد
بدأ الأمن الدائرة الشيطانية..دائرة الفساد والإفساد الذي لا يكف عن التوالد ..
وليس الفساد هدفا في حد ذاته.. ولكن الأستاذ الجامعي الذي يفسد لن يكون قادرا بأي
شكل من الأشكال على تربية جيل قد يكون منه من يعارض.. إن الأستاذ الذي يتحطم ، الذي يبيع نفسه لأجهزة
الأمن، لن يستنكف من بيع جامعته وتقاليدها ولا من بيع تلامذته، سوف يبيع، ويتدنى،
ويتسفل، وسوف يستدرجهم الأمن، سوف يغمض
عينه عن كل الفاسدين من أساتذة الجامعة إلا في حالتين: الحالة الأولى أن يظن بعض
الأساتذة أنهم بقدرتهم على الغش والتزوير قد ربطوا أنفسهم بأجهزة أقوى من جهاز
الأمن، والحالة الثانية لمجرد الترويع للترويض، حين يكشف الأمن أمر أستاذ أو أستاذين فيحولهما إلى محكمة
الجنايات بتهمة الغش والتزوير، ليكون لهذا وطأته الإضافية، إذ أن كل أساتذة
الجامعة يعلمون أن زميلهم ذلك لم يسجن ويشهر به وينكل لأنه غش أو زور، بل لأن جهاز
الأمن تخلى عن حمايته، لينتشر الرعب بين الجميع، وليعرف الجميع أن ثمة طريق واحد
إلى الشهرة والثروة والمنصب والحماية، هو طريق الأمن، الذي يزعم أنه يحرس التعليم،
بينما هو يدمره تدميرا، والأنكى أنه يدمره وهو يعرف أنه يدمره. وهكذا يواصل الأمن تدمير الأساتذة وطلابهم..
وهو الأمر الذي يؤدي على المدى الطويل إلى تفريغ التعليم الجامعي من كل جوهره، و
إلى أن يكون الجهل والخيانة والغش والخسة
أصناما معبودة فكلما ازدادت تلك ازدادت رفعة المنصب.
***
لم يكن الأمن
وحده هو المجرم، بل كانت أجهزة الدولة كلها تتضافر للأمر بالمنكر والنهي عن
المعروف.
نعم .. لم
يكن الأمن وحده.. لأن الأمر لم يقتصر على الطلاب بل تعداه إلى كل وظائف الجامعة، و
إن كان الأمن هو الذي يرشح رئيس الجامعة ، ليبصم الوزير المختص على هذا الترشيح
فإن رئيس الجمهورية هو الذي يصدر قرار التعيين، فإذا علمنا أن مرتبات رئيس الجامعة
تتجاوز الأربعة ملايين من الجنيهات سنويا أدركنا أن رئيس الجامعة ليس أستاذا
يتقاضى مقابل عمله، بل نخاسا يبيع الطلبة والأساتذة والعملية التعليمية برمتها ، و
أن الملايين الأربعة كل عام هي الثمن. نخاس يتعهد أن يخرج عبيدا للنخاس الأكبر
الذي تعهد لسادته في البيت الأسود أن يكون شعبه شعبا من العبيد لا يرهب ولا يخيف
ولا يتمرد.. ولا حتى يفكر.
ما ينطبق على
رئيس الجامعة ينطبق على الوظائف الأقل، بل لقد تدخلت الدولة كي تمنع أي آلية يمكن
أن تحد من التدمير المنظم للعملية التعليمية، وعندما أدركت أن انتخاب العمداء تؤدي
إلى تسرب ولو بسيط لبقايا ما يزال لديها مبادئ ومثل، فقد أقدمت على إلغاء
الانتخابات ليكون الأمر بالتعيين لا بالانتخاب.
قد يندهش بعض
القراء لأرقام المرتبات، ولكن القارئ سيقرأ في كتاب مدينة الذئاب عن ضابط شرطة
يبلغ مرتبه مائتا ألف جنيه شهريا ( طبقا لبعض المصادر.. وطبقا لمصادر أخري فإن هذا
الراتب قد يصل إلى مليون جنيه) .. وهذه المرتبات لم تعد أمرا شاذا و إنما يتقاضاها
الكثيرون من نادي الإدارة العليا، وحجم
هذه المرتبات لا يترك أي فرجة للدين أو العقل أو الضمير إلا من رحم الله وعصم.
وعلى سبيل المثال فإن ممدوح الليثى يحصل
بشكل شرعي على راتب يشمل عمولة الإنتاج والإشراف والبدلات إلى نصف مليون جنيه
شهريا، بينما يحصل فرج أبو الفرج أيضا بشكل شرعي على مبلغ 290 ألف جنيه شهريا،
بينما تحصل آمال مراد على مبلغ 180 ألف جنيه شهريا بالإضافة للمبالغ الطائلة التي
كان يحصل عليها مستشارو القطاعات المختلفة فيكفى أن تعرف أن مقابل الجلسة الواحدة
لا يقل عن خمسمائة جنيه ويحصل رؤساء القنوات المتخصصة على مبالغ تتراوح ما بين
خمسة وعشرين إلى ثلاثين ألف جنيه.( العربي 8-8-2004- العدد 921)
***
الكارثة
هائلة.. والرشاوى الشرعية هائلة.. وحركات المعارضة المصرية تواجهها بعزم واه واهن
ضعيف.. إننا كقوم أعدوا عدتهم لمواجهة ذئب غادر.. بينما عليهم في الواقع أن
يواجهوا قطيعا من ألف ذئب..
الكارثة هائلة..
والمجتمع غير مؤهل لمواجهتها.. والأحزاب الشرعية تخدع الأمة.. أما الحركات الفاعلة
فحساباتها معقدة..
كنت أحاور
صديقا ذات مرة فقلت له:
- لو استطاعت المعارضة المصرية تقديم
ألف شهيد لسقط النظام وتغير وجه المنطقة..
فإذا
به يجيب في اكتئاب:
- في الجزائر سقط مائتا ألف شهيد ولم
يسقط العسكر اللصوص سارقي الثروات والبترول وناهبي عمولات السلاح..
ولم
يسعني سوي التسليم برجاحة رأيه.
الكارثة
هائلة وكل الأحزاب الشرعية وغير الشرعية
لا تدرك حجمها الحقيقي.. لذلك كانت المطالب قاصرة والأهداف متواضعة..
ولقد كانت
بعض مواقع الإنترنت ( رغم أنها في رأيي متهمة حتى تثبت براءتها) أقرب إلى التقدير
الكلي – ولا أقول الصحيح- والتصور الشامل
للمواجهة( و أنبه القارئ مرة أخرى أن هذه المواقع الإليكترونية هي في الأصل لعبة
أمريكية، وقد تكون وسيلة للاختراق أو لسوق الجماهير في اتجاهات معينة، ويستطيع
القارئ الفطن أن يدرك ذلك، وعلى سبيل المثال فإن أي موقع يتحدث عن اضطهاد الأقباط
في مصر، لا بد أن يكون تابعا للمسيحية الصهيونية، لأن اضطهاد الأقباط فرية نجسة
يروجها أنجاس مناكيد، في الوقت الذي لا تبلغ فيه أقصى طموحات المسلمين أن تتم
مساواتهم بالأقباط، و أن يعامل الطاغوت المجرم المساجد بنفس الاحترام الذي يعامل
به الكنائس )..
أحد هذه
المواقع وعنوانه :
http://egypt.shadow.government.8m.net/matloobeen.html
نشر على
صفحته الأولى:
بيان
من حكومة الظل المصرية:
بيان بالمطلوب الحجز على أموالهم و
القبض عليهم
الأشخاص
الآتية أسمائهم و أقاربهم و تابعين لهم قاموا بنهب المال العام و أموال البنوك و
بإهدارها و سهلوا العدوان عليها كما أن بعض منهم أثرى بطرق غير مشروعة أخرى مثل
غسيل الأموال و تهريب السلاح و المخدرات و التلاعب بالبورصة و غيرها. و بعضهم
الأخر ارتكب بالإضافة إلى نهب المال العام الجرائم الآتية أو سهلوا على أو شاركوا
في ارتكابها:
1- جرائم ضد الإنسانية: بناء نظام سياسي فردى يحتكر
السلطة بالقمع المسلح و بإرهاب و ترويع المواطنين و تزوير إرادة الأمة. القبض
العشوائي على المواطنين و اعتقالهم دون اتهام لفترات طويلة. تعذيب المعتقلين و
المحتجزين و الاعتداء الجنسي عليهم. احتجاز أقارب المطلوبين كرهائن بأقسام الشرطة
و مباحث أمن الدولة و تعذيبهم و الاعتداء الجنسي عليهم. تقديم المتهمين إلى محاكم
استثنائية أو عسكرية لا توفر الحد الأدنى من العدالة. خطف و اغتيال أو قتل خصوم النظام
السياسيين. و غيرها.
2- فرض الأحكام العرفية بدون مقتضى صحيح لمدة 23 عام
بالمخالفة للدستور و القانون و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و كافة المواثيق و
المعاهدات الدولية.
3- تزوير الانتخابات و الاستفتاءات.
4- التمييز ضد و اضطهاد الأقباط و الأقليات الأخرى.
5- العمل على تقويض
و عرقلة الجهود الرامية إلى إحلال السلام و تحقيق الاستقرار و ترسيخ مبادئ
الحرية و الديموقراطية و كل الإصلاحات السياسية و الاقتصادية في مصر و الشرق
الأوسط بحجج و ذرائع واهية مؤداها أنه لا إصلاح إلا بعد تحرير العراق و فلسطين.
6- نشر المبادئ الوهابية السعودية الهدامة و غيرها من
أفكار و تيارات متطرفة في مصر و دول أخرى.
7- شن حملات كراهية شعواء في وسائل الإعلام المملوكة
للدولة و بالمدارس و الجوامع و غيرها ضد الدول و الديانات الأخرى بغرض توجيه
انتباه الشعب لعدو خارجي يشغل به النظام الحاكم الشعب و يشتت انتباهه عن التركيز
على العدو الحقيقي للشعب و هو النظام الحاكم و ذلك حتى يتمكن النظام من الاستمرار
في استعباد الشعب و نهب ثرواته بينما الشعب غافل يناطح و يجاهد ضد عدو وهمي لم
يستعبده أو ينهب أمواله مثلما يفعل مبارك و أسرته و نظام حكمة.
و البيان
الأول للمتهمين هو كالآتي:
أولا:
المسؤولين
1- محمد حسنى مبارك رئيس مصر الغير شرعي.
2- جمال مبارك الحاكم الفعلي لمصر و نجل الرئيس الغير
شرعي لها.
3- سوزان ثابت زوجة الرئيس الغير شرعي لمصر و
المشاركة مع نجلها المذكور في حكم مصر.
4- علاء مبارك النجل الأخر للرئيس الغير شرعي لمصر.
5- أحمد نظيف رئيس الوزراء.
6- عاطف عبيد رئيس الوزراء السابق.
7- يوسف والى نائب رئيس الوزراء السابق.
8- صفوت الشريف وزير الإعلام السابق.
9- الحبيب العادلي وزير الداخلية.
10- فتحي سرور الرئيس الغير شرعي لمجلس الشعب.
11- زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية.
12- أسامة الباز مستشار رئيس الجمهورية.
13- محمد حسين طنطاوى وزير الدفاع.
14- ابراهيم سليمان وزير الاسكان.
15- كمال الشاذلي وزير شؤون مجلس الشعب.
16- عمر سليمان رئيس المخابرات العامة.
17- صلاح سلامة مدير مباحث أمن الدولة.
18- محمد التهامي المدير السابق للمخابرات الحربية.
19- صبري العدوى قائد الحرس الجمهوري.
20- محمد عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع الأسبق.
21- النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق.
22- حسن أبو باشا وزير الدفاع الأسبق.
23- حسن الألفي وزير الدفاع السابق.
24- ماهر عبد الواحد المدعى العام.
25- جابر ريحان المدعى العام الاشتراكي.
26- طلعت حماد وزير شؤون مجلس الوزراء السابق.
27- عاطف صدقي رئيس الوزراء الأسبق.
28- كمال الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق.
29- رجاء العربي المدعى العام السابق.
30- يوسف بطرس غالى وزير المالية.
31- سليمان متولي وزير المواصلات الأسبق.
32- محمد عبدا لوهاب وزير الصناعة الأسبق.
33- أمين مبارك عضو مجلس شعب.
34- ماهر أباظة وزير الكهرباء الأسبق.
35- إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام.
36- إبراهيم سعدة رئيس تحرير الأخبار.
37- سمير رجب رئيس تحرير الجمهورية.
38- مدحت حسانين وزير المالية السابق.
39- حسن خضر وزير التموين.
40- عبد الرحيم شحاتة وزير الحكم المحلى.
41- حسين بهاء الدين وزير التعليم السابق.
42- فاروق سيف النصر وزير العدل السابق.
43- سامح فهمي وزير البترول.
44- مختار خطاب وزير قطاع الأعمال السابق.
45- إسماعيل سلام وزير الصحة السابق.
46- هتلر طنطاوى رئيس الرقابة الإدارية السابق.
47- حمدي وهيبة رئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق.
48- فؤاد علام مدير مباحث أمن الدولة الأسبق.
49- جمال عبد العزيز مدير مكتب رئيس الجمهورية.
50- محمود عبد العزيز رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي
الأسبق.
51- رشيد محمد رشيد
وزير الصناعة و التجارة.
52- أحمد المغربي
وزير السياحة.
53- محمود محيي الدين
وزير الاستثمار.
و غيرهم.
ثانيا: رجال
الأعمال
1- أحمد عز عضو مجلس شعب
2- محمد منصور و اخوتة (ياسين و يوسف)
3- أحمد بهجت.
4- محمد
أبو العنين عضو مجلس شعب.
5- إبراهيم كامل.
6- حمزة
الحولي.