حول الدعوة الجديدة لحوار المقاومة مع الأميركان
ياسر الزعاترة
لافت للانتباه أن تأتي الدعوة
لعقد حوار بين قوى المقاومة العراقية وبين الإدارة الأميركية هذه المرة من طرف
السيد طارق الهاشمي، نائب الرئيس العراقي، والأمين العام للحزب الإسلامي، العنصر
الأساسي في جبهة التوافق العراقية التي مثلت عملياً العرب السنة في الانتخابات
الأخيرة؛ إلى جانب جبهة الحوار الوطني بزعامة صالح المطلك.
قلنا هذه المرة لأن دعوات
الحوار السابقة قد تخصص فيها جلال طالباني، الذي سمي رئيساً للعراق لدورة ثانية،
ومعه السفير الأميركي زلماي زاد، الأمر الذي يؤكد ما
ذهبنا إليه مراراً من أن تماهياً في الموقف السياسي ما
زال يتأكد بين معظم ممثلي العرب السنة المشاركين في العملية السياسية، وبين
طالباني وزاد، وبالطبع ضمن نظرية يسوقها كثيرون عنوانها أن الخطر الشيعي الإيراني
هو الأهم وليس الخطر الأميركي، وعندما يميل الأميركيون إلى تحجيم النفوذ الإيراني
في العراق، وتبعاً له النفوذ الشيعي، فإن مساعدتهم، بل ربما مكافأتهم على ذلك تغدو
ضرورية، وليس ثمة مكافأة ممكنة مثل وقف النزيف المالي والبشري الذي يتعرضون له
يومياً بسبب استمرار عمليات المقاومة!!
يشار هنا إلى أن دعوة الهاشمي
للحوار لم تتأخر كثيراً عما قيل إنه حوار أجراه جلال طالباني مع سبع من فصائل
المقاومة، الأمر الذي عوّل عليه الأميركان وحلفاؤهم،
قبل أن ينجلي الموقف عن لاشيء، تماماً كما حصل لجولات حوار أخرى قيل إنها انطلقت
في السابق.
ما رشح بخصوص جولة الحوار
المذكورة يؤكد أن القوى التي شاركت كانت هامشية، وأن من شاركوا هم ضباط سابقون
ينسبون أنفسهم إلى المقاومة، مع أن تبين الأبيض من الأسود في هكذا قضايا ما يزال
عسيراً نظراً لسرية القيادة في فصائل المقاومة وسهولة أن يصدر هذا الطرف بياناً أو
تصريحاً يتناقض مع الواقع على الأرض، فضلاً عن توفر أكثر من جناح في هذا الفصيل أو ذاك يمكن أن يشارك أحدهم ويقاطع الآخر.
لو شئنا البحث في سجلات فصائل
المقاومة وما خرج منها في وسائل الإعلام لعثرنا على عشرات الأسماء، ومن بين تلك
العشرات قيل إن سبعة شاركوا بالفعل في حوار طالباني، وهي عموماً ليست من الفصائل
الأساسية التي يتصدرها الجيش الإسلامي والمقاومة الإسلامية الوطنية (كتائب ثورة
العشرين) وجيش المجاهدين، إلى جانب المجموعات التي تدور في فلك القاعدة وتنضوي
فيما يعرف بمجلس شورى المجاهدين، وهذه وإن كانت تتبنى عمليات تستهدف الجيش
والشرطة، وأحياناً الأهداف المدنية، إلا أن حضورها في ميدان الصدام مع الأميركان لا يمكن إنكاره، والبيانات والتسجيلات المصورة تثبت
ذلك، ولعل ذلك هو ما يفسر عدم لجوء الكثير من السياسيين العرب السنة، أو حتى فصائل
المقاومة التي توصف بالوطنية إلى إدانة هذه القوى بالاسم، والاكتفاء بإدانة
الأعمال المرفوضة بصرف النظر عن مرتكبيها.
لعل الدلالة الأبرز لدعوة طارق
الهاشمي الجديدة هي تأكيدها على أن ما قيل عن نجاح حوار طالباني وأهمية الفصائل
التي شاركت فيه لم يكن حقيقياً، ولعل ذلك هو سبب الدعوة الجديدة، إضافة إلى شعور
القوى العربية السنية بانحياز زلماي زاد إليها في سياق
المشاورات المتعلقة بالحكومة الجديدة، وقبلها المناصب الأساسية الأخرى، إلى جانب
القناعة بالتحليل السالف الذكر بشأن النفوذ الإيراني والتغول
الشيعي الذي يتطلب حضوراً عربياً سنياً في المؤسسة الأمنية والعسكرية يعوض الغياب
السابق، وصولاً إلى إنشاء قوة أمنية تمهد لبسط الأمن في مناطقهم، ما يمهد بدوره
لخروج القوات الأميركية من الشوارع إلى قواعد عسكرية بعيدة عن متناول المقاومة، أو
من تبقى منها بعد التفاهم مع قواها.
من المفيد القول إن هذه
التوجهات والخطط ليست غائبة عن وعي القوى الشيعية، لكن ما يحفز هذه القوى على
السكوت والمدافعة الهادئة هو إحساسها الكبير بثقل المشكلة الأمنية، ومخاوفها من
انسحاب أمريكي مفاجىء في حال تواصل الاستنزاف والفشل
القائم، يقابله احتمال آخر عنوانه تعاون أميركي مع العرب السنة والأكراد يهمش
الشيعة، بصرف النظر عن طبيعة ردهم عليه، أكان مقاومة مسلحة وتصعيداً للتحالف مع
إيران أم سكوتاً وقبولاً بالمتاح.
هكذا مالت القوى الشيعية، بمن
فيها تلك التي لا تبدو مقربة من الأميركيين، إلى التهدئة والقبول بنتائج الحراك
القائم، مع التأكيد على حصتها الكبيرة المستندة إلى معادلة الديمغرافيا،
في حين مالت واشنطن إلى ذلك على أمل إبعاد تلك القوى عن إيران، الأمر الذي يحتل
أولوية في التفكير الأميركي هذه الأيام من أجل مطاردة البرنامج النووي الإيراني،
وبالطبع لحساب الأجندة الصهيونية.
بالعودة إلى دعوة الهاشمي
الجديدة يمكن القول إن جانبها الإيجابي يتمثل فيما انطوت عليه من إعلان؛ رسمي هذه
المرة، بحق العراقيين في مقاومة الاحتلال، ومن ثم وضع قوى المقاومة مع المحتل
بصيغة الند للند، الأمر الذي لا ينسجم مع الموقف الحكومي التقليدي الذي يتعاطى معها بوصفها مجرد إرهاب تكفيري أو صدّامي لا يمت إلى
المقاومة المشروعة بصلة.
على أن ذلك لا يغير من حقيقة
كونها دعوة لا تنطوي على شيء عملي، اللهم سوى الاستناد إلى نظرية لا تبدو مقنعة
تقول إن الأميركان يريدون الانسحاب من العراق، وأن ما
يعوقهم هو استمرار الوضع الأمني البائس القائم، وأنه ما إن يستتب الأمن حتى يبدءوا
الانسحاب، ما يعني أن الحوار يمكن أن يفضي إلى جدولة لذلك الانسحاب.
والواقع أن القوات الأميركية
ليست في وارد الخروج الفعلي الكامل، لأن ذلك عنوان لهزيمة لا تحتملها واشنطن
بقيادتها الحالية، ولا يقبل بها الصهاينة أيضاً،
وبالطبع لما لها من تأثيرات على نفوذ واشنطن الدولي والإقليمي، وكل ما هناك أن
الخروج إلى قواعد عسكرية هو الممكن، لأنه عنوان لاستمرار التحكم بالعراق، إلى جانب
تعزيز سياسية فرّق تسد بين الطوائف، بل بين الأحزاب ذاتها من جميع الطوائف.
إذا صح أن الأميركان
يريدون الخروج، فبوسع طارق الهاشمي وسواه من رموز القوى السياسية أن يحصلوا على
جدول زمني لانسحاب قواتهم، وعندها لن يكون لدى قوى المقاومة مانع في الحوار
استناداً إلى برنامجها المعلن، إلى جانب اتخاذ موقف واضح من موضوع الفيدرالية. أما
الحوار الذي لا يترتب عليه غير شق صفوف المقاومة وتحويلها إلى مليشيا لحفظ الأمن
مقابل منح الأمان لجنود الاحتلال في قواعد عسكرية، فهي وصفة إنقاذ لمشروع
الاحتلال، وتشريع لاستعمار أميركي للعراق ومن ثم تهديد للمحيط العربي والإيراني في
آن.
من هنا يبدو طبيعياً أن ترفض
قوى المقاومة هذا العرض، كما رفضت سواه من قبل، بل يبدو طبيعياً أن ترفضه الدول
العربية أيضاً لو ملكت قرارها ولم تخضع لسطوة التهديد الأميركي، ومعها إيران، ما
يؤكد ما ذهبنا إليه مراراً من أن حواراً عربياً إيرانياً هو أكثر من ضروري للحفاظ
على مصالح الطرفين وإفشال مشروع الاحتلال.
حول
الدعوة الجديدة لحوار المقاومة مع الأميركان
ياسر
الزعاترة
لافت
للانتباه أن تأتي الدعوة لعقد حوار بين قوى المقاومة العراقية وبين الإدارة
الأميركية هذه المرة من طرف السيد طارق الهاشمي، نائب الرئيس العراقي، والأمين
العام للحزب الإسلامي، العنصر الأساسي في جبهة التوافق العراقية التي مثلت عملياً
العرب السنة في الانتخابات الأخيرة؛ إلى جانب جبهة الحوار الوطني بزعامة صالح المطلك.
قلنا
هذه المرة لأن دعوات الحوار السابقة قد تخصص فيها جلال طالباني، الذي سمي رئيساً
للعراق لدورة ثانية، ومعه السفير الأميركي زلماي زاد،
الأمر الذي يؤكد ما ذهبنا إليه مراراً من أن تماهياً في
الموقف السياسي ما زال يتأكد بين معظم ممثلي العرب السنة المشاركين في العملية
السياسية، وبين طالباني وزاد، وبالطبع ضمن نظرية يسوقها كثيرون عنوانها أن الخطر
الشيعي الإيراني هو الأهم وليس الخطر الأميركي، وعندما يميل الأميركيون إلى تحجيم
النفوذ الإيراني في العراق، وتبعاً له النفوذ الشيعي، فإن مساعدتهم، بل ربما
مكافأتهم على ذلك تغدو ضرورية، وليس ثمة مكافأة ممكنة مثل وقف النزيف المالي
والبشري الذي يتعرضون له يومياً بسبب استمرار عمليات المقاومة!!
يشار
هنا إلى أن دعوة الهاشمي للحوار لم تتأخر كثيراً عما قيل إنه حوار أجراه جلال
طالباني مع سبع من فصائل المقاومة، الأمر الذي عوّل عليه الأميركان
وحلفاؤهم، قبل أن ينجلي الموقف عن لاشيء، تماماً كما حصل لجولات حوار أخرى قيل
إنها انطلقت في السابق.
ما
رشح بخصوص جولة الحوار المذكورة يؤكد أن القوى التي شاركت كانت هامشية، وأن من
شاركوا هم ضباط سابقون ينسبون أنفسهم إلى المقاومة، مع أن تبين الأبيض من الأسود
في هكذا قضايا ما يزال عسيراً نظراً لسرية القيادة في فصائل المقاومة وسهولة أن
يصدر هذا الطرف بياناً أو تصريحاً يتناقض مع الواقع على الأرض، فضلاً عن توفر أكثر
من جناح في هذا الفصيل أو ذاك يمكن أن يشارك أحدهم
ويقاطع الآخر.
لو
شئنا البحث في سجلات فصائل المقاومة وما خرج منها في وسائل الإعلام لعثرنا على
عشرات الأسماء، ومن بين تلك العشرات قيل إن سبعة شاركوا بالفعل في حوار طالباني،
وهي عموماً ليست من الفصائل الأساسية التي يتصدرها الجيش الإسلامي والمقاومة
الإسلامية الوطنية (كتائب ثورة العشرين) وجيش المجاهدين، إلى جانب المجموعات التي
تدور في فلك القاعدة وتنضوي فيما يعرف بمجلس شورى المجاهدين، وهذه وإن كانت تتبنى
عمليات تستهدف الجيش والشرطة، وأحياناً الأهداف المدنية، إلا أن حضورها في ميدان
الصدام مع الأميركان لا يمكن إنكاره، والبيانات
والتسجيلات المصورة تثبت ذلك، ولعل ذلك هو ما يفسر عدم لجوء الكثير من السياسيين
العرب السنة، أو حتى فصائل المقاومة التي توصف بالوطنية إلى إدانة هذه القوى
بالاسم، والاكتفاء بإدانة الأعمال المرفوضة بصرف النظر عن مرتكبيها.
لعل
الدلالة الأبرز لدعوة طارق الهاشمي الجديدة هي تأكيدها على أن ما قيل عن نجاح حوار
طالباني وأهمية الفصائل التي شاركت فيه لم يكن حقيقياً، ولعل ذلك هو سبب الدعوة
الجديدة، إضافة إلى شعور القوى العربية السنية بانحياز زلماي
زاد إليها في سياق المشاورات المتعلقة بالحكومة الجديدة، وقبلها المناصب الأساسية
الأخرى، إلى جانب القناعة بالتحليل السالف الذكر بشأن النفوذ الإيراني والتغول الشيعي الذي يتطلب حضوراً عربياً سنياً في المؤسسة
الأمنية والعسكرية يعوض الغياب السابق، وصولاً إلى إنشاء قوة أمنية تمهد لبسط
الأمن في مناطقهم، ما يمهد بدوره لخروج القوات الأميركية من الشوارع إلى قواعد
عسكرية بعيدة عن متناول المقاومة، أو من تبقى منها بعد التفاهم مع قواها.
من
المفيد القول إن هذه التوجهات والخطط ليست غائبة عن وعي القوى الشيعية، لكن ما
يحفز هذه القوى على السكوت والمدافعة الهادئة هو إحساسها الكبير بثقل المشكلة
الأمنية، ومخاوفها من انسحاب أمريكي مفاجىء في حال
تواصل الاستنزاف والفشل القائم، يقابله احتمال آخر عنوانه تعاون أميركي مع العرب
السنة والأكراد يهمش الشيعة، بصرف النظر عن طبيعة ردهم عليه، أكان مقاومة مسلحة
وتصعيداً للتحالف مع إيران أم سكوتاً وقبولاً بالمتاح.
هكذا
مالت القوى الشيعية، بمن فيها تلك التي لا تبدو مقربة من الأميركيين، إلى التهدئة
والقبول بنتائج الحراك القائم، مع التأكيد على حصتها الكبيرة المستندة إلى معادلة الديمغرافيا، في حين مالت واشنطن إلى ذلك على أمل إبعاد تلك
القوى عن إيران، الأمر الذي يحتل أولوية في التفكير الأميركي هذه الأيام من أجل
مطاردة البرنامج النووي الإيراني، وبالطبع لحساب الأجندة الصهيونية.
بالعودة
إلى دعوة الهاشمي الجديدة يمكن القول إن جانبها الإيجابي يتمثل فيما انطوت عليه من
إعلان؛ رسمي هذه المرة، بحق العراقيين في مقاومة الاحتلال، ومن ثم وضع قوى
المقاومة مع المحتل بصيغة الند للند، الأمر الذي لا ينسجم مع الموقف الحكومي
التقليدي الذي يتعاطى معها بوصفها مجرد إرهاب تكفيري أو
صدّامي لا يمت إلى المقاومة المشروعة بصلة.
على
أن ذلك لا يغير من حقيقة كونها دعوة لا تنطوي على شيء عملي، اللهم سوى الاستناد
إلى نظرية لا تبدو مقنعة تقول إن الأميركان يريدون
الانسحاب من العراق، وأن ما يعوقهم هو استمرار الوضع الأمني البائس القائم، وأنه
ما إن يستتب الأمن حتى يبدءوا الانسحاب، ما يعني أن الحوار يمكن أن يفضي إلى جدولة
لذلك الانسحاب.
والواقع
أن القوات الأميركية ليست في وارد الخروج الفعلي الكامل، لأن ذلك عنوان لهزيمة لا
تحتملها واشنطن بقيادتها الحالية، ولا يقبل بها
الصهاينة أيضاً، وبالطبع لما لها من تأثيرات على نفوذ واشنطن الدولي والإقليمي،
وكل ما هناك أن الخروج إلى قواعد عسكرية هو الممكن، لأنه عنوان لاستمرار التحكم
بالعراق، إلى جانب تعزيز سياسية فرّق تسد بين الطوائف، بل بين الأحزاب ذاتها من
جميع الطوائف.
إذا
صح أن الأميركان يريدون الخروج، فبوسع طارق الهاشمي
وسواه من رموز القوى السياسية أن يحصلوا على جدول زمني لانسحاب قواتهم، وعندها لن
يكون لدى قوى المقاومة مانع في الحوار استناداً إلى برنامجها المعلن، إلى جانب
اتخاذ موقف واضح من موضوع الفيدرالية. أما الحوار الذي لا يترتب عليه غير شق صفوف
المقاومة وتحويلها إلى مليشيا لحفظ الأمن مقابل منح الأمان لجنود الاحتلال في
قواعد عسكرية، فهي وصفة إنقاذ لمشروع الاحتلال، وتشريع لاستعمار أميركي للعراق ومن
ثم تهديد للمحيط العربي والإيراني في آن.
من
هنا يبدو طبيعياً أن ترفض قوى المقاومة هذا العرض، كما رفضت سواه من قبل، بل يبدو
طبيعياً أن ترفضه الدول العربية أيضاً لو ملكت قرارها ولم تخضع لسطوة التهديد
الأميركي، ومعها إيران، ما يؤكد ما ذهبنا إليه مراراً من أن حواراً عربياً
إيرانياً هو أكثر من ضروري للحفاظ على مصالح الطرفين وإفشال مشروع الاحتلال.