السبيل إلى نهضة المسلم
بقلم :د. نورة
السعد
كيف يجب تحديد رسالة المسلم الجديدة في
العالم؟
الإجابة عنها إلحاقاً
لما تم استعراضه من أفكار لهذا المفكر المسلم مالك بن نبي الذي كثر الاستشهاد به
الآن حتى في مواقع الاستسلام!!.. وهو لم يكن في يوم ما متخاذلاً ولامستسلماً.. بل
كان في جميع مؤلفاته يعمل على إذكاء جذوة هذا الإنسان المسلم الذي يكون سلوكه (القرآن)..
الذي عندما تمثله المسلمون الاوائل استطاعوا تحدي امبراطوريتين وحضارتين كبيرتين
هما: امبراطورية وحضارة فارس من ناحية وامبراطورية وحضارة بيزنطة والبحر الأبيض
على العموم من ناحية اخرى.. فهذا التحدي هو من معجزات القرآن كما يراه مالك بن نبي
- واستعرضه الدكتور عبدالله العويس في دراسته القيمة عن مالك بن نبي -وذلك عندما
نتصوره في وقت التنزيل وكيف تجلى في سلوك المسلمين الاوائل وشعورهم برسالة هذا
الدين العظيم لانقاذ الإنسانية، وكيف كان الصحابة رضي الله عنهم يشعرون بذلك إزاء
الأمم الاخرى فقد كانوا يقولون لهم: (لقد جئنا لننقذكم) لم يكونوا يشعرون بمركب
النقص الذي نعاني منه نحن المسلمين حالياً تجاه حضارة الغرب.. رغم أن الأمكانات
الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة.. ولكنها لم تفرض عليهم النقص أو
بعبارة اخرى لم تبهرهم، كانوا يشعرون أمام الامكانات الحضارية المتكدسة بما أطلق
عليه مالك بن نبي (إرادة حضارية) تفوق كثيراً ما تبقى منها لدى المجتمعات المتحضرة
في ذلك العصر..
إذا كان المسلم منا
متمثلاً للقرآن في فكره ثم في سلوكه فانه منذ البداية يستطيع أن يحتفظ باستقلاله
الأخلاقي حتى لو عاش في مجتمع لا يتفق مع مثله الأعلى ومبادئه، كما أنه يستطيع أن
يواجه - رغم فقره أو ثرائه - مسؤولياته مهما يكن قدر الظروف الخارجية الأخلاقية أو
المادية، وهو بهذه الطريقة يستطيع أن ينشئ وسطه الخاص شيئاً فشيئاً حتى يؤثر على
الظروف بحياة نموذجية ينتقل أثرها إلى ماعداها كما كانت حياة أولئك المجموعة
الفاضلة من الرجال الذين عاشوا حول النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمكة أيام
الإسلام الاولى..
?? يرى مالك مرة أخرى
أننا لو عقدنا مقارنة مع حالنا اليوم - لا ننسى أنه يتحدث عن واقع قبل خمسين عاماً!!
وليس الآن.. زمن التخاذل - لو عقدنا مقارنة فسنجد أنه ليس من الصعب على هذا المسلم
الفقير الأعزل، هذا المسلم الذي يضحي بمصالحه الكبرى حتى في هيئة الأمم، أن يقوم
رغم ذلك وبفضل إسلامه فقط.. بمهمة (إنقاذ الإنسانية المتورطة في الضياع، رغم علمها
وكبريائها وتكنولوجيتها) غيرأن كل رسالة تقوم على إعجاز.. على اعتبار أن الإعجاز
هو مجموعة شروط منطقية تحقق أمرين: الاقتناع والاقناع.. وكما تم استعراضه في
المقالة الاولى في يوم السبت 11/12/1425ه... ان الإقناع مترتب على الاقتناع
بالرسالة.. ولن يتوفر لرسالة المسلم كل شروط الاقتناع والاقناع إلاّ بتغيير في (داخل
هذا المسلم) في أغوار نفسه.. و(حول المسلم) محيطه الخاص، أو في محيطه العالمي..
?? إن فعالية الإسلام
بصفته ديناً سماوياً تجلت في أعظم الحضارات الإنسانية في التاريخ.. تلك الحضارة
التي قامت على أساس من (الفضائل الأخلاقية) المتمثلة في الواقع، بالاتصال بين
الإيمان والعمل، أو العلم والضمير.. ولقد تجلت تلك الفضائل في عملية (المؤاخاة) بين
الأنصار والمهاجرين، التي كانت تشكل أساس المجتمع الجديد والحضارة الجديدة، وتعلن
ميلاد ذلك المجتمع بإنشاء شبكة علاقاته الاجتماعية على ذلك الأساس العظيم..
إن التعاليم
الإسلامية نفسها تكشف عن صلة الدين السماوي التي لا تنبتّ بالحياة فلقد كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» فليس هناك شيء بعيد
عن الدين، وإنما يوجد في كل شيء عنصر قدسي.. فقد شملت القداسة كما يرى مالك كل
الدنيا.. وفي هذه (الظروف) ندرك مقدار (ضخامة) أقل الذنوب وأصغر الاخطاء..
?? فهل يدرك كل منا
ضخامة المسؤولية التي عليه وحده تحملها؟! قبل أن يحمل رسالته للآخرين معتزاً بهذا
الدين..