خلال 2005 قطعنا 80% من الطريق لاسقاط مبارك

حكم مبارك استمر بسبب أخطاء المعارضة و انقساماتها ..فهل نتعظ؟!

 

 

 

 

بقلم: مجدى أحمد حسين

magdyhussien@hotmail.com

 

انشغلنا على مدار شهور طويلة بقضايا الاصلاح السياسى الداخلى فى مصر ، و بمحاصرة حكم مبارك على طريق إسقاطه ، و قد رفعنا شعار إسقاط حكم مبارك خلال عام 2005 بمناسبة التجديد لحكمه مرة خامسة ، و هاهو العام قد انصرم و مايزال مبارك فى الحكم و هذه إرادة الله ، و لكن هل كان جهادنا هباء منثورا و هل كان عام 2005 عام انتصار مبارك على الشعب ؟! بل ها هو مبارك يتحدى الشعب و يحتفظ بوزير الداخلية رغم الجرائم التى ارتكبها طوال العام ، و يحتفظ برمز الفساد الأكبر فاروق حسنى ، و يوسع من دائرة رجال الأعمال من أصدقاء العائلة الحاكمة فى مجلس الوزراء ، و يعلم الله أنهم ليسوا رجال أعمال و لا يحزنون و لكنهم سماسرة الشركات الأجنبية و المقترضين بلا حساب من البنوك ! لقد جاء التعديل الوزارى و لا معنى له و لا طعم و خروج ابراهيم سليمان و كمال الشاذلى من الوزارة لم يعد يعنى أى شئ ، لأن المطلوب بعد كل الخراب الذى حل بمصر، تعديل رئاسى لا تعديل وزارى. و لم يكن هناك أى عاقل ينتظر تعديلا وزاريا دراماتيكيا ، فالتشكيل الوزارى أضحى من الأمور الثانوية ، و ليس قى بؤرة الحدث . هل فشلنا اذن فى تحقيق هدفنا الرئيسى: ازاحة حكم مبارك فى عام 2005 ؟!

بالتأكيد لا. فأحداث أواخر عام 2004 حتى نهاية 2005 شهدت أحداثا سياسية بالغة الأهمية و هو ما اصطلح على تسميته بـ"الحراك السياسى" ، و الحقيقة لقد حققنا كحركة شعبية و سياسية – بفضل الله – شوطا كبيرا ، أو الشوط الأعظم من أهدافنا ، نحو انهاء عهد مبارك ، و ان صح ترجمة ذلك الى لغة رقمية تقريبية ، فاننا قطعنا 80% من المطلوب تجاه هذا الهدف العظيم .

 

أولا: تم تحطيم الصنم الأكبر بحيث لم يعد توجيه سهام النقد لحاكم البلاد أمرا عجيبا أو مستهجنا أو مستغربا ، بل أصبح أمرا اعتياديا ، بل أصبح أمرا ضروريا لأى سياسى يريد أن يحتفظ بمصداقيته. و لقد دفع حزب العمل ثمنا غاليا من أجل تحقيق ذلك، و الآن لم يعد حزب العمل وحده – كما قال لى أحد القادة العرب- بل أصبح المجتمع السياسى الشعبى و الاعلامى يركز انتقاداته و هجومه على رمز النظام لا على بيادقه. و المعركة أصبحت مع الحاكم مباشرة و بمنتهى السفور دون سواه.

و ضرب مكانة و هيبة الحاكم الظالم و رفع الغطاء عن شرعيته هى أصعب و أهم الخطوات على طريق إسقاطه. نفس القانون ، و نفس المشهد التاريخى المتكرر ، و هو قيام سيدنا ابراهيم بتحطيم الأصنام علنا ، و معترفا بذلك ، غير هياب و لا وجل من العواقب هو بداية الطريق لترسيخ دين التوحيد .

تا الله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) الأنبياء 57

 

ثانيا: النزول الى الشارع بذات الشعار "إسقاط الطاغوت" ، فالأمر لم يعد محض مقالات أو بيانات ، و لكن مظاهرات شعبية تقول "لا للتمديد .. لا للتوريث" و عندما بادر حزب العمل بتنظيم مظاهرات أسبوعية حول مجلس الشعب انتشرت هذه الدعوة من التجمعات الجبهوية المختلفة و جاء نزول الاخوان المسلمين إلى المعترك ، فكانت الاعتقالات بالآلاف لهم و تم حظر الاقتراب من مجلس الشعب. ثم انتقلت المظاهرات الى مختلف الأحياء و المواقع داخل و خارج القاهرة ، وكانت الردود الوحشية عليها (واقعة 25 مايو) . أما الآن فقد أصبح التظاهر متيسرا كما لم يحدث من قبل منذ 1952 ، حيث تتحرك المظاهرات فى وسط العاصمة تحت حراسة الشرطة دون مصادمات و دون اخلال بالأمن .

و تحقق بذلك أكثر من هدف : مزيد من التعبئة ضد حكم مبارك ، مزيد من كسر حاجز الخوف ، انتزاع الحقوق الدستورية فى تنظيم المواكب و المسيرات و التجمعات .

 

ثالثا: نمو الأشكال الجبهوية و التنظيمات الجماهيرية التى تسعى الى ذات الهدف دون مواربة أو إلتفاف (تغيير النظام) ، بذلك تحقق هدف ثالث: و هو انتزاع حق التنظيم السياسى و الجماهيرى دون اذن من السلطات . و هذا التطور البالغ الأهمية فى مجال إحداث التغيير ، لأنه لا يمكن احداث تغيير جذرى بدون تنظيمات جماهيرية تستوعب كتلا متزايدة من الجماهير و تحولها من مربع السكون الى مربع الحركة و الانتظام. و نمو هذه الأشكال التنظيمية هو مربط الفرس ، و هو الذى سيحدد مستقبل و موعد التغيير لأن تفتت ملايين الشعب الى ذرات متناثرة لا يصلح كمقدمة لعمل شعبى منظم واسع و عميق .

 

رابعا: نزعت الطريقة التى جرت بها انتخابات الرئاسة و مجلس الشعب آخر أوراق التوت عن عورة النظام ، حتى أضحى عاريا من الشرعية .

جرت انتخابات الرئاسة بعد تعديل المادة 76 من الدستور لتلغى نظام الاستفتاء و تحل محله نظام الانتخابات المتعددة .

و قد كنا نتحرك و نكتب – و يمكن مراجعة ذلك – بمنتهى الثقة عن إلغاء نظام الاستفتاء ، حتى ان الحركة الوطنية بدأت فى البحث عن مرشح للرئاسة منذ أواخر عام 2004 بينما لم يعلن عن إلغاء نظام الاستفتاء إلا فى أواخر فبراير 2005 .

و جاء تعديل المادة 76 مشوها و معيبا لإجهاض هذه الصحوة الشعبية ، و قد أثبتت الأيام صحة الاعتراضات الشعبية عليها فالآن و بعد انتخابات مجلس الشعب لا يمكن وفقا لهذه المادة أن يترشح للرئاسة إلا مرشح الحزب الوطنى الحاكم (مبارك أو جمال أو غيرهما )

كانت انتخابات الرئاسة المشوهة فرصة لتكون لحظة احتدام و تصعيد المواجهة و لكن انقسمت المعارضة ، فبعد اتفاق عام حول عدم مشروعية المادة 76 و بالتالى عدم مشروعية انتخابات الرئاسة ، ظهر موقفان جديدان:

(1)            الأحزاب التى قررت المشاركة فى الانتخابات و عددها 9 أحزاب، و لكن كان الأهم منها حزبان : الوفد و الغد .

(2)                                        موقف الاخوان المسلمين بعدم مقاطعة الانتخابات .

و على ضوء هذا التطور انقسم المزاج الشعبى بدوره الى عدة فروع

(1) مقاطعة الانتخابات بشكل إيجابى ، أى مواصلة التصعيد الجماهيرى ضد هذه الانتخابات غير المشروعة.

(2) الحماس فى الذهاب للانتخابات و انتخاب أى مرشح إلا مبارك .

(3) المقاطعة السلبية المعتادة من الجمهور الواسع تحت شعار : مفيش فايدة .

(4) بالاضافة الى ذلك نجح الاعلام فى التأثير على قطاع من الجماهير بأن مبارك أفضل الخيارات ، و ذلك بعد اتاحة مساحات اعلامية واسعة لمرشحين للرئاسة أقرب الى الشخصيات الكاركاتيرية. و هذه القطاعات بعضها ذهب للانتخاب و لكن أغلبها لم يذهب على أساس أن التزوير سيقوم بالواجب !!

فى هذه اللحظة تفرق النهر المتدفق الى عدة فروع و نهيرات ، فنجا النظام من مواجهة محتدمة فى أوائل سبتمبر .

ثم جاءت الأرقام المفبركة لتثير حنق الجميع: أى حصول الحاكم على 88% من الأصوات و هى نسبة قريبة من الاستفتاءات ، بينما كانت نسبة الحضور متدنية حتى وفقا للأرقام الرسمية.

 

الانتخابات التشريعية:

انتصرت رؤية العقلاء فى صفوف المعارضة بضرورة توحيد كافة الأحزاب و التجمعات فى جبهة وطنية عريضة واحدة ، و كانت "الجبهة الوطنية من أجل التغيير" و لكن جاء موعد الانتخابات التشريعية معاكسا ، فحدث انقسام جديد فى صفوف المعارضة بين الاخوان المسلمين و الجبهة الوطنية فى مجال التنسيق الانتخابى ، و لكن الخلاف لم يكن بحجم الخلاف أثناء انتخابات الرئاسة ، فقد كان جميع المعارضين يحاربون فى ذات الجبهة ضد بلطجة الحزب الحاكم ، مع وجود تعارضات بينهم فى بعض المواقع. و لكن يبقى ان المعركة الكبرى كانت بين الشعب و النظام. و حققت المعارضة الاسلامية و غير الاسلامية أكبر عدد من المقاعد منذ عام 1952: حوالى 114 مقعدا و ما يهمنا فى هذا المجال ان محصلة الانتخابات التشريعية كانت نزع ما تبقى من شرعية النظام (راجع المقال السابق) .

* * * * * *

و الآن فانه يتعين علينا ان نستجمع – كقوى شعبية معارضة – قوانا للمرحلة القادمة على الأسس التالية :

(1) ان خط المواجهة الشعبية فى الشارع هو الخط الرئيسى الذى يجب ان نواصله لتقويض ما تبقى من أركان نظام مبارك .

(2) ان الكتلة  البرلمانية المعارضة هى أداة مساعدة ، و رافعة إضافية فى هذا التوجه ،و ليست الطريق الرئيسى للتغيير . لاحظ البداية الغشيمة التى تصر على استبعاد المعارضين من المواقع القيادية للجان المجلس .

(3) توطيد دعائم الجبهة الوطنية من أجل التغيير و التسامى فوق الجروح الانتخابية التى أوقعتها خلافات المعارضين مع بعضهم البعض فى عدد من الدوائر .

(4) تطوير و تدعيم الهيئات الشعبية الوليدة و نشرها أفقيا فى مختلف ربوع البلاد. و كما ذكرت آنفا فان تلك هى الحلقة الرئيسية من أجل استكمال الهجوم على القلعة المحاصرة (نظام مبارك) حتى تستسلم ، و هذا ما نعنيه باللجان الشعبية فى الأحياء و التجمعات الجماهيرية .

لقد كانت من نقاط الضعف الأساسية فى التجمعات الجبهوية أنها كانت نخبوية ، و لم تتحول بعد الى منظمات جماهيرية كبرى لها فروع فى مختلف الأحياء و القرى و المواقع الجماهيرية ، ان تأسيس اللجان الشعبية على هذا النحو الأفقى ، هو الذى يمكن أن ينقل الحركة الى مستوى أعلى.

و من الواضح أن الأرض ممهدة لذلك ، فالمعارك الطاحنة التى جرت خلال انتخابات مجلس الشعب أشركت الملايين فى كل مكان فى معركة التغيير ، و ان تأطير هذه القطاعات الجماهيرية فى منظمات شعبية هو المهمة الملحة الآن . فنحن نلمس أثناء و بعد الانتخابات إقبالا جماهيريا ملحوظا على العمل السياسى المباشر ، و تزايد الاستعداد لمواجهة النظام ، و سيغذى هذا الشعور افلاس الممارسة البرلمانية بسبب تسلط الأغلبية المصنوعة المزورة على مقدراتها ، و التى تتحرك بالريموت كنترول من قبل الطغمة الحاكمة ، و التى تشعر أكثر من أى وقت مضى أن الأرض تميد من تحت أقدامها. كذلك يجب ملاحظة استمرار تصاعد وتيرة الاحتجاجات الجماهيرية لأسباب نقابية و مطلبية اقتصادية ذلك ان الجماهير تدرك بصورة متزايدة أنها الوسيلة الرئيسية لانتزاع الحقوق . و المقصود باللجان الشعبية ليس مجرد لجان تهتم بالخدمات و الشئون المحلية فحسب ، بل تعلن رأيها و موقفها تجاه الشأن العام للوطن ، و السياسات العليا التى هى سبب خراب الأحوال المحلية و الشخصية للمواطنين ، و أيضا لأن إصلاح الوطن أصبح مرهونا بحركة الشعب الواعية من أجل الخلاص من هذه الطغمة .

اذن فان استكمال ما تبقى من مهمتنا من أجل الخلاص يتلخص فى استكمال ما قمنا به من قبل :

(1)           مواصلة التأكيد على عزل مبارك.

(2)           مواصلة تعبئة الشارع المصرى بالمؤتمرات و المسيرات و الوقفات.

(3)           تعزيز أواصر الجبهة الوطنية.

(4)           تشكيل اللجان الشعبية فى مختلف المواقع الجماهيرية .

(5)    توظيف الكتلة البرلمانية المعارضة فى خدمة الحركة الشعبية و عدم الانشغال كثيرا باللعبة البرلمانية فى حد ذاتها .

 

                             ---------------------

و يبقى ان نظام مبارك عبر عام 2005 و قد أصيب بكل أنواع الضربات و اللكمات و هو يترنح فى أحد أركان الحلقة ، ينتظر من يجهز عليه .

دخل نظام مبارك عام 2006 ، و ليست هذه هى القضية فنحن نعلم علم اليقين ان تغيير الأنظمة ليس لعبة أو نزهة ، و لا يمكن تحديد مواعيد ذلك بدقة . المهم أن نواصل الهجوم خلال عام 2006 . فسقوط الأنظمة أشبه بحوادث الطبيعة الكبرى التى لا يمكن التنبؤ بمواعيدها بدقة أى كالزلازل و البراكين .

و مع ذلك فان نظام مبارك لايزال على قيد الحياة ( و ان كان فى غرفة الانعاش ) لأن بعض القوى السياسية المعارضة الرئيسية لم تحزم أمرها على ذلك . بل ان بعض القوى التى رفعت شعار "اسقاط مبارك" أصبحت مشغولة الأن أكثر بمواجهة شعار "الاسلام هو الحل" !

و اذا لم تعد الحركة السياسية المعارضة لضبط البوصلة من جديد حول الهدف الاستراتيجى الكبير (انهاء أسوأ العهود التى ابتليت بها مصر) ، فأخشى ان التغيير قد يتأخر .

و أحسب ان الشعب المصرى ذلك الحاضر الغائب ، أو الغائب الحاضر ، هو الذى قد يجبر الجميع على ضبط البوصلة ، و لكن انفجار الشعب هو بالتحديد ما نقصده بالزلازال و البراكين التى لم يتوصل العالم بعد الى التنبؤ بمواعيدها . و لكن الشعب أبدى لمحة من ذلك فى انتفاضاته المتعددة فى الدوائر الانتخابية و قدم 14 شهيدا و آلاف الجرحى ، و مايزال مستعدا لتقديم التضحيات ذلك ان مهر الحرية ليس رخيصا .

و نسأل الله سبحانه و تعالى التوفيق

 

قريبا:

الوضع الاقليمى و الدولى على ضوء أحداث عام2005 :

-الانكسار الأمريكىالصهيونى

-       تعميق التعددية الدولية

-الصمود العربى و الاسلامى و تصاعد المقاومة