عـــهـــــود سِــــفـَــــاح

ضريت كلاب الصيد فانتظروا الحصاد

وجاءونا بتاريخٍ كذب!

ما كان الله لينصر قاتل سيد قطب

قتل الأذلٌّ الأعزّ

 

 

 

 

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab@hotmail.com

 

 

انظر حولك أنى شئت واسأل في ذهول كيف مسخت الأمة إلى هذا الحد!!..

كيف أخفى الطاغوت خلف إهابه هذا الإجرام كله، وكيف انحطت النخبة كل هذا الانحطاط..

كيف سوغ الناس لأنفسهم أن يذلوا أنفسهم كل هذا الذل عبادة للطاغوت وخدم الطاغوت..

لماذا يذل هذا الوزير نفسه فلا يرى إلا بعيني سيده ومولاه؟..

لماذا يتعامل هذا القائد مع حاكمه بما لا يجوز أن يتعامل به إلا مع الله..

كيف يتحول هذا الصحافي إلى عبد  يهدر الحق كله والمنطق كله تذللا لولي نعمته؟..

كيف استطاع الطاغوت أن ينشر الفساد كل هذا الانتشار ليصل إلى فئات ما كان يجب أن يصل إليها أبدا..

كيف يمكن أن يكذب الناس وهم يعلمون أنهم يكذبون؟ وكيف يمكن أن يتحول ذلك إلى قاعدة دونها استثناءات محدودة..

ما الذي مسخ الكتاب كي يمارسوا الدعارة بالكلمات، والتجديف أيضا لأنهم يقولون في حق الحاكم ما لا يجوز إلا لله..

كيف انزلقت الصحافة إلى هذا المنزلق المشين..

في عهد الملك – الذي لم يكن مصريا- وتحت نير جيش احتلال لم يكن هو الآخر – كما حدث بعد ذلك – مصريا.. كانت الصحافة تهز العرش وتسقط الحكومات ويرتعد المسئولون منها فرقا..

الآن.. واستمرارا لما يحدث منذ نصف قرن لم نعد نرى إلا صحفا عرفها نزار قباني وكتب عنها:

ولم أر إلا جرائد تخلع أثوابها الداخلية

لأيِّ رئيس من الغيب يأتي

وأي عقيد على جثة الشعب يمشي

وأي مرابٍ يكدس في راحتيه الذهب

فيا للعجب!

أيا وطني...

جعلوك مسلسل رعبٍ

نتابع أحداثه في المساء

فكيف نراك إذا قطعوا الكهرباء ؟؟؟

***

أنا بعد خمسن عاماً

أحاول تسجيل ما قد رأيت

رأيت شعوباً تظن بأن رجال المباحث

أمر من الله..

***

كيف انتشر الكذب هذا الانتشار كله؟!

كان اكتشاف كاتب يكذب بالنسبة لي مأساة أليمة.. وتكررت المآسي حتى كست الوجه الإعلامي كله، لتصبح المفاجأة المذهلة هي أن تكتشف كاتبا صادقا!!

نعم..

أنبه القراء لذلك..

عندنا .. في الإسلام.. الولاء لله والوفاء لله والبراء من أعداء الله..

وعندنا في الإسلام: الصدق ليس مرتبة واحدة بل درجات فوقها درجات.. أدناها الصدق في رواية الحدث ثم تظل تعلو وتعلو حتى تبلغ مراتب الصديقين..

ما الذي جعل كتابنا ومفكرينا وصحافيينا يستحلون الكذب هذا الاستحلال كله.. وبالنسبة لهم فإنني أتحدث عن ازورارهم عن أدني درجات الصدق وليس عن درجة سواها..

أما عن السياسيين فخطبهم أطم وكذبهم أعم.

انظر إلى أي قضية وراقب ما يكتب كتابنا عنها.. لا أتحدث عن تقوى الله – فما أبعد البون بينهم وبينها- إنما أتحدث على أسسهم وقواعدهم لا عن أسسنا وقواعدنا، أتحدث عن أساسيات الفكر، وبديهيات المنطق، و ألف باء التاريخ، أتحدث عن مجرد رواية الأحداث بصدق، ثم ليمارسوا أكاذيبهم كما يشاءون في التعليق والرأي، أتحدث عمن يقرأ " ويل للمصلين" ويسكت.. عمن يصرخ" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ويصمت.. أتحدث عن الكذب الصريح الغادر الفاجر البواح.. أتحدث عن رواية ما لم يحدث.. وعن كتابة ليس لها مراجع.. و عن وقائع لم تحدث أبدا.. أو تلوين ما حدث من وقائع بحيث يجعلونها تعبر عن عكس ما تعنيه تما..

نعم يا قراء هذا ما يحدث.. ولقد كان الإسلام والمسلمون أبرز ضحاياه.. أقول الإسلام والمسلمون.. ولا أقول الإخوان المسلمين.. لأن أي نيل من الإخوان المسلمين لا يقصد منه أنهم إخوان ولا أنهم حزب ولا أنهم هيئة ولا أهم قوة هائلة في الشارع الإسلامي كله.. لا يهاجم الإخوان بسبب  أي شيء من ذلك.. بل يهاجمون لسبب واحد.. هو أنهم مسلمون.. لو كانوا مسيحيين أو يهود لما تعرضوا لهذا الهجوم أبدا.. ولو كانوا شيوعيين وقوميين علمانيين لشملتهم حصانة الشيطان..

اجتمعت آلة الكذب الجبارة لتحاصر المسلمين.. الإخوان المسلمين..حاولوا مع قواعد الإخوان وقياداتها.. حاولوا مثلا مع حسن البنا كثيرا.. ولقد نجحوا بالطبع لكن نجاحهم كان محدودا.. كان الإمام الشهيد قد عاش عمره كله تحت الاحتلال البريطاني.. ولقد نجحوا في تشويه الكثير من الحقائق لكنهم لم يطمسوا الحقيقة كلها.. أما تحت نير ضباطنا الأحرار.. طواغيتنا الفجار .. أبناء وطننا وديننا كما يزعمون.. فقد بلغت قدرتهم على طمس الحقيقة حدا مذهلا..

بلغت ذلك الحد الذي فوجئت فيه بصحافية مرموقة تمارس العمل الإعلامي  منذ ما يقرب من أربعين عاما.. فوجئت بها تحادثني على الهاتف.. وكانت تبكي وتنتحب.. قالت لي أنها ظلت عمرها كله تنظر إلى سيد قطب – كما يقول لها كل المحيطين بها- على أنه رمز الشر والانغلاق والرجعية والتخلف والإرهاب في ذلك العالم، وفوق ذلك فإن إسلامه نفسه مشكوك فيه، فالأغلب أنه من الخوارج، وواصلت الكاتبة قولها أنها كانت تتجنب أن تقرأ له أي شيء كموقف فكري ومبدئي يشينها أن تتخلى عنه.. إذ كيف يمكن لمثقفة مستنيرة مثلها أن تقرأ لأولئك الإرهابيين الأشرار..  وواصلت النحيب مرة أخرى.. فسألتها في وجوم عما جعلها تغير موقفها..  و أجابتني أنها اطلعت بالصدفة على عدد من "المختار الإسلامي".. ودفعها الفضول إلى تصفح العدد ..  وكنت أستشهد فيه بقول من أقوال سيد قطب في كتابه "معالم على الطريق".. أعجبها القول .. وكانت ميالة إلى تكذيبي.. لأن هذا الإرهابي الخطير لا يمكن أن يكتب بكل هذه القوة والحكمة والشاعرية.. هرعت إلى الكتاب و قرأته في ليلة واحدة.. ثم هرعت إلى الظلال .. وبدأت تقرأ فيها.. ومن لحظتها لا تكف عن البكاء.. كانت تبكي عمرا ضاع في ضلال .. وعقل تاه أو تُوِّه.. وفكر ضل بل أُضل.. وحقائق زيفت.. ووقائع أُلّفت.. وصدق أهدر.. وكذب انتشر وساد.. وكانت تبكي رعبا وهي تقول: لي لضياعي لو لم يتغمدني الله برحمته.. يا لهلاكي لو لم أقرأ ما قرأت فأعي و أفهم.. يا لمصيبتي لو لقيت الله بما كنت عليه..

ثم تستدرك قائلة:

إذا كان هذا التضليل أثمر معي و أنا الإعلامية المتصلة بكافة أبواب المعرفة فماذا سيحدث للناس؟..

وتواصل النحيب..

***         

كان المسلمون هم الضحايا الرئيسيين للكذب.. فالمسلم عادة لا يكذب.. فإذا كذب أدرك أنه وقع في كبيرة من الكبائر.. فإذا قرأ لغيره أو سمع منه تصور أيضا أنه لا يكذب .. أما على الجانب الآخر فإن العلماني واليهودي والصليبي يكذبون ما دام في الكذب منفعة.. وتلك نقطة أساسية جدا أنبه إليها القراء.. وليضربوا لأنفسهم الأمثال كيفما شاءوا.. وليستعرضوا أهم و أكبر الأسماء لكتابهم المفضلين.. ثم ليعرضوهم على مقاييس الصدق والكذب .. ولتذهلهم النتيجة ما شاء لهم الذهول..

هل كان القراء يتصورون أن يكذب  شيخ أكبر هذا الكذب كله.. و أن يفتي قرينه بخروج الإخوان عن الإسلام و أن يذهب قرين آخر إلى أن المجاهدين في أفغانستان رضي الله عنهم قد مرقوا من الإسلام.. والله يعلم إن كان هذا أو ذاك قد أصدر تصريحاته تلك تحت تأثير خمر اعتاده أو مخدر أدمنه ....؟

من كان يتصور أن يكذب وزير ورئيس وزراء ورئيس وملك ونائب عام وقاض ورئيس تحرير..

من كان يتصور انهيار صرح القضاء العادي عندما أقاموا إلى جانبه صرح الظلم الاستثنائي فانهار العدل كله..

من كان يتصور أن يصل التعذيب إلى هذا المدى فيخرج المسئول الأمني الفاجر لينكره كله وهو يعلم أنه يكذب كما يعلم أن الناس يعلمون أنه يكذب.. لكن هذا الفاجر – أيا كان- لا يفكر في غضب الله على الكذب والكذابين بل يفكر في رضا سيده ومولاه عنه عندما يتقرب إليه بالكذب..

من كان يتصور أن يحدث الأمر نفسه مع التزوير ومع الاختلاس والسرقة.. و أن يحفل هذا كله بتأييد وترحيب وتستر من العلمانيين جميعا مادام الضحية هو الإسلام والضحايا هم المسلمون.

من كان يتصور أن يصيب الدنس بعض القضاة فيتصدى لهم قضاة لا يعبدون إلا الله فتأخذ الدولة صف الفجار وتطارد الأخيار..

من كان يتصور أن يسعى الحاكم إلى إفقار شعبه وتخلفه لأن ذلك هو الضمان له للاستمرار

من.. من.. من..

من.. وكيف .. ومتى.. ولماذا..

هل كان ذلك موجودا قبل عام 1952؟ وهل كان وجوده استثناء من القاعدة؟

وهل تحول بعد 1952 ليصبح هو القاعدة وما دونه استثناء؟..

من كان يتصور أن يحدث ما يحدث..؟

من بلغ به الخيال العابث الهازل أن يتصور أن ذلك الرسم الكاريكاتوري الساخر عن لص يطارد شرطيا، والشرطي يفر وعلى سيماه ملامح الرعب والفزع قد تحول إلى حقيقة تقع و إلى واقع يعاش؟..؟

من كان يتصور أن قطاعات عريضة من النخبة الفاسدة الفاجرة المنحرفة تعتبر الإخوان المسلمين : " ألعن من اليهود".. وكانوا في ذلك على درب سيدهم ومولاهم الذي استخفهم فأطاعوه.؟

من كان يتصور أن "ألعن من اليهود" هذه ستكون المرحلة الأولى.. أما المرحلة الثانية – وهي هدف المطلوب- فهي أن يكون الفلسطينيون هم : الألعن من اليهود" ثم تأتي المرحلة الثالثة التي وصل إليها الحكام والعلمانيون المجرمون جميعا.. وفي هذه المرحلة يبقى أفعل التفضيل" ألعن" مقرنا بالإخوان وبالفلسطينيين لكته ينفصل عن اليهود.. بمعنى أن تظل اللعنة قرينة للإخوان وللفلسطينيين وللمسلمين وللعرب أما اليهود والصليبون فهم رمز الرقة والحضارة والفكر والعبقرية.. أي أنهم باختصار شعب الله المختار.. واختر ما شئت من الأوصاف العلمانية الأولي أو الوصف التوراتي الأخير.

ولم تكن اللعنة التي أطلقت على الإخوان وعلى الفلسطينيين إلا الخطوة الأولي لتبرير سلب حقوقهما..

انظر كيف يعامل اليهود وكيف يعامل الفلسطينيون في كافة أرجاء عالمنا الإسلامي؟..

انظر كيف يعاملون على الحدود وفي الجمارك وفي المحافل وفي الإقامة..

من كان يتصور أن تبلغ الوقاحة والإجرام هذا المبلغ..

من كان يتصور أن يبلغ الكذب هذا المدى كله.. و أن يسيطر التزوير هذه السيطرة كلها..؟

من كان يتصور أن تبلغ الاستهانة بالأمة بل بالدين إلى هذا الحد..؟

من كان يتصور أن يبلغ بنا الهوان أمام أعدائنا أن يتحول حكامنا إلى نخاسين وسماسرة يوردون إلى إسرائيل شرف المسلمين وكرامة العرب..و أرض فلسطين.. وعرض المسلمين؟

 من كان يتصور أن تحمي جيوشنا حدود إسرائيل.. و أن تنكل أجهزة أمننا بمن يطوف بخياله – مجرد أن يطوف بخياله- أن يحيي شرع الله بالجهاد في سبيله؟

من كان يتصور أن يفخر الفجار بالحياد بين اليهود والفلسطينيين..؟ وحتى في هذه فهم كاذبون.. لأنهم ليسوا على الحياد أبدا..

من كان يتصور أن ينتهي بنا المآل وشارون صديقا وبوش وليا و أسامة بن لادن رضي الله عنه عدوا؟

تخبرنا زينب الغزالي  عن وجه من أوجه الإجابة عن السؤال:

" حتى رجال القانون والقضاء الذين روى التاريخ نزاهتهم في كل عصر وكانت شجاعتهم في الحق مضرب الأمثال ، رأينا بعضهم في السجن الحربي مسخا مشوها وباطلا مزورا ، يكذبون في شجاعة ويخافون الباطل ويدافعون عنه بجرأة . يهددون المتهم إذا لم يوقع على ما يسجلونه ويقر بكل ما يكتبونه ، بالعودة إلى مكاتب التحقيق بالسجن الحربي!"..

***         

لست شغوفا بجلد وعيكم يا قراء، و لا أنا شغوف بتعذيب نفسي ، فيعلم الله كم أتألم إذ أكتب لكم عن جحيم جوانتانامو أو جحيم طرة، لكنني أمسك بالخيط، و أصل إلى النتيجة، فأحاول أن أشركم معي في استخلاص البراهين كي لا تكون لكم أمام الله حجة!!

لست شغوفا بتعذيبكم، لكنني أرى الحقيقة أمامي الآن باهرة كالشمس جلية كنور الصبح، لقد كان الدور الرئيسي لحركة 23 يوليو، هو تحويل الصراع من صراع ما بين مستعمِر ومستعمَر، يغذوه أن هذا مسلم وذلك غير مسلم، إلى صراع بين الأمة نفسها، ومن هنا كانت الخيانة العظمي، ففي الصراع الأول، كان لابد للأمة أن تنتصر مهما طال بها المدى، خاصة عندما تتراكم مقومات النصر، أما في الحالة الثانية فالأمة تتفتت وتتضعضع وتتلاشى.

ومن هنا كان اهتمامي بالتفاصيل..

لن أقول لكم يا قراء ما قاله رئيس حزب الاستقلال المغربي علال الفاسي و شاركه في قوله مالك بن نبي بعد هزيمة 67 المذلة التي ما نزال نتجرع علقمها  وذلها من أن الله لم يكن لينصر الأمة في حرب يقودها قاتل سيد قطب، لست أريد تكرار ذلك رغم إيماني به، لكن ما أريد التركيز عليه، هو أن الكلاب الشرسة المسعورة التي مارست التعذيب ضد الأمة وفي قلب القلب منها الإخوان المسلمين لم تكن إلا جزءا من الثورة تحمل خصائصها، والكلاب المسعورة التي حاكمتهم كانت وجها للثورة، والكلاب المسعورة التي أطلقت الفتاوى ضدهم كانت وجها ثانيا، والكلاب المسعورة التي ألفت وكتبت و نشرت وكذبت وشوهت كانت وجها ثالثا، والنخبة أيضا مهما بدا براءتها من دم المعذبين لم تكن إلا كلابا مسعورة رأت ذلك الإجرام فلم تعترض فكان عليها جرمه.

الأمة كلها شاركت في الجريمة، والأمة كلها الآن تعاني عواقب – وعقاب- ارتكابها للجريمة سواء بالمشاركة فيها أو بالصمت عنها.

ما أريد أن أقوله، أن هذه البلاد الظالم أهلها تستحق الآن ما يحدث لها، و أنها لكي تغير مسار الهزائم والمصائب والنكسات عليها أن تغير ما بنفسها.

ما أريد أن أقوله هو أن أنبه أنني لا أكتب تاريخا، كما أنني لا أدافع عن الإخوان المسلمين، لكنني أرصد علامات في الطريق و أدافع عن الإسلام والمسلمين..

ما أريد أن أقوله أن المنهج الشيطاني المجرم، منهج الكذب والتضليل والتسطيح  الذي مورس مع الإخوان المسلمين هو ذات المنهج المجرم الذي استعمل في إعداد البلاد للحرب.

كانت الثورة ضد الوعي.. ضد الصدق.. ضد الأمانة والإخلاص..

ولم تكن ضد الوعي الديني فقط.. كانت ضد الوعي كله..

يعترف الفريق أول محمد فوزي في كتابه: " حرب الثلاث سنوات- دار المستقبل العربي" فيقول:

"المجند خريج الجامعة والمعاهد العليا هو أفضل بكثير من المجند الأمي المسلحة في عصرنا الحالي ، الذي تميز باستخدام الأسلحة والمعدات المتطورة وأصبحت القدرة العقلية هي المفضلة على باقي القدرات . وكانت القيادة العسكرية قبل عام 1967 لا تهتم ولا ترغب في انضمام حملة المؤهلات العليا لصفوف القوات المسلحة 0وكان عدم قبولهم يأتي دائما تحت عبارة "لم يصبه الدور" أو غير لائق طبيا. وكانت اللائحة الطبية التي تطبق عليهم تحجب شرف التحاقهم بالجندية،  وكان عدد المقبولين منهم لا يتجاوز الـ7% من عدد المرشحين . وكانت دعوى عدم قبول المؤهلات العليا تلصق دائما بدعاوى الأمن".

كانت الثورة ضد الوعي حتى على المستوى العسكري!!

فالوعي يكشف الأكاذيب ويمحق التضليل..

يقول محمد فوزي في نفس المذكرات أن منع نشر تفاصيل و أسباب الهزيمة العسكرية عام 1956، بينما كان العدو-المنتصر!!- يعمل بجدية في التجهيز لمعركة جديدة، معركة 67، والتي كررنا فيها نفس أخطاء معركة 1967، فكانت الهزيمة..

هذه هي أقوال الناصري المتعصب وليست أقوالي أنا!!

***         

كانت الثورة ضد الوعي كله..

فما بالك إن كان هذا الوعي متعلقا بالخالق ..بالله جل جلاله..

وما بالك إذا كان حامل لواء هذا الوعي شهيد بحجم سيد قطب.

ورغم هذا فقد كان طوفان الكذب الهادر هائلا حتى لم تبق حقيقة لم تشوه..

***         

يصيبني الرعب يا قراء من حجم الابتلاء.. يصيبني الرعب..

يصيبني الرعب من : "  إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( القصص56).. يصيبني الرعب..

يصيبني الرعب من :" وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (آل عمران 86) .. يصيبني الرعب..

يصيبني الرعب من يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (إبراهيم 27).. يصيبني الرعب ..

لا أنوي الاعتذار لأحد.. أو على الأحرى لا أجرؤ..

لكنني فقط سأحاول التنبيه إلى علامات الطريق منبها القارئ، أن ما حدث في أبي غريب ، وما حدث في جوانتانامو هي فصول في نفس الرواية، التي تشكل فصولا مبكرة من فصولها، فصل "تمثيلية المنشية"، وفصل "مذبحة طرة"، وفصل  "أخدود قضية "1965.. وكلها فصول في نفس الرواية أو الملحمة إن شئت.

اقرأ ما حدث عام 1965.. واقرأ ما يحدث في جوانتانامو.. واقرأ تصريحات البريطانيين المفرج عنهم حديثا من السجون المصرية في قضية حزب التحرير حيث أقسموا أنهم سيفضحون أمام العالم التعذيب الهمجي الوحشي في السجون المصرية و التي لا تختلف عما يحدث في جوانتانامو و أبي غريب..

اقرأ ما يحدث في محاكمات قادة البعث في العراق.. لفقوا التهم .. و أرغموا الشهود على التوقيع بما لم يحدث .. وعذبوا المتهمين، ومناصبهم رفيعة، بل وهتكوا أعراضهم.

أقول:

لو أن الأمة تصدت لما حدث أعوام 1947 و 1948 و 1954 و 1965 لما حدث ما حدث بعد ذلك ولما كنا في الوضع الكارثي الذي نجد أنفسنا فيه الآن..

نعم.. كانت قضية 1965 أخدودا آخر.. اندفع فيه سيد قطب و تلاميذه إلى النار مدركين أنها النار، لكنهم اقتحموها إيمانا وتضحية وفداء لكي تعلو كلمة الله.

اقتحموها كي تظل قضية الإسلام حية إلى أبد الآبدين..

***         

لكن من حق القارئ المضلل والمغيب وعيه والمزيفة وسائل إعلامه  أن يتساءل هل كان سيد قطب صاحب أخدود آخر ، أو الحسين بن علي مرة ثانية، على رأس جيش المؤمنين، وكان يحارب طاغوتا مجرما باع الآخرة وخسر الدنيا من أجل شهوة السلطة، أم كان سيد قطب – كما نبحت الكلاب المأجورة وعوت الذئاب المسعورة- رجعيا ظلاميا ألقى تهمة الكفر على المسلمين دون حق فباء هو بها؟!..

هل كان سيد قطب خائنا وكان عبد الناصر هو الأمين؟

هل كان جمال عبد الناصر بطل الوحدة العربية؟ وبطل القضاء على الاستعمار؟ وبطل التصنيع؟ وبطل المواجهة؟ أم كان على العكس من كل ذلك تماما.

من خان ومن كذب ومن هان ومن شرّف ومن شان..؟

من الذي كذب؟ ومن الذي زور ؟ ومن الذي قلب الحقائق؟ ومن هو الإرهابي حقا؟ ( ونحن هنا نستعمل كلمة الإرهابي بمفهومها الشائع وليس بالمفهوم الإسلامي)..

لنخرج من ثنائية الإخوان والثورة لنأتي بشاهد من الدائرة الأولى حول عبد الناصر..

***         

سوف نترك واحدا من المقربين من عبد الناصر يروي لنا كيف سحقته الآلة الإعلامية الجبارة التي وقودها الناس ومحركها الكذب وضحيتها الحقيقة.

لنستمع إلى اللواء عبد الحميد الدغيدي – كما ينقلها لنا الدكتور محمد الجوادي في العديد من كتبه التي تشكل مرجعا رئيسيا في هذه الدراسة ومنها: "الطريق إلى النكسة" و " في أعقاب النكسة" عن دار الخيال.. لنستمع إليه كيف طوته الآلة الإعلامية الضخمة بالكذب الذي صدقه عنه أقرب الناس إليه: أمه و أبوه.

كان اللواء الدغيدي واحدا ممن حذروا بشدة من الهزيمة عام 67، وبعد الحرب أحيل للمحاكمة العسكرية بتهم تتعلق بالمسئولية عن النكسة، ولكن المحكمة العسكرية – رغم الضغوط عليها ورغم المظاهرات الشعبية و أجواء النكسة – قضت ببراءته ، ليس بسبب عدم كفاية الأدلة، بل لسبب آخر لم أسمع به في حياتي قبل ذلك، وهذا السبب هو: "انتفاء التهمة"!، ويرفض القائد العسكري التصديق على الحكم، لأن الحكم بهذا المنطق والمنطوق يعد إهانة أو اتهاما لصاحب قرار الإحالة، وهو هنا وزير الحربية وعبد الناصر نفسه، ويحيله القائد إلى محكمة عسكرية أخرى، وكان الاتجاه الرسمي قاطعا بالرغبة في صدور حكم بالإدانة، لكن المحكمة الثانية تقضي بذات الحكم وذات المنطوق المهين للآمر بالإحالة: "البراءة لانتفاء التهمة"!..

ثبت إذن بالدليل القاطع والبرهان الساطع عدم مسئولية اللواء الدغيدي عن أي تقصير في الهزيمة، وهي شهادة لا يملك مثلها – لا حقا ولا مجازا- جمال عبد الناصر نفسه، وكان ينبغي تأسيسا على هذا الحكم البحث عن المجرم الحقيقي الذي لا يمكن نفي التهمة عنه، لكن ذلك لم يحدث، على العكس، بل على الرغم منه لم تغير الآلة الإعلامية الجبارة موقفها من اللواء الدغيدي، كان المطلوب ذبحه ككبش فداء  حتى ولو ذبحت الحقيقة معه، وكان المطلوب اتخاذه شيطانا يرجم، كي لا يفكر أحد في رجم الشيطان الحقيقي.

فلننقل عن اللواء الدغيدي ما فعلته به الآلة الإعلامية الجبارة الكاذبة، الآلة الإعلامية التي حولت الجناة إلى أبطال والأبطال إلى جناة، تماما كما حدث في قضية الإخوان المسلمين.. يقول اللواء الدغيدي:

"اختار جمال عبد الناصر وهو المسئول عن النكسة ثلاثة ليكونوا آلة في يده يحركها كما تشاء إرادته لإخلاء مسئوليته ومن ثم مسئوليتهم عن الهزيمة بتزوير التاريخ وبتزوير الحق وتعمية الشعب عما حدث . . في يده أطراف المشانق . . وعلى رقاب الثلاثة تلتف خياتها يشد حبل المشنقة إن حاد أحدهم عن هدفه ويشد الأطراف الثلاثة إن شذوا عن إرادته. فزوروا ما حدث وقلبوا الأوضاع رأسا على عقب فأصبحوا كالعرائس والدمى تحركهم خيوط البغي والهوى".

 نعم.. هذا ما فعلته الثورة في كل قضاياها: تزوير التاريخ وتزوير الحق وقلب الحقائق وتعمية الشعب عما حدث.

وكان النجاح في هذه السياسة مذهلا..

يواصل اللواء الدغيدي:

" رُجمت مرارا  في الشوارع وأهنت إلى أدنى وأبذأ حد أينما تواجدت في أي مكان بألفاظ فاحشة وإيماءات مخزية قبيحة » ورجم بيتي بالطوب والحجارة ء وطورد أبنائي وكانوا أطفالا(...) وطردوا من المدارس ، كما أهين أقاربي وكل من يحمل لقب " الدغيدي" أبلغ إهانة، ونبه المخلصون والمحبون على الأبناء والإخوة والأقارب ألا يستعملوا لقب " الدغيدي" خوفا من الاعتداء عليهم، ومازالت الهزيمة حتى الآن تطاردني (...)  وكم من بيوت تحطمت وخربت، وزوجات طيارين انفصلن وتطلقن، أما عن الغدر والتخطيط الوضيع لقلب الحقائق والإفك  فأضرب مما اتخذ معي مثلا "..

أذكر القارئ أن هذا كله كان يحدث رغم تبرئة المحكمة

ولنترك اللواء الدغيدي يطرح علينا بعض آثار الكذب وقلب الحقائق  رغم براءته بانتفاء التهمة:

كان يزور صديقه وجيه أباظة محافظ البحيرة في ذلك الحين ، وكان  أول من  قابله هناك الطفل "عزيز أباظة"  وكان عمره خمس سنوات،  واجهه بعد أن شارك الإعلام الجبار في غسيل مخه الطفل:

- أنت جبان ياعمو. . لأنك هربت..

بل إن ابن أخ الدغيدي نفسه - وكان أيضا في الخامسة، وكان ينظر قبل ذلك إلى عمه كبطل ومثل أعلى  -  يصرخ في وجهه:

- ياعمو أنت هربت وعرّيتنا..

ويواصل اللواء الدغيدي قوله:

 - حتى أبى وأمي - رحمهما الله - كانا ينظران إلى بعطف الأبوة والأمومة ولكن في النظرات وفى الحركات أنهما يكنان لي الاحتقار.

***         

إنني أريد هنا أن أشير في ذهول إلى بطش جهاز إعلامي يستطيع أن يقلب عليك حتى  أقرب الناس إليك: أمك و أباك..

أكتبها في ذهول..

و أحسها في رعب..

لكنها رغم الذهول والرعب كانت كبلسم داوى جرحا لم يكن قد اندمل منذ أن وعيت بوجوده..

نعم..

لطالما كواني الجرح، أنني كنت واحدا ممن انخدعوا جزئيا بالثورة، لا على سبيل المباركة والتأييد بل على سبيل الاعتذار والتبرير، وعندما من الله علىّ فتكشفت أمامي الحقائق لم أسامح نفسي أبدا، بل لقد تضاعف رعبي، فذلك أمر قد كشفه الله لي فأدركت مدي خطيئتي وجرمي، وكان الوقت متاحا أمامي لكي أكفر عن ذنبي و أبرأ إلى الله منه ملتمسا المغفرة لائذا بأبواب الرحمة، هذا ذنب انكشف لي فماذا عن ذنوب لم تنكشف وكيف أواجه الله بها يوم القيامة ولم أكفر عنها ولم أبرأ إلى الله منها.

ظللت لا أسامح نفسي أبدا، حتى شفى نفسي و أبرأ سقمها اكتشافي أن اللواء الدغيدي لم يسلم من إدانة أمه و أبيه، وزوجته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه..

عندما قرأت هذا التمست المعاذير لنفسي راجيا أن يغفر لي الله.

إن هذه الشذرات من مذكرات اللواء الدغيدي لا تغني أبدا عن قراءة المذكرات كاملة، ففيها نكتشف ماذا كان يحدث على المستوى العسكري، وعلى مستوى الإعداد للحرب. كانت إسرائيل تخطط لحربنا.. وكان قوادنا يخططون لحرب الإخوان المسلمين، أو على الأحرى المسلمين. يتناول اللواء الدغيدي في مذكراته أخطاء تصل فداحتها إلى حد أنه لم يجد تفسيرا لها إلا تفسير الخيانة العظمى، كما يكشف التقصير المذهل للإعداد للحرب، وللتسليح ، وللتخطيط، وللتعبئة، ولم يكتف اللواء الدغيدي باعتراض صامت، بل واجه عبد الناصر شخصيا بذلك قبل الحرب، فحملها له عبد الناصر و أسرها في نفسه لينتقم منه بعد الهزيمة إذ كيف يتسنى لضابط مهما كان كبيرا أن يتوقع ما لم يحط به علم الفرعون.

و أنا أقرأ مذكرات  القادة العسكريين قبل وبعد النكسة  كنت أسأل نفسي مذهولا : كيف غفلت عن كل هذا؟ كيف غفلت الأمة؟ كيف شاركت النخبة العلمانية المجرمة في التعتيم والتضليل؟ كيف تم التعتيم مثلا على حجم المعركة التي كانت تدور في اليمن، وعلى صراخ القادة وتوسلاتهم لإنهائها لأنها تدمر الجيش أفرادا وعقيدة وتدريبا ومهمات، كيف تم إخفاء حقيقة أن عدد قتلى – قتلى وليس شهداء- الجيش المصري في حرب اليمن أكثر من ضعف ضحايانا في هزيمة 1967..

نعم..

كم من القراء يعلم أن الجيش المصري فقد في اليمن أربعة وعشرين ألف قتيل، و أن الشعب اليمني فقد أكثر من مائة ألف قتيل، و أن مشاهد القتل في اليمن لم تكن تختلف عما نشاهده الآن في العراق، حيث كان الأسطول المصري ينسف قرى بكاملها، في رمضان، ساعة الإفطار.

كانت القوة الرئيسية الضاربة للجيش في اليمن..

وكنا نستدرج أو نغامر أو نخون فلا نتجنب حربا أخرى مع إسرائيل..

أمريكا بكل جبروتها وقوتها تتجنب خوض معركتين في وقت واحد..

نابليون وهتلر كسرهما خوض المعركة في جبهتين..

أما ثورتنا المباركة وضباطنا الأحرار (!!) فلم يكونوا يأبهون لمثل هذه البديهيات العسكرية..

دخلت الثورة الحرب مع إسرائيل وقلب الجيش مرتهن في اليمن و أسلحته معطلة هناك.. وما زلت أذكر كيف أن محمد حسنين هيكل كتب أيامها – مطمئنا الناس- أن الاقتصاد المصري لن يتحمل شيئا من تبعات حرب اليمن، لأن الاتحاد السوفيتي تعهد بتحمل النفقات جميعا وتعويض الخسائر كلها.

دائما ستوجد قوة عظمى تتحمل النفقات ما دام القتلى مسلمين..

الوضع الآن لا يختلف..

وهو قبل الآن لم يكن يختلف..

لقد ظللت دائما أرفض فكرة الخيانة كتفسير لما حدث مع الإخوان المسلمين وفي هزيمة 67، رفضتها حتى بعد أن قال بها بعض ضباط الثورة، لكن رفضي الآن يتقلقل، ويقيني من استبعاد الخيانة يتزلزل

المؤلم والمرعب أن مذكرات اللواء الدغيدي كانت مما قاطعته عقودا من الزمن.. كما قاطعت مذكرات كل من ظننتهم أسباب النكسة أو من يحيطون بهم.. وكان خطأ فادحا. لا أبرئ أحدا ولكنني فقط أقول أن الآلة الإعلامية الجبارة كاذبة ومجرمة و أنها قلبت الحقائق وزورت التاريخ، وهذا ما لن أمل أبدا من تنبيه القراء إليه..

معظم ما قرأوه وما يقرءونه كذب..

جل ما سمعوه بل وما شاهدوه كذب..

تم الانتقاء لتزييف الوعي وتزوير اقتناعات وهدم أخرى..

نعم..

الحقيقة والصدق والشرف كانت ضحايا

 وكان على رأس ضحايا الكذب والتشهير : الإخوان المسلمون..

***          

ثمة تساؤل هنا لابد أن يضاف..

قلت أن الخيانة لم تعد مستبعدة كما كانت..

لكن ثمة تساؤل آخر لابد أن يضاف..

فعندما نتقدم في الزمن من أعوام 65-67 إلى أعوام 81-82 سوف نواجه ادعاءات البعض  أنه كانت هناك فكرة لتخفيف حكم الإعدام عن الشهيد – إن شاء الله- خالد الإسلامبولي، لكن إسرائيل كانت تشترط إعدامه للانسحاب من سيناء، و أن السلطة قدمت الشهيد قربانا إلى الغرب. قربانا إلى الغرب لضمان الانسحاب من سيناء، فهل كان ما حدث عامي 1965 و 1966 شيئا مثل ذلك. لقد قدمت الثورة خميس والبقري عام 1952 كقربان للغرب وكدليل على أن الثورة ليست شيوعية، ثم قدمت الإخوان قربانا عام 1954 لضمان الاستقرار في الحكم. كان الثمن هو رأس الإخوان والتعهد بحل مع إسرائيل. عام 65 كان أيضا خروج مصر من حلبة التسابق النووي مع إسرائيل، فهل كان ذلك قربانا آخر؟ ثم البطشة الثانية بالإخوان عامي 65 و إعدام الشهيد سيد قطب عام 1966.

هل كان ذلك قربانا وميثاقا من جمال عبد الناصر أنه ماض على عهده مع الغرب.. كأنما يقول: لقد أوفيت لكم بعهدي في القضاء على الإخوان، وها أنذا أجدد لكم العهد بإعادة القضاء عليهم، هل كان جمال عبد الناصر مطمئنا أنه وقد جدد العهد فلن يخون الغرب العهد معه؟ وهل جاءت الخيانة الكبرى في تفاصيل هزيمة 67 نفسها أم جاءت من الخارج؟ بمعنى التساؤل هل كان هناك من داخل كواليس الجيش أو السياسة ( الكلام  مثلا عن السادات وعن بعض العسكريين كثير) أم كانت الخيانة من الاتجاه العكسي. من الغرب. كان ما تصوروه أن البطشة الكبرى بالإخوان قد قضت عليهم، و أنه لن تقوم لهم بعدها قائمة، و أنه والأمر كذلك، فلم تعد بهم إلى جمال عبد الناصر من حاجة، لذلك فقد قرروا القضاء عليه عام 67.

نفس الأمر يحدث دائما لكن الطواغيت لا يتعظون أبدا..

نفس الأمر حدث قيل ذلك وبعد ذلك.. وعندما تنتهي الحاجة للطاغوت الأحمق يلفظ كنواة لم يعد لها وظيفة ولا حاجة أو بذرة لم يعد لها قيمة أو فضلات لا تحمل إلا السموم فلا مناص من التخلص منها.

فد يندهش القارئ من قولي أن جمال عبد الناصر قد قايض بالإخوان وقدمهم قربانا إلى الغرب..

لكن هذه الدهشة ربما تضمحل عندما يقرأ في مذكرات واحد من المقربين إلى عبد الناصر، وهو الفريق مدكور أبو العز، والذي استعان به عبد الناصر بعد الهزيمة قائدا للطيران.. يقول مدكور أبو العز:

" .. ثم يطلب منى الرئيس في إصرار إحالة عشرة من خيرة الطيارين ذوى الخبرة الطويلة الممتازة على الطائرات المقاتلة والمقاتلة القاذفة إلى المعاش  لأن أقاربهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين ليس غير،  فتملكتني دهشة عارمة وقلت في ضجر: كيف ذلك يا سيادة الرئيس ؟ ! شيء من هذا لا يمكن أن يحصل وكيف لي أن أعيد بناء القوات الجوية من جديد وأجنحتي تقطع هكذا !. وأضفت أن هؤلاء يتولون قيادة الأسراب المقاتلة والمقاتلة القاذفة، وهم يقومون بتدريب الطيارين الجدد على فنون القتال،  لقد كلف الواحد  منهم الدولة حوالي ثلاثين مليون من الجنيهات أي أنهم كلفوا الدولة حوالي ثلاثمائة مليون من الجنيهات . إنني لا أستطيع أن أفرط في أحد منهم لمجرد أنهم ينتسبون بالقرابة إلى بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ".

 لقد رجوته في إلحاح ألا يفعل ذلك ء فرد على الرئيس :

ولو. . . أنت لا تعرف الإخوان المسلمين . . دول ألعن من اليهود!.

يا إلهي.. يا إلهي..

ولو. . . أنت لا تعرف الإخوان المسلمين . . دول ألعن من اليهود!.

***          

هل يستطيع القارئ بعد أن طالع قصاصات من الحقيقة  أن يفصل بين البطش بالإخوان المسلمين وما بين النكسة.

في هذا الصدد لابد أن نؤكد أن الهزيمة عام 1967 و إن كانت منطقية ومعبرة عن محصلة الفكر العسكري ونوع السلاح والتدريب، إلا أن حجمها هو الذي كان مفاجئا، حتى أن الوزير أحمد طعيمة، وهو من المقربين إلى جمال عبد الناصر يقول أنه لم يحدث في التاريخ أن فر جيش بهذا الحجم بهذه الطريقة.

المذهل أيضا هو حجم النذر التي توفرت، والتي كان يمكن أن تجنبنا ولو جزءا من الكارثة، بل ويروى عن بعض القادة العسكريين – منهم الفريق عبد المنعم رياض- أننا لو تنبهنا إلى هذه النذر في الوقت المناسب لتغير وجه التاريخ.  إن ملفات التحقيقات في الهزيمة والتي لم يشأ أحد أن يكشفها أو يسلط الضوء عليها تظهر على سبيل المثال أن هناك جهة أجنبية حذرت عبد الناصر فعلا من أن إسرائيل ستهاجم صباح الخامس من يونية، أما الإنذار الثاني فقد كان من ضابط المخابرات المقدم إبراهيم سلامة، والذي أكد من موقعه في نقطة متقدمة من العريش وفي مساء الرابع من يونية أن الهجوم الإسرائيلي سيبدأ في الصباح، وفي صباح الخامس من يونية أرسل عبد المنعم رياض إشارة التحذير المتفق عليها بانطلاق الطيران الإسرائيلي للهجوم، ولم تصل الإشارة، كان مركز الاستقبال مغلقا، وكانت الشفرة قد تغيرت، وتمت مجازاة المتسبب، رقيب أول وعسكري!!..  أما الكارثة الكبرى، والتي لم يتحدث عنها فيما أعلم أحد فهو أن الحرب عام 67 لم تبدأ بضربة الطيران، بل بدأت بالحرب البرية حيث أتمت إسرائيل احتلال "أم بسيس " داخل الحدود المصرية  الساعة السابعة والربع من صباح الخامس من يونية، أي قبل الضربة الجوية بأكثر من ساعة، ويرى بعض الخبراء العسكريين أن انعدام رد الفعل من جانب المصريين، وعدم ظهور الطيران المصري بعد بداية الهجوم البري، هو الذي شجع إسرائيل على ضربتها الكبرى، ضربة الطيران. ويرجح بعض هؤلاء القادة أنه لو استجاب الطيران المصري فلربما ألغت إسرائيل الضربة كلها.

***

قد يتساءل القارئ لماذا يهرب منا الكاتب، ولماذا جرفه التيار فانزلق من أحداث عام 1965 و 1966 إلى الهزيمة المروعة المذلة المهينة عام 1967.. وعلى هذا القارئ- أخي في الله-  أرد أنه لا يجوز الفصل أبدا، بل علينا أن نتحدث عن أحداث 1965 و 1966 و 1967 كأحداث وثيقة الاتصال ببعضها البعض يربط بينها ما يربط النتيجة بالسبب. فالمنطق الذي لفق القضايا ونكل و عذب وحكم بالإعدام هو بذاته المنطق الذي أدى للهزيمة والخراب، هذا من هذا وذاك من ذاك، ولا انفصام.  وهذا ما سوف نعود إليه كثيرا في الصفحات والفصول التالية. ولكن علينا أن نتخلى عن كثير من معلوماتنا السابقة، فقد كانت كذبا في كذب، كان التزوير هو الأساس، وكان الباطل هو القاعدة.

لقد تعرض سيد قطب للآلة الإعلامية الهائلة الباطشة الجبارة، حتى أن البعض يرى – خاطئا- أن سيد قطب فوجئ بما واجهه رجال الثورة به، كان الرجل في حياته السابقة على الثورة – أو العورة كما سماها اللواء محمد نجيب-  يواجه أقطاب الفلسفة والنقد والفكر والأدب والتفسير، وكان يواجههم في معارك طاحنة سلاحها القلم وميدانها الفكر، ولكن هذا المفكر العملاق فوجئ – كما يزعم أصحاب هذه الفكرة-  بقوانين الصراع تتغير، و بأن من في مواجهته لم يعد مفكرا عملاقا، بل جلادا وقاطع طريق. جلادا يجادله بالسوط لا بالقلم، وبالمشنقة لا بالفكر. و أنه، أقصد الطاغوت، وهو يقتل الشهيد، كان يقتل الأمة، بنفس المنهج وبنفس الفكر.

نعم..

كان الكذب نفس الكذب..

وكان الكفر ملة واحدة..

كنا نستطيع أن نكتشف حقيقة مواقف الإخوان المسلمين من خلال ما حدث لقيادات الجيش التي حمّلوها زورا مسئولية الهزيمة..

كما أننا يمكن أن نفهم حقيقة ما حدث في السجن الحربي من خلال ما يحدث في جوانتانامو و أبي غريب..

نفس الهدف

ولو لم يكن يوجد من دليل سوى تشابه وسائل التعذيب لكان ذلك كافيا لنسبة أبناء الحرام إلى نفس الأب الداعر.. كان العرب القدماء يفعلون ذلك وكانوا يثبتون النسب المشتبه عن طريق القيافة.

***          

في المقال الماضي كنت أكتب عن غرفة في معتقل جوانتنامو عليها لافتة كبيرة مكتوبا عليها باللغة العربية “جهنم” . وتلك هي الغرفة التي خصصت لطالب العلم وحافظ كتاب الله “فاروق المكي”  يتجرع فيها أشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي مع  استهزاء بالإسلام بل بالقرآن، فمرة يوضع تحت رجل المحقق، وأخرى يرمى على الأرض..

لم تتفرد أمريكا بذلك، بل لقد سبقناها.. فمنذ أربعين عاما كان المصحف في سجوننا يمزق ويداس  كانت المجاهدة زينب الغزالي تري غرفة للتعذيب وكانوا يطلقون عليها نفس الاسم: جهنم..

هل تذكرون ما رويته عما حدث لسامي الحاج  ومن أنهم قد هتكوا عرضه.. ولقد سلم عرضه بالمقاومة والاعتراض وهتك عرض كل من لم يقاوم أو يعترض .. هتكت أعراضنا نحن .. لا على سبيل المجاز بل على سبيل الحقيقة.. هتكت أعراضنا.. بداية من الشيخ عاشور وانتهاء بجوانتانامو لاظوغلي ومدينة نصر وكل وكر أمن في ربوع بلادنا

***          

فلننح الأكاذيب إذن ولنسمع شهادة حق في أحداث 1965 والتي انتهت بإعدام الشهيد سيد قطب..

لنسمع شهادة حق: شهادة المجاهدة زينب الغزالي ( من كتابها الهام: أيام من حياتي، باختصار وتصرف- )..

تلخص  زينب الغزالي ما حدث قبل عام 1965 فتقول:

ومرت الأيام وجاءت أحداث 1954 ونكباتها ومخازيها التي أسقطت القناع عن وجه جمال عبد الناصر لتظهر عداءه للإسلام ومحاربته له في شخوص دعاته وقيادات نهضته ، وصدرت أحكام الإعدام البشعة على قمم القيادات الإسلامية : الشهيد المستشار عبد القدر عودة ، صاحب الفضيلة العالم الأزهري الورع الذي رصدت القيادة البريطانية في القنال عام 1951 عشرة آلاف جنيه لمن يأتي به حياً أو ميتاً : الشيخ محمد فرغلي الذي أُهدي للاستعمار ميتاً. حتى المجاهد الكبير الإمام حسن الهضيبي حكموا عليه بالإعدام ، ولم ينفذ ، فقد أصيب فجأة بذبحة شديدة بالقلب نقل على أثرها للمنزل وقرر الأطباء أنه لن يعيش إلا ساعات ، وهنا ظهر عبد الناصر فأصدر عنه عفواً ، متوقعاً أن يقرأ نعيه في الصحف صباح اليوم التالي . ولكن قدرة الله أحبطت كيده ، وعاش الإمام . فلكل أجل كتاب ، نعم عاش ، ليؤدي بعد ذلك خدمات للمسلمين ويقود الدعوة الإسلامية في أحلك أيام شهدتها الدعوة ، وقد أظهر قوة الصلابة في الحق وهو المريض بعدة أمراض مما أذهل الجلادين وجعلهم يقودونه إلى السجن الحربي مرة أخرى ويعذبونه بأبشع أنواع التعذيب ، ولكنه ظل متمسكاً بالحق سائراً على طريق أصحاب الدعوات إلى أن شهد هو نهاية عبد الناصر وزبانيته وهو صامد ، رافع أعلام الحق والتوحيد الذي أعتقده ، متلبس بكل حبات وجوده ، وأخذ بالعزيمة ولم يتسرب إلى نفسه ضعف أو وهن في دين الله ورفض أن يأخذ بالرخص . بل أني لأذكر له هذا الموقف الكريم الشجاع حينما أراد بعض من طالت عليهم المدة واعتراهم بعض الضعف أن يأخذوا بالرخصة ويكتبوا للطاغية مؤيدين وملتمسين العفو منه ، وسألوا الإمام حسن الهضيبي أن يأذن لهم في ذلك فقال قولته المشهورة : " أنا لا أكره أحد على الأخذ بالعزيمة والوقوف معنا ، ولكني أقول لكم : إن الدعوات لم تقم يوماً بالذين يأخذون بالرخص " .

تواصل زينب الغزالي:

بعد تمثيلية المنشية و مشانق  1954 ومذبحة طرة كان الطاغوت المجرم يحاصر عائلات الشهداء والمعتقلين.. كان يحاصر ويجوع ويوقف المرتبات ويفصل من العمل ويرفض التعيين في الوظائف ويجعل من قيام أي إنسان بالتنكيل بالإخوان وعائلاتهم أمرا يستحق الإشادة والمكافأة..

كانت الضمائر تصرخ..

جملة اعتراضية: ( وكان ممن صرخت ضمائرهم الشهيد حامد قرقر.. وهو والد الدكتور محمد مورو رئيس تحرير هذه المجلة.. والذي حكم عليه بالسجن عشرة أعوام لأنه آخى إخوانه من أسر المعتقلين كما آخى الأنصار المهاجرين.. دفع لهم جزءا من راتبه..وجعله الطاغوت يدفع حياته  مقابل هذا..كان من شهداء مذبحة طرة..).

تنتحب الحروف في كلمات المجاهدة زينب الغزالي:

كان الأطفال جياعا .. والأسر التي انعدمت مواردها تحسبهم أغنياء من التعفف..

كان الجميع من المتفرجين على ما يحدث. ولما اشتد بي الألم على ما وصلت إليه الأمور . ولم أجد لنفسي مخرجاً . ذهبت لزيارة أستاذي الجليل صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأودن  (...)  كان يستمع إليّ في ألم شديد . وأنهيت حديثي بعرض ما فكرت في عمله في حدود إمكانياتي . وكنت أرى أنه لا يكفي أن نتألم وجراح الجوع وجراح السياط وجراح العرايا وتشرد النساء والأطفال يجرى بقسوة وشدة في دوائر حياة الدعاة والملبين والمجاهدين لتكون كلمة الله هي العليا . (...) بكي قائلاً لي : قد أصبح فرضاً حتمياً عليك أن لا تبخلي بجهد في هذا الطريق وما تقومين به اجعليه بينك وبين الله تبارك وتعالى ثم أضاف : إن المنقذ الوحيد بأمر الله للإسلام هم هؤلاء المعذبون " الإخوان المسلمون " لا أمل لنا إلا في الله ثم في إخلاصهم وما يبذلون في سبيل الدعوة . اعملي يا زينب كل ما تستطيعين عمله .