الحنين إلى ما قبل شرم الشيخ

 

 

 

بقلم :خيري منصور 

 

سمعنا في يوم واحد عبارة متوترة وردت بالعربية على لسان صائب عريقات، وبالعبرية على لسان جي باخور، والعبارة هي أن الوضع قبل قمة شرم الشيخ لم يكن أسوأ مما هو عليه بعدها. عريقات قال إن ما تغير هو المسميات فقط، أما جي باخور فقد قال إن الاستعراضات الدبلوماسية لن تغير من واقع الحال وقد تكرسه.

 

ما الذي جرى إذن في تلك القمة؟ هل هو تسخين الدبلوماسية الباردة فقط بين عواصم عربية وتل أبيب! أم أن ذلك المَشتى بدأ يجتذب الساسة والجنرالات والصحافيين في شتاء بارد؟

 

إن كل المفاوضات ما أنجز منها وما لم ينجز بعد، تعيد إلى الذاكرة العربية ال التعريف اللعينة التي تحدث عنها جولدبرغ، وقد يكون هو نفسه من ابتكر تلك الحيلة اللغوية، كي يصبح الانسحاب من الأراضي مجرد انسحاب من "أراضي" غير محددة المساحة، والمنتصر في الحرب هو من يقترح حدودها!

شارون حسب ما يصرح فلسطينيون من كبار المسؤولين في السلطة الوطنية غير آراءه لمجرد عودته إلى القاعدة سالماً، فالانسحاب بالنسبة إليه لا يعني الشيء ذاته بالنسبة للعرب، وشالوم العبرية ليست ترجمة دقيقة "لسلام" العربية، ويبدو أن الخلل شمل القواميس أيضاً، فأصبح الحوار بين الأطراف الراغبة في استئناف التفاوض حوار طرشان.

 

وهذه ليست المرة الأولى التي يشكو فيها مسؤولون في السلطة الوطنية الفلسطينية من تلاعب شارون بالمصطلحات أو اللعب بالبيضة والحجر، وإن كانت هذه اللعبة قد أصبحت سوريالية بحيث تسلم فيها البيضة الصهيونية وينكسر الحجَرُ العربي!

 

ولا يحتاج الأمر إلى اجتراح معجزة، كي يقول المرء سواء كان طرفاً أو مراقباً بأن ما يكسبه شارون هو الوقت ولا شيء آخر. كما أنه يحول الأمر الواقع إلى قضاء وقدر على العرب أن يسلموا بهما، لأنهم توكلوا كما في كل المرات ولم يعقلوا ناقة أو حتى نعجة!

 

ألم يتلقح الفلسطينيون من اللدغ الشاروني المتكرر؟ وأين هو حتى أضعف الإيمان في هذه التراجيديا التي بدأت تتحول إلى ملهاة تُبكي ولا تُضحك، وينصرف المشاهدون وتخلو منهم القاعة لكن الممثلين مستغرقون في أدوارهم لأنهم قرروا فك الارتباط مع جمهورهم، وأخذوا يصغون لأصداء أصواتهم فقط.

 

لم يعد شارون بخفي حنين هذه المرة، بل عاد ببسطار مدجج وبعينين أشد احمراراً تقدحان وتنذران بخذلان جديد لمن استخفهم الطرب، ورقصوا في المأتم قبل طلوع الشمس وجفاف الدم.

 

ما من معادلة أوضح من هذه، محارب محترف يعتقد أن عصاه المارشالية والسحرية تحول السلام إلى حرب من طراز آخر، ومسالم قرر الاستقالة من الحرب وألقى سلاحه واسلم أمره لعدو لا يعفّ عن شيء وألذ وجباته هي لحم الأطفال، حتى من لم يُفطم منهم بعد.

 

لقد كذب الراعي أهله في الحكاية فأتى الذئب عليه وعلى الغنم معا، وما من سبب يفرض على أي طرف عربي أن ينزع آخر مسدس في جعبته، ويثق بعدوه، بحيث يصبح عاريا تحت سماء محتلة، وعلى أرض محتلة.

 

ما الذي يراهن عليه أصحاب الرّغائب النازعين إلى السلم حتى لو كان على خازوق؟ هل هو فائض الفروسية لدى خصم اتصفت ممارساته بالنذالة والطعن من الظهر؟ أم هو الأركان إلى احتياطي العدالة الذي قد يجود به الحليف الأعظم للجنرال الأظلم؟

 

تلك أسئلة تدور في أذهان الناس، وهم يقفون حائرين يضربون أخماس الانتفاضة بأسداس تجريدها حتى من الأظفار والأسنان.

 

وإن المرء ليعجب بالفعل وهو يصغي إلى من يتشاكون من قلب شارون لظهر المجن، أو لنكثة وعود وإدارة الظهر لكل ما نسب إليه من خلال ترجمة رديئة وبتصرف يلبي رغبة الحالمين بتقاعد عسكري ووطني مبكر.

 

نعرف ولا حاجة بنا لتقديم جردة بنقاط الضعف في حياتنا العربية، أو هشاشة الأوضاع السياسية والعسكرية وحالة الاستنقاع التي يتردى فيها العرب الرسميون، لكن ليست الأمور عندما تتعلق بالدفاع عن الهوية، والوجود مجرد رياضيات باردة، أو ميزان توضع في إحدى كفتيه الحياة بأي ثمن وفي الكفة الأخرى وطن، وما كان لغلاة المبشرين بالسلام المبتور والملغوم أن يتمادوا في بث فلسفتهم، لولا أن سلسلة الهزائم المتعاقبة أدت إلى حالة مروعة من الإحباط القومي، بحيث أصبح العزف كله على وتر واحد هو انعدام الخيارات باستثناء خيار السلام حتى لو كان هذا السلام حرباً وفيرة الغنائم.

 

إن بعض المحللين اليهود بدوا أكثر واقعية من خصومهم العرب عندما حذروا للمرة الألف من مناورات شارون، ومراوغاته، فهم لم يفعلوا ذلك حباً بالعرب أو من أجل سواد عيونهم، بل لأنهم تعبوا من الأعباء التي أثقل شارون كواهلهم بها، بحيث غدت حياة اليهودي إقامة في ثكنة، وسهراً متواصلاً على تحقيق الأمن الشخصي؟

 

أما آن لمن جربوا هذا المستنقع، ولدغوا فيه وهم يقطعونه وأيديهم على أنوفهم أن يتريثوا قليلاً، وأن يتبينوا الزؤان من القمح، والسّم من الشهد؟ فهل من المعقول أن تصبح العودة إلى ما قبل شرم الشيخ مطلباً يوازي العودة إلى حدود الرابع من حزيران!