العزل و الإسقاط لا الإصلاح...

 

 

بقلم :راشد عمار       

 

تتزايد هذه الايام و مع توالى الأحداث، الدعوات المطالبة بالإصلاح والتغيير، و مع تفاقم الأوضاع و انحدارها الشديد نحو الهاوية، تنضم كل يوم أصوات جديدة صارخة و محذرة من العواقب الوخيمة لعدم إتخاذ إجراءات إصلاحية واسعة من طرف نظام الحكم فى مصر، تنقذ مصر من المجهول الذى تتجه إليه..

و نحن إذ نثمن هذه الدعوات و نثنى على أصحابها خيرا و نثق في إخلاص نياتهم على اختلاف توجهاتهم و انتماءاتهم.. إلا أننا نختلف بالقطع معهم-ولنا حق الإختلاف- و نرى أن الأمور قد تجاوزت هذه المطالب بكثير.. و نرى أن الوسائل المستخدمة قد تكون صحيحة إلا أن الأهداف قد تكون حادت عن المأمول و ما يتطلع إليه الشعب و قصرت عن الوصول إلى المرتجى.. كيف؟

لا أدرى-بعد ربع قرن من الزمان- تسلط فيه علينا هذا النظام عنوة و غصبا، مالذى يرتجيه و يأمله هؤلاء الشرفاء؟ و هل من لم يصلح و هو فى ريعان شبابه و قوته و عنفوانه، تراه يصلح و هو في أرذل العمر و قد فقد المقدرة و الفكر السليم و نخر سوس الفساد في كل أجزاء بدنه؟ و دعونا نتوقف عند بعض العلامات فى مسيرة هذا النظام.. لنستطيع أن نحكم على أهليته في الإصلاح..

-        مبارك و نظامه اتخذ منذ اليوم الأول لحكمه طريق الخنوع و الخضوع للأعداء و التفريط فى الثوابت و رفع الراية البيضاء بمناسبة و بدون مناسبة، و سرعان ما تحول إلى تبعية مهينة للصهاينة و قوى الإستكبار العالمي ثم ما لبث أن غدا عمالة صريحة معلنة لا تتستر بأى شئ..وكان من شأن هذا أن اخترقت البلاد طولا و عرضا و أصبحت مرتعا لوكلاء الموساد و المخابرات الأمريكية، يعششون فى كل ركن في مصر، وصار السفير الأمريكى الحاكم الحقيقي فى مصر، و ضرب العراق و احتل بتدبير و كيد و تحريض و مساعدة تامة من النظام، الذى قدم معلومات كاذبة إلى الإدارة الأمريكية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، استشهد بها كولن باول وزير الخارجية الأمريكى فى مجلس الأمن ثم انكشف كذبها..وهكذا ساهم النظام مساهمة فعالة فى القضاء على دولة العراق و قتل مئات الألوف من أبنائه.. و أيضا اقتضت العمالة التآمر على انتفاضة أهل فلسطين ووصمها بالإرهاب و العمل على تصفيتها بكل الوسائل وقوفا و انطلاقا من المربع الإسرائيلي ثم المشاركة في محاصرة شعب فلسطين المجاهد و المرابط بعد انتخاب حماس، بغية تركيعه و تحقيق كل الأهداف الصهيونية..

-        مبارك قضى على دور مصر الرائد فى المنطقة، فحوصرت ليبيا حتى ركع قائدها بدون أى دعم من مصر، وعاثت اسرائيل فسادا فى منابع النيل و تآمر الغرب على السودان و أجبره على توقيع اتفاق يؤدى لفصل الجنوب و يتآمر الآن لفصل دارفور فى غياب أى دور أو تأثير لمصر سوى التمنيات الطيبة للجميع..

-        مبارك ترك العنان لنفسه و لأسرته لنهب ثروة مصر حتى أصبح يمتلك المليارات و القصور الفارهة و بذخه اصبح حديث العالم..

-        مبارك دمر التعليم فى مصر و أسلم قياده للأمريكيين و عملائهم، فحذف آيات الجهاد من المقررات الدراسية و قلص حصص الدين و اللغة العربية لإخراج أجيال معدومة الهوية منقطعة الصلة بدينها و لغتها و ثقافتها.. و بالأمس القريب أوعز إلى وزير تعليمه بالإلتقاء مع مندوبي وكالة المخابرات الأمريكية فى شرم الشيخ على هامش منتدى دافوس .. ترى ماهى علاقة التربية و التعليم فى مصر بأعتى جهاز مخابرات فى العالم؟

-        مبارك حرص حرصا شديدا على الإبقاء على الأمية و الجهل، فالجهلاء هم معينه الذى لا ينضب فى الحصول على رجال أشداء ليس لهم عقول لا يعصونه ما أمرهم، فبهم يزور الإنتخابات و بهم يسحل المعارضين و يقتلهم، و لنا أن نتساءل عن جيش الأمن المركزى العرمرم المكون من مئات الألوف من المجندين الذين لا يقرأون و لا يكتبون و كلهم قد ولد بعد استلامه الحكم بسنوات..

-        مبارك نفذ خطة ممنهجة لقتل شعب مصر كرها منه له و إزدراءا به و احتقارا له، و تنفيذا لمخططات الأعداء للقضاء على شعب مصر و شغله بنفسه حتى لا يفيق، فهم يعلمون تماما أن في إفاقة هذا الشعب تغييرا لوجه العالم..، كان ذلك بالمبيدات و الهرمونات المسرطنة و اشراف رجال الزراعة الإسرائيليين على الزراعة فى مصر.. و كان رجله في هذه الخطة هو يوسف والي.. حتى إذا استعر القتل بين الناس و ضج المصريون من الموت و المرض الذى يحصدهم حصدا ، و طفقوا يلعنون يوسف والي و يطالبون بمحاكمته، فإذا بهذا الوالي يخرج إلى الناس بابتسامة باهتة تخفي ما ورائها ليقول ما أنا إلا سكرتير لرئيس الجمهورية أنفذ ما يطلبه!! ما عناه هو " لست بقاتلكم يا حمقى، فهو الذى يأمر بالقتل و ما على سوى دس السم فى طعامكم"

-        مبارك يكره الإسلام و المسلمين و كل ما يمت إلى الإسلام بصلة, وما ارتفعت راية للإسلام في بلده إلا و سحقها بحذائه الغليظ.. فهو ما فتئ ينكل بكل من يحرص على التمسك بدينه فى مصالح و إدارات الدولة, و أصبح التدين تهمة و التردد على المساجد مدعاة للشبهة، فأمر بغلق المساجد بعد الصلوات لمنع التعبد فيها و تلاوة آيات الله.. و هدم زوايا الصلاة فى المدارس و فى المقابل عمل بكل قوة على نشر الخنا و الرذيلة و الفجور في أجهزة إعلامه هادفا من ذلك إلى نشر الفاحشة فى المجتمع..

-        مبارك سطر على أرض مصر أعظم ماساة إنسانية باعتقاله عشرون الف من خيرة أبنائها بدون تهم و لا محاكمة لسنوات طوال تزيد على الخمسة عشرة عاما.. شرد فيها آلاف الاسر و يتم الأطفال بحرمانهم من آبائهم و رمل النساء... و رفض كل نداءات الإفراج عنهم بقسوة قلب يحار منها أولو الألباب.. فأكابر مجرمى الأرض و هم الأمريكان قد رضخوا للضغوط فقط بعد أربعة سنوات و بدأوا فى إطلاق سراح معتقلي جوانتانامو.. أما هو فلا ادري من أى صخر قد قلبه؟

-        مبارك عمل على سحق شخصية الإنسان المصرى الذى كان على امتداد العصور معتزا بكرامته و دينه مقداما في الدفاع عن بلده و أمته، فحكمه بقانون الطوارئ و أطلق عليه كلابا متوحشة تنتسب إلى بنى الإنسان و الإنسانية منها براء لتهينه فى أقسام الشرطة و مقار أمن الدولة و تعذبه حتى الموت بأكثر الوسائل وحشية و قسوة.. فخرج الشباب على وجوههم لاجئين فى أصقاع الارض ليعملوا فى أحط المهن هربا من جحيمه و ليموت منهم المئات كل حين في قوارب الموت المتجهة إلى أوروبا.. 

-        مبارك بعد أن قوض أركان الدولة ونهب أموالها و ترك لأعوانه و اللصوص الحرية فى نهب ما يشاءون، تلفت فى أخريات أيامه حوله ليتأكد من حجم الدمار الذى أحدثه فوجد أنه مازال هناك بعض الأصول و الثروات التى يملكها شعب مصر، فجن جنونه و أمر أعوانه بالبدء فورا في  بيعها و بابخس الأثمان مع التربح منها بأقصى ما يمكن.. فكان نصيبه على سبيل المثال فى صفقة واحدة و هى صفقة عمر أفندى ستمائة مليون جنيه.. في عملية البيع المجنون هذه .. لا يهم لمن تباع ممتلكات شعب مصر، فلتباع للصهاينة ، للأمريكان ، للشياطين.. المهم هو ألا يبقى شئ..

 

لكل الوطنيين و الشرفاء من أبناء هذا الوطن أقول إن هذا غيض من فيض, و لائحة الجرائم ليس لها نهاية.. و أتساءل أفمن كانت سيرته هذا التاريخ الأسود في العداء لمصر و شعبها و العرب و الإسلام، يرجى منه خير؟

إن إحدى السنن الإلهية التى تحكم هذا الكون هو أن الفاسد لا يصلح فيقول الله تعالى " إن الله لا يصلح عمل المفسدين" و يقول " و كان فى المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض و لا يصلحون " ..

إن المفسد في الأرض لا يصلح ابدا.. لقد نزع الله منه القدرة على الإصلاح إلى يوم الدين.. إنها حقيقة أبدية..

إن المطلوب اليوم هو أن تجتمع كل القوى الوطنية للمطالبة بعزل هذا المجرم و اسقاطه و نظامه فقط و من ثم المحاكمة على كل جرائمه.. المطلوب هو استئصال هذا الورم الخبيث من جسم الوطن فهو ليس له دواء و لا طبيب..

أوشك الحجاج بن يوسف الثقفى والى الكوفة ذات مرة على الغرق فى ماء الفرات و هو يستحم.. و كان مكروها من أهل العراق بسبب شدته و قسوته و بطشه و سفكه للدماء.. فانصرف عنه الناس و تجاهلوا نداءات استغاثته آملين أن يهلك.. فإذا برجل يلقى بنفسه فى النهر لينقذه.. فلما تجمع الناس حوله يؤنبونه و يوبخونه جراء فعلته، قال لهم " و الله لقد خفت أن يموت غريقا فيموت شهيدا ".. اى أن يموت شهيدا  فيغفر له ما فعله فيهم.. و اليوم نقول لمطالبى الإصلاح من هذا المجرم.. رويدكم رويدكم.. لا تزينوا تاريخه الأسود المظلم  بنقطة ضوء.. دعوه يمت على ما هو عليه.. فنحن نخاف أن تكتب له حسنة..