موسم الامتحانات ومصيدة الفئران

 

 

 

بقلم د. أحمد دراج

darrag11@hotmail.com

 

تسترجع ذاكرتي – كل عام- في فترة الامتحانات أسطورة صراع الفئران التي رويت لنا من التراث الشعبي وعلاقتها بالهدف السياسي الخبيث وراء تعدد وإطالة مواسم الامتحانات وتسخين حالة المعاناة والقلق التي تعم المجتمع المصري لمدة أربعة أشهر سنويا تحت تأثير إلحاح وسائل الإعلام الحكومية الموجهة، حيث تتفاعل في هذه الفترة عوامل الضغط النفسي مع العوامل الاقتصادية- التي طغت على حياتنا- من تقشف واقتراض وتراكم مديونية الأسرة المصرية على خلفية طابور المستلزمات بداية من اقتطاع مصروفات الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية الخاصة في المساجد والكنائس وفي مراكز الدروس الخصوصية وما يترتب عليها من حالات انتحار لغير القادرين، ومع الامتحانات تلتهب الجيوب بحمى دفع فواتير الكهرباء والتليفون والغاز وما يستجد من رشاوى وإتاوات وما أشبه.

 

والقصة التي تتشابك مع موسم الامتحانات في أسطورة مصيدة الفئران تقول : إن أكبر أثرياء المدينة فكر في التخلص من الفئران التي تتكاثر وتقضي على مخزون القصر من الحبوب التي يجمعها هذا الثري من محصول المزارعين البؤساء، فاستشار أحد حكماء المدينة أن يفتيه في أمر الفئران فنصحه الرجل : أن يسارع أحد عمال القصر بوضع كسرات من الخبز في كيس كبير( جوال) من الصوف على باب مخزن الحبوب فتدخله كل الفئران وتتصارع على كسرات الخبز المحدودة، فيغلق عليها الجوال ويهزه حتى تصطدم رؤوسها ببعض فيظن كل فأر أن الفأر الآخر قد ضربه فيرد له الصاع صاعين وهكذا يشتعل العراك بينها إلى حد القتل، ثم يلقي العامل بقية الفئران في رمال الصحراء الحارقة قبل أن تفكر في النظر خارج الجوال فتقرضه وتتحرر من الملعوب، فمن لم يمت منها بالعراك والصراع مع إخوانه من الفئران مات في رمال الصحراء الحارقة، ومن ثم يخلص للثري مخزون القمح المنهوب بعيدا عن أفواه الفئران الجوعى.   

 

ولحكاية مواسم الامتحانات وتعددها وإطالتها وتقديمها أو تأخيرها في كل عام علاقة بصراع الفئران البشرية على كسرة خبز لاتسمن من جوع، فالشعب لا ينشغل بالبحث عن مخرج فعلي من أزماته المتعاقبة خارج إطار دوامة.... الامتحانات ...الدروس الخصوصية... الامتحانات، مع أن المخرج أقرب إليهم مما يتصورون، إن هم فهموا القصة وقرضوا أحد أسوار الكيس وتحرروا من الصراع الداخلي ومما يحاك لهم، فلا وظائف ولا إنتاج ولا شبع ولا سكن، والمحصلة النهائية أسر ( فئران ) في حالة استنفار دائم يبدأ بملابس المدرسة والمصروفات يعقبها شراء الكتب والملخصات الخارجية والدروس الخصوصية فامتحانات الفصل الأول وهكذا دواليك في الفصل الثاني والعام القادم..، إنها نفس لعبة الساقية والثور الأعمى، وبمعنى آخر حولتنا ألاعيب السياسية إلى مجتمع يتصارع لأتفه الأسباب في ظل قوانين طواريء حكومية متعددة ..طواريء تعليمية وأخرى اقتصادية وثالثة سياسية، كل ذلك لتجهيز الشعب كي يلفظ أنفاسه الأخيرة في غرفة الإنعاش أو على حافة كيس الفئران.

 

العجيب والغريب أن أحدا منا لم يسأل نفسه : لماذا كل هذا اللهاث وراء السراب مع أن النتيجة بعد عام أو عامين أو أكثر ليست سوى قبض هواء ؟ أليست النتيجة تخريج شباب يحترف الجلوس على المقاهي ؟ أو شباب لا يجد سوى اللصوصية والبلطجة والفهلوة والنصب طريقا للكسب ؟ أوليست المحصلة شباب يتسول العمل على أبواب السفارات العربية أو في قوارب الموت هروبا إلى حلم الحياة في أوربا ؟ وفي أحسن الأحوال قد يبحث بضع قروش يجمعها على قارعة الطريق في محطة بنزين أو قائمة مناد في موقف سيارات، فإذا كانت النهاية هذا الضياع فلم علمناهم ؟ وهل تقشفت الأسرة واستدانت من أجل غد أسود !!!.

 

لماذا لا يحاسب كل منا نفسه ؟ لماذا يتهرب الآباء والأمهات من الإجابة ؟ ألا يجب عليهم أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا ؟

 

أيها السادة : من منا المسئول عن ضياع أعمار ومستقبل هؤلاء الشباب ؟ من ؟ الأسرة أم المجتمع أم النظام السياسي أم هؤلاء جميعا ؟

 

إن ما نفعله هو نوع رديء من الغش والخداع، وأردأ أنواع الخداع ذلك الخداع الذاتي الذي يمارسه الإنسان على نفسه.... الآباء والأمهات والأبناء الكبار والصغار الرئيس والمرؤوس، فالجميع يعرفون أن التعليم كله تمثيلية هابطة متشابكة الحلقات لإلهاء الشعب بمشاكل لا تنتهي.

 

لماذا إذن تدفع الضرائب والرسوم للدولة أو النظام ؟ وما ثمن طاعة الشعب لنظام لا يحرص على مصالحه ؟ فالتعليم الذي ينص الدستور على أنه مجاني وأنه كالماء والهواء لم يعد تعليما ولم يعد مجانيا، بل صار وسيلة لتجويع الفقراء وإفلاس الشعب، والمدارس والجامعات لم تعد مكانا مقبولا للتحصيل والدراسة، بل تحولت إلى أوكار لعقد صفقات الدروس الخصوصية، والكتب المدرسية والجامعية باعتبارها أوعية معرفية، لم تعد تحتوي على المعرفة العلمية المطلوبة لبناء أجيال الغد أو المستقبل، والوسائل التعليمية ومختبرات المدارس والجامعات صارت مرتعا للفئران والصراصير، وفي أفضل الأحوال مختبرات متخلفة عدة قرون عن مثيلاتها في الدول المتخلفة ناهيك عن الدول المحترمة، والاختبارات صارت مخدرات وقتية لاستنفاد طاقة الآباء والطلاب، وليست مقياسا حقيقيا لتقييم عقلية الطالب الناقد الواعي.

 

إن الامتحانات –في مفهوم ساستنا- من أنجع الوسائل لإلهاء الشعب عن إدراك تردي أحواله، ويري فيها فقهاء النظام السياسي المستبد طوق النجاة للالتفاف على ضرورات التغيير والمحاسبة، فهلا انتبه الفئران وفكروا في قرض الكيس والانتباه لعدوهم الفعلي والنجاة من المصير المحتوم الذي ينتظرهم في رمال الحياة الملتهبة بدل العراك والصراع على كسرة خبز مسممة أو الاقتتال على المصير المجهول!!!.