محاكمة صدَّام والحلقة المفرغة
بقلم:
حسن الحسن
a_l_hasan@yahoo.dk
صدام حسين في القفص
مُكرراً، أنا رئيس العراق، يرد عليه القاضي للمرة المئة،
إن هذا الدور انتهى، إفهم أنت الآن متهم. يأتي هذا
الحوار في سياق مشهدٍ لافتٍ يجمع قاضٍ متشنج مع مدّع متطفل على المهنة، إلى جانب
محامين يجهلون أبسط قواعد اللغة فضلاً عن حبكة المرافعة، بينما يتحدى صدام الجميع
إثبات تعديه على حق أي من المواطنين ولو بمجرد صفعة طوال فترة حكمه، فيما يستميت
زبانيته بالدفاع عن أنفسهم، مع إصرارٍ تام على البراءة المطلقة، مؤكدين أنهم طبقوا
القانون من غير تجن على أحد.
اختلف الناس علامَ
يحاكم صدام، بدءاً من القول بأن أميركا تريد جعل مناوئيها عبرة، فلا يتمرد عليها
بعده أحد، إلى القول إنه حاكم مستبد بطش بشعبه وقتل منه الكثيرين، فيما ينصرف
آخرون إلى القول بأنه كان مجرد عميل رخيص، انتهت مدة صلاحيته فاستبدله الغرب بمن
يصلح للمعادلة الاستعمارية الجديدة، ضمن ما يسمى بإعادة صياغة الشرق الأوسط الكبير.
في هذا السياق يتهم
الادعاء صدام وزبانيته بإعدام 120 من أهل الدجيل مع
تجريف بساتينها وانتهاك حقوق أصحابها، فيما يتحدث صدام والبندر وبقية المتهمين عن
تطبيقهم القانون المرعي الإجراء في حينه بشأن مجموعة أرادت اغتيال رئيس الدولة والانقلاب
على نظام الحكم ومحاولة تغييره بالقوة.
يُعتبر هذا الطرح،
على الرغم من استناده إلى منطق ما، صرفاً للقضية محل البحث عن صعيدها الذي يتناسب
مع واقعها، ولا أقصد بذلك الاستهانة بقتل 120 شخصاً، إذ أن قتل نفس واحدة بغير حق
جريمة كبرى، فمابالك بأكثر من ذلك. إلا أن محاكمة صدام
وزبانيته يجب أن تبدأ بما يستقيم مع وضعهم الذي كانوا عليه، بمعنى أنهم كانوا
يشكلون نظاماً سياسياً حكم أكثر من ثلاثة عقود بمنهج معين ترتب عليه نتائج مدمرة
وأزمات خانقة لا بد من الوقوف عليها، وتقويم النظام من خلالها. فمحاكمة النظام، أي
نظام، ينبغي أن تخضع لمعايير ما يتوجب عليه وما ينتظر منه ضمن طاقاته وإمكانياته،
الأمر الذي من شأنه أن يفسح المجال إلى فهم أسباب الشقاء الذي عاشه العراق ووضع
أسس سليمة لبناء عراق جديد. وعليه فإنَّ قصر المحاكمة على صدام ومجموعته بتهم
جنائية معينة هو تقزيم للقضية وحرف لها عن مسارها
الصحيح، فضلاً عن هشاشة المحاكمة ودفع كافة المشاركين فيها إلى الدوران في حلقة
مفرغة.
ففي هذا السياق يمكن
أن يقال: كيف يُحاكم رئيس العراق ومعاونوه وقضاته، في قضية تخضع لمعطيات تحكمها
معايير معينة متوفرة في حينها، لا يمكن بحالٍ إسقاطها على مستجدات ما بعد الاحتلال.
إضافة إلى أن التهجير الجماعي والقتل العشوائي السائر على قدم وساق في شتى أنحاء
العراق، والمتهم الأول في تلك الأفعال الوحشية هو قوى الاحتلال وأركان الحكومة
الطائفية المتربعة في المنطقة الخضراء، ما يجعل رجالات النظام القائم حالياً أولى
بالمحاكمة من صدام ورفاقه في جريمة تم ارتكابها منذ أكثر من عقدين من الزمان. هذا
فضلاً عن أن محكمة أسسها بول بريمر، رمز الانحراف
والاحتلال والإجرام، هي محكمة غير شرعية بكل المقاييس. وربما يزيد البعض، لو تغير
ميزان القوى لسبب ما وتهاوى النظام الذي ركبه الأميركان،
فهل سيأمن القاضي نفسه من محاكمة النظام الجديد له على
اعتباره من أعوان الاحتلال؟
من جهة أخرى، فإن
دعوى إعدام صدام لمن حاولوا الانقلاب عليه والعمل على الإطاحة به بحجة أن ذلك عمل
يستحق تلك العقوبة بحسب القانون، إن تلك الدعوى ليست أكثر من ترهة، ذلك أنّ نظام
صدام وأمثاله ينبغي التخلص منهم بأي شكل وأي وسيلة ممكنة، طالما كان ذلك مستنداً
إلى عقيدة الأمة وقوى الأمة المغلوب على أمرها. بل إن التحرر من ربقة أنظمة الجور والاستبداد، التي يمثل صدام إحداها، هو من
أجل الأعمال وأقدسها بغية إنقاذ الأمة من براثن الطغيان والفساد، هذا فضلاً عن أن
صدام وأمثاله لم يتركوا للناس أي خيار لإصلاح واقع الأمة سوى بتغييرهم بشكل كامل
وشامل لإنقاذ البلاد والعباد من شرورهم وموبقاتهم التي بلغت عنان السماء. وأما
التذرع بالقانون فهو سخافة لا تستحق الرد عليها، حيث أن بلداً تم تجييره برمته لصدام وعائلته، كان فيه قانون واحد هو رغبة
الحاكم وأوهامه لا شيء سواهما.
طبعاً ليست المسألة
هنا الدفاع عن صدام أو إدانته أو دحض أو عرض حجج المناوئين له، إلا أن المقصود هو
وضع القضية في سياقها، وأن ما ينبغي فعله هو محاكمة النظام البعثي
الذي قاده صدام قبل محاكمة الشخصيات المنخرطة فيه، إذ أن هذا وحده هو ما يؤسس
لبناء دولة على أسس جديدة سليمة، هذا في حال تمت محاكمة النظام من خلال معايير
صحيحة تستند إلى الإسلام الذي تعتنقه الغالبية الساحقة من أهل العراق. وعليه فإن
قضية المحاكمة على النحو الذي نشاهد لا تعدو كونها مجرد ألهية
باهتة ذات أهداف سياسية معروفة، فيما العراق كله يغرق وينزلق نحو قاع مظلم بسرعة
مدهشة.
كما لا يصح إطلاقاً
التوقف في الحديث هنا عند إجرام صدام حسين كفردٍ أو توبته أو رجولته أو رعونته،
فإن كل هذه صفات شخصية فردية، فيما ينبغي محاكمة صدام وتقويمه فيما كان يملك زمام
أهم بلاد المسلمين وقلب الأمة مع معين لا ينضب من الثروات، كان بإمكانه أثناءها أن
يوقف انحدار أمة بأكملها ويمنع ضياعها ويوحد بلدانها برضى
أهلها فيما لو سدد نهجه وأقام نظامه على أساس الإسلام. لذلك
كان لا بد من طرح القضية على نحو آخر، وكان لا بد من الإجابة لماذا خربت البصرة
وبغداد والموصل بعد إزالة الطاغية أكثر مما كانت في عهده؟ ولماذا القهر والذل
والفقر والانحدار باق مع الطاغية وأكثر منه من بعده، ولماذا لا نرى مخرجاً ولا
بديلاً سليماً ولا سبيلاً للخلاص في مشرقنا المظلم مع صدام وبدونه؟
لقد كان الأصل أن يقف
الجميع مطولاً، مفكرون وأحزاب وسياسيون، أمام مشهد سقوط نظام صدام، لإجراء مراجعة
عن سبب الانهيار المروع في أسابيع ثلاثة، لنظام وجيش وبلد خاض حروباً شرسة لسنوات
طويلة، فيما انطلقت المقاومة الباسلة تدمي قوى الاحتلال بعد أن تحررت من قيود النظام
واعتُقل رأسه. كان ينبغي أن نجد إجابات شافية عن كيفية
ذهاب ثروات العراق الهائلة أدراج الرياح بينما يحيا أهله بفقر وضنك. كان لا بد من فهم لمصلحة من كان يخيم كل ذلك الرعب والخوف على
أهل البلاد، بينما كانت أجهزة المخابرات تحصي أنفاس الناس وكان الظلم والجور
والاستبداد هو سيد الموقف. كان يجب أن تكون محاكمة صدام حسين هي محاكمة لكل
الأنظمة المصطنعة والمشابهة له في العالم العربي والإسلامي، كي توضع النقاط فوق
الحروف في أهم قضاياها، عسى أن تبصر الأمة طريقها إلى النهضة والتحرر الحقيقيين،
وعسى أن يمنح ذلك الأمة نموذجاً يرشدها إلى الخلاص السوي وإلى البديل السليم
لأمثال صدام في كل قطر من بلاد المسلمين. كان ينبغي فعل ذلك بدلاً من استبدال صدام
حسين واحد بصدام في كل زاوية من شعاب العراق ونواحيه، وبدلاً من أن يكون الانطباع
السائد ليبق كل أولئك الطغاة متربعين على صدورنا من المحيط إلى الخليج أو في الشرق
الأوسط الكبير خشية أن لا يصيبنا هناك ما أصاب العراق من تصدع وتهاو وانقسام وحرب
ضارية بين أبنائه. كان ينبغي فعل ذلك للنجاة من مصيرٍ مأساوي أشبه ما يكون بحال
ذلك السجين الذي حُكِمَ بالإعدام على الخازوق، حيث كان يصرخ راجياً أن ينقلوه من
خازوق إلى آخر ولو أشد حدة، وعندما سئل عن سر ذلك أجاب: عسى أن أجد راحة بين
الخازوقين!