عندما تفقد المدنية البوصلة الهادية

 

 

 

بقلم : حسن السرات

 

أصبح بإمكان المدرسين الشواذ جنسيا إظهار انحرافهم والاستعلان به دون أي عواقب وتعقيدات. وصارت مهمتهم التربوية الرئيسية مساعدة التلاميذ الشواذ على تجاوز آلام المصالحة الذاتية والغيرية في التعبير عن الميل الجنسي الشاذ. جاء هذا ضمن ملف كبير خصصته الشهرية التربوية الفرنسية "عالم التربية" (لوموند دو ليدوكاسيون) لقضية "الجنس والمدرسة (عدد شهر ماي 2005) حيث رصدت وحللت التحولات التي عرفتها وتعرفها المدرسة الفرنسية حول قضايا الجنس ودخولها إلى ساحات المدارس وأقسامها وإداراتها وتلاميذها ومدرسيها.

وللدفاع عن حقهم والاعتراف بهم وتمكينهم من مطالبهم، أسست نقابات خاصة بالشواذ في جميع أسلاك الوظيفة العمومية والخاصة بفرنسا، وعلى الأخص في أوساط "رجال التربية والتعليم". وفي كل عام يخرج هؤلاء "المدرسون الشواذ" في مظاهرات عيد الشغل رافعين راياتهم وعلاماتهم ضمن إخوانهم الشواذ، وفي مسيراتهم الاستعراضية التي اتخذوا لها اسما من أعجب الأسماء وأكثرها دلالة على المعاني المنعكسة "مسيرة الافتخار"، مع العل أن نقابات المدرسين الشواذ تأخرت في الظهور عن نقابات الشواذ في الإعلام والمقاولات الأخرى.

ويطالب "المدرسون الشواذ" بالمساواة التامة مع الأسوياء جنسيا (الذين يطلقون عليهم وصف المائلين للجنس الآخر)، ومن هذه المطالب حق الالتحاق بالزوج والصاحب والصاحبة (إن كانت المدرسة سحاقية).

ويلقى هؤلاء الصد والرفض من طرف الإدارة والآباء، فالإدارة من جهة تتعنت في الاستجابة لمطالبهم ونشأت عدة معارك قانونية وإدارية بين "المناضلين" الشواذ والمديرين، ومن جهة ثانية عبر كثير من الآباء عن قلقهم من الأمر بسبب توالي قضايا البيدوفيليا والاعتداءات الجنسية على الأطفال، والهجومات اللفظية والمواقف الرافضة من طرف التلاميذ.

وتدل الدراسات الاجتماعية والنفسية على صعوبات لا حصر لها يلقاها الشواذ في حياتهم الفردية والجماعية، خاصة ضمن المراهقين منهم، وعلى رأسها معدلات الانتحار ومحاولات الانتحار العالية بينهم، إذ يأتي الفرنسيون في الطليعة متقدمين على سواهم بمعدل يساوي 13 مرة ضعف الآخرين. ولمساعدة هؤلاء المراهقين الشواذ يقترح "المربون الشواذ" أيضا أن يتم تعريف التلاميذ بأن هناك "رجالا بالغين وشواذ" كما قال أحد أساتذة اللغة الفرنسية الشواذ في ثانوية "ترومبلاي أون فرانس" (سانت دينيس). ويقترح هؤلاء الخبراء في الشذوذ أن لا تكتم "الهوية الجنسية الشاذة"ن بل لا بد من التعريف بها والحديث عنها في كل مناسبة.

وبين الاعتراف بحقوق الشواذ في إظهر شذوذهم، وفضائح الاعتداءات الجنسية على التلاميذ والأطفال، تجد وزارة التربية الوطنية الفرنسية نفسها أمام عقبات كبرى، خاصة في رسم الحدود الفاصلة بين الشاذين والبيدوفيلين يعدما تبين أن الحدود دقيقة جدا بين الحالتين، وأن الانزلاق من الحالة الأولى إلى الثانية سريع جدا، وقد أثبتت عدة وقائع وفضائح هذا الانزلاق. ومن البديهي أن يحدث التزحلق والكل في ساحة الشذوذ الجنسي الذي يعبر عن محنة كبرى تعيشها المدنية الغربية منذ اندلاع الثورة الجنسية في ستينيات القرن العشرين وانتشار الإباحية الجنسية والإشباع الجنسي الصرف والبحث عن أطباق وملذات أخرى.

كما تبين للشواذ الجنسيين والجمعيات التي تدافع عنهم أن الحسم في المعركة القانونية لا يعي الانتصار النهائي، وأن كسب القلوب والعقول هو المعركة الحقيقية، وهذا كسب صار مستحيلا بسبب ثورة الفطرة المضادة التي تعبر عن نفسها في عودة العفة واحتقار الإباحية والشذوذ بالغرب نفسه.

ويبقى أن أكثر شيء غرابة في فرنسا خاصة والغرب عامة هو استنكار الحجاب وإنكار إظهار الانتماء الديني والعلامات الدينية -رغم النقاش حولها هل هي علامات أم فرائض وواجبات- والتسامح مع إظهار الشذوذ الجنسي في مجالات الحكم والسياسة والإعلام، وأخيرا في مجالات التربية والتعليم.