دعوة إلى حلف فضول جديد

 

 

 

بقلم :فهمي هويدي

 

لأن خبرة الواقع دلت على أن الخلاف العلماني الإسلامي أصبح المعوق الرئيس المعطل للاجماع الوطني، في مصر على الأقل، فإن مسؤولية اللحظة التاريخية الراهنة التي نمر بها تفرض على الجميع أن يرتفعوا فوق حساباتهم ومراراتهم، وأن يسارعوا إلى رأب ذلك الصدع الخطير. وإذا لم يفعلوها الآن وليس غدا، فلن يغفر لهم ذلك، في الدنيا والآخرة.

 

«1»

 

إذا جاز لي أن أدخل من آخر الكلام -أوله يعرفه الجميع- فإنني أدعو إلى «حلف فضول» جديد يعقده الطرفان بأطيافهما المختلفة، ومنه ينطلق الجميع لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة، التي تصب في وعاء الإصلاح السياسي وإحداث التغيير المنشود. ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن ثمة إجماعا على تشخيص الحالة ولكن الخلاف السياسي يدور حول الإجابة على مختلف أسئلة العلاج.

 

لماذا حلف الفضول بالذات؟

 

قبل أن أجيب اروي قصته باختصار لمن نسي أو لم يتح له أن يطلع عليها. ذات يوم في أواخر القرن السادس الميلادي، في الأغلب بين عامي590 و600 ميلادي - قبل الإسلام - جاء إلى مكة تاجر يمني من بلدة زبيد، وأعطى بضاعته لرجل من بني سهم في مكة، ولكن الأخير ظل يماطل في دفع الثمن، مستثمرا غربة اليمني وضعف حاله، وإذ ضاق الرجل بسلوك المكي، فإنه صعد إلى جبل صائحا ومستغيثا بفضلاء مكة ولما سمع نفر منهم بندائه استدعوه ليتحققوا من روايته. وحين ثبت لهم ذلك، فإنهم ذهبوا إلى المكي وأجبروه على دفع ثمن البضاعة. ثم رأى أولئك الفضلاء أن يجتمعوا مرة ثانية في دار أحدهم - عبدالله بن جدعان - كي يتعاهدوا ألا يدعوا ببطن مكة مظلوما من أهلها أو من سائر الناس إلا كانوا معه على ظالمه حتى ترد له مظلمته. ومنذئذ سمي ذلك العهد حلف الفضول. ووصفه في وقت لاحق محمد بن عمر بن الخطاب بأنه «اشرف حلف كان قط» وفي قولته هذه إشارة إلى حلفين قبليين كانا قبله هما حلف الأفضال وحلف المطيبين وقد باركه لاحقا النبي [ وقال فيه: «شهدت مع أعمامي في دار عبدالله بن جدعان حلفا لو أنني دعيت لمثله في الإسلام لأجبت».

 

لماذا فكرة الحلف الآن؟

 

لأنه كان في حينه نقله تاريخية حضارية، جعلت منه أول تجمع في التاريخ للدفاع عن حقوق الضعفاء أو حقوق الإنسان بلغة زماننا. ولأنه حلف أهلي خالص انعقدت جولة إرادة الفضلاء الشرفاء في المجتمع. ولأنه استهدف نصرة المظلومين قاطبة من أهل مكة أو من غيرها. ولأن نبل الهدف فيه جعله متجاوزا الأيديولوجيات حتى باركه وتمنى الانضمام اليه نبي الاسلام رغم ان اطرافه الاصليين كانوا مشركين.

 

هذه السمات جعلت من الحلف مرشحا للاحتذاء من جانب نخبة الفضلاء الذين اختاروا نصرة امتهم. واجتمعت إرادتهم حول ذلك الهدف النبيل، رغم ما بينهم من اختلاف في المعتقدات او الاجتهادات وهو أكثر ما يحتاجه التحرك المصري الآن.

 

«2»

 

في الأسبوع الماضي أحصيت 14 تجمعا جديدا ظهر في مصر، معبرا عن الدعوة الى التغيير ومطالبا بجدية الاصلاح السياسي. ولم أذكر تجمعات التيار الإسلامي أولا لانها ليست جديدة، وثانيا لان الاوضاع السياسية التي تقيد حركتها دفعت عناصرها الى الانخراط في تجمعات أخرى. والمتابع لتحركات الشارع المصري لا يفوته ان يلاحظ ان المشاركين في تلك التحركات يظلون في حدود المئات، حين لا يشارك فيها التيار الإسلامي ولكن ذلك العدد يتحول الى ألوف في وجود عناصر ذلك التيار. ولعلي لا أبالغ إذا قلت ان تلك التحركات تظل نخبوية بصورة نسبية حتى إذا شارك فيها التيار الإسلامي فإنها تتحول إلى محيط جماهيري واسع، فضلا عن ذلك فإن خبرة الاسابيع الماضية دلت على ان التجمعات الوطنية التي نتحدث عنها تتركز في العاصمة وعدد محدود للغاية في المدن الكبرى، في حين أن التيار الإسلامي استطاع في احدى المناسبات ان يثبت حضورا مشهودا في 14 محافظة في وقت واحد.

 

فيما كتبت قبلا تساءلت عن مصير تلك التجمعات وبالتالي مصير الحملة الشعبية السلمية الداعية الى التغيير. ودعوت إلى وضع ما اسميته بخريطة طريق للعمل الوطني يشترك في وضع فقراتها ممثلون عن التجمعات الوطنية الجديدة، تتحدد فيها الاولويات والمطالب والاهداف، وتعرض لاحقا على مؤتمر للقوى السياسية المصرية لإقرارها. لكن تنفيذ الخريطة ليس في سهولة عرضها، لأسباب عدة من بينها ان لم يكن في مقدمتها ذلك الفصام النكد بين التيارين - المعسكرين إن شئت الدقة - العلماني والإسلامي.

 

ثمة تاريخ طويل لذلك الفصام، لكن أقرب شواهده تمثلت في أحزاب المعارضة على إقصاء ذلك التيار فيما سمي بالحوار الوطني الذي شهدته مصر خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة، ورغم ان التجمعات الوطنية التي ظهرت في خارج تلك الدائرة التقليدية إزاء ذلك التيار الا انني لاحظت ان الاختلاف في هذه النقطة بينها وبين الاحزاب التقليدية هو في الدرجة وليس في النوع، أعني ان الحساسية موجودة ولكنها مدفونة أو مؤجلة حتى إشعار آخر.

 

دعيت في نهاية الأسبوع الماضي إلى غداء اقيم على شرف ضيف اوروبي كبير، زار القاهرة ضمن جولة قام بها للتعرف على ما يجري في المنطقة. وكان الموجودون مجموعة محدودة من الفضلاء الممثلين للنخبة العلمانية المصرية وتطرق الحديث الى امور عدة بينها مشاركة التيار الإسلامي في الحياة السياسية. وهي الفكرة التي ايدها الجميع من حيث المبدأ، لكن المفارقة أنهم تنافسوا بعد ذلك في وضع الشروط والاملاءات التي تضيق من نطاق المشاركة او تعطلها، وهو ما لاحظه الضيف الاوروبي فقال أنهم في بلده لا يعنون بمثل هذه التفاصيل، ولكنهم يشترطون شيئا واحدا وهو ألا يكون التجمع السياسي المشارك طرفا في العنف المسلح. ذلك أنه إذا ما اختار طريق التعبير السلمي، فليس لأحد أن يملي عليه ما الذي ينبغي أن يقوله أو يفعله في أدائه السياسي.

 

«3»

 

من بين الدلالات المهمة والمباشرة لحجم الحضور في التحركات الأخيرة التي شهدها الشارع المصري أن الرسالة تكون أعلا وأقوى تأثيراً حين يشارك التيار الإسلامي. أما حين يغيب لسبب أو آخر، فالعكس صحيح تماماً. الأمر الذي يكسب تلك المشاركة أهمية خاصة، حتى من باب البراجماتية أو الانتهازية السياسية. بسبب من ذلك زعمت أن غياب التيار الإسلامي أو تغييبه يضعف من الاحتشاد الوطني المطلوب في اللحظة الراهنة، بل ويحول دون بلوغ المسيرة غاياتها المنشودة. والخاسر الأول والأكبر في ذلك ليس ذلك التيار، وإنما المصلحة الوطنية العليا.

 

لأن الفصام وما يستصحبه من إقصاء له ضرره بالمصلحة الوطنية العليا، فإن السؤال الذي لابد أن يطرحه كل وطني غيور هو لماذا وصلت الأمور إلى ذلك الحد؟ وألا توجد أرضية للتفاهم المشترك بين «فضلاء» الجانبين؟

 

الأمر ليس سهلاً ولا هو مستحيل. إذ لاشك أن ثمن خلافاً بين الطرفين في الفلسفة والمرجعية والمقاصد النهائية، لكن من قال إن هذه هي القضايا الملحة المطروحة في الوقت الراهن. وأليس من الترف المستنكر أن يواجه الوطن والأمة تلك القائمة الطويلة من التحديات والمخاطر التي تهدد المصير والوجود، من الاحتلال والتركيع إلى احتكار السلطة والفساد مروراً بالأمية والتخلف الاقتصادي، ثم تنصرف النخبة عن ذلك كله، لكي تتعارك حول الفلسفة والمرجعية والمقاصد.

 

في عام87 حين ولدت حركة حماس ذكر بيان تأسيسها أن فلسطين وقف إسلامي، وتحدث عن ضرورة إقامة الدولة الإسلامية على الأرض المغتصبة. وهو ما انتقدته وقتذاك في مقالة كان عنوانها «فلسطين المحررة قبل فلسطين الإسلامية» وهو موقف مازلت أدعو إليه يتمثل في التركيز على ما هو سياسي راهن وتأجيل الفكري والمقاصدي حتى يحين أوانه.

 

هذه النقطة عالجها بشكل أوفى وأعمق المستشار طارق البشري في كتاب بالغ الأهمية عنوانه: «الحوار الإسلامي العلماني» نشرته دار الشرق ضمن سلسلة مؤلفاته حول المسألة الإسلامية المعاصرة. إذ لاحظ في تتبعه لمسار الصراع الإسلامي العلماني خلال العقدين الأخيرين انه يتجه للاستقطاب على أساس فكري. وليس على أساس سياسي أو اقتصادي، ففي فترات سابقة من التاريخ كان الاستقطاب يتم على أساس سياسي محوره القضية الوطنية، الأمر الذي يؤدي الى اجتماع القوى الوطنية التي يهمها استقلال الوطن في مواجهة من تعتبره الخصم الاساسي وهو قوة الاحتلال او الاستعمار ومن والاها من القوى الداخلية اما في العقدين الأخيرين، فلم تعد قضية التبعية السياسية ولا قضية الديون الأجنبية وتحقيق النهضة الاقتصادية، لم يعد أي من ذلك هو أساس الاستقطاب الآن، وانما تبلور في قضية الشريعة الإسلامية أو الدين بالحياة.

 

في كتاب «البشرى» فصل نفيس خصصه للحروب الفكرية بين الجانبين، وكيف ان الاشتباك لم يطرق باب التسوية الفكرية، ولجأ فيه كل طرف إلى غلق الحدود الفكرية بينه وبين الآخر. وهو موقف من خصائصه أن يمتنع على كل طرف تمثل المنطق الذاتي للطرف الآخر وهمومه الفكرية والزاوية التي يرى منها الواقع، كما يمتنع عليه محاولة تفهم السياق الداخلي لأفكار الطرف الآخر وآرائه.

 

هنا ينصرف الجهد -يضيف البشري- لا الى محاولات الالتقاء او التقارب ولكن الى التفتيش عن وجوه الخلاف، والتركيز على هذه الوجوه بحسبانها «الحدود الفاصلة»، وثمة حرص لا على الاعتراف بنواحي القوة لدى الطرف الآخر، ولكن على التنقيب على نقاط الضعف وتوسيعها والنفاذ منها. والتشنيع على الخصم بها. وثمة بحث عن امراض الطرف الآخر، لا لمداواتها ولكن للطعن عليه بها، ومحاولة اغتياله منها. وبمضي الوقت تتكرس المفاصلة وتتعمق أوجه الخلاف، الامر الذي يسقط الحلقات الوسيطة ويحاصر مجالات التداخل التي كان يمكن ان تقوم بدور التقريب بين الاطراف المعنية. فتزداد المجافاة ويعمقها الشك وسوء التأويل ومن ثم تتخذ التمييزات الفكرية وضعا متنافيا لبعضها البعض مع الجانبين.

 

«4»

 

ما السبيل إلى عبور الفجوة كي يحل الوفاق محل الشقاق وينفتح الطريق امام اقامة حلف الفضول الذي لا أرى عنه بديلا في الوقت الراهن؟

 

قبل أي شيء اريد ان انبه الى انني اتحدث الى فضلاء الجانبين وعنهم، وهو وصف يخرج منه الغلاة، الذين يدعون الى الكراهية والاقصاء ويستشعرون عارا من انتمائهم العربي والإسلامي. كما أدعو إلى تجاوز التصنيف النمطي الذي يرى في كل العلمانيين كفارا أو في كل الناشطين الإسلاميين طالبانيين وارهابيين.

 

أدعو أيضاً إلى محاولة تحري وتوظيف مصادر القوة لدى الجانبين وليس مصادر الضعف. قوة الطاقة الايمانية عند الإسلاميين التي تمثل ذخيرة مهمة لمشروع النهضة، وقوة الدفاع عن الحرية وحقوق الانسان عند المعتدلين من العلمانيين، التي تمثل أهم حصانات ودفاعات مشروع النهضة، ذلك ان وضع اليد على مصادر القوة وحده هو الذي يوفر فرصة مواتية للتكامل في جهود الاصلاح والتغيير التي تمهد للنهضة المرجوة.

 

وإذا أردنا ان نتصارح اكثر فان الإسلاميين يجب عليهم ان يكفوا عن اتهام العلمانيين على اطلاقهم في اعتقادهم او في ولائهم الوطني. وعلى العلمانيين أن يكفوا عن مطالبة الإسلاميين بالتنازل عن جزء من اعتقادهم عن طريق الالحاح الدائم على ما يسمونه عدم تسييس الدين. إذ صار من العبث المطالبة باجراء مثل ذلك الفصل، ناهيك عن أن عملية الفصل أصبحت مستحيلة، وبات السؤال المهم الذي يطرحه العقلاء هو: كيف تدار العلاقة بين ماهو ديني وسياسي؟؟ وإذا كان توجيه ذلك المطلب من العبث بمكان، فإن تجاهل مخاوف وقلق قطاع عريض من العلمانيين من كثرة ترديد شعار «الإسلام هو الحل»- يعد موقفا عبثيا بدوره - اتفق في ذلك مع ما دعا اليه المستشار البشري في مطالبته الإسلاميين بألا يكون خطابهم مقصورا على الدعوة الى مطلق الاسلام فقط، وانما عليهم ان يترجموا تلك الدعوة الى تحرير الاوطان والنهوض السياسي والاقتصادي الاجتماعي المستقل، واشاعة الديمقراطية وضمان المساواة بين متعددي الاديان من المواطنين، ومراعاة البيئات الاجتماعية المختلفة في البلاد المختلفة لكي تتخلل الدعوة الإسلامية مطالب الناس، وتستجيب لحاجاتهم فضلا عن ضروراتهم.

 

«5»

 

توافر الشروط التي اشرت اليها يفتح الباب واسعا لتلاقي الايدي، والاتفاق على بنود الهم أو الأرضية السياسية المشتركة التي يقوم عليها الحلف المنشود. ومن أسف ان ثمة جهدا سابقا لم يكلل بالنجاح في هذا الاتجاه، بذلته النقابات المهنية المصرية في عام 95 حين دعت ممثلي القوى السياسية المختلفة الى ما سمي في حينه بـ «ميثاق المصالحة الشعبية والوفاق الوطني» الامر الذي ادى الى شرذمة الجماعة الوطنية وانفراط عقدها. وهو ما أثار لدي خوفاً من تصديق الفكرة التي سمعتها ذات مرة من الدكتور عبدالعزيز كامل، أحد حكماء مصر الراحلين، حين شكك في نجاح المصريين في العمل المشترك. إذ استند إلى رمزية اقامة ملوك الفراعنة للأهرامات الثلاثة، حيث رفض كل واحد منهم ان يدفن في هرم من سبقه، وأصر على أن يبني لنفسه هرما مستقلا. ومن ثم بقيت الأهرامات الثلاثة على مر الزمن شاهدا على نزوع المصريين الى ايثار العمل الاحادي الفردي وليس الجماعي. إزاء ذلك فإن التحدي الذي تواجهه الجماعة الوطنية المصرية الآن بات يتمثل في السؤال التالي: أيهما يكتب له النجاح في نهاية المطاف، حلم استدعاء «اللحظة القريشية» التي أفرزت حلف الفضول ام «اللحظة الفرعونية» التي أنتجت الأهرامات الثلاثة؟؟ 

 

  نقلا صحيفة الشرق القطرية