اغتيال الحريري جريمة تستهدف مشروع المقاومة في المنطقة
بقلم :حسن
الحسن
جريمة اغتيال
الحريري؛ والتي لا يمكن فصلها عن السياق الذي تموضعت فيه أحداث المنطقة بعد
تفجيرات نيويورك وواشنطن؛ هذا السياق الذي شرّع أبواب المنطقة لكافة الاحتمالات،
ووضع دول المنطقة أنظمة وشعوباً أمام استحقاقات لابدّ من التعاطي معها وصولاً إلى
إعادة هيكلة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة للمنظومة الفكرية
والأخلاقية، وذلك باعتبارها، أي تلك الاستحقاقات، ممراً إجبارياً في طريق أحادي
الاتجاه لا مجال فيه للتوقف ولا مجال فيه للالتفات كثيراً إلى الوراء.
بداية لا أجد مناصاً
من التأكيد بأن اغتيال الحريري، ووفق المآل الذي تسير نحوه تفاعلات الجريمة، يصبّ
في مصلحة الإدارة الأمريكية التي تسعى لإخضاع المنطقة لهيمنتها والسيطرة على
مقدراتها، فالجريمة تمت في سياق افتعال أزمة داخلية وإقليمية تجعل من التعجيل في
تطبيق القرار 1559 حلاً يكاد يكون وحيداً للخروج من هذه الأزمة!!.
فعندما يدعو الرئيس الفرنسي جاك شيراك لتحقيقٍ
دولي وتتحدث واشنطن عن العمل مع مجلس الأمن لمعاقبة الجناة فور حدوث جريمة
الاغتيال، فإن هذا يؤكد أن الجريمة تمت وفق سيناريو يبدأ بتنفيذها ثم يعقب ذلك
مباشرة الحديث عن "تدويل" عملية التحقيق حول ملابسات هذه الجريمة؛ وليس
من المستبعد أن يوجه التحقيق، بضغوط أمريكية، باتجاه إلقاء التهمة على سورية
والحكومة اللبنانية وتحميلهما المسؤولية، وهو ما يعني فرض المزيد من العقوبات على
سورية، وأيضاً نزع "الشرعية الدولية" عن الحكومة اللبنانية المنتخبة
وبالتالي تنصيب حكومة لبنانية بمواصفات "كارازائية".
فتأزيم الأوضاع في لبنان، قبل صدور تقرير الأمين
العام للأمم المتحدة بخصوص تنفيذ القرار 1559 سيدفع باتجاه وضعٍ يجعل تنفيذ القرار
1559 أمراً لا مناص منه كسبيل لتطويق مفاعيل جريمة الاغتيال؛ وهو ما تسعى إليه
الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية.
اغتيال الحريري تمهيد
لتدخل أجنبي سافر في لبنان
جريمة اغتيال الرئيس
الحريري من الواضح أنها تمت في سياق المساعي المبذولة لتغذية المنطقة بمزيد من
الأعمال الإرهابية التي من شأنها إحداث شروخ عميقة في مجتمعات بلدان المنطقة على
المستويين الشعبي والحزبي إضافة لضرب الثقة ما بين تلك الشعوب وحكوماتها، بهدف
زعزعة الاستقرار "السيادي" ليسهل فيما بعد التدخل الأمريكي السافر في
شؤون تلك البلدان؛ وما الدعوات التي انطلقت في أوساط بعض اللبنانيين بعد دقائق من
جريمة اغتيال الحريري والمطالبة بـ "حماية اللبنانيين" و"انسحاب
الجيش السوري" و"حماية سيادة لبنان من التدخل السوري" و"إخضاع
السلطة اللبنانية للمساءلة والتحقيق"، ما هي سوى مقدمات للتدخل الأجنبي وفق
متوالية تدخلات تبدأ بأوروبا والمجتمع الدولي، يعقبها تدخلاً أمريكياً مباشراً (بعد
سلسلة عمليات إرهابية "مبتكرة" يشهدها لبنان لاحقاً) لينتهي الملف
اللبناني برمته في أدراج الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية.
طبعاً؛ أنا لا أتهم
المعارضة اللبنانية بأنها متورطة في المخطط الصهيو ـ أمريكي؛ فالمعارضة اللبنانية
تضم في صفوفها قوى وفعاليات وشخصيات لا يمكن التشكيك بإخلاصها لبلدها وشعبها
وحرصها على حماية المصالح الوطنية والقومية؛ إلا أن هذا لا يعني بأن هناك من يريد
توجيه دفة المعارضة (وإن كنت أشك في قدرته على تحقيق هذا الأمر) باتجاه يخدم تمرير مخططات مشبوهة، وأنا أقصد
هنا تحديداً شخص الجنرال ميشيل عون ومن لفّ لفّه من اللبنانيين المنتشرين في
دهاليز البيت الأبيض حيث كان نظراؤهم "العراقيون" ينشطون.
القرار 1556
من المؤكد أن انسحاب
الجيش السوري من لبنان في هذا الوقت بالذات، وفق ما يدعو إليه القرار الأممي 1559
يشكّل ضربة قوية لمشروع المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله، وتعزيزاً للضغوطات
التي تمارسها الإدارة الأمريكية على الحكومة السورية باعتبار أن الأخيرة تشكّل حجر
عثرة أمام المشروع الأمريكي الهادف إلى إعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية في
المنطقة وفق منظور يستجيب في المقام الأول، وربما الأوحد، للمصالح الصهيو ـ
أمريكية.
ومما لا شك فيه أيضاً
أن المواقف السورية والمقاومة اللبنانية تشكّلان عمقاً حيوياً للمقاومة الفلسطينية
التي تتصدى للعدوان الصهيوني المتواصل، في ظل غياب الدعم العربي، إن لم نقل إن
هناك انزياحاً في الموقف العربي الرسمي إلى جانب مشروع شارون والذي يتلخص في: إيقاف
انتفاضة الأقصى وتفكيك فصائل المقاومة والدخول في مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية من
شأنها تهدئة الأوضاع في المنطقة بما يضمن الأمن لإسرائيل وتكرس الواقع الناجم عن
بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية والذي يبتلع 58 بالمائة من مساحة الضفة
الغربية، وتحويل الضفة إلى معازل يعيش فيها الفلسطينيون كسجناء ليس إلاّ.
اغتيال الحريري سهم
وجّه إلى صدر مشروع المقاومة
فالإدارة الأمريكية،
ومن خلفها إسرائيل تدرك تماماً بأن هناك علاقة جدلية ما بين كل من: المقاومة
الفلسطينية والمقاومة اللبنانية والمواقف السورية، فكلٌ طرف من هذه الأطراف يشكّل
رافعة للطرفين الآخرين؛ وذلك في اتجاه تعزيز المساعي المطالبة بتطبيق قرارات
الشرعية الدولية وإنهاء الاحتلال وليس في
اتجاه علاقة تتجاوز هذا المعنى.
وفي هذا السياق يشكّل
اغتيال الرئيس رفيق الحريري سهماً أرادت من ورائه قوى القتل الإرهاب تفكيك مشروع
المقاومة وتعزيز الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة؛ إلا أن تمسك
المقاومة الفلسطينية بسلاحها، والمقاومة اللبنانية بخيارها، والمواقف السورية
بثوابتها ستبقى الضمانة الأكيدة، إن لم نقل الوحيدة، عند الفلسطينيين واللبنانيين
والسوريين لدحر الاحتلال واسترجاع حقوقهم المشروعة.