الحوار الوطني الفلسطيني

 

بقلم :علي حتر

لقد خاض المجتمعون في مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني في فلسطين قضايا غاية في التعقيد، ولم يخرجوا بمواقف واضحة ملزمة للأغلبية، نظرا للعقد الكامنة في ثنايا هذه القضايا، ونظرا لحقيقة خالدة ثبتت خلال قرن كامل، ولا بد من أن يقر بها الجميع، وهي أن القضية الفلسطينية لا تحل بالمفاوضات التي تجرى عندما يكون العدو قويا وعندما يبعد الشعب العربي عن المشاركة في مسؤولياته..

وشارك في الحوار ممثلون من مختلف الفصائل والسلطة، رغم أن بعضهم، من ممثلي السلطة بالتحديد، يعترفون بخارطة الطريق، ويعتبرونها دليلهم وبرنامجهم، وهي تنص بوضوح على ضرورة إزالة الفصائل الأخرى المقاومة، قبل أي اتفاق مع العدو الصهيوني، ولم يوضحوا كيف يحاورون الفصائل المقاومة التي التزموا علنا بإزالتها؟؟

تحدث المحاورون عن المسائل التالية: حرمة الدم الفلسطيني، وإعادة بناء المنظمة، وحق المقاومة وترشيدها، وحق العودة، وحق العدو الصهيوني بالاعتراف بحدود 1967، وهل يكون هذا الاعتراف نهائيا أم يترك للأجيال تحديد الموقف منه. بالإضافة إلى قضايا أخرى أقل أهمية..

ويلاحظ غياب البعد العربي خلال الحوار أو في البيان.

كما يلاحظ غياب «تعريفات محددة» في كل القضايا، وهو ما يعتبر طبيعيا في ظل وجود بعض الأطراف التي كانت في الحقيقة تمثل بحسن نية أو بسوء نية، العدو الصهيوني نفسه ومطالبه، من خلال ادعاءاتها بتمثيلها مصالح الشعب العربي في فلسطين المحتلة..

حاول ممثلو السلطة والفئات المدافعة عن الاعتراف النهائي بدولة العدو الصهيوني (حتى بدون ضمانات من أي نوع) الانطلاق من الواقع العسكري والأمني ومتطلبات ما تسميه بالشرعية الدولية، وفرضه على المحاورين كحقيقة لا بد من الإقرار بها، وهم بذلك كانوا يمثلون العدو الصهيوني تمثيلا فعليا، وطالبوا بأمور لا يجرؤ هو أن يطالب بها الوفود المجتمعة، ومنها الاعتراف باحتلال ما قبل 1967 واعتباره سلفا اعترافا نهائيا غير قابل للمراجعة من الأجيال القادمة؟

لم ينل حق العودة حقه في قرارات الحوار، ولم يجرؤ المدافعون عن الاعتراف بالعدو الصهيوني أن يوضحوا مفهومهم لهذا الحق أو مصيره عمليا لو تم الاعتراف بالكيان الصهيوني قبل التطبيق العملي لحق العودة، في ظل هرولتهم لتحقيق الاعتراف المطلوب منهم أن يفرضوه على المحاورين..!!

ولم يبين هؤلاء وهم دعاة تطبيق خارطة الطريق، كيف يمكنهم في ظلها، تحصيل هذا الحق.

أما البعد العربي الاستراتيجي فقد غاب عن الحوار، وكأن ذلك إقرار بمناهج الحكومات العربية الإقليمية التي تنصلت من كل مسؤولياتها تجاه القضية العربية الفلسطينية، وشاركت في تحويل القضية إلى مجرد قضية أمنية لا تعني إلا أجهزة المخابرات وحرس الحدود؟؟

أما إعادة بناء المنظمة الذي لجأت إليه السلطة لمواجهة حكومة حماس، فلم يتحدثوا عنه بتفصيل يتعلق بمهمة التحرير التي ألغاها رجال السلطة والتي بنيت من أجلها المنظمة، قبل تحويلها إلى منظمة «تمرير» للمؤامرات بدل التحرير..

كما جرى الحديث عن حق المقاومة للشعب الفلسطيني، ولم يوضح هذا الحق، ونحن نعرف أن رأس السلطة نفسها اعتبر بعض عمليات المقاومة عمليات حقيرة!!

وتحدثوا عن ترشيد المقاومة.. ولم يوضح أحد كيف يتم ذلك.. هل بتحويلها إلى أحزاب يجري تقديم قوائم بأسمائها إلى الأجهزة الأمنية المخترقة، أم من خلال لجنة عليا يتكون أعضاؤها من منظمات تخلى عدد منها عن القبول بالمقاومة أصلا ونعتبر بعض عملياتها حقيرة، أم بتحويلها إلى قضايا انفلات أمني ومحاسبة المقاومين على أساسها؟

أما مسألة حرمة الدم الفلسطيني، الشعار الذي يبدو نبيلا، فلم توضح حدود تطبيقه، وكيف يجب أن يحال دون أن يستخدمه الفاسدون المتنفذون في الوصول إلى أموال الشعب ونهبه والتحكم برقاب أبنائه، وهم يختبئون خلف مثل هذا الشعار.. وهو ما نشاهده عمليا منذ قيام السلطة الوطنية..

وللحديث بقية...