آه يا زمن الرويبضة..!

لعن الله زمن الكذب وخيانة الأمانة

 

 

سليمان الحكيم

 

أنظر حولك وأمامك.. فى مؤسسات الدولة وأحزابها وإداراتها.. بل فى كل ما يحيط بك من مناخ سياسى أو واقع معاش.. ماذا تجد؟

لن تجد غير التفاهة.. والسفاهة.. والتهافت الذى هو سمة هذا العهد وعنوانه.

هل ترى رئيسك فى العمل هو الأحق بهذا المنصب أو الأجدر بتبوئه؟

ثم أنظر صاعداً السلم الإدارى الى أعلاه.. هل ترى أن الوزير أو المسئول الذى تتبعه فى عملك هو الأفضل أو الأحق بمنصبه؟

ثم انظر صاعدا درجات السلم درجة بعد درجة لتصل الى الرئيس نفسه.. هل ترى انه هو الذى تستحقه مصر مكافئا لمكانتها وتاريخها وموقعها ودورها؟! أم أن هناك من هو أحق وأجدر وأصلح لشغل هذا المنصب الذى يعلو على شاغله الآن حتى بعد أن أصابته الضآلة به!!

إننا نعيش مرحلة التناقض بين المكان والمكانة.. فالمكان أكبر والمكانة أقل.. والقدر أعلى والقدرة أضأل وأدني!

إن زمنا هذا هو شأنه.. وشأننا معه. ماذا يمكن أن نسميه أو نطلق عليه عنوانا يناسب سماته وخصائصه؟

لقد حرت كثيراً فى البحث عن اسم يناسب هذا الزمن أو عنوان يكافئه. حتى عثرت على حديث نبوى يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم تأتى على الناس سنوات خادعات يؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين.. ويصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق.. ويسود فيها الرويبضة.. قالوا وما الرويبضة يا رسول الله.. قال: الرجل التافه يتولى أمر الأمة!! صدقت يا رسول الله.. صلى الله عليك وسلم.

أليست هذه السنوات التى نعيشها الآن هى السنوات الخداعات التى تفشى فيها الخادعون والمخدعون.. وأصبح الخداع والمخادعة هما الآكثر ظهورا وانتشارا على سطح الحياة وفى بؤرتها؟! ألم تذهب الأمانة فيها الى الخونة. ونأوا بها عن أصحاب الأمانات من المؤمنين والمؤتمنين؟! ألم نصدق فيها الكاذبين.. ونكذب فيها الصادقين؟! ألم يتولى أمرنا الرويبضة الذى ينتمى الى فصيلة المتهافتين والسفهاء وأصحاب العاهات ومرضى النفوس والأغبياء وضيقى الأفق؟!

أليس هذا هو زمن الرويبضة حقا.. واذا لم يكن هذا هو زمن الرويبضة. فأى زمن مر علينا يمكن أن نسميه ونطلق عليه زمن الرويبضة؟

هاتوا لى زمنا أسندت فيه الأمانة للفاسدين واللصوص والمجترئين على الحرام مثل هذا الزمن الذى نعيش فيه الآن.

هاتوا لى زمنا يجرى فيه الناس خلف الكذابين والمنافقين والمدلسين وأصحاب الضمائر الخربة.. بينما ذهب الصادقون ليقفوا وحدهم بعيدا عن المشهد يتفرجون فى كمد وغيظ!

أين هو الزمن الذى تقدم فيه الأدعياء على الدعاة.. والمتعالمون على العلماء.. والمتذاكون على الأذكياء؟! أنظروا إلى الأحزاب الرسمية بمن فيها وما فيها.. وانظروا الى الوزارات والمؤسسات والهيئات والادارات.. أنظروا الى كل المجالات ومختلف الميادين.. ماذا تجدون فيها من شخوص؟!

ستجدون أسماء مثل أحمد الفضالى وأحمد الصباحى والشهابى وأحمد عبد العزيز وشلتوت. وغيرهم رؤساء لأحزاب.. بينما لا يجد أسامة الغزالى حرب وطارق البشرى وعبد الوهاب المسيرى ويحيى الجمل والرفاعى وعزيز صدقى وحسب الله الكفراوى وحمدين وماضى.. لا يجد أى من هؤلاء حزباً يعصمه من الاتهام بعدم الشرعية أو الخروج على القانون!!

أى قانون هذا الذى لا يسمح لمثل هؤلاء بحزب.. بينما يسمح لأولئك الشخوص بالأحزاب والعمل الشرعى والقانونى؟!

أليست هذه هى أحزاب الرويبضة التى تسمح للرجل التافه ليتحدث فى أمر الأمة. بينما لا تسمح للعاقل بغير الانزواء والانكفاء والأحجام منزويا فى الظل الظليل؟!! انظروا الى الامانات.. فى يد من.. ولمن تعطى وعلى من تحجب وتمنع؟

بل انظروا الى أمانة واحدة من تلك الأمانات لتقارنوها بباقى الأمانات.. فقد أعطيت أمانة السياسات فى حزب الحكومة للسيد جمال مبارك نجل الرئيس بينما حجبت عن أساتذة وخبراء السياسة من أصحاب الخبرة الذين حصلوا على أعلى الدرجات العلمية من جامعات أمريكا وأوروبا وعادوا الى وطنهم ليجدوا الأمانة قد أسندت لمن يصونها أكثر منهم!

هل كان جمال مبارك هو الأحق والأجدر بحمل تلك الأمانة من غيره؟

لكم أن تحكموا.. ولا أقول تحاكموا من أسند الأمانة لغير أهلها.. بينما أقصى كل أولئك الذين أعدوا أنفسهم لحملها بحق وابقاهم رهائن الثلاجات وبرودها المجمد!

هذا نموذج واحد من نماذج كثيرة لحملة الأمانات عندنا ممن ينطبق عليهم قول الرسول الكريم.. يؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين!

هل كان فاروق حسنى هو الأجدر والأحق بحمل الأمانة فى مجال الثقافة المصرية الأقدم والأعرق بين ثقافات الأمم والأمصار؟ طيلة ما يقرب من عقدين من الزمان؟! هل كان عاطف عبيد ونظيف وكمال حسن على هم الأقدر والأنسب والأحق برئاسة الوزراء فى مصر.. الأقدم والأعرق بين أمم العالم ودولها؟

هل كان أنس الفقى هو الأحق والأجدر بإعلام مصر وهل كان يسرى الجمل جديرا ومستحقا للجلوس على مقعد وزير التعليم.. نفس المقعد الذى جلس عليه طه حسين ولطفى السيد وعلى مبارك؟!

هل يمكن لشخص اسمه حسن خضر أن يحتل نفس المقعد الذى جلس فيه سيدنا يوسف وزيرا للتموين منذ آلاف السنين؟!

أليس هذا هو زمن الرويبضة بحق؟ وأليس هذا هو الزمن الذى يكذب فيه الصادق ويصدق فيه الكاذب ويؤتمن فيه الخائن ويخون فيه الأمين؟

انظروا الى الفساد والمفسدين فى هذا الزمن.. ستجدونهم ممن حملوا الأمانة فى حكومات هذا العهد. وكانوا مسئولين كبار فى مؤسساتها وهيئاتها.

رشاوى.. وتربح واستغلال نفوذ. واختلاسات واهدار للمال العام واجتراء على المال الحرام. حتى أصبح الفساد بجح كما وصفه المستشار عدلى حسين محافظ القليوبية. فساد فى هيئة النقل العام. وفساد فى وزارة الزراعة والاعلام.. والاسكان. والصحة، والتعليم.. ولم تعد هناك وزارة من الوزارات أو هيئة من الهيئات إلا وطالتها يد الفساد وعبثت فى أحشائها نهبا وسفاً.

ألم يؤتمن هؤلاء الذين خانوا الأمانة.. بينما كان هناك من لم يؤتمن. رغم جدارته بحمل الأمانة، أم أن مصر قد خلت من الأمناء والصادقين ولم يعد فيها غير الخونة والمنافقين؟!

ألم ينتشر الكذب والنفاق.. ونأى الصادقون بأنفسهم تعففا واحجاماً؟

ماذا يكون الحال اذا كان رب البيت نفسه قد مارس الكذب على شعبه وأدمنه فهو الذى يعدنا بتشغيل الملايين من العاطلين بينما يدفع بأكثر منهم الى شارع البطالة والتقاعد ضحايا لسياسة الخصخصة التى يتبعها ويشجع عليها؟

ألم يعدنا بإلغاء حالة الطوارئ قبل أن يأمر بمدها؟

ألم يعدنا بإلغاء منصب المدعى الاشتراكى قبل أن يسند إليه قضية عبارة الموت؟

ألم يعدنا بعدم تطبيق قانون الطوارئ إلا فى حالات الارهاب قبل أن يطلق قوات الأمن لمطاردة مواطنين خرجوا فى مظاهرات سلمية. لا تحمل فى ايديها غير لافتات من الورق؟

ألم يعدنا بالديمقراطية وحرية التعبير قبل أن يلحس وعده بإلغاء القوانين المقيدة لحرية التعبير والصحافة؟!

واذا كان الناس على دين ملوكهم فأين هو الوزير أو المسئول الذى لم يمارس الكذب على الشعب؟

وأين هو المسئول الذى لم ينافق رئيسه ولم يدلس له؟

أليس هذا هو بحق زمن الرويبضة.. زمن يكذب فيه الصادق ويصدق فيه الكاذب.. ألم نصدق الرئيس فى وعوده التى قطعها على نفسه قبل أن يدخل الانتخابات الرئاسية.. فأين هى تلك الوعود وماذا تحقق منها. بل وماذا يمكن أن يحققه منها وهو الذى ناقضها ونقضها جميعاً قبل أن يجف الحبر الذى كتبت به؟

أليس هذا الزمن هو الذى حاكمنا فيه القضاة الذين رفضوا خيانة الأمانة بتزوير الانتخابات وكافانا فيه القضاة الذين خانوا الأمانة فعلا وقاموا بالتزوير؟!

أليس هذا الزمن هو الذى يسمح فيه القانون لجمال مبارك بالترشيح فى انتخابات الرئاسة بينما يمنع واحدً من قضاة مصر العظام أو أحد رجالاتها الأبرار من هذا الترشيح حتى لو كان لمجرد المحاولة التى سيكون مصيرها الفشل؟!

أليس هذا هو الزمن الذى يحبس فيه أيمن نور خمس سنوات. ويفرج فيه عن تامر حسنى؟! أليس هذا هو الزمن الذى يحصل فيه كل لاعب فى الفريق المصرى على مليون جنيه مكافأة عن اللعب بينما نعطى فيه بضع آلاف من أموال الصدقات لضحايا عبارة الموت؟!

أليس هذا هو الزمن الذى يسمح فيه بالمظاهرات دفاعا عن تامر حسنى. وتضرب فيه المظاهرات دفاعا عن قضاة مصر الشرفاء؟

آه من هذا الزمن.. انه بحق زمن الرويبضة.!!

صدقت يا رسول الله. عليك السلام.. وعلينا اللعنة..!!