الفتوى الإفرنجية في الحادثة اللندنية

3\3

 

 

 

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

أما عن ضرب المدنيين الأبرياء كما حدث بلندن أخيرا فنبدأ بأن نستمع لصوت كريم يتصل بالمشكلة بصلة حميمة وفقه  عميق ، ووعي نبيل  وشعور بالمسئولية  أصيل :  صوت الإمام  الشيخ محمد مهدي الخالصي في خطبة الجمعة أخيرا بقوله : (نشجب الإرهاب، ونشجب محاربة الإسلام ومضايقة المسلمين باسم الإرهاب،  إنه - إذا كان من حق الحكومة أن تشعر بالغضب لمقتل خمسين من مواطنيها في التفجيرات الأخيرة الغامضة، لماذا لا يحق للآخرين أن يشعروا بالغضب لمقتل ما يزيد على مائة ألف مدني عراقي بسبب الاحتلال ، ومقتل أضعافهم  قبل ذلك بسبب دعم الغرب لنظام صدام وتزويده بكل وسائل القهر و التسلط على الشعب العراقي ثم بسبب فرض الحصار الظالم على الشعب؟ ناهيك عن أساليب التدنيس وإهانة الدين و المقدسات والتنكيل والإذلال والتعذيب التي مورست وما تزال تمارس بمنتهى الوحشية واللاأخلاقية في سجون لأبي غريب وغوانتنامو وغيرها؟

إنّ جذور المشكلة تكمن في هذه العوامل وأمثالها وهي بحاجة إلى وقفة شجاعة لإعادة النظر في السياسات الخاطئة ومعالجة آثارها السلبية، ولا يكفي مجرد تجاهلها والمكابرة في نفي تأثيرها.

- إنّ المكابرة في رفض العلاقة الواضحة بين متابعة سياسة العدوان في فلسطين و أفغانستان و العراق وبين الأحداث الساخنة، سواءً كان وراءها عناصر متطرفة انجرت إلى منطق الانتقام، أو الدوائر السرّية التي لها إمكانيات التخريب السري المنظم، ولها مصلحة استراتيجية في إيغار الصدور ضد المسلمين، إنّ مثل هذه المكابرة موقف استعلائي، غير حكيم ولا يغير من واقع الأمر، ولكنه يحجب الحقيقة ويمنع معالجة أساس المشكلة بشكل سليم.

- إنّ الجرائم المرتكبة في ظل الاحتلال و المجازر اليومية التي تحدث يومياً في العراق، بغض النظر عن الفاعل المباشر لها، والتي يذهب ضحيتها المئات من المدنيين الأبرياء بما فيهم النساء و الأطفال كما حدث أخيراً في مجزرة الأطفال في بغداد و مجزرة المسيب ، ليس من الممكن إطلاقاً إعفاء القوات المحتلة المسؤولية عنها، كما لا يمكن التخفيف من آثارها على المشاعر بمجرد تجاهل البعض لها.

- بناء على التصريح السابق لرئيس الوزراء، ندعو إلى تأسيس فريق من قادة المسلمين وأحرار بريطانيا لمعالجة جذور الإرهاب وأسبابه؛ الكامنة في التبعيض و التهميش وإهانة المقدسات والإفقار و العدوان و الاحتلال و سياسة الانحياز للصهيونية المعتدية.

- إن الحكومة البريطانية في دعوتها الأخيرة للاجتماع بقادة الجالية الإسلامية لماذا اقتصرت على لقاء الأطراف الذين يشاركونها الرأي فقط، وتجنبت الاستماع إلى القادة الذين من رأيهم أنّ لسياسة الحكومة في المشاركة بالاحتلال تأثيراً بالغاً على الأحداث؟

- نحن إذ نكرر شجبنا و إدانتنا لكل أنواع الإرهاب والظلم، التي تطال الأبرياء في أي مكان، ندعو الشعوب جميعاً لاستنكار ولرفع وتيرة الضغط على أصحاب القرار على معالجة أسبابها الحقيقية، وفي مقدمة تلك الأسباب العدوان المسلح على الشعوب بلا وجه حق، واحتلال بلادهم وفرض الفقر والضغط عليهم، ونهب ثرواتهم، وتعريض الإسلام ومقدسات المسلمين للمهانة.

خلاصة الخطب: الجمعة 15 جمادى الثانية 1426هـ المصادف 22/7/2005 م  العدد15

 

وبعد فأما عن ضرب المدنيين الأبرياء من ناحية الحكم الشرعي فقد قدمنا في المقالين السابقين  لذلك مقدمتين إحداهم عن واقع الحرب في انتشارها على الساحة الإسلامية ، وثانيهما عن واقع الحرب في شمولها لضرب المدنيين أساسا ، مما يمكن إدراجهما تحت اسم " فقه الواقع " اللازم ابتداء لتنزيل الحكم الشرعي

فأما عن ضرب المدنيين الأبرياء أثناء الحرب ففيها من ناحية موروث فأما عن ضرب المدنيين الأبرياء من ناحية الحكم الشرعي الحكم الشرعي ما يفيد الحكم  بالتحريم أصلا مع وقوع الخلاف الفقهي في بعض الفروع الطارئة  : الأمر الذي يوجب عدم التسرع بإصدار الأحكام ، مما يجعل الترجيح في نهاية الأمر لتقدير المصلحة وفقا لمبادئ السياسة الشرعية

فنعم : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم في وصاياه لبعض جيوشه : ( اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، وقاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغُلّوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ) رواه مسلم بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه .

وفي رواية لأبي داود في سننه بسنده عن أنس بن مالك يأتي قوله صلى الله عليه وسلم : ( انطلقوا باسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ، ولا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا ، ولا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغُلّوا ، وضعوا غنائمكم ، وأصلحوا ، وأحسنوا ، فإن الله يحب المحسنين ).

وهنا   نجد للمسألة ثلاثة جوانب للبحث عند الفقهاء :

جانب المعاملة بالمثل من حيث أداة القتل والقتال كالرصاص أوالسيف أو الخنجر أو الخنق أو

التحريق أو التغريق أو التقطيع والمثلة

وجانب المعاملة بالمثل من حيث الموضوع الذي يقع عليه الدمار أوالقتل أو القتال كالجندي أو الرجل أو المرأة أو الشيخ أو الطفل أو الصناع ، أو الفلاحين ، أو الشجرة أو الدار أو المصنع أو السد أو الجسر أو المتحف ، أوالمستشفى  إلخ

وجانب سلطة التنفيذ أو الأمر به كولي الدم أو ولي الأمر .

وفي ساحة السادة الفقهاء نجدهم قد تعرضوا للجوانب الثلاثة  بضرب الأمثلة ، مما نقلناه في مقال سابق عن مصادره  في كتاب " روح المعاني  في تفسير القرآن للألوسي " في تفسير قوله تعالى " والحرمات قصاص " وفي فتح القدير للشوكاني و ما جاء في الدر المنثور للسيوطي ، وفي كتاب المبسوط في الفقه الحنفي للإمام  السرخسي

 

 

وفي مقاومة الحكام وما يترتب عليها من تداعيات قد تمس المدنيين الأبرياء كان الإمام أبو حنيفة يدعو - إلى الأخذ بتعاليم الإسلام في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر(3) .

وفي  موقفه في هذا الشأن من أهل البغي أو السلطان الجائر أو الجماعة الباغية كان يدعو إلى الخروج عليهم في مثل هذه الحال ولكن بشروط .

فلم يكن أبو حنيفة  يرى الخروج عليهم بالسيف من بداية الأمر  ، لأن (...ما يفسدون من ذلك أكثر مما يصلحون ، من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال .. (4))

لكن يبدو أن هذا ما كان يقول به الإمام في المرحلة الأولى من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . فلا بد أولاً من أن تكون محاولة للإصلاح بدون " الخروج " ، فهو يقول لأبي مطيع الذي يسأله عن معنى قوله تعالى   " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .." : أفنقاتل الفئة الباغية بالسيف ؟

يقول أبو حنيفة: نعم ، تأمر وتنهى فإن قبل ، وإلا قاتلتها فتكون مع الفئة العادلة .. (5).

وهو يقول أيضاً ( فقاتل أهل البغي(1) ) ويبين أبو حنيفة أن هذا القتال لا يصح أن يكون بدعوى كفر البغاة ، ولكن باسم بغيهم فحسب ، يقول ( فقاتل أهل البغي بالبغي لا بالكفر ).

وأبو حنيفة إذ يدعو إلى أن يكون المرء في هذا القتال مع الفئة العادلة (... كن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر، ولا تكن مع أهل البغي(2) ). لا يدعو إلى أن نكون مع السلطان الجائر في أي موقع فالمهم عنده هو الفئة العادلة ، لا السلطان نفسه ، فنحن مدعوون إلى أن نكون مع السلطان الجائر إذا كان في الفئة العادلة لأننا هنا نقف معها لا معه ، وفى الخروج عليه وهو فيها إضرار بها قبل كل شئ ، وهذا ما يفهم من قوله (.. فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا )(3) .

فالمرحلة الأولى : النصح ، والمرحلة الثانية : التقويم بالسيف ، وهناك المرحلة الثالثة : وتكون عند العجز عن التغيير. يقول أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود قال: قال  : " إذا ظهرت المعاصي في أرض فلم تطق أن تغيرها فتحول عنها إلى غيرها فاعبد ربك ، فالهجرة بديل الخروج بالسيف ، إذا كان العجز عن التغيير .

وليس من الضروري المرور بالمرحلة الثانية لأن العجز عن التغيير قد يتبين من قبل ذلك ، يقول أبو حنيفة : ( وإن كانت الجماعة باغية فاعتزلهم واخرج إلى غيرهم ) .

فهذا مذهب متكامل في علاج البغي والجور ، فلم يكن أبو حنيفة يرى الخروج بالسيف بإطلاق(4) كما كانت الخوارج تفعل ، ولم يكن يرفض الخروج بإطلاق ، كما كانت المرجئة تفعل  وإنما كانت له نظرة متوازنة ، نابعة من المصلحة العامة (5).

 

ولأئمة المذاهب الأخرى  خلاف واجتهادات واسعة في ذلك أي فيما يمس الأبرياء ، وقد أشبعها كبار الأئمة – على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم – بحثا ، ولخصها بعضهم : مثل ابن رشد في بداية المجتهد ، والصنعاني الأمير في سبل السلام ، وابن حزم في المحلى

والسبب في اختلافهم : - والكلام للإمام ابن رشد - معارضة بعض الآثار بخصوصها لعموم الكتاب ، وذلك في قوله تعالى: { فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثابت: «أُمَرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله » الحديث، يقتضي قتل كل مشرك راهباً كان أو غيره ).

وأما الآثار التي وردت باستبقاء هذه الأصناف ، فيذكر ابن رشد منها ما منع من قتل أصحاب الصوامع ، و ما منع من قتل الشيخ الفاني والطفل الصغير ، والمرأة .

ثم يرجع سبب الاختلاف إلى معارضة قوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله الَّذينَ يُقَاتِلُونَكُم وَلاَ تَعْتَدُوا، إنَّ الله لا يُحِبُّ المعْتَدِينَ } حيث تفيد هذه الآية اقتصار القتل على المقاتلين دون غيرهم ، …..معارضته لقوله تعالى : { فَإذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المشرِكينَ حَيْثُ وجدتموهم } الآية ، وهي لا تستثني قتلا من قتل  ) .

والإمام  الصنعاني الأمير  في (سبل السلام ) بعد أن يذكر جواز قتل النساء والأطفال في رواية متفق عليها : ) عن الصَّعْبِ بن جَثَّامةَ رضي الله عَنْهُ قال: سُئِلَ رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم  عن الذراري من المشركين يُبَيّتُون فيُصيبُون منْ نسائهمْ وذراريهمْ ؟ فقالَ: «هُمْ منهُمْ» مُتّفقٌ عليه ) . يذكر ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من النهي عن ذلك فيما بعد في غزوة حنين فيما  أخرجه ابن حبان من حديث الصعب وزاد فيه : «ثم نهى عنهم يوم حنين» وهي مدرجة في حديث الصعب ، وفيما أخرجه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم لأحدهم: «الحق خالداً فقل له: لا تقتل ذرّية ولا عسيفاً» وما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمر قال: لمّا دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة أتى بامرأة مقتولة فقال: «ما كانت هذه تقاتل» ونهى عن قتل النساء.

ومع ذلك  قتلت عصماء بنت مروان في سرية عمير بن عدي  لقولها الشعر في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم و قتل شيخ عجوز للسبب نفسه :  في : سرية سالم بن عمير: راجع  ( المنتظم في التاريخ لابن الجوزي )

ومع ذلك يجب أن نذكر انهما كانا " مدنيين " ولكن " غير أبرياء " لا ينتطح فيهما عنزان كل منهما يصدق عليه أنه " ما كان ليقاتل " ، وأنه ينطوي تحت مصطلح " المدنيين " لكن أحدا منهما لم يكن ليصدق عليه أنه بريء ، وإنما هو من " المدنيين "  الذين يعملون في تعبئة الجيش، بقول الشعر في هجاء الرسول والمسلمين ، وما أدراك ما الهجاء بقول الشعر في البيئة  الثقافية إذ ذاك ، فهو من ثم ينبغي أن يعامل كفرد من الجيش بل كهيئة من هيئاته التي تعمل في نطاق الحرب النفسية أوالتوجيه المعنوي – أو ينبغي أن يعامل كمؤسسة من مؤسسات المجتمع إذ كان أشبه بقناة فضائية تعبيء الرأي العام ضد المسلمين اليوم . – وربما استحق القتل  تبعا لمقاييس المصلحة وقرار القيادة .

وفي  القرآن الكريم  قوله تعالى ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) وهي الآية التي نزلت يوم بدر عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم في أخذ الفداء من الأسرى بدلا من القتل :

وقال ابن عباس رضي الله عنه  : كان هذا يوم بدر ، والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى "  فإما منا بعد وإما فداء " على ما جاء بيانه في سورة القتال .

وقد قيل :  إنما عوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك ، وذلك كله عظيم الموقع ، فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه والله أعلم

وهذا يبين أن كلا من قتل الأسير أوالاسترقاق والمن والفداء فإنه يجوز أو لا يجوز تبعا لموضعه في باب المعاملة بالمثل وموضعه من  تحقيق المصلحة .

 

وفي  هذا السياق يجب أن نضع في الميزان صورة قريبة : أن الأعداء ( هم الذين وضعوا أسري العرب والمسلمين في سلاسل عام 1967م وكبوهم علي بطونهم وداسوا عليهم بالدبابات0

وهم الذين فقئوا أعين 179 أسير مصري في عام 67م 0

وهم الذين تفاخروا بأنهم قتلوا الآلاف من المدنيين في حرب 1948م وفي هذا يقول موشى ديان في مذكراته : أنه ركب سيارة جيب مكشوفة وسار بها في شوارع القدس القديمة ليطلق الرصاص من الرشاش علي كل من يقابله من المدنيين كبيرا أو صغيرا طفلا كان أو امرأة أو شيخا لإثارة الرعب في قلوب الفلسطينيين وهو نفس ما حدث من الصليبيين مع اختلاف نوع السلاح0 …. 0 وهم الذين أطلقوا الرصاص على الطفل محمد الدرة الذي كان يستنجد بأبيه 0 وهم الذين كسروا عظام الأطفال في الانتفاضة الأولى ،  وهم الذين اعتدوا جنسيا على النساء في البوسنة وحبسوهم حتى لا يتمكنوا من إجهاض حملهم حتى ينجبوا منهم سفاحا (( هل وجدتم أكثر من ذلك قسوة وإذلالا وانتهاكا لحقوق الإنسان ))0 وهم الذين انتحلوا شخصية الصليب الأحمر واشتروا ذمم ممثلي الأمم المتحدة 0 وهم الذين وضعوا الأوبئة في تطعيمات الأطفال في فلسطين 0) نقلا عن مقال مجدي محرم بعنوان " العين بالعين والبادي أظلم : الشعب 24\7\2005

 

ولا بد من القول بأن من شرط معاملتهم بالمثل  : أن يكون في حدود الضرورة القصوى وأن تكون البداية من جهة العدو ، مع عدم التزيد .

 

ومع تفهمنا وتعاطفنا لانزعاج مهاجري المسلمين في أوربا وتخوفهم من  أحداث لندن لدوافع محض بشرية عبرت عنها فتاوى ذاتية ( أخبار 19\7\2005 ) نبعت من لسع ألسنة الحرب التي وصلت إلى أماكنهم تلك التي كانت آمنة في أحضان الحضارة الغربية المسيحية بعيدا عن مراكز التوتر التي تركوها وراء ظهورهم في بلادهم الأصلية ...

ومع اعترافنا بحق المجتهدين المحدثين  في مخالفة المجتهدين السابقين عليهم أو موافقتهم في الرأي    وفقا للظروف المتجددة وموازين القوى والمصلحة والجدوى ..

فإن من حق الباحث أو واجبه أن يضع على مائدة البحث ما قدمناه من اختلاف الفقهاء مما يدل على سعة أفق السياسة الشرعية والمصلحة الذي يطل منه الفقه الإسلامي بحيث إنه لينطوي على إمكان الاستجابة لمقتضى ما ذكرناه عن التطور الجذري في وسائل القتال من غير إضرار – بالطبع - بشروط القتال ومسلماته الشرعية التي لم نتطرق إليها في هذا البحث لظهورها وعدم الاختلاف فيها ومنها: فقه الواقع اللازم لتنزيل الحكم الشرعي عليه ، ومنا أن يكون القتال ضد أعداء الإسلام المعتدين قصدا على حرماته ، ولا يقصد به مسالم معاهد أو ذمي ، - أخذ عهده أو ذمته من سلطة شرعية -  وأن يكون قرار القتال خاضعا لحسابات دقيقة ، محسوبا بالفائدة للمسلمين وفقا لأصول الفقه وقواعده : من دفع الضرر ، وسد الذرائع ، وجلب المصلحة ، وغيرها من الأصول ، وليس اندفاعا إلى الشهادة بغير حساب  . وأن يكون مفتوحا لتقبل السلام بشروطه المعروفة شرعا ، وأن يخضع ذلك لقيادة مسئولة شرعا ، مع التنسيق اللازم مع القيادات المعنية لكي نتجنب  ضرر الفتنة الأشد .

******

وأخيرا فلا شك أن الباحث في المسألة يجد فيها خلافا واسعا بين الفقهاء ،  ومصدر الخلاف بينهم كما يرجع إلى تقدير المصلحة فإنه يرجع كذلك  إما إلى تضعيف كثير من الأحاديث المعارضة كما هو الحال عند ابن حزم  ،  أو إلى  ما بين هذه الأدلة من عموم وخصوص ومجمل ومقيد : أيهما يرجع للآخر ؟ ، وهو خلاف لا يصح التغطية عليه أو على بواعثه بانتقاء ما يعتقد البعض أنه الأقرب إلى "روح العصر"  ، غافلين عن أن " روح العصر" – على العكس مما يتوهمون قد تخونهم في مقصدهم إذ  أصبحت تتمثل في تطور حضاري  لم يعد يحفل في أعماقه بضرب المدنيين في حروبه وواقعه ، برغم ما يصدر من تصريحات نفاقية لأغراض معروفة وإنما الأمر على العكس من ذلك أصبحت الحرب شديدة التقدم – كمنتج حتمي من منتجات هذه الحضارة – هي تلك التي تبدأ أو تتطور سريعا إلى ضرب المدنيين ، مع قليل من تجمل العجوز ، من أجل عيون – أو رغم أنف – ما يسمى عندهم  حقوق الإنسان واتقاقيات جنيف وما أشبه  .

الأمر الذي يجعل  تنفيذ أخلاقيات الحرب في الإسلام أملا غاليا مرتبطا بقدرة المسلمين على السيطرة على مسار الحرب والإمساك بزمامها بأيديهم بدءا وانتهاء .

وإذا كان البعض – وبخاصة من قادة أوربا كتوني بلير في تصريحاته المكثفة الأخيرة بعد حوادث لندن - يحاول أن يرجع هذا الصدام المحزن إلى ما يسمه ثقافة الكراهية والتحريض التي تهب على الغرب من الجانب الإسلامي حسب زعمه ومن ثم أخذ يبرر لنفسه العمل على اضطهاد المسلمين في العالم فكريا وعقديا بينما هو يمارس اضطهادهم عسكريا فإننا نذكر هنا بأن الواقع على عكس ما يزعمون ،   لقد كان العالم الإسلامي منذ الحملة الفرنسية على مصر والشام ينظر مغرما منبهرا إلى الغرب  كمصدر للنهضة والتقدم والقيم الحضارية  !! ولكنه فوجئ بسيل الكراهية والتحقير يفيض عليه من هناك لأغراضه الاستعمارية والاستيطانية والإمبريالية  .

 

وكنموذج حاد لثقافة الكراهية الطافحة من مستنقع  كبار المسئولين في الغرب أطل علينا بوجهه القبيح النائب الجمهوري توماس تانكريدو - ممثل الدائرة السادسة عن ولاية كولورادو بمجلس النواب الأمريكي - وهو يهدد بتدمير الأماكن المقدسة للمسلمين ، وذلك في مقابلة أجراها مع برنامج إذاعي بولاية فلوريدا الأمريكية الجمعة 15-7-2005 ردًّا على سؤال لمذيع البرنامج حول ما يجب أن يكون عليه رد الفعل الأمريكي في حال مهاجمة مسلمين (أصوليين متطرفين) لمدن أمريكية بأسلحة نووية: "إن أحد الردود المحتملة هو تدمير مواقعهم المقدسة".

وعندها سأل المذيع النائب تانكريدو إذا ما كان يقصد "مكة"، قال تانكريدو: "نعم".

ولم تكن دعوة تانكريدو لضرب مكة المكرمة هي الأولى، فقد طالب ضابط إسرائيلي كبير حكومته في 8-12-2002 بالإعلان عن أنها ستقوم بتدمير مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة في السعودية في حالة تعرض إسرائيل لهجوم نووي من قبل دول أو جماعات عربية أو إسلامية.

وللقارئ أن يتساءل : هل صدر تهديد مسئول كهذا من جهات إسلامية ضد الغرب سواء كان من دول أو من جماعات ؟

كما قدم ريتش لوري المحرر في مجلة "ناشيونال ريفيو" الأمريكية عبر صفحاتها على موقع المجلة الإلكتروني اقتراحًا في مارس 2002 بضرب مكة المكرمة بقنبلة نووية؛ لأن ذلك سوف يرسل "إشارة" للمسلمين.

ونقلت صحيفة الوطن السعودية عن لوري قوله: "إن بغداد وطهران هما الأقرب لتلقي الضربة النووية الأولى. ولو كان لدينا قنابل نظيفة تضمن حصر الدمار في نقطة الهجوم لوضعنا غزة ورام الله على القائمة أيضًا، {!!!} ويجب أن نحذر دمشق والقاهرة والجزائر وطرابلس والرياض من خطر الإبادة الفورية إذا أظهروا أية علامة اعتراض".أنظر : مجرد علامة اعتراض !!

واعتبر لوري هذا سيردع المسلمين الراديكاليين إذا علموا أن الأمريكيين شديدو الغضب لدرجة قد تدفعهم إلى تحويل مدينتهم المقدسة إلى تلال من الحطام

 

وبعد يومين من تصريحه ذاك  - ونقلا عن - عبد القادر بن شيبة– واشنطن إسلام أون لاين.نت/ 20-7- -2005 رفض النائب الجمهوري توماس تانكريدو تقديم اعتذار على تصريحاته تلك وأعلن  في مؤتمر صحفي بمقر الكونجرس الأربعاء 20-7-2005 تمسكه بتصريحاته عن "تدمير الكعبة" وقال: "إنه أمر يصعب التعامل معه؛ فالأشياء الصعبة تُقال، ويجب ألا نتهرب من التعبير عما يجب أن يقال". في حين قال مراسل "إسلام أون لاين.نت" الأربعاء 20-7-2005: إن تانكريدو  يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2008 عن الحزب الجمهوري حيث بدأ جولاته في مختلف ولايات أمريكا لاختبار قوة التأييد لفكرة ترشحه للانتخابات.

وتوالت الانتقادات من المنظمات العربية في الولايات المتحدة، وطالب رئيس المعهد العربي الأمريكي جيمس زغبي ….  تانكريدو بالاعتذار فورا عن تصريحاته.

وقال جيمس زغبي: "إن مثل هذا الكلام غير المسئول يؤدي إلى توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة والعالم العربي والإسلامي.

ومن جهته اعتبر إبراهيم هوبر المتحدث باسم مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية كير أن هذه التصريحات تؤدي إلى زيادة حالة العداء تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وأعرب عن أسفه لوجود "صناعة محلية حقيقية للخطاب المعادي للإسلام" الآن في واشنطن، مشيرا إلى أنها في ازدياد.

ويشير مراسل "إسلام أون لاين.نت" إلى أنه من المفارقة أن تانكريدو كان على رأس من انتقدوا بشدة أحد المسئولين الصينيين الذي هدد في الأسبوع الماضي بأن الصين يمكن أن ترد بالأسلحة النووية على اعتداء أمريكي صريح. وقال تانكريدو: "أن يقوم مسئول حكومي رفيع بإظهار مثل هذا الغباء الشديد من خلال إصدار هذا التهديد الغبي فهذا لا يرقى إلى صفات دولة متحضرة".

وللقارئ أن يرثي بحق ذكاء تانكريدو الذي يلاحظ الغباء في قشة عين المسئول الصيني ولا يلاحظ الغباء في خشبة عينه الأمريكية المفقوعة

جدير بالذكر أن دعوة تانكريدو لضرب مكة المكرمة لم تكن الأولى، فقد طالب ضابط إسرائيلي كبير حكومته في 8-12-2002 بالإعلان عن أنها ستقوم بتدمير مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة في السعودية في حالة تعرض إسرائيل لهجوم نووي من قبل دول أو جماعات عربية أو إسلامية.

 

ونضيف إلى ما تقدم بأن نستشهد على صناعة الكراهية ضد المسلمين في الغرب  بما نهديه للسيد بلير وجاء في كتاب " الإسلام وأوروبا : تعايش أو مجابهة  " للمؤلف السويدى انجمار كارلسون نشر "دار الشروق" فى القاهرة ترجمة سمير بوتاني حيث يذكر المؤلف أن الإسلام ليس ظاهرة طارئة على الأرض الأوروبية فقد قامت دولة إسلامية هناك استمرت ثمانمائة سنة فى الأندلس أثرت بأهميتها العظيمة في أوروبا من الناحية العلمية وتركت تأثيراتها الإيجابية على الفلسفة والثقافة والفن.

ويشير المؤلف في الفصل الأول من الكتاب لمشاعر الرأي العام في السويد، إبان حرب الخليج والتي سادت أغلب دول الغرب وذلك عندما عبر الكاتب إيريك هرستاديوس عنها  كتابة فى إحدى المجلات بعد انتهاء حرب الخليج عام 1991 بوقت قصير قائلاً "لو أن مائة ألف عربي قتلوا لما انتابني أي شعور غير عادي، أما بالنسبة لقوات الحلفاء الغربيين فالأمر مختلف ، لأني أشعر بالتعاطف معهم ومع أسرهم. إن العرب يبعثون على الخوف في نفسي على أية حال". ويذكر الكاتب أيضاً مشاعر الرأي العام الغربي إبان أزمة النفط حيث أطلق رسامو الكاريكاتير العنان لمخيلاتهم لتصوير العرب في الصحف والمطبوعات الإعلامية بأشكال وهيئات مقززة ومنفرة.

حتى ديانة العرب لم تسلم من هذا التحقير، فحين أراد هؤلاء الرسامون التعبير عن الارتفاع الكبير في أسعار النفط لمصلحة المنتجين، عمدوا إلى تصوير المؤذنين للصلاة واقفين على المآذن وهم يتلون آخر أنباء انهيار الأسهم في البورصات العالمية بدلاً من كلمات الأذان!

. أما عن الإعلانات فقد تجاوزت كل الحدود ، فكان إعلان رفعته شركة أنتجت قطعاً من الفحم أطلقت عليه اسم " الشيخ " ووزعته فى الأسواق مصحوبة بالكلمات التالية: " اقتصد في استعمال النفط.. واحرق شيخاً بدلاً منه" ‍‍‍‍‍.

ويذكر المؤلف – حسب تلخيص الكتاب للسيد أيمن رفعت في مقاله المنشور بموقع العرب أون لاين - أن جميع القصص، والبرامج التليفزيونية تقدم العرب، إما كقتلة متعطشين للدماء، وإما أغنياء جهلة وشهواتهم للنساء الغربيات لا ترتوي ، فجاء مثلاً كتاب رافائيل باتيه الذى يحمل عنوان "العقل العربي" والذي لا يكتفي بكل النعوت البذيئة للعرب، وإنما يمضى إلى اعتبار أن صفات أصيلة من الجنس العربي تنتقل بالوراثة ، وهناك أيضاً الكاتب الأمريكي المعروف الذي برز بكتاباته وحملاته العنصرية القوية على الشعب الفلسطيني دون أن يتعرض لأي محاسبة، فهو يقول مثلاً عن الفلسطينيين: " إنهم شعب لا كرامة له، لا يثورون لتحسين ظروفهم المعيشية، ويقنعون بالنزر اليسير من الإحسان الأجنبي، والقوة الدافعة الرئيسية في حياتهم هى الكراهية إلى الأبد".!!

ويطرح المؤلف عدة تفسيرات لاستمرار نزعة العنصرية ضد العرب، ولماذا تظل مقبولة في الغرب، فيقول عن تلك هذه الظاهرة: إن أيديولوجية التعصب والعداء ضد السامية ذات جذور تاريخية موغلة في القدم، تستمد روحها من حقبة الحروب الصليبية، وهى لا زالت حية على شكل مفهوم يتجدد ويعاد إنتاجه باستمرار، ومفاده أن الحرب المقدسة أبدية، لأن القدر هو الذي قررها بين الإسلام والمسيحية، وأن العنصرية قد نشأت وترعرعت خلال حقبة الاستعمار الأوروبي للشرق ، وأن  الدعايات السياسية المعادية للعرب تفشت من جراء النزاع حول المسألة الفلسطينية، وأن الغرب في حاجة إلى ملء الفراغ الذي خلقه انهيار الشيوعية وزوال خطرها وذلك باستنباط خطر آخر، لأن من الصعب بعث الحياة في أوروبا الموحدة إن لم يكن هناك تهديد خارجي. وأخيراً أن الصورة السلبية للبلاد  ساهم بعض السياسيين العرب أنفسهم في خلقها.

ويشير المؤلف إلى مقال صامويل هينتنغتون الشهير  بعنوان صدام الحضارات، والذى أثار اهتماماً بالغاً عند ظهوره فى مجلة "فورن أفيرز" الأمريكية عام 1993، .. وعلى حد قول هينتتغتون، فبدءاً من الثورة الفرنسية، صارت الصراعات تقوم أساساً بين الأمم والشعوب لا بين الممالك، …… ويشير المؤلف إلى قول هينتغتون، إن للإسلام حدودا مخضبة بالدماء ، …ويعتبر المؤلف أن إشارة هينتنغتون إلى حدود الإسلام المخضبة بالدماء حقيقة لا مراء فيها ، فلن نتمكن أبداً من دمج العدد المتزايد من سكاننا المسلمين، وفى هذه الحالة ستتحقق نبؤة هينتغنتون بوقوع الصدام بين الحضارات لا بالمحك العسكري الذي يقيس القوة بين الغرب وما عداه، أو من خلال حصار جديد لفيينا، ولكن كحرب عصابات دائمة في ضواحي مدن أوروبا الكبرى التي تحولت إلى أحياء للأقليات، وهذه هى الخطورة الحقيقية للصدام بين الحضارات والحيلولة دون وقوع هذا الأمر هو أكبر التحديات التي تواجه الساسة الأوروبيين في يومنا هذا. ) وبهذا التعقيب الأخير ينقلنا المؤلف إلى بؤرة الحرب الدائرة : حرب العصابات !!!

 

وهاهي الصحفية الإيطالية " اوريانا فلاتش " المتهمة بالإساءة إلى المسلمين ( في كتاباتها عما أسمته وهم الإسلام المعتدل الذي يزعم أن المتطرفين ليسوا سوى أقلية. فقد شنت أخيراهجوماً عنصرياً عنيفاً على الإسلام معتبرة أنه " العدو في عقر دارنا " وأنه لا ينسجم مع الديمقراطية ولا يمكن التحاور معه، وفي مقال طويل نشرته صحيفة "كورييري دي لاسيرا" قالت فلاتش :" أننا في حرب ضد الإسلام، هل أدركنا ذلك أم لا؟". وأدانت ما أسمته " مهزلة التسامح والكذب واندماج المسلمين في المجتمعات الغربية. وأكدت فلاتش أن العدو ليس أقلية ضعيفة وهو في عقر دارنا ، وأنه عدو نتعامل معه كالصديق ، لكنه يكن لنا الحقد ويحتقرنا بشدة، عدو يحول المساجد إلى ثكنات ومعسكرات تدريب ومراكز تجنيد للإرهابيين !!

وترفض الصحفية الحوار مع الدين الإسلامي لأن الإسلام - على حد تعبيرها - هو القرآن، الذي ترى أنه لا ينسجم مع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان !! .. ووصلت إلى حد التطاول على المولى عز وجل ووصفته بصفات لا يمكن  نقلها.

وزعمت الكاتبة العنصرية أنه يستحيل التحاور مع المسلمين ونددت بإدانات أئمة المساجد في إيطاليا وتضامنهم المزيف مع أسر الضحايا بعد اعتداءات لندن ووصفتهم بالمنافقين!.

كما وجهت فلاتش سؤالاً في مقالها للبابا بندكيت السادس " هل تعتقد حقاً أن المسلمين يقبلون الحوار مع المسيحيين أو غيرهم من الديانات الأخرى أو الملحدين مثلي أنا؟ أتعتقد حقاً أن بإمكانهم أن يتغيروا ويتوبوا ويتوقفوا عن زرع القنابل؟".) ( نقلا عن محرر الخبر :  العربي مرزوق بموقع " مصر العربية في 21\7\2005 )

هذا هو التحريض على الكراهية الذي يصب الزيت على نار الصراع الدائر يهب من الغرب بفلسفته وحقائقه وتبريراته ، واستشراقه وعقيدته ، لمصالحه الاستعمارية والعنصرية والامبريالية خلافا لدعايات توني بلير التي تخفي النية على استمرار هذا الصراع لأهدافه العليا

*****

ومن هنا  ننتقل إلى تأكيد  أهمية فقه الواقع بما يلزمه من تحديد عامل المصلحة وموازينها - من زاوية الضحية - في الحرب الدائرة حاليا ووجوب استدعاء  جهات الاختصاص من الخبراء والعلماء والعسكريين والاستراتيجيين لبحث هذا العامل ومداه

 

حيث نجد قريبا من يدنا تقديرات : أولها للسير سيريل تاونسند في مقاله بعنوان ( تفجيرات لندن وتداعياتها ) بقوله :  (  وفي خضم تلك الأحداث الدامية فإن الناس لن تكف طيلة الأسابيع المقبلة عن طرح السؤال نفسه: هل كان لمشاركة المملكة المتحدة بجانب أميركا في احتلال العراق دور في حدوث عمليات لندن الإرهابية؟ وجوابي هو أن الوضع الحالي في العراق أعطى بالفعل دعما للإرهاب وحافزا قوياً لتبرير أعماله. لكني أعتقد أن لندن كانت دائما هدفا للإرهاب حتى قبل المشاركة في الحرب على العراق. علاوة على أن المملكة المتحدة كانت دائما حليفة مقربة من الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. كما أنها كانت أيضا ولمدة قرون عدة متورطة بشكل كلي في منطقة الشرق الأوسط حيث ساهمت في صياغة العديد من سياساتها، بل ورسمت كذلك خريطتها كما هي معروفة حاليا. وإذا كان الإرهاب قد استهدف مدناً امتدت من إسطنبول إلى نيروبي، فإن لندن حتما كانت هي الأخرى مدرجة على قائمة الإرهابيين. .) نقلا عن ( المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب بتاريخ 23\7\2005

 

وفي هذا السياق نقدم رؤية السياسي البريطاني النبيل  "كين ليفيجنستون" عمدة العاصمة البريطانية لندن الذي دافع عن آراء الداعية الإسلامي البارز الدكتور يوسف القرضاوي بشأن تأييده للعمليات الاستشهادية في فلسطين ووصفه بـ"المسلم التقدمي"، في حين هاجم بشراسة حكومتي بريطانيا والولايات المتحدة بسبب سياستهما في الشرق الأوسط، وقال: إنها أثرت على عقول منفذي التفجيرات التي شهدتها لندن في السابع من يوليو الجاري.

وفي أول مؤتمر صحفي بعد هذه التفجيرات قال ليفينجستون الثلاثاء 19-7-2005: ( إن الأسباب التي حدت بالمفجرين إلى القدوم إلى لندن تكمن جذورها في 85 عامًا من التدخل الغربي في شئون الشرق الأوسط وتجريد الفلسطينيين من أملاكهم وسلبهم أموالهم، وأن جزءا كبيرا من المسئولية عن هذه التفجيرات يقع على عاتق السياسات الخارجية لبريطانيا وأمريكا تجاه العالم الإسلامي ) ( المصدر موقع إسلام أون لا ين 20\7\2005)

وقد ألقى عمدة لندن، كين ليفينكستون، باللائمة على دول الغرب في التسبب في تنامي ما أسماه التطرف الإسلامي والذي أدى بدوره إلى تفجيرات لندن التى أودت بحياة أكثر من 50 شخصا وإصابة المئات.

وقال عمدة لندن في حديث له مع هيئة الإذاعة البريطانية نشرت ملخصا له في موقعها العالمي على الإنترنت " إن عقودا متتالية من التدخل الأمريكي والبريطاني في الشرق الأوسط الغني بالنفط أدت إلى تنامي المشاعر المعادية لنا."

وأضاف ليفينكستون "لو أننا وفينا بعهودنا للبلاد العربية وتركناها تقرر مصيرها بنفسها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واكتفينا بشراء النفط بدلا من السيطرة عليه لما حدث أي عداء بيننا."

وانتقد المعايير المزدوجة للدول الغربية وضرب لها مثالا بترحيب الدول الغربية بصدام حسين عندما استولى على السلطة في العراق قبل عقود، كما انتقد موقف الغرب من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والآلام اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون.

وقال عمدة لندن: الشباب العربي يرى ما يحدث في معتقل جوانتانامو ويتأكد من أنه لا سياسة عادلة لنا.

وأشار إلى أن بريطانيا كان من الممكن أن تخرج الكثير من المفجرين الانتحاريين لو أنها عاشت في ظل ظروف مماثلة لتلك التي يعيشها العالم العربي من الحرمان من اختيار قادتهم وإدارة شأنهم بنفسهم.) نقلا عن موقع الشعب 24\7\2005

 

وفي هذا الشأن ذكر  خبراء الإرهاب في المعهد الملكي للشؤون الدولية الذي يتمتع باحترام واسع في لندن أن تأييد بريطانيا للولايات المتحدة في الحرب العراقية جعل البلاد اكثر عرضة لخطر الهجمات الإرهابية.

وقال التقرير إن الحرب زادت من تدفق المجندين والأموال علي تنظيم القاعدة الذي تحوم الشكوك حول وقوفه خلف تفجيرات السابع من يوليو تموز التي قتلت اكثر من 50 شخصا. وقال التقرير إن المملكة المتحدة في خطر بصفة خاصة لأنها أقرب الحلفاء إلي الولايات المتحدة .

وأضاف أن الانسياق خلف حليف قوي أثبت أنه أمر مكلف جدا بالنسبة لحياة الجنود في الجيشين البريطاني والأمريكي ولحياة العراقيين وللإنفاق العسكري وللضرر الذي سببه للحملة ضد الإرهاب .

ويتمثل الخطر الذي يواجهه بلير الآن في أن التقرير الذي جاء في عبارات قوية سيفتح الطريق أمام المزيد من الانتقاد لسياساته من سياسيين وقفوا بجانبه بصفة عامة في أعقاب التفجيرات. وقال وين غرانت أستاذ العلوم السياسية بجامعة وارويك إن هذا يحيي قضية العراق التي كانت ضارة للغاية .

وقال كريس بيلامي أستاذ العلوم العسكرية في جامعة كرانفيلد : إنه يتفق مع ما ورد بالتقرير بأن الجدل حول معاملة المحتجزين في العراق وخليج غوانتانامو في كوبا خلق أرضا خصبة للقاعدة. وأضاف من الواضح تماما...إن دورنا كحليف رئيسي لأمريكا جعلنا هدفا اكثر جاذبية للارهاب .) نقلا عن موقع الشعب بتاريخ 24\7\2005

 

***

ويأتي المقال التالي في الميزان أيضا :   بقلم  د. ديرار عبد السلام الباحث في سوسيولوجيا التحديث من المغرب في مقاله المتميز بجريدة الشعب في 8\7\2005 فيما يمكن تلخيصه فيما يأتي :

( أولا :: أنه لقد تمكن هؤلاء الجهاديون بدخولهم المعركة من تعرية  العلاقة  التي تجمع معظم الحكام العرب بأمريكا والتي تجعل منهم مجرد أقزام تافهة تنفذ أوامر أسيادها …

ثانيا: أنه لقد تمكن هؤلاء الجهاديون من كشف زيف العديد من الأحزاب العربية التي ظلت تتغني ـ زيفا ولعقود طويلة ـ بشعارات الاشتراكية و العدالة الاجتماعية و المساواة و التقدمية و.. و... اذ يلاحظ المتتبع  لخطاب معظم هذه الاحزاب الانقلاب العنيف الذي  تحولت بهالي حليف للحاكم المستبد بل الي منقذ له من حالة افلاس وسقوط كانت جد وشيكة….

ثالثا : أنه لقد تمكن هؤلاء الجهاديون من إثبات  أن الإسلام مستمر و يستمر ـ وبعد اكثر من 14 قرنا ـ في تشكيل عامل حاسم في لم الشمل واستنهاض الهمم، ويطرح إمكانيات هائلة للتعبئة المضمونة فعاليتها. وأنه الثقافة القابلة للتجدد إلي ما لا نهاية ….

رابعا: إثباتهم علي أرض الواقع مرة أخري ان القوة العسكرية مهما تطورت لا تضمن استسلام الآخر بالضرورة …)

(  خامسا : لقد تمكن هؤلاء الجهاديون من أن يصيبوا أمريكا ( العدو الرئيسي ) بالخصوص " وطبعا بقية المجتمعات الغربية بدرجات متفاوتة"  في صميم وجودها الذي كانت في أوج الاحتفاء به والدعاية له ……في مقياس القدرة والقيم والحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان )

 

مصداقا لذلك هاهو  توني بلير رئيس الوزراء البريطاني يفرض حظراً علي نشر كتاب " ثمن الحرب" للسير جيرامي جرينستوك السفير البريطاني السابق بالأمم المتحدة والعراق. يتضمن الكتاب مذكرات جيرامي الخاصة بأسرار حرب العراق وقرارات الحكومة البريطانية في هذا الشأن. كما يشرح الكتاب أهم المناقشات والقرارات التي أدت الي اتخاذ قرار الحرب.. وتخشى الحكومة البريطانية أن يؤدي هذا الكتاب إلي مزيد من السخط والغضب ضد بريطانيا مما يؤدي إلى مزيد من الأعمال الإرهابية ضد بريطانيا.( المصدر الوفد بتاريخ 18\7\2005 )

وها هو ساركوزي وزير داخلية فرنسا ( اخبار 19\7\2005 ) يصرح بطرد الأئمة والدعاة الإسلاميين وإسقاط الجنسية الفرنسية عنهم ، بتهمة التحريض على ما يسميه كراهية القيم الحضارية الغربية

ويؤكد بوادر هذه النتيجة – اقصد تراجع عناصر القوة والقدوة ومصادر القيمة في الحضارة الغربية - ما جاء في موقع (CNN) العربية بتاريخ 17\7\2005  بعنوان ( كاميرات المراقبة ومتابعة الاتصالات تنتشر في أوربا ) : عن أداء انتشار --   كاميرات التصوير في المطارات الأمريكية إلى التعرف على الأشخاص الذين شنوا هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، كما ساعد وجود نحو نصف مليون كاميرا في شوارع لندن إلى التعرف على منفذي الهجمات في لندن، وذلك بعد خمسة أيام من حدوثها.

وأفادت صحيفة نمساوية أن هذه الأجهزة ساعدت المحققين البريطانيين على التوصل إلى منفذي هذه الهجمات، الأمر الذي زاد من اهتمام باقي دول الاتحاد الأوروبي بنشر مثل هذه الأجهزة، وبخاصة في ألمانيا.

وأشارت إلى أن السلطات البريطانية لم تواجه مشكلة في نشر سبعة ملايين كاميرا في إنحاء البلاد نظرا لاستنادها إلى دعم شعبي واسع، على العكس من فرنسا ودول أوروبية أخرى لا تزال متحفظة على مثل هذا التدبير نظراً لأنه يمس الحريات الشخصية.

وكشفت الصحيفة أن الشرطة النمساوية نشرت بالفعل، ومنذ بداية العام الحالي، كاميرات فيديو للمراقبة في إحدى المناطق السياحية المكتظة وفي موقف السيارات الرئيسي في المركز التجاري الكبير الواقع جنوب العاصمة فيينا.

وأفادت أن الشرطة نشرت  مثل هذه الكاميرات في الأشهر التالية في محطات القطار، وبينها مترو الأنفاق، في حين بدأت مصانع القطارات في النمسا بتجهيز عربات جديدة مزودة بكاميرات الفيديو ينتظر أن تنجز عام 2009.

….وكانت اليونان قد شهدت، خلال الألعاب الأولمبية التي استضافتها العام الماضي، استخدامات أمنية غير مسبوقة، وأهمها على الإطلاق "الأمن الرقمي"، الذي سيتابع أدق التفاصيل على الأرض أثناء الألعاب الأولمبية، وفق وكالة الأسوشيتد برس.

وقد أتاحت القفزات التكنولوجية الهائلة، تطوير برامج كمبيوتر في غاية التعقيد والتطور، وبخاصة في مجال كاميرات مراقبة الشوارع ، والتي تهدف إلى إيجاد حراس أمنيين رقميين بمهارات جمع معلومات استخباراتية.)

ولا يخفى ما في هذه الإجراءات من تغييرات سلبية خطيرة على نمط الحياة وقيمها الحضارية في أوربا وأمريكا

 

ويأتي ثالث هذه  المقالات  : فيما كتبه بوب هربرت بعنوان ( الحرب على الإرهاب من سيئ إلى أسوأ ) : في قوله : إن  (…ما حصل خلال الأسبوع الماضي {  7\7و 20\7 2005 }  في لندن من تفجيرات روعت السكان الأبرياء يجب أن يكون بمثابة تذكير لنا ليس فقط بأن حرب بوش البشعة شتت انتباهنا واستنزفت مواردنا بالتركيز على العراق وترك المعركة الحقيقية على الإرهاب، بل لأن تلك الحرب بالذات زادت من احتمال تعرض الولايات المتحدة وحلفائها إلى الهجمات الإرهابية. وقد أكدت هذا الخطر وكالة الاستخبارات المركزية التي حذرت إدارة بوش في تقرير سري أن العراق أصبح، منذ الاحتلال الأميركي في 2003 ميدانا للتدريب يتعلم فيه إرهابيون مبتدئون فنون القتال والاختطاف وتفخيخ السيارات. وقد أشار التقرير المذكور آنفا أن العراق يمكن في ظل الانفلات الأمني الذي يعرفه حاليا وضعف سيطرة الأجهزة الأمنية على مجريات الأمور أن يصبح أكثر فاعلية في تدريب الإرهابيين مما كانت عليه أفغانستان إبان الأيام الأولى لطالبان. كما يمكن أن يتحول العراق مع مرور الوقت واستمرار التدهور الأمني إلى قاعدة لانطلاق عناصر إرهابية إلى باقي مناطق العالم بما فيها الولايات المتحدة.

وفي هذا الصدد قال لاري جونسون المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية ومدير مكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية: لقد أصبح العراق ميدانا لتجنيد الجهاديين، وحتى هؤلاء الناس الذين لم يكونوا مقتنعين بفكر بن لادن أصبحوا الآن يتبنون نظريته ومستعدين لتنفيذ هجمات إرهابية. لذا نجدهم يقبلون على تعلم زرع القنابل والقيام بعمليات عسكرية. وفي خضم كل تلك الصعوبات والأخطار يبرز السؤال التالي: هل فكر الرئيس بوش ولو قليلا في مصارحة الشعب الأميركي بما آلت إليه الأمور في العراق والأخطار المترتبة عن ذلك؟ وهل هو بصدد إعادة نظره في الأمور حتى ولو كان ذلك بالنسبة إليه صعبا للغاية؟ هل يستطيع أن يطلب النصح من رجال ونساء لهم آراء مختلفة عن تلك التي لا يكف أصدقاؤه المقربون عن ترديدها على مسامعه؟ ومع الأسف ينصحونه بالبقاء في العراق وبانتهاج نفس المنطق الكارثي الذي أدى إلى ما نشهده من تدهور. ونتيجة لتلك النصائح يدفع الشعب الأميركي ثمنا باهظا ليس فقط في الأرواح بل وفي ارتفاع التكاليف المالية التي بلغت حوالي 5 مليارات دولار في الشهر الواحد. وقد أدى ذلك إلى استنزاف الموارد المالية التي تحتاجها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب داخل أراضيها كتعزيز الأمن في الموانئ ومراقبة أنظمة النقل والتركيز على المحطات الكيميائية التي يمكن أن تشكل هدفا سهلا للإرهابيين وتؤدي إلى كوارث حقيقية.)

ثم يقول : (  تعاني أميركا حاليا نتيجة الحرب من تدني وضعها الاعتباري في العالم وتآكل مصداقيتها في الأوساط الدولية، فضلا عن الضعف الذي اعترى الجيش الأميركي حيث لم يعد قادرا على الانتشار في أماكن أخرى، والضغط المفرط الذي يعاني منه أفراده مما يقلص من استعدادهم في حالة الطوارئ. وليس غريبا والحال هذه أن يمتنع الشباب الأميركي عن التجنيد.

أياً تكن آراؤنا حول الحرب فإن على الأميركيين أن يعيدوا النظر في تداعياتها وما تلحقه من ضرر بالغ، خصوصا ما تخلفه لدى المسلمين في العالم من مشاعر المرارة والغضب التي تنتشر بينهم. ولعل التحدي الذي يواجه بوش بشكل مستعجل وفوري هو التخلص من تلك الأوهام المدمرة التي يذكيها أصدقاؤه وأن يزيل الغشاوة عن عينيه ليرى الورطة التي وقعت فيها أميركا. فضلا عن أن الوقت قد حان لإعطاء الفرصة لأصوات جديدة لتجهر بآرائها وأفكارها المختلفة علّنا نجد مخرجا من الحفرة.)  بوب هيربرت : كاتب ومحلل سياسي أميركي نشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز نقلا عن موقع المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب

كما يجب أن نلقي نظرة تقييمية شاملة لنتائج هذه الأحداث وعلاجها والمسئولين عنها على المستوى الإنساني العام ، ولن نجد تعبيرا عنها أفضل مما كتبه الصحفي البارز عبدالوهاب الأفندي بالقدس العربي بتاريخ 19\7\2005 بقوله : (…إن الحكمة تقول إن البارانويا التي يروج لها توني بلير بدعوي أن بريطانيا والغرب سيستهدفان بغض النظر عن السياسات هي بدورها ضرب من التطرف اللاعقلاني الذي سيقودنا الي مزيد من المغامرات الجنونية مثل غزو العراق

إن نصب محاكم التفتيش للتنقيب عن عقائد الافراد ومحاولة التدخل في خصائص التدين من قبل دول لا تؤمن بالإسلام ولكنها تريد إملاء ما يعتقده الآخرون، هي وصفة لحرب صليبية جديدة ستطول ألف عام، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من توتر الأجواء بين المسلمين والغرب.

ولو أن الساسة الأمريكيين والبريطانيين استمعوا إلى صوت العقل وسحبوا قواتهم من السعودية في مطلع التسعينات وساهموا جديا في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، لما كنا اليوم نواجه هذه المعضلة. المشكلة هي أنهم انسحبوا في نهاية المطاف ، ولكن بعد فوات الأوان ، وهم سينسحبون من العراق عاجلا لا آجلا، لكن بعد أن يكونوا ورطوا أنفسهم في حرب صليبية ومحاكم تفتيش قد لا يكون هناك مخرج منها إلا بدمار العالم.

إنني أجدني مضطرا هنا للأسف لتكرار ما قلته مرارا في السابق، وهو أننا نجد اليوم من العقلانية عند مجانين القاعدة اكثر بكثير مما نجد في البيت الابيض ورقم 10 داونينغ ستريت، ونتمني أن ينعكس الأمر قبل فوات الأوان.)

 

وفي مقام فقه الواقع لا يصح الاكتفاء في " توزين المصلحة " بما يوضع في إحدى الكفتين دون الأخرى برأي من هنا أوهناك مع التقدير العالي لهذه الآراء وإنما يجب أن نعنى بما يمكن أن يصب في الكفة الأخرى ، وأن يستنفر أصحاب الاختصاص لهذه الغاية : غاية توزين المصلحة  – وفي مقدمتهم من انغمست أيديهم في النار -  ونضع هنا على المائدة رأيا مخالفا يفيد أن هذه العمليات تصب بشدة  في خانة الخسارة للمسمين ، نجده في مقال بعنوان " تفجيرات لندن وذهنية الإرهاب " للكاتب نايف ذؤابة نقلا عن شبكة الأحرار في 17\7\2005 ، يقول :

( إن هناك علامات استفهام كبيرة تدور حول تفجيرات لندن وقبلها مدريد، فالذى يُخشى أن يكون هناك أجهزة استخبارات دوليّة هي التي تقوم بالعمل، وتنسبه لهؤلاء الأبطال المساكين، وتقوم به عنهم بالنيابة، أو أن تكون أجهزة الاستخبارات الدوليّة هذه قد اخترقت هذه الجماعات، وما أسهل ذلك في مثل هذه الأجواء التي حوصرت فيها القاعدة

أحياناً يهرب المرء من الواقع المحسوس إلى عالم النظريّات؛ ليجد تفسيرا  للا معقول الذي يراه ويسمعه، فالواقع لم يعد يكفي للتفسير والتحليل، كما أن ردود الفعل على الأحداث باتت مضلّلة ومغلّفة بالأحاجي والألغاز؛ ففي الوقت الذي ترى فيه نتائج التفجيرات على الأرض من قتلى وجرحى وقلق وترويع وخسائر ماديّة ومعنويّة، تجاوزت الممتلكات العامة إلى بورصة الأسهم التي خسرت ثلاثين مليار دولار في لحظة واحدة، نجمت عن حوادث التفجير، .. يذهلك أن الإنجليز قابلوا ذلك بهدوء بالهم وتجمّلهم وقوة إرادتهم، وكأنهم كانوا مع هذه التفجيرات على موعد، إلى الدرجة التي يخامرك فيها الشك بأنهم وراءها، حتى يتّحدوا وراء بلير في الانتخابات القادمة، ويجدّدوا له مكافأة على حربه الضارية على الإرهاب – هكذا - الذي طرق بيوتهم وأسواقهم وبغض النظر عن الفاعل: أهم الإنجليز وأجهزة استخباراتهم العريقة، أم "القاعدة" التي يعلّقون على مشجبها كل العنف الذي يجتاح العالم، أم أجهزة استخبارات غربيّة معادية للبريطانيين ؟ ….)

ثم يستعين الكاتب برؤية عميقة للفيلسوف والمفكر الفرنسي جان بودريار (  لتحليل بعض ما يجري، وخاصة تفجيرات لندن الأخيرة. في مقالته الشهيرة (ذِهنيّة الإرهاب) بقوله : "إن النظام العالمي المهيمن يقتضي بالضرورة وجود إرهاب – حسب تسميته – لكي يستمر في العمل والسيطرة؛ لأنه دون إرهاب سينهار هذا النظام، وهكذا فإنّ تواطؤاً عميقاً ينشأ بين الخصمين حتى إن المحلل السياسي ليتساءل: مَن يستخدم مَن؟ وهذا التواطؤ ليس بالضرورة خطة مقصودة تُعدّ مسبقاً، ولكن نظام الهيمنة والعولمة والسلطة بحد ذاته يحمل نقيضه، وقد يكون التناقض حاجة بنيويّة في النظام نفسه". ويقول في تحليل ما حصل في 11سبتمبر:2001 " والأمريكيون يحتاجون لأن يكونوا ضحايا، ويتعاطف العالم معهم؛ فـ " الضحية " – حسب تعبيره - في حِلّ من أي عقدة ذنب تجاه أفعاله وجرائمه، وتحتاج أن تستخدم مأساتها كما لو أنها بطاقة ائتمان!

وفي مكان آخر من مقالته يفضح جان بودريار ما يسمى بالعقل الباطن الغربي الذي كان يتربّص بالفرصة المواتية للانقضاض على الشرق الإسلامي، وقد جاءته هذه الفرصة من خلال أحداث 11سبتمبر ،2001 والأمر سواء بالنسبة للغرب، إن كانت هذه الأحداث قد باغتته أو تركها تمرّ ليتخذ منها ذريعة يتجّرد بها من عقدة الإحساس بالذنب فيقول: " نحن الغرب الذين أردنا هذه الأحداث، وإن ارتكبها هم، وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو حادثة محضة نفّذها بضعة متعصبين يمكن القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والحال أننا نعلم جيداً أن الأمر ليس كذلك".

فهل جاءت تفجيرات لندن لتضفي مزيداً من الشرعيّة على حرب غير مشروعة قادتها أمريكا وبريطانيا للحرب على ما يُسمى "الإرهاب"، والحقيقة الساطعة أنها الحرب السافرة على "الإسلام"؟

وهل جاءت هذه التفجيرات لتذكّر البريطانيين بأن الخطر ما زال موجوداً، وأن تلك الحرب الاستباقيّة التي خاضتها أمريكا وبريطانيا لم تكن مجرّد خطأ استراتيجي أو تكتيكي، وإنما هي حرب مشروعة في الزمان والمكان؛ لأنه "لا أحد يريد التضحية بحياته لسبب غير شرعيّ، فالأعمال غير الشرعيّة تُخفّض الروح المعنويّة للجنود، وتضعف شجاعتهم وجلدهم"؟! وبالتالي فبريطانيا ومعها أمريكا تبحثان عن الشرعيّة، ولو كانت مزوّرة حتى تنقذا جيشيهما وشعبيهما من الإحساس بالخزي، وانعدام الدافعيّة لهذا العمل المشين، والذي قامتا به بدوافع لا أخلاقية، واستعمارية محضة، لا كما يدّعون لإنقاذ الديموقراطيّة وحقوق الإنسان المهدورة في العراق وأفغانستان، ذلك العذر الأقبح من ذنب الذي تلجأ إليه أمريكا وحليفتها لتغسلا به أدرانهما السياسيّة وخسة أعمال زعمائهما، بعد أن تغرقا في الأوحال!

إن هناك علامات استفهام كبيرة تدور حول تفجيرات لندن وقبلها مدريد، فالذى يُخشى أن يكون هناك أجهزة استخبارات دوليّة هي التي تقوم بالعمل، وتنسبه لهؤلاء الأبطال المساكين، وتقوم به عنهم بالنيابة، أو أن تكون أجهزة الاستخبارات الدوليّة هذه قد اخترقت هذه الجماعات، وما أسهل ذلك في مثل هذه الأجواء التي حوصرت فيها القاعدة، واعتقل فيها عدد كبير من قياداتها؛ فتقوم الأجهزة الأجنبيّة بإعداد كل شيء ونقله عن طريق طرف ثالث، وهذه مهمة أجهزة الاستخبارات، وينفذ العمليّة هؤلاء الأغرار دون أن يدروا أنهم يخدمون جهات مشبوهة تعمل لهدم الإسلام، وتأليب الرأي العام الدولي على المسلمين بصفتهم إرهابيين لا قلب لهم، يستهدفون الأطفال والنساء والشيوخ، ولن تكون إسرائيل بمنأى عن ذلك؛ فقد تحوّلت حرب إسرائيل مع المنطقة وشعوبها وزعمائها إلى حرب استخباريّة إلكترونيّة متقدمة تُستخدم فيها الأقمار الصناعيّة، وأجهزة الكمبيوتر المفخّخة، فضلاً عن المال والنساء، وأوروبا وكر كبير وقديم للموساد الإسرائيلي، فيما أصبح العراق قاعدة متقدّمة للاستخبارات الإسرائيليّة بفضل مسعود البرزاني وجلال الطالباني، والفوضى العارمة في العراق التي اختلط فيها الحابل بالنابل!! )

 

****

وأخيرا  فما يزال ميزان المصلحة مفتوحا ليصب فيه بالرأي المخلصون من الخبراء والعسكريين والمجاهدين والعلماء بتخصصاتهم المختلفة دون تباطؤ أو تلكؤ أو تسرع ، ولتكن كلمتهم هي القاضية ،  وعلى الجميع أن يكفوا عن توزيع الفتاوى كل من جهته يمينا ويسارا  فجلها أصبحت اليوم بعيدة عن فقه الواقع ، فضلا عن كونها متهمة بالذاتية والشخصنة أوالنخبوية والفئوية والطبقية والوظيفية إلخ !! ، وهي من ثم  تجري فيما يشبه حوار الطرشان ، وعلى الجميع أن يكفوا عن الاستشهاد المباشر بالتحريم والتحليل عن طريق النصوص من غير وضعها في ضوء المصلحة ، أو وضع المصلحة في ضوئها ، وإلا تحول القتال إلى أصحاب المصلحة أنفسهم ليقضوا عليها وعلى أنفسهم بأيديهم ، وفي يد كل منهم نص من النصوص لا يغنيهم من حكم التاريخ شيئا ، وإن أغناهم بمثقال في حكم اليوم الآخر وفقا لنياتهم ، ولكن وفقا أيضا لمدى تقصيرهم في إفراغ الوسع في تقدير المصلحة والبحث عنها - كبحث الظمآن  عن نقطة ماء في صحراء - ووضعها في ميزانها الصحيح ، استدعاء وتكاتفا مع المخلصين من الباحثين ،ممن ذكرناهم ،  كما قلنا بغير تسرع أو تباطؤ أو تلكؤ .

 

والله أعلم