الأمم المتحدة تحتفل ..والإنقاذ تخسر نفسها

 


بقلم :وليد الطيب

يتزامن احتفال الأمم المتحدة اليوم الاثنين 29 مايو 2006 باليوم العالمي لقوات حفظ السلام الدولية؛ وذلك باستعراض جهود قوات حفظ السلام في مناطق النزاع في العالم؛ من أجل ضمان حماية المدنيين، ومنع نشوب الاقتتال بين الأطراف المتحاربة.. يتزامن مع الموافقة السودانية على المشاركة بقوات أممية من أصحاب القبعات الزرقاء في إقليم دارفور.. ودارفور ليست البقعة الوحيد المثقلة بتلك الأقدام الزرقاء الثقيلة؛ فالجنوب يزدحم بالآلاف منهم، ومثله جبال النوبة، وعن قريب شرق السودان..
ولكم أن تتخيلوا صورة السودان وتوزيع هؤلاء الجنود فيه: اللون الأزرق يبدأ من حلايب في أقصى الشمال الشرقي، ثم يمتد نازلاً عبر النيل الأزرق إلى جنوب السودان؛ ابتداءً من شرق الاستوائية، ووسطها، وغربها، ثم يرتفع صاعدا من ديم زبير على ! الحدود ال! سودانية الافريقوسطية؛ ويتغلغل بعدها في أحشاء دارفور - جنوبه ا، وغربها، وشمالها عند الحمراء - ليبقي من السودان شريط ضيق ملقى على ضفتي النهر في وسط السودان؛ بعيدا عن تلك القوات بصورة مباشرة.. أما بطريق غير مباشر فمكاتب تلك القوات، ونقاط ارتباطها ستنتشر في الخرطوم العاصمة، ومدني، وسنار، وكوستي، وكل مدينة تتوفر فيها أصول الحياة في تلك الرقعة الباقية!!..

* الحكومة ونهاية التعبئة الشعبية:
بعد ليلة ضجت بالذكر، والتسبيح، وحزم النفوس، وعزم أربعة آلاف من الرجال في المرخيات – هناك؛ في الجبال التي شهدت كرري (كرري البطولة، والفداء، والشهادة) أربعة آلاف؛ وكلهم يحمل روحه في راحتيه، ويهوى البطولة، والردى، وانعطاف الشعب في حاراته، وأحيائه إلى حكومته؛ مؤازراً، ومؤيداً، - تأتي الحكومة في نهاية الشوط لتقول لشعبها وشبابها: (ليس لنا عداء مع المنظمة الدولية، ولا ننكر أى دور لها؛ لكن نريد أن نعرف مستوى التفويض الممنوح لبعثة دولية فى دارفور، وعدد القوات، والانتشار، وطبيعة المهمة) على لسان مستشار رئيس الجمهورية د.مجذوب الخليفة..
أو القول بأن الحكومة ترفض فقط دخول قوات دولية إلى دارفور تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛ كما نُقل عن المجلس ال! وطني برئاسة! الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر..
أو تصريح وزير الخارجية الدكتور لام اكول - في رده على طلب الإحاطة الذي تقدم به عدد من أعضاء البرلمان حول قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بشأن إرسال خبراء عسكريين إلى دارفور - حيث قال: (إن طبيعة القرار 1679 بشأن دارفور تتطلب إبداء قدر كبير من المرونة في التعامل مع مجلس الأمن.. ورفض القرار يعني بالضرورة لجوء مجلس الأمن لاتخاذ تدابير عقابية.. مستعرضا الظروف، والملابسات التي صاحبت صدور القرار الدولي.. موضحا أن الظروف الإقليمية والدولية تفرض على السودان التعامل مع القرار).
والمراقبون يردون موقف الحكومة الأخير - الذي قد لا يمانع من دور فاعل للأمم المتحدة، وقواتها في سلام دارفور - إلى لقاء زوليك - مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية - بالأستاذ علي عثمان - نائب رئيس الجمهورية - في بروكسل؛ حيث اتفق الطرفان (زوليك وعثمان) على دور للأمم المتحدة عقب اتفاق السلام..
ولكن موقف الحكومة الرافضة لحظتئذ، وتصريحات الرئيس البشير (بأن يجعل من دارفور مقبرة للغزاة) شككا في القول باحتمال موافقة الحكومة - وخاصة بعد الولاء الشعبي لها - ولكن الحكومة - كما قا! ل برونك – ! (ترفض في البداية كل أمر، ثم تعود لتوافق عليه)!!..
فالحك ومة لم تخسر موقفا، ولكن خسرت تأييد شعبها وهي مقبلة علي انتخاب بعد أقل من ثلاثة أعوام، وخسرت روح استعداد مواطنها وهي مقبلة على محاكمات يُعد لها المكان في لاهاي بهولندا.. قد تطال حتى الرئيس البشير!!..
والحكومة فعلت ذلك وقد يُفقدها ذلك حتى وحدة صفها؛ فأولئك الأربعة آلاف الذين أعلنوا موقفهم ذاك لن يرضوا بموقف الحكومة هذا؛ وهي خسارة، وأي خسارة؟!.. أضف إليهم بعض الوزراء، والنافذين الرافضين لدخول تلك القوات؛ كالزبير طه، وغازي صلاح الدين، وكثر غيرهم..
وستفقد تأييد الجماعات الإسلامية، والأحزاب القومية والوطنية كما بدا من كلام علي محمود حسنين الاتحادي المعروف في البرلمان والذي حمل الحكومة مسؤولية دخول القوات الأجنبية في دارفور، ومسؤولية بقائها؛ الأمر الذي اعتبره يهدد استقلال البلاد!!..

* خيارات الفصول:
تحرص الحكومة أن يكون دخول تلك القوات، أو دور الأمم المتحدة الجديد وفق الفصل السادس؛ بدلاً من الفصل السابع؛ كما في قرارات مجلس الأمن الأخيرة؛ وذلك لأن السابع في (المادة 41) ينص:
لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ ق! راراته، وله! أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية، والمواصلات – الحديدية، والبحرية، والجوية، والبريدية، والبرقية، واللاسلكية، وغيرها من وسائل المواصلات - وقفا جزئياً أو كليا، وقطع العلاقات الدبلوماسية..
وفي (المادة 42) ينص: إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض، أو ثبت أنها لم تف به جاز له أن يتخذ - بطريق القوات الجوية، والبحرية، والبرية - من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي، أو لإعادته إلى نصابه.. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات، والحصر، والعمليات الأخرى - بطريق القوات الجوية، أو البحرية، أو البرية؛ التابعة لأعضاء الأمم المتحدة.
ولكن الفصل السادس رغم أنه مرحلة متقدمة من التدخل - إذ ينبي على حيثية نزاع ناشب وقد فشلت الأطراف في الوصول إلى حل - فإن هذا الفصل يقود السودان - عاجلا أو آجلا - إلى الفصل السابع؛ إذ ينص في (المادة 34): لمجلس الأمن أن يفحص أي نزاع، أو أي موقف قد يؤدي إلى احتكاك دولي، أو قد يثير نزاعا؛ لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع، أو الموقف من ش! أنه أن يعرض ! للخطر حفظ السلم والأمن الدولي.
إذا كان عاقبة البحث عن السلام بين أب ناء الوطن الواحد هو وقوع البلاد تحت الوصاية الأجنبية، وكذلك عاقبة انقلاب 30/6/1989م الإسلامي؛ المبرر بمنع استيلاء الحركة الشعبية على مفاصل الحكم فإنه يحق لنا أن نتسأل: ماذا كسبت الإنقاذ بعد أصبح السودان مخيما لجنود الدنيا والعالمين؟!..
ماذا استفادت الإنقاذ بعد أن كسبت الجميع وخسرت نفسها.. شبابها.. رجالها؟!.