الحكم الشرعي في توريث الحكم

داخل الأسرة أو الحزب أوالقبيلة

ملكا عضوضا

 

 

 

 

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما بألفاظ متقاربة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا‏.‏

 

ففي صحيح ابن حبان بسنده عن عن سفينة قال سمعت رسول الله   صلى الله عليه وسلم   يقول   الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا

وفي مسند احمد بسنده  عن النعمان بن بشير قال   كنا قعودا في المسجد مع رسول الله   صلى الله عليه وسلم   وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله   صلى الله عليه وسلم   في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  :

تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها

  ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها

  ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها

  ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها

  ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت

 

وفي سنن البيهقي الكبرى بسنده عن أبي عبيدة بن الجارح ومعاذ بن جبل   رضي الله تعالى عنهما   عن النبي   صلى الله عليه وسلم  :

قال   إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة

وكائنا خلافة ورحمة

وكائنا ملكا عضوضا

وكائنا عتوة وجبرية وفسادا في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا   الله عز وجل

وجاء مثله بالمعجم الكبير للطبراني ، ومسند أبي داود الطيالسي ، ومسند أبي يعلى

 

ووفقا لقواعد اللغة وقاموسها فإن العضوض هو كثير العض أو ما يعض عليه ويؤكل ، وهو يدل على الذم الشديد ، ويطلق العضوض على الكلب أو الذئب المسعور  ، كما يطلق على الفريسة التي وقعت بين أنيابه و الكلمة جاءت حالا من المُلك فهو وصف مباشر للملك

وعندما يتعلق العض بالمُلك فإنه يعني أنه أصبح - حسب تعبير الرسول حرفيا - احتكارا للكلب المَلِك ، أو للمَلِك الكلب وأشباهه ، لا يسمح للآخر بالاقتراب مما هو بين أسنانه ، وفي نطاق المُلك ومصطلحاته : يصبح المُلك استئثارا وغنيمة ، كما يصبح قاصرا على العاض : ملِكا معينا كان  أو نسلا معينا أو عنصرا معينا أو قبيلة معينة ، أو حزبا معينا ، لا يتعداه إلى غيره من غير العاضين إلا بمعركة بين الكلاب المتصارعة ، ومن ثم يختفي مبدأ التعددية وتداول السلطة ، ، كما يختفي مبدأ الحرية ، ويسود التذلل للعاض ، وتنتشر حوله مجموعات المتلهفين على فتاته  ، وتسود أشكال الشورى الهزلية النفاقية الداعمة لاستمرار حالة العض ، وتختفي بالضرورة الشورى الجادة الحقيقية ، ويترتب على ذلك انتشار الفساد كجزء من أبعاد النظام ورافعة لبنائه ، وضرورة من ضرورات استمراره .

 

وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو شأنه دائما  يأتي مبينا للكتاب وفي سياقه هنا من حيث الأمر بتطبيق الشريعة الإسلامية بما في ذلك الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحكم بالعدل والقسط والشورى  والتحرر في ذلك كله من كل ماعدا الله سبحانه وتعالى ،  ومن ثم فإنه وفي كلمة بليغة واحدة وتشبيه بالغ الدلالة حكم بتحريم توريث المُلك سواء في نطاق الأسرة أو في نطاق القبيلة أو في نطاق الحزب لا لكونه ناتجا عن العض الكرية المنبوذ المستبشع كما صوره الحديث فحسب  ، ولكن أيضا لأن العضوضية فيه تتضمن قطعا عملية اغتصاب محرمة أصلا وفقا لقوله صلى الله عليه وسلم فيما هو من الغصب الأقل درجة ، بما لا يقاس ،  من طريق البخاري بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين )  .

 

ولا يغير من هذا الحكم أي انتخابات أو استفتاءات أو مبايعات يحصل عليها الملك - وهو جالس على كرسيه - اغتصابا فجا ، أو اغتصابا  بتشريع التوارث ، لأنها - أي هذه الانتخابات أو الاستفتاءات أو المبايعات  إنما تأتي - في هذه الأحوال - مزورة فعلا أو حكما ، أو تأتي جبرا : فعلا أو حكما ؛ أو تأتي بتهديد ظاهر أو مقنع ، ، أو بدعايات كاذبة شديدة التضليل سالبة للوعي ، ملوثة للثقافة ، وبخاصة ضمن  تقنيات الإعلام الحديث ، أو تأتي ثمنا لرشوة صغيرة أو كبيرة أو كبرى ، ظاهرة أو مقنعة ، بالمال أو المنصب أو الجاه ، تدفع  ثمنا مقبوضا أو مؤجلا لتثبيت أسنان العاض على المعضوض أو  نكاية في كلب غير عاض .

 

 

&&&

ولا يستثنى من هذا الحكم التوريث في قريش أو غيرها من القبائل ، تمحلا في حديث اشتهر" الأئمة من قريش "  واستغلته بعض الفرق لأغراضها ، لأنه إنما جاء  خبرا بحتا أو وصفا تقريريا لواقع منتظر ، فضلا عن أنه قد جاء يصيغة التحذير من عواقب ذلك لا في صيغة التبشير كما أنه غاب فيه عن الراوي بعض ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم  فلا يصح أن يوضع موضع التعارض مع أحاديث التحذير والتحريم كحديث الملك العضوض .

من ذلك  ما جاء في صحيح البخاري بسنده عن شعبة عن عبد الملك سمعت جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم  يقول : " يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها فقال أبى : انه يقول :" كلهم من قريش ".

وفي صحيح الترمذي بسنده عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  " يكون من بعدي اثنا عشر أميراً ، ثم تكلم بشيء لم أفهمه ، فسألت الذي يليني فقال : قال : كلهم من قريش " قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ،

وفي صحيح مسلم : بسنده عن  جرير عن حسين عن جابر بن سمرة قال : قال : سمعت النبي يقول :- " ان هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة ، ثم تكلم بكلام خفي عليَّ فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : كلهم من قريش .

وفي المستدرك على الصحيحين : بسنده عن يونس بن أبى يعقوب عن عون بن جحيفة عن أبيه قال : كنت مع عمي عند النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : " لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضى اثنا عشر خليفة ثم قال كلمة ، و خفض بها صوته فقلت لعمي و كان أمامي ما قال يا عم ؟ قال : قال: يا بني : كلهم من قريش ،

وفي تيسير الوصول إلى جامع الأصول عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر كلهم من قريش قيل ثم يكون ماذا ؟ قال : ثم يكون الهرج ، أخرجه الخمسة إلا النسائي إلى قوله من قريش ، و اخرج باقيه أبو داود .

وقد وردت أحاديث مماثلة منها ما جاء بصيغة "الأئمة من قريش"، أو بصيغة "الأمراء من قريش" كما في التاريخ الكبير للبخاري إذ قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأمراء من قريش"، وبصيغ أخرى تفيد نفس الأمر

ففي سنن البيهقي الكبرى بسنده  عن أنس بن مالك قال :

دخل علينا رسول الله   صلى الله عليه وسلم   ونحن في بيت في نفر من المهاجرين قال فجعل كل رجل منا يوسع له يرجو أن يجلس إلى جنبه فقام على باب البيت فقال الأئمة من قريش ولي عليكم حق عظيم ولهم مثله ما فعلوا ثلاثا إذا استرحموا ورحموا وحكموا فعدلوا وعاهدوا فوفوا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين

وفي السنن الكبرى للنسائي ومسند أحمد والمعجم الكبير للطبراني ومسند أبي يعلى مثله

 

ونبرة التحذير  مع الاشتراط في هذه الحديث واضحة في قوله صلى الله عليه وسلم(..  ما فعلوا ثلاثا إذا استرحموا ورحموا وحكموا فعدلوا وعاهدوا فوفوا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )

 

وعلى كل حال فليس في الحديث - ومع هذه الشروط التي هي المقصد ومع اخذها في الاعتبار  - ما يسمح لقريش أو غيرها بتحويل الحكم فيهم إلى ميراث عضوض

 

 

مع فرض أن هذه الأحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإنها لا تفيد أفضلية للقرشيين عن غيرهم بإطلاق ، وإنما هي خبر بحت أو وصف تقريري محض  لا يصح فصله عن التقييم الوارد في حديث الملك العضوض . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى : لا يصح اشتمام التفضيل لقريش إذ كيف يعقل  – كما يقول بعض الباحثين : كيف يعقل أن يحسم الرسول صلى الله عليه وسلم في الصراع الممكن حصوله بين العصبيات وأن يترك الصراع قائما بين القرشيين أنفسهم، مشيرا إلى ما حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما

إن الذين تمحلوا تفضيل القرشيين قد يكون الأمر اجتهادا منهم بمنطق اجتماعي  على منوال ما ذكره ابن خلدون من أن  "المصلحة في اشتراط النسب ….  لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب، فتسكن إليه الملة وأهلها، وينتظم حبل الألفة فيها، وذلك أن قريشا كانوا عصبة مضر وأصلهم، وأهل الغلب منهم، وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف، فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم، فلو جعل الأمر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم، ولا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف، فتتفرق الجماعة وتختلف الكلمة، ومن ثمة فإن اشتراط القرشية لمنصب الخلافة - حسب ابن خلدون- إنما الحكمة منه اعتبار العصبية،

ومن خلال هذا التحليل  فإن شرط القرشية ليس واردا وبخاصة في حال انتفاء العصبية فيها ، وانتفاؤها هو الهدف الأمثل رجوعا إلى حديث الملك العضوض ،  وأصله في القرآن الكريم .ومن ذلك قوله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" ( الحجرات:13 )، ومن ذلك أيضا قوله: " وما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة" ( لقمان :28 )

 

والذي يعتقده بعض الزيدية يفيد  حول هذه المسألة  فكما يقول العلامة إبراهيم بن محمد الوزير في مقال بعنوان " الولاية العامة حق الأمة تضعها في القوي الأمين ودون اشتراط لأي نسب " من موقع البلاغ بتاريخ 17\9\2005 :" الولاية العامة في الأصح ليست محصورة في البطنين ولا في قريش ، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس ، ويفهمه المسلم من تعاليم الإسلام الذي يساوي بين كل المسلمين في الحقوق والواجبات ، فالولاية العامة مشاعة بين المسلمين ، يتولاها ويقوم بها المؤمن التقي القوي سواء كان من قريش أو من البطنين أو من غيرهم .

وولي الأمر كما نفهمه من النظام الإسلامي العظيم ، هو أمير وأجير ، فهو أمير من حيث وجوب طاعته والانقياد له ما دام مؤدياً لواجباته ، غير خارج عما أمر الله تعالى به ، وهو أجير لدى الأمة ينوب عنها في تنفيذ أحكام الله سبحانه وتعالى ، ومن واجبه أن يدافع عمن يحكمهم ، وينصح لهم ، ويبذل أقصى جهده في إيصال الخير إليهم ، ودفع الشر عنهم ، وينشر العدل بينهم ، وينصف المظلوم من ظالمه ، ويقيم الحدود ، ويحمي الثغور ، ويقسم بالعدل ، ويوصل أصحاب الحقوق إلى حقوقهم ، ويطبق شرائع الإسلام ، ويساوي بين المواطنين ، ويطيع الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل أمره ونهيه.

فأي مسلم تختاره الأمة ليقوم بذلك وهو قدير عليه ، وأمين فيه ، فله الحق الكامل في الولاية العامة مع قطع النظر عن نسبه ، ومن أي سلالة أو عنصر جاء.

ومن الزيدية من يقول بهذا وهم السليمانية الذين يقولون بأن الولاية العامة مشاعة بين سائر المسلمين ، ولا يشترطون في الوالي أن يكون من البطنين .

وبعض الزيدية ذهبوا إلى حصر الولاية العامة في البطنين) الحسن والحسين) ، وقد استدلوا على ذلك بأحاديث مروية عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والذي يقرأ تلك الأحاديث يجدها رغم صحة سندها ونسبتها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فإنه لا يجد فيها أي قول صريح في حصر الولاية في البطنين ، إنما هي أحاديث تحث الأمة الإسلامية على محبة أهل البيت ، وتخبر الأمة الإسلامية بأن جماعة أهل البيت -لا كل أفرادهم- سيكونون مع الحق لا يخرجون عنه ، ويفهم الدارس لتلك الأحاديث بأن آل رسول الله ومن على شاكلتهم من علماء الأمة جميعاً سيكون لهم فكر ومنهج واجتهادات هي في مجملها مع الحق ، وأنهم سيكونون ضد الظلم والإفساد والانحراف ، وتحث الأمة على التمسك بهم واتباع منهجهم ، فتلك الأحاديث قطعية الثبوت (!) لكنها ليست قطعية الدلالة على حصر الولاية فيهم ، بل إن معناها ومفهومها أعم وأشمل من حيث الحث على المودة لهم ، والإلتزام بمنهج الحق الذي سيكونون عليه.

وهناك من اجتهاداتهم ، وتاريخ سيرهم ، ومناهضتهم للظلم والانحراف ما لا يتسع المقام للحديث عنه.

أما الولاية العامة فهي حق للأمة تضعها في القوي الأمين ، دون أي اشتراط لأي نسب ، ودون أي حصر في أي عنصر أو سلالة.

ولم تنفرد بعض الزيدية بحصر الولاية في بعض المسلمين دون بعض ، بل إن إجماع (!) أهل السنة والجماعة منعقد على أن الولاية العامة يجب أن تكون في قريش ، وقد جاء في (الأحكام السلطانية والولايات الدينية) للماوردي الشافعي رحمه الله في باب (عقد الإمامة) في فصل (شروط أهل الإمامة) بعد أن ذكر سبعة شروط لمن يصلح للولاية العامة ، منها العدالة ، والعلم ، وسلامة الحواس ، وسلامة الأعضاء ، والرأي السديد ، والشجاعة ، ثم قال : (السابع النسب ، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه ، وانعقاد الإجماع عليه ، ولا اعتبار بضرار حين شذ فجوزها في جميع الناس). الأحكام السلطانية

… وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري : (وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة يجوز أن يكون الإمام غير قرشي).

وقال ابن حجر : (وبالغ ضرار بن عمرو : فقال تولية غير القرشي أولى ، لأنه يكون أقل عشيرة ، فإذا عصى كان أمكن لخلعه).

ثم يقول صاحب المقال : ( ومع ذلك فرأي أهل السنة في حصر الولاية العامة في قريش غير صحيح إذ أن الحديث المروي الذي استدلوا به إنما جاء بصيغة الخبر ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " الأئمة من قريش"  ولم يأت بصيغة الأمر الدالة على الوجوب ، والجملة الخبرية لا تدل على الوجوب كما هو معروف. )

 

ثم يقول : ( ونحن نعتبر المذهب الزيدي كما يعتبره غيرنا من علماء المسلمين المنصفين في العالم الإسلامي كله من أهل السنة وغيرهم مذهباً معتدلاً راقياً في جميع اجتهاداته ، وكما أن الإسلام وسط بين معتقدات أهل الأرض ودياناتهم ، فإن المذهب الزيدي وسط بين مذاهب المسلمين ، وهناك عدة أدلة وأمثلة على ذلك ليس هنا موضع سردها والحديث عنها.

ومع هذا الاعتدال والسمو في الاجتهاد وجد بين الزيدية من يقول بحصر الولاية في البطنين ، فكان ذلك خطاً فادحاً)

ثم يقول في رجوع إلى الأصول الفقهية  : (. فمن ناحية إتباع الأصح في هذه المسألة ، فليس هناك دليل قطعي على حصر الولاية فيهم ، وإنما هي أدلة ظنية الدلالة ، بينما أدلة المساواة في الإسلام بين المسلمين في الحقوق والواجبات أدلة قطعية ، وهذه الأدلة القطعية العامة في المساواة لا يخصصها إلا أدلة قطعية الدلالة على ذلك التخصيص صريحة في الدلالة عليه ، وليس هناك أي دليل صريح العبارة واضح الدلالة على ذلك ، ولذلك فالعمل بالأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة مقدم على العمل بالأدلة قطعية الثبوت ظنية الدلالة ، وتقديم العمل بالأدلة القطعية على العمل بالأدلة الظنية هو ما يقول به كل مجتهد بصير في أي مسألة أو قضية من قضايا المسلمين.)..

 

وإذا كان لابد من استكناه معنى تقويمي من قوله صلى الله عليه وسلم " الأئمة من قريش " فما ذلك إلا أنه جاء في سياق نوع من الاستقرار تطلعت فيه البطون والأفخاذ إلى الوراثة ،  فجاء يلفت النظر  إلى وجوب الخروج  عن هذه التطلعات  ، ليوسع دائرة الاختيار والتبادلية ، لا ليحصره في نطاق القبيلة ، وليضيف ملمحا جديدا إلى نظام الحكم ، وهو أن يتصف بالجدية والمهابة والقبول العام عند المحكومين ، وهذا ما كانت تتمتع به قريش في حينه بغير منازع في أنحاء الجزيرة كلها ، وهذا هو مغزى الحديث في حينه ، ومعنى هذا أن قريشا عندما تفقد هذا المعنى تصبح بمعناها العنصري خارج ميزان المفاضلة .

وليس صحيحا  ما ذكره الماوردي من أن هناك إجماعا عل صحة حديث " الئمة من قريش "

أنظر : السياسة الشرعية للعلامة الشيخ الأستاذ عبد الوهاب خلاف 52-62 طبعة دار الأنصار بالقاهرة عام 1977

&&&

ومن هنا نعلم أنه ليس في حديث الملك العضوض ما يجعل تحريم توارث الملك قاصرا على صورة معينة تأتي  داخل أسرة أو قبيلة أو حزب ، بل إن دلالته تعم توارث الملك في أية صورة من صوره - كالخلافة أو السلطنة أو الوزارة أو ما أشبه من هذه المناصب منذ انتهاء عصر الخلافة الراشدة - وتحكم عليه  بكونه واقعا مخالفا لشريعة الإسلام ، حكمه التحريم ، سواء ظهر في نطاق الأسرة : الأموية أو العباسية أو الفاطمية أو الأيوبية أو العثمانية أو الصفوية أوالعلوية أو الهاشمية أو السعودية أوفي في نطاق القبيلة أو في نطاق الحزب أو في نطاق المغول أو المماليك – سواء اعتبرنا المغول أو المماليك في حكم القبيلة أو الحزب - بمفهومه الحديث –على نطاق العالم الإسلامي كمجموعة الأحزاب العلمانية متحدة أو متفرقة كحزب أتاتورك في تركيا ، أو حزب البعث في سوريا أو العراق  ، والحزب الوطني في مصر ، وغير ذلك مما يغيب عنا ذكره

 

وهذا التحريم لا يعني  إهدار ما قد تكون بعض هذه الأسر أو الأحزاب قد أحرزته من خير أو نصر لعموم المسلمين فهي قد تدخل في باب من خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، وهي بالنسبة للدنيا تؤول حتما بانحرافها إلى تدمير عملها الصالح ، عاجلا أو آجلا ، ومن هنا يظهر لنا تاريخيا قصر أعمار تلك الأحزاب أو الأسر أو العناصر  : نتيجة حرمان العاض من نصيحة خالصة ، وحرمان المعضوضين من حقوقهم الإنسانية المشروعة ، ونتيجة لحتمية تناسل الفساد الداعم وتراكمه وفقا لمتوالية هندسية حول العاض  ، ونتيجة أيضا لاستفزاز الكلاب المقموعة المحرومة من ممارسة العض ،  وهي بالنسبة لميزان العدالة المطلق ترجع  في النهاية إلى ميزان الحسنات والسيئات عند الله طبقا لقوله  تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره "

 

وهو لا يعنى أيضا إلحاق نظم الحكم التوارثية في التاريخ الإسلامي بسميها في التاريخ المسيحي  المسيحي لأن الأشياء لا تلحق بغيرها بجانب منها وإنما تلحق في صورتها الكلية

 

ومن هنا يظهر حرص الشريعة الإسلامية منذ اللحظة الأولى على ما يعتبر تقريرا أو إنجازا لصورة الحكم الحديثة من التعددية وتبادل السلطة فهما بيت القصيد  ، وهما حجرا الزاوية في بناء نظام الحكم في الإسلام بغير تسول من موائد الآخرين ، وكل فساد فإنما يظهر من تواصل الحكم في أسرة واحدة ، أو قبيلة واحدة ، أو حزب واحد ، ولا إصلاح – على جميع المستويات - بغير الرجوع إلى الإسلام في منع هذا التوارث داخل الأسرة أو داخل الحزب ، قطعيا وإلى غير رجعة .

ولا يعنينا هنا ما غرقت فيه بعض كتب التاريخ والتفسير والحديث والفرق من محاولة معرفة على من تنطبق الثلاثون عاما الأولى التي جاءت في الحديث  فهذا ما لم يعن رسول الله ببيانه لنا بشكل مباشر ، وليس من اللائق أن نترك ماكان يعنيه مباشرة في تأصيل نظام الحكم إلى الخلاف حول ما كان يرمز إليه بطريق غير مباشر من أحداث التاريخ

 

ولا يعني هذا إعفاء الأمة من مسئوليتها الفادحة في السماح بهذا التوارث فهي واقعة به في فعل الحرام ، والسكوت عليه أو تشجيعه أو فتح الأبواب له أو مبايعته خوفا أو نفاقا أو نكاية حرام كذلك  ، وهو من ناحية أخرى يؤدي في المرحلة الأخيرة  إلى الفساد بكل أنواعه طبقا لواقع التاريخ وتجارب الأمم ، وطبقا لقوله صلى الله عليه وسلم  في رواية أخرى لحديث الباب   " قال الطبراني بسنده عن أبي ثعلبة الخشني ، عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة ، ثم يكون رحمة وخلافة ، ثم كائن ملكا عضوضا ، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأرض ، يستحلون الحرير والفروج والخمور ، ويرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عز وجل ) إسناده جيد " .وهذا هو وصف الفساد الذي آلت إليه وتؤول أنظمة التوارث في التاريخ والواقع المعاصر

 

ومن هنا تظهر حرمة ما استفادت به هذه  الأسر الوارثة والقبليات الوارثة والأحزاب الوارثة ومن نافقها أوأيدها أو ظاهرها ،  وحرمة ما اكتسبته من شرعية أو مال أو جاه وبالتالي فقد نبتت أجساد هذه الأنظمة  من حرام " وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به  " مع اختلاف في درجة الحرمة تبعا لكون هذه الاستفادة نتيجة جحود لحكم الله أو نتيجة جهل أو نتيجة لتأويل فاسد

 

ولا يعتذر في هذا الشأن بالحديث المتفق عليه عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه- قال: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" .

وفي مسند أحمد مثله قال    حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن يحيى عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت سمعه من جده وقال سفيان مرة عن جده عبادة قال سفيان وعبادة نقيب وهو من السبعة   بايعنا رسول الله   صلى الله عليه وسلم   على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ولا ننازع الأمر أهله نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومه لائم قال سفيان زاد بعض الناس ما لم تروا كفرا

فهذا إنما يأتي فيما يخالفون فيه حكم الله في خاصة أنفسهم كلبس الحرير أو الذهب أو شرب الخمر مثلا مسند أحمد

أما ما يكون من باب الحكم بين الناس بغير ما أمر الله – ومنه توارث الحكم - ففيه قوله تعالى  (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )    وقوله  صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة نفسه ( وعلى أن نقول الحق أينما كنا، وألا نخاف في الله لومة لائم".) وما جاء في الصحيحين بسندهما عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال: ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار ، فلما خرجوا غضب عليهم في شئ فقال لهم : أليس قد أمركم رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن تطيعوني قالوا: بلى قال: فاجمعوا لي حطبا ، فجمعوا له ثم دعا بنار فأضرمها فيه ، ثم قال لهم: عزمت عليكم لتدخلنها . فقال لهم شاب منهم :إنما فررتم إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فان أمركم أن تدخلوها فادخلوها ، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبروه أي أخبروه بان أميرهم أمرهم بان يدخلوا النار . فقال النبي صلى الله عليه وسلم( لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف)

:  وفيه جاءت آيات  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحاديثه على كثرتها ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمخلوق في معصية الله ) وفي رواية "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ومنها أيضا "إنما الطاعة في معروف"

وفي هذا السياق يأتي ما جاء عن أبي بكر رضي الله عنه فيما رواه محمد بن إسحاق بن يسار قال : حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له . وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه . فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ،  الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء : أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله " وهذا إسناد صحيح.

 

وما جاء في أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : حيث قال الامام عبد الله بن المبارك في الزهد والرقائق: أخبرنا سفيان بن عيينة عن موسى بن أبي عيسى قال: أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشربة بن حارثة فوجد محمد بن مسلمة فقال عمر: "كيف تراني يا محمد؟ فقال: أراك والله كما أحب، وكما يُحب من يحب لك الخير، أراك قوياً على جمع المال، عفيفاً عنه، عادلاً في قسمه. ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف. فقال عمر: هاه. فقال: ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف. فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني". وفي رواته موسى بن أبي عيسى الحناط الغفاري، أبو هارون المدني وهو ثقة لكنه لم يدرك أحداً من الصحابة.

 

 

وأخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق في ترجمة بشير بن سعد ـ رضى الله عنه ـ من عدة طرق يقوي بعضها بعضاً أثراً عن عمر بن الخطاب، منها: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي قال: أخبرنا أبو الحسين بن النقور قال: أخبرنا أبو القاسم بن حبابة قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا مصعب بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني محمد بن النعمان ن النعمان بن بشير أخبره: "أن عمر بن الخطاب قال في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال ذلك مرتين، أو ثلاثاً: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح. ".

والقدح السهم قبل أن يراش وينصل

ورجال الأثر ثقات …

فالأثر إذاً حسن قوي بذاته صالح للاحتجاج، بل هو أقرب إلى الصحيح بذاته، وهو قطعاً، صحيح بشواهده ومتابعاته.)

نقلا عن موقع منتدى أهل الحديث

 

ومنها ما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" .

والأمر بالمعصية –وفقا لأساليب الحكم المعاصرة – لا تقتصر على ما يكون منها بالأمر الصريح ، وإنما تشمله كما تشمل  الأمر الضمني : في وضع السياسات وإقرار الاستراتيجيات ،  أو في صورة استلهام إرادة الغزاة والمستغربين والمنصرين والمتأمركين والمتصهينين ، في صورة إرهاب الدولة ، وتأمين الخوف ،وتمكين الرعب ،  ، وإشاعة الفحشاء ، وتطبيع الجبن ،  في صورة الإلجاء ،  والمحاصرة ، وتضييق سبل الحلال ، وتوسيع سبل الحرام ، وكل ما اخترعته أبالسة  العصر على مستوى التثقيف والتعليم والدعاية والإغراء والتجويع والتقريب والإبعاد ومناهج غسيل المخ ، وتجفيف الينابيع ، وبناء الرأي العام على نحو ما ترشد إليه ثقافة الإلحاد والوضعية والماسونية وما أشبه .

 

و يعني سحب الطاعة عن الوراث الغاصبين  بالضرورة : أسرة أو قبيلة أو حزبا ؛ يعني : خطر البدء في إسقاط النظام وما يسمى اليوم " العصيان المدني " وما يترتب عليه من أخطار استمساك العاض بمعضوضه ، لذا كان لابد من شروط كما بينها بالتفصيل الإمام أبو حنيفة  في مقاومة الحكام وما يترتب عليها (3) .

فلم يكن أبو حنيفة  في حكمته المحمودة ونظرته المتوازنة يرى الخروج عليهم بالسيف من بداية الأمر  ، لأن (...ما يفسدون من ذلك أكثر مما يصلحون ، من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال .. (4))

هذا ما كان يقول به الإمام في المرحلة الأولى من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . فلا بد أولاً من أن تكون هناك محاولة للإصلاح بدون " الخروج " ، فهو يقول لأبي مطيع الذي يسأله عن معنى قوله تعالى   " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .." : أفنقاتل الفئة الباغية بالسيف ؟

يقول أبو حنيفة: نعم ، تأمر وتنهى فإن قبل ، وإلا قاتلتها فتكون مع الفئة العادلة .. (5).

وهو يقول أيضاً ( فقاتل أهل البغي(1) ) ويبين أبو حنيفة أن هذا القتال لا يصح أن يكون بدعوى كفر البغاة ، ولكن باسم بغيهم فحسب ، يقول ( فقاتل أهل البغي بالبغي لا بالكفر ).

وأبو حنيفة إذ يدعو إلى أن يكون المرء في هذا القتال مع الفئة العادلة (... كن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر، ولا تكن مع أهل البغي(2) ). لا يدعو إلى أن نكون مع السلطان الجائر في أي موقع فالمهم عنده هو الفئة العادلة ، لا السلطان نفسه ، فنحن مدعوون إلى أن نكون مع السلطان الجائر إذا كان في الفئة العادلة لأننا هنا نقف معها لا معه ، وفى الخروج عليه وهو فيها إضرار بها قبل كل شئ ، وهذا ما يفهم من قوله (.. فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا )(3) .

فالمرحلة الأولى : النصح ، والمرحلة الثانية : التقويم بالسيف ، وهناك المرحلة الثالثة : وتكون عند العجز عن التغيير. يقول أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود قال: قال  : " إذا ظهرت المعاصي في أرض فلم تطق أن تغيرها فتحول عنها إلى غيرها فاعبد ربك ، فالهجرة بديل الخروج بالسيف ، إذا كان العجز عن التغيير .

وليس من الضروري المرور بالمرحلة الثانية لأن العجز عن التغيير قد يتبين من قبل ذلك ، يقول أبو حنيفة : ( وإن كانت الجماعة باغية فاعتزلهم واخرج إلى غيرهم ) .

فهذا مذهب متكامل في علاج البغي والجور ، فلم يكن أبو حنيفة يرى الخروج بالسيف بإطلاق(4) كما كانت الخوارج تفعل ، ولم يكن يرفض الخروج بإطلاق ، كما كانت المرجئة تفعل (5)  وإنما كانت له نظرة متوازنة ، نابعة من المصلحة العامة

 

بعد ذلك الذي تقرر ندرك أنه لا قيمة شرعية لما ظهر بعد اختفاء هذه المشاعل والأقمار من استسلام لمذاهب الخنوع والاستسلام والتواكل واللامبالاة ، مهما كبرت أو صغرت أو ازينت أو اشتهرت الأسماء :  تلك التي رسخت لظهور ما سمي " المتغلب " وتوريثه بالتالي إذ هو فرز خاضع لظرف مرحلي تاريخي لا مجال للإفاضة فيه في هذه العجالة ؛ يمكن النظر في السكوت عنه مؤقتا لتفادي أحد منعطفات الفتنة ، دون أن تكون له مرجعية فوقية ، ولا يملك أصحابه من ثم إجازة الحرام الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وجعله أشبه بعضِّ الكلاب ، كما لا يملكون حق مناصرته على مدى القرون  على غفلة من المعضوضين  عن حكم الشرع  ، كأنما فيروس المهانة والمذلة كان أحد آثار العض الوبيء ، أوكأنه توطن فيهم توطن البلهارسيا في مياههم ودمائهم ،  وما يزال . ولا حول ولا قوة إلا بالله . والله اعلم

 

****

 

 

قبل الطوفان

رسالة إلى مؤتمر أقباط المهجر بالولايات المتحدة 

مشروع إجرائي ضد الفتنة الطائفية

الشريعة هي الضمان

 

 

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

في ضوء ما جاء بالأخبار مما كشفت مصادر مقربة من المؤتمر الذي كان مقررا أن يعقده أقباط المهجر بالولايات المتحدة ، خلال الفترة من 12 إلي 16 أكتوبر ، برعاية الكونجرس الأمريكي والخارجية الأمريكية بزعم حل مشاكل الأقباط في مصر

وحيث إنه لا حل لهذه المشكلة وغيرها من المشاكل الكبرى في هذه  المنطقة من العالم ، وهي المنطقة التي ذابت هويتها في أحضان الدين السماوي .. بغير الارتكاز إلى عقيدة عليا لا تقبل المساس ،

وحيث إن المساس بما جاء بالدستور المصري الحالي عن الإسلام والشريعة ما هو إلا تعبير عن النزعة الهدامة الكامنة في أعماق الشمشونية ، وتسونامي الانطلاق في الفتنة الطائفية إلى ما لا تحمد عقباه

نقدم المشروع الإجرائي التالي للوقوف ضد نذر الفتنة الطائفية الكارثية قبل أن تقع  :

 

1- اعتماد الحل الديموقراطي بغير استبعاد الإسلام وذلك بقبوله محركا حيويا مشاركا في هذا الحل ، عكس ما تشيعه العلمانية ومن يلف لفهم ضد هذه المشاركة

2- اعتماد التيار الإسلامي العريض صحة الحديث المشهور لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكتاب : " لهم مالنا وعليهم ما علينا " اشار السندي إلى ثبوته في حاشيته على سنن النسائي بتحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم تتكافأ دماؤهم : أنظر الجزء الثامن ص 20 ط 2

3- وقوله صلى الله عليه وسلم  ( ألا من ظلم معاهدا أو تنقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة – وأشار رسول الله إلى صدره – ألا ومن قتل معاهدا له ذمة الله ورسوله حرم الله عليه ريح الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا ) رواه البيهقي في سننه عن ثلاثين من أبناء الصحابة عن آبائهم

   وذاك بالإضافة لقوله تعالى " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي "

، ويكفي أن نقرر هنا أن حسن معاملة المسلمين للأقباط ومن في حكمهم  من أهل الكتاب  تأتي بضمانة الرسول الجالس على عرشه في قلب كل مسلم ، وإذا كانت تلك ضمانة الرسول صلى الله عليه وسلم ضد الانتقاص من حقوق  الأقباط ومن في حكمهم فهي إذن ضمانة الضمانات يوم تتزأبق نظم الحكم والإمارات والولايات والدساتير والعولمة وحقوق الإنسان ، بينما يثبت قلب المسلم على إيمانه بالإسلام

4- تفعيل  الحديث المشار إليه وإدخاله في صلب الدستور كعنصر موازن أو موضح للنص الحالي على أن دين الدولة الرسمي " الإسلام " والشريعة المصدر الأساسي لقوانين ، و كتعبير مرادف لمبدأ المساواة ، على أن يشار إلى المواد القانونية التي توضع لتفصيل ذلك

5- تبني التيار الإسلامي العريض لهذا المبدأ بصيغتة النبوية وإعلانه في صلب البرنامج السياسي المطروح كمسوغ لإجازة قيام هذا التيار بالنشاط السياسي الحزبي

6- مبادرة التيار الإسلامي العريض  إلى قبول تثبيت مبدأ المواطنة بالدستور كقاعدة للتعامل على قدم المساواة بين أبناء الوطن

7- مبادرة التيار الإسلامي العريض  إلى الدعوة إلى تخصيص وظائف لتعيين نائب قبطي في الوظائف السياسية العليا كلما أمكن ذلك في ضوء الشروط الموضوعية

8- التوسع في التعريف – في الثقافة العامة وأجهزة صنع الرأي العام - بموقف القرآن المشتمل على التقدير والاحترام والإجلال لرموز الديانة المسيحية : الإنجيل والسيدة مريم وسيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهم السلام والحواريين

9- الكف – في مجال التبشير والدعايات المسيحية عن تجريح رموز الديانة الإسلامية : القرآن ، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، والصحابة والتبرؤ مما أصبح يطرح باسم الفرقان الحق باعتباره حملة دعائية للتلبيس والتشكيك في القرآن الكريم

01- وجوب التفرقة بين الزعامة الدينية - كبابا الكنيسة وشيخ الأزهر - التي يباح لها بل يجب أن تقرر المبادئ العليا دون تورط في الخصومات والانحيازات الميدانية … والزعامات السياسية ذات المرجعية الدينية والتي من شأنها أن تمارس هذه الخصومات

11- قبول مصطلح الكفر المتبادل بين الفريقين بشروطه وبصدر رحب : باعتباره أحد المفردات الأساسية الموضوعية والحتمية لوصف المواقع العقدية لكل من الطرفين: على أساس أنه لا يعني بداهة مساسا بالحقوق الإنسانية في الحياة الدنيا ، والحساب فيه موكول إلى الله يوم القيامة حسبما جاء في المصادر الدينية المنزلة والمعتمدة ، قطعية الثبوت والدلالة   ، وهو إنما يعني محض تحديد  الوضع العقدي للفرد والجماعة ، في منطقة تميزت بكونها قد احتضنت الأديان الثلاثة الكبرى ، كما يعني نفسيا بث الطمأنينة في صدور الطرفين : فالمسلم حين يسمع تكفيره من نظيره المسيحي يبتسم ويطمئن إلى أنه ثابت على طريق ديانته الخاصة ، والمسيحي حين يسمعه من نظيره المسلم من شأنه أن يبتسم ومن حقه أن يطمئن إلى أنه كذلك ثابت على طريق ديانته الخاصة ، وكل منهما يتمنى لصاحبه الهداية من وجهة نظره ، حسبما جرت عليه العادة التاريخية  بين الفريقين بغير حساسية ، في موضوعية ، شديدة التأدب في الخطاب ليس أدل عليها من قوله تعالى " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين . " وهي صيغة قابلة للتداول بتسامح وموضوعية مشروطة بين الطرفين

21- تقرير مبدأ تعامل المسيحية مع الشريعة الإسلامية  بسماحة  ليست أقل من قبولها – أي المسيحية - للتعامل مع العلمانية بما يترتب عليه من استقبال الشريعة الإسلامية في الجانب المسيحي بصدر رحب طالما كانت في ثوابتها غير متناقضة عمليا مع  المسيحية وفي ضوء ما هو مقرر في المسيحية من إلغاء الناموس ، مع إقرار الجانب الإسلامي  من جهته بأنه في حالة ظهور تعارض تشريعي مؤكد بينهما – كما هو ملموس في الأحوال الشخصية – فالشريعة الإسلامية تضمن للكنيسة نفوذ شريعتها فيما يخص المسيحيين بنفس قوة وفعالية نفوذ الشريعة الإسلامية فيما يخص المسلمين ، والنص على ذلك بالدستور

31- اتساع الصدر للجدل الأكاديمي حول مناقب كل من الدينين بلغة عقلانية منهجية علمية عميقة عالية المستوى لا تسمح لغير المتخصصين بالخوض فيها

41- استبعاد الحكم على النوايا فيما قد يدور بين الطرفين من تحولات عقدية أو حوادث فردية يحق لجهات الأمن مستقلة بتقويمها بحسم في ظل القانون دون تدخل من المرجعيات الدينية العليا المعنية بالقواعد الكلية

51- إسقاط الشروط التي طرأت تاريخيا على بناء دور العبادة طالما ظهرت الحاجة إليها دون تضييق أو تعسف .

61- اعتماد الحل الديموقراطي طريقا أساسيا في التخلص من تراكمات الفساد الذي قام بالدور الأساسي عبر العقود الماضية في تشويه العلاقة بين الطرفين ، والمتمظهر في مبدأ الثقة لا الخبرة ، والقوانين الاستثنائية والطبقية والفئوية ، والاستئصال والانحياز والمحسوبية والوساطة بكافة صورها وعلى مختلف درجاتها

71- إطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية بغير شروط طائفية أو فئوية أو أمنية ، باعتبارها خير ما يضمن  للأقباط ظهور قيادات سياسية من بينهم بالطريقة الديموقراطية

81- الإقلاع عن التشكيك في نوايا الفريقين المبني على قراءات مبتسرة ، وتدخلات عدوانية داخلية أو خارجية ، وبخاصة ما يثيره التيار العلماني عادة من التذاكي في استقراء ما بين السطور فيما يعلنه التيار الإسلامي من قبول " الأداء الديموقراطي " كما هو مقرر ببرامجهم  المعلنة

91-  تثبيت نظام القائمة في الانتخابات التشريعية ، كطريق ميسر لما يسمى الأقليات  نحو المجالس التشريعية

02- استبعاد الاستقواء بالتيار العلماني  خارجيا كان أو داخليا لما يقوم به هذا التيار عادة من التلاعب بالمسلمين والمسيحيين على السواء  لأهداف لا تصح عند أحد منهما

12- استبعاد الاستقواء بالتدخل الأجنبي  في ضوء ما كشفت عنه التطورات من خطط سياسية امبريالية معلنة أو مستخفية وراء ما يسمى العولمة تستهدف السيطرة على ما أصبح يسمى الشرق الأوسط الكبير تحت ذرائع مصطنعة كالإصلاح السياسي والدفاع عن الأقليات .

22- البحث عن صياغة لتشكيل سكرتارية لعقد مؤتمر لإصدار هذه الأسس ومتابعتها بعد مناقشتها وإقرارها بالطرق المناسبة

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

2\10\2005

يحيى هاشم حسن فرغل