اتجاه النية لتجاوز القضاة في الإشراف على الانتخابات

 

 

بقلم :أسامة رشدي

osama@saveegyptfront.org

 

نفهم أن هذا النظام لا نية له مطلقا في الإصلاح أو إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في مصر، بل إن التعديلات الدستورية التي يتم طبخها الآن ستكون انتكاسة حقيقية حتى بالمقارنة بما هو موجود الآن، على غرار ما تم مع التعديل الجائر للمادة 76 من الدستور.
ومن ذلك ما يتم تداوله من النية لتعديل نص المادة 88 من الدستور والتي استندت إليها المحكمة الدستورية في وجوب الإشراف القضائي على الانتخابات حيث تتجه النية لتلفيق هيئة جديدة بزعم أنها ستكون مستقلة للإشراف على الانتخابات وإبعاد القضاة عن الإشراف ردا على مواقفهم المشرفة في رفض التزوير وفضحه، والطامة الكبرى ربما ستكون في تحصين قرارات هذه الهيئة عن رقابة القضاء كما تم مع لجنة الانتخابات الرئاسية.

ولن أتحدث هنا عما تردده الآن أبواق النظام من تبريرات ملفقة كمقدمة لمثل هذه التعديلات فهذا دأبهم دائما في تبرير كل أخطاء وخطايا النظام.
ولكن ما يحزن حقا أن بعض من يحسبون على الإصلاحيين من المثقفين اليساريين بدءوا يتماهون مع هذه المبررات وكأنهم قد وجدوا ضالتهم في هذه التبريرات، وقد استمعت لأحدهم وهو رئيس تحرير صحيفة حكومية  قبل أيام يؤيد سحب اختصاص القضاة عن الإشراف على الانتخابات، لأن الانتخابات –بزعمه- عمل سياسي وأنها تقتضي الفصل بين متنازعين سياسيين وأنه يجب تنزيه القضاة عن هذا الأمر، وأنه سمع من بعض القضاة رغبتهم في ترك الإشراف على الانتخابات، وأنه لا توجد دولة أخرى في العالم تشترط الإشراف القضائي..

مثل هذا الكلام  للأسف يعرف الصغير قبل الكبير بطلانه وتهافته ومن العيب أن يصدر عن مثقف ورجل مناضل دخل السجون والمعتقلات حتى وإن كان يعمل الآن في وزارة الثقافة، ولكن مشكلة بعض اليساريين عندنا أنهم مثل النظام  لديهم عقد أيديولوجية ضد الإسلاميين الذين يمثلون البعبع المراد إقصائه، ولا يدركون خطورة هذا المسلك الإقصائي الذي لن يفضي إلا للمزيد من المشاكل والاستقطاب واتعدام الاستقرار.

فإذا كان القضاة رغم سلطتهم وحصانتهم  وهيبتهم عجزوا عن ضمان نزاهة الانتخابات ووصلت التعديات لحد ضربهم أنفسهم، ومنع الناخبين من الوصول للجانهم الانتخابية وعدم تمكينهم من الإدلاء بأصواتهم أمام أعين القضاة، بل وممارسة التزوير البشع في نتائج الانتخابات عبر بعض أعضاء الهيئة القضائية ممن باعوا ضمائرهم تحت ضغوط السلطة وسط احتجاجات زملائهم، فأي هيئة أو رقابة أخرى يمكن أن تضمن نزاهة الانتخابات إذا فشل القضاة؟

ثم إذا كان بعض القضاة يقولون إذا أردتم تزوير الانتخابات فليحملها غيرنا، هل يعني ذلك أنهم لا يريدون القيام بهذه المهمة؟ أم أنهم يريدون القيام بالواجب على الشكل الأمثل ويطالبون بتمكينهم من ذلك، وأن مطالبهم  في الإشراف الحقيقي على كل العملية الانتخابية من مرحلة إعداد الجداول حتى إعلان النتائج هي مطالب منطقية؟.

وعندما يقال أننا يجب أن ننزه القضاة عن الانتخابات والخلافات السياسية، حتى لا يفضي الأمر لاتهامهم بالانحياز للخصوم السياسيين!!. فما هذا الهراء؟ أليست وظيفة القضاة دائما الفصل بين الخصوم، وسلطتهم وحصانتهم واستقلالهم يفترض أن تجعلهم أكبر من الانحياز.. ثم إن لجنة الانتخابات ليست محكمة، ووجود القاضي يردع إلى حد كبير عمليات التزوير المنهجي التي كانت تتم في غيبتهم مثل تسويد البطاقات وملء الصناديق وإرهاب الموظفين من قبل رجال السلطة.

إن هذه المحاولات المشبوهة لإقصاء القضاة عن الإشراف على العملية الانتخابية هي انتكاسة حتى لأبسط المكتسبات القليلة التي تحققت.
أما الزعم بأن موضوع الإشراف القضائي ليس له مثيل في دساتير العالم، قد يكون ذلك صحيحا، لأن ثقافة التزوير في هذه البلاد ليست سياسة دولة ولا سلوك نظام يبتكر في كل مرة وسائل جديدة في التزوير ويحتاج لمراقبين لدى كل منهم 44 عينا ليروا بها.

في كل بلاد العالم تشرف السلطات المحلية والبلديات على إجراء الانتخابات ولا توجد مشكلة في ذلك، فالجداول الانتخابية مرتبطة مباشرة بسجلات البلديات، ولا يجرؤ مسئول على قيد الآلاف من مرؤوسيه في دائرته، أو يؤجر عشرات البلطجية لحرق الصناديق، أو يأمر بالتزوير أو بتلفيق نتائج الانتخابات.
فلو صلحت النوايا لما احتجنا للقضاة أو غيرهم للإشراف، ولوفرنا وقت المحاكم في بحث آلاف الطعون الانتخابية في كل انتخابات.
المشكلة أن النظام لم يرد مطلقا إرساء نظام انتخابي مبني على قواعد سليمة وعادلة، ومصر تملك من الإمكانات الإدارية والتنظيمية ما يمكنها من القيام بذلك لو صحت النوايا، ولكن ماذا نقول في نظام يمارس التزوير المنظم ويقدم القدوة والمثل لشعبه وللأجيال الجديدة  في الاحتيال والتزوير والتلاعب والبلطجة، ماذا نقول في نظام يعترف رئيس وزراءه أنهم لو تركوا الإخوان كانوا حصلوا على أربعين مقعدا إضافيا !!.

هل يوجد نظام قانوني في العالم يمكن أن يتحمل حجم الخطايا التي حدثت في الانتخابات الماضية ولا يحاسب من تسببوا فيها؟.
إذا كان 151 من رؤساء اللجان الفرعية من مجموع 160 رئيس لجنة فرعية في دائرة بندر دمنهور قالوا أن نتائج الانتخابات التي اعتمدوها قد زورت، وقدمت الوثائق للنائب العام وغيره، فما كان من النائب العام إلا أن يترك أصل القضية ويحاولون البطش بالقضاة والصحفيين والمحامين وغيرهم ممن فضحوا التزوير.
فلم تعد الجريمة في التزوير ولكن في فضحه والحديث عنه!!.

بل إنني أقول أننا في مواجهة هذا النظام نحتاج إلى ثلاثة قضاة وليس قاضيا واحدا على كل صندوق، ولا تجوز المقارنة هنا مع أي نظام محترم في العالم.

وفي موضوع آخر أرى أن من أخطر التعديلات التي تتجه الأنظار لتبنيها هي التعديلات المرتقبة على النظام الانتخابي  والأخذ بنظام القائمة النسبية ، ورغم  المميزات التي يتمتع بها نظام التمثيل النسبي والتي لا يتسع المقام لذكرها، إلا أن هذا النظام في الدول التي تعمل به هو جزء من منظومة متكاملة أساسها هو حرية تكوين الأحزاب.
لأن تقييد تأسيس الأحزاب كما هو حاصل الآن مع الأخذ بالنظام النسبي هو نوع من الاحتيال والإقصاء.
ثم نأتي للنسبة التي ينبغي حصول الحزب عليها من إجمالي من شاركوا في الانتخابات لتمثيله.. وتميل التقديرات الآن لنسبة 5% وهي نسبة كبيرة جدا بالنظر للحالة التي تمر بها الأحزاب القائمة، ومن هنا ينبغي الإصرار على أن تكون النسبة 1% وهي نسبة مناسبة لضمان جدية الأحزاب واتساع التمثيل.

إن أي محاولة لفرض تعديلات مشبوهة استنادا على أغلبية زائفة وتزوير متوقع للاستفتاء القادم على غرار الاستفتاء على تعديل المادة 76 والذي زعموا مشاركة 54% من الناخبين فيه وهي نسبة كلها فشنك وتزوير أهبل، لن تساهم إلا في إقناع المزيد من الناس بانتهاء مصداقية هذا النظام، الذي لم يعد قادرا بالفعل على انجاز أي إصلاح في مصر.
---------------------

المسئول الإعلامي لجبهة إنقاذ مصر

عضو اتحاد الصحفيين البريطانيين