الردة الثقافية
بين الصنم " الحلال " والمستبد "العادل
"
...في فتوى الشيخ محمد عبده
4\5
بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
http://www.yehia-hashem.netfirms.com
**** ثم تأتي شهوة الالتحاق بالنموذج الثقافي الغربي في "
التحضر " حذو القذة بالقذة
" وقوعا فيما أنذرنا به صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ، حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر
ضب لدخلتموه ، قالوا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ )) رواه
البخاري ومسلم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ
حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ
وَذِرَاعًا بِذِرَاع ،ٍ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ ؟
فَقَالَ : وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ )) رواه البخاري.
وهنا نتتبع أثر " الردة الثقافية " هذه- بعكس ما يظنونه
تقدما - مما وقع فيه الشيخ محمد عبده (1849
- 1905) », في فتواه التي أصدرها في القسم الثاني من حياته - و التي كتبها بعد
عودته من رحلته الى أوروبا في صيف سنة 1903 تحت عنوان «الصور
والتماثيل في نظر الإسلام " بخصوص تبريره للإبقاء على التماثيل
وفتوى الشيخ محمد عبده كما نقلها عنه الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه " تاريخ
الأستاذ الإمام " ج2 ص 498-502 ط 1931 قد جاء فيها بعد تفسير حرص الأوربيين
على حفظ الصور المرسومة على الورق والنسيج والتماثيل، أنه أشبه بحفظ السلف عندنا
للشعر ... قوله : ( الرسم ضرب من الشعر
الذي يرى ولا يسمع ، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا
يرى ، إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من
أحوال الأشخاص في الشئون المختلفة ومن أحوال الجماعات في الواقع المتنوعة ما تستحق
أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية . يصورون الإنسان أو الحيوان في حالة
الفرح والرضا والطمأنينة والتسليم . وهذه المعاني المدرجة في الألفاظ متقاربة لا
يسهل عليك تمييز بعضها عن بعض ، ولكنك تنظر في رسوم
مختلفة فتجد الفرق ظاهرا باهرا ) الاتجاهات الوطنية ج1 ص 345
ويطنب الشيخ في تقريظ هذه الخاصية الثقافية
على الجانبين : الشعر عند العرب والتماثيل
والصور التي انبهر بفضلها في الغرب
، وهذه حجة عليه لا له بمعنى أن المحافظة على خصائص الأمم ومميزاتها تقتضي
احترام المفارقة بيننا وبينهم عموما ،
وفيما بين الوظيفة الثقافية لكل من الشعر والتماثيل ومحذوراتهما ..على وجه الخصوص
والأمر الذي لا
شك فيه هو أنه لقد كان من هدي الرسول صلى
الله عليه وسلم تأصيل ما يمكن أن نسميه " فريضة التميز الثقافي " ..مما
طمسته العلمانية ومازالت
تفعل
وهي العلمانية التي ركبت موجة الشيخ محمد عبده ، وإن كان الشيخ قد وصلت به – أو وصل بها
- إلى
منتصف الطريق ، طبقا لتقدير صديقه
اللورد كرومر حاكم مصر الفعلي لمدة تصل إلي ربع قرن، من 1883 إلي 1907. في تقريره لعام 1905 الذي كتبه بمناسبة وفاته
في قوله : ( وأتباع الشيخ محمد عبده في مصر إن كانوا ممتازين بذكائهم فهم نفر قليل
ويمكن أن نسميهم جيرونديي الحركة الوطنية في مصر .. وهم
بما يستحثونه من بدع يجعلون أنفسهم موضع الريبة ... وإن أتباعه ليستحقون أن يعاونوا بكل ما هو
مستطاع من عطف الأوربي وتشجيعه . ) ص 80-81 الإسلام
والحضارة الغربية للدكتور محمد محمد حسين الطبعة
السابعة 1985
وليس واضحاً كيف ارتبط الشيخ محمد عبده بأواصر متينة مع
اللورد كرومر. فالمعروف عن كرومر أنه كان معاديا للإسلام بشكل حاد ، وهو يُفصح عن
موقفه في النص التالي : " إن الإسلام إذا لم يكن ميتا فإنه في طور الاحتضار
اجتماعيا وسياسيا، وإن تدهوره المتواصل لا يمكن وقفه مهما ادخلت
عليه من اصلاحات تحديثية بارعة، لأن التدهور كامن أساسا
في جوهره الاجتماعي، وهو جوهر قائم علي تخصيص دور متخلف للمرأة في المجتمع، وعلي
التغاضي عن نظام الرق، وعلي جمود الشرع وقطعية النص،
وأن لا بديل من التحديث الكامل من دون الاسلام"..!!
وهو منطق ما يزال يمثل الاستراتيجية
الأساسية للإعلام العلماني المعاصر في معركته مع الإسلام
وفي علاقته بالشيخ محمد عبده يقول كرومر في كتابه " الذي ظهر عام 1908 : ( إني أشك كثيرا في أن صديقي محمد عبد كان لا
أدريا (Agnostic) وإني لأعرف أنه كان يكره أن يوصف بهذه الصفة ) ص 75
وأغلب الظن أنه أساء به الظن ، وإن كان قد أساء إليه من حيث أراد أن يحسن !!
ويقول مستر ولفرد بلنت
في يومياته بتاريخ 1900 عن صديقه
الشيخ الجليل : ( .. أخشى أن أقول إن محمد
عبده بالرغم من أنه المفتي الأعظم ليس له من الثقة بالإسلام أكثر مما لي من الثقة
بالكنيسة الكاثوليكية )
وبلنت كان من المتحررين الذي لا
يؤمنون بالمسيحية ولا بالكنيسة الكاثوليكية . ص 76 محمد محمد
حسين
( وكانت علاقة محمد عبده قد توطدت بالمثقفين الأوروبيين
فترة نفيه ، من خلال أسفاره إلى أوروبا، خصوصاً مع (ولفرد بلنت)
(1840-1922م)، وهو كاتب وشاعر إنجليزي، تعرّف إليه محمد عبده في مصر قبل الثورة
العرابية، ثم التقاه بعد ذلك في أوروبا ومصر، وأصبح
الرجلان صديقين حميمين، وأثرت صداقتهما هذه في حياة كل منهما وكتاباتهما. ... ،) د
: إبراهيم عبد الباقي دكتوراه في الفقه والأصول من جامعة محمد بن عبد الله \ فاس بالمغرب في بحثه
بعنوان " الفقه السياسي عند الإمام محمد عبده " بمجلة " أسلمة المعرفة " بتاريخ 14\ أيار \2006
***
ويقول المستشرق الإنجليزي الشهير هـ . ر. جب هـ. أ. ر. جب 1895-1965م عن الشيخ محمد عبده في كتابه " الاتجاهات
الحديثة في الإسلام ص 72 ( إن تلاميذه
الحقيقيين يمتزجون بالصفوف التي أنشئت إنشاء أوربيا وينضمون للحلقات العلمانية ..
) ص341 ج1 الاتجاهات الوطنية لمحمد محمد حسين
وهذا التطور في أفكار الشيخ كان موضع مراقبة من أستاذه
جمال الدين الأفغاني ، يظهر في قوله في ( يوم رحيله عن مصر للمرة الأخيرة سنة 1296ﻫ/1879م:
"لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده، وكفى به لمصر عالماً." ثم انقطعت
المراسلات بعد ذلك بينه وبين الأفغاني، وصارت الجفوة بينهما، بعد أن عنّفه
الأفغاني أكثر من مرة على حذره وخوفه، واتهمه بالجبن لموقفه من السياسة والإنجليز،
وبلغ الأمر إلى حدّ توقف محمد عبده عن رثاء أستاذه في الصحف عند موته، واكتفى
بالحزن عليه !! . ) د إبراهيم عبد الباقي
لقد رضي محمد عبده بالتعاون مع البريطانيين لقاء مساعدته في عمله
من أجل التربية الوطنية، وعلى أن يكون بقاؤهم مؤقتاً ( !!) ، كما أنه كان مستعداً للتعاون مع (الخديوي
توفيق) لو كان راغبا في أن يكون مستبداً عادلاً. ، )
(ولعل منبع مهادنته للإنجليز
هو حسن ظنه بعدوه، إذ يقول: "إن من بين الأمم الأوروبية أمة تعرف كيف تحكم من
ليس على دينها، وتعرف كيف تحترم عقائد من تسوسهم وعوائدهم، وهي الأمة الإنجليزية، (
!! ) .) د: إبراهيم عبد الباقي
وفي توضيح منهجه في التهدئة والتدرج وهما مبدءان صالحان
إن لم يكونا من باب " كلمة حق يراد لها باطل " : ( كتب مقالة في "الوقائع"
بتاريخ 4 إبريل 1881، تحت عنوان "خطأ العقلاء" يقول فيها: " فالحكمة
أن تُحفظ للأمة عوائدها المقررة في عقول أفرادها، ثم يُطلب بعض تحسينات فيها، لا
تبعد عنها بالمرة، فإذا اعتادوها، طُلب منهم ما هو أرقى "بالتدريج )
إلى أين ؟ وبيد من ؟ هذا هو الأهم .
وفوق زاوية التدرج هذه قام البناء الفكري للشيخ ليجد فيه
أصحاب التيارات المتناقضة أو التي تبدو كذلك " دكاكين "
كثرا ، يختار كل منهم ما يشاء منها
: ليضع فيه كل منهم بضاعته : علمانية
وإسلامية ، استبدادية وشورية ، عرابية وخديوية وكرومرية ، ونقدية ومعصومية
وواقعية ومثالية إلخ
ولصلة التماثيل العكسية بالتوحيد ، وصلة التوحيد
الطردية بالحرية نبين هنا حركته فيما بين
العرابية والكرومرية ، أو بالأحرى الاستقلالية من جانب
والتبعية للاستعمار من جانب آخر : حيث (... انضم محمد عبده مع الحزب الوطني ، إلى
الثورة العرابية بعد مظاهرة عابدين في 9 سبتمبر 1881م وحتى انهزامها، وعلى إثرها
تمَّ نَفيه.
وبعد عودته من المنفى ، تغيرت
آراؤه السياسية، فعدل عن آرائه السابقة، فقام الحزب بمحاربته .. ) د: إبراهيم عبد
الباقي .
ولصلة التماثيل العكسية بالتوحيد وصلة التوحيد
الطردية بالحرية نرى أهمية أن نبين موقف
الشيخ محمد عبده من الحرية والاستبداد ،.. هنا و بالرغم من كتاباته المستفيضة عن
الشورى نجده - - ( يدعو إلى وجود "المستبد العادل"، ويذكر في
مقالة له بعنوان "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل" أن من صفاته : " أنه
مستبد يُكرِه المتناكرين على التعارف ، ويُلجئ الأهل
إلى التراحم (!!)، فهو لهم أكثر مما هو لنفسه (!! ) ويتمكن
أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنعه غيره في خمسة عشر قرنا." )
وقد انتقد هذا الرأي كثير من المفكرين، منهم : السيد عبد
الرحمن الكواكبي – ولد بحلب عام 1855 – وتوفي بالقاهرة عام 1902 - حيث عاش سنتين قبل وفاته - في كتابه
" طبائع الاستبداد : " وهو
من أهم ما كتب في تأصيل الحرية
والأمير "شكيب أرسلان" حيث قال: "إن الاستبداد لشر مطيّة تمتطيها
الحكومة المستبيحة لنفسها التطوّح في البغي والجور والعتو. ولكن
بعضهم يقول: هناك "المستبد العادل" النازل من الرعية منزلة الأب من
الأسرة (...)، وإنما جميع ذلك وهم وخيال لا ظل لهما في الحقيقة،
... ) د: إبراهيم عبد الباقي
( وفرّق الشيخ
محمد عبده بين الاستبداد والاستبداد المطلق، { حسب زعمه } فرفض الاستبداد المطلق،
في حين أنه طالب بوجود "المستبد العادل"،كما
رأى أن الاستبداد لا يمكن رفعه إلا بعد تكوين رأي عام يستحق الحياة السياسية الحرة.
) د إبراهيم عبد الباقي
أليست هذه مسوغات " التعيين " لحكام المسلمين وفقا لنموذج أتاتورك الذي ملأ أحلام
الثوريين طوال القرن العشرين ؟
أليس هذا ما يقوله كبار حماة قوانين الطوارئ والمستبدين
لعشرات السنين ؟
أليس من التناقض الظاهر الجمع بين الاستبداد والعدل في
قرن ؟ إذا كان " المستبد " مستبدا فكيف
يكون عادلا والاستبداد في ذاته هو عين الظلم؟ واعتداء على
الحقوق ؟ واستعباد للأحرار ، وتأله
على الخلق ؟
وكيف لا يكون مطلقا والاستبداد في ذاته لا يقبل
القيد ؟
وكيف لا يكون الاستبداد قبيحا
وهو في جوهرة تقمص لوثنية الصنم ؟
وتظهر المعصومية المقدسة
المنقولة من السماء إلى الأرض عند الشيخ – وهو الناقد الشهير –وهو ( ينظر لمجلس شورى القوانين، على أنه هيئة
دستورية معصومة فيما تقرره من أحكام، إذا أجمعت عليها؛ لأنها ممثلة الأمة، والأمة
في الفكر الإسلامي لها العصمة فيما تُجمع عليه، انطلاقا من الأحاديث الواردة بهذا
القول ومنها قول النبي -عليه السلام- "لا تجتمع أمتي على ضلالة." ) د: إبراهيم
عبد الباقي
رواه أحمد والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي نضرة الغفاري رفعه في حديث: سألت
ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها
وتناسى الشيخ المعنى الدقيق لانتساب الأمة للرسول وشروط
هذا الانتساب التي لا دخل لها عادة في تشكيل مجلس شورى القوانين
.
ومع ذلك فهو يرجع ليربط هذه الأمة المعصومة برباط عصري
في تثقيفها الواجب بعلم السياسة " أكثر
مما يربطها بمنهج الاتباع لهدي الرسول صلى الله عليه
وسلم ، إذ يقول: "فالمراد بعلم
السياسة : العلم بحال دول العصر، وما بينهما من الحقوق والمعاهدات، وما لها من طرق
الاستعمار، ..... والسياسة بهذا المعنى لم
تكن في عصر الصحابة." !!
قارن ذلك بما يقوله السيد عبد الرحمن الكواكبي في طبائع
الاستبداد : (لا خفاء أنّ السّياسة علمٌ واسعٌ جدّاً، يتفرّعُ إلى فنون كثيرة
ومباحثَ دقيقة شتّى. وقلّما يوجد إنسان يحيط بهذا العلم،
كما أنّه قلّما يوجد إنسان لا يحتكُّ فيه.
وقد وُجد في
كلِّ الأمم المترقية علماءُ سياسيون، تكلّموا في فنون السّياسة و مباحثها
استطراداً في مدوّنات الأديان أو الحقوق أو التاريخ أو الأخلاق أو الأدب. ولا
تُعرف للأقدمين كتبٌ مخصوصة في السّياسة لغير مؤسِّسي الجمهوريات في الرّومان
واليونان، وإنّما لبعضهم مُؤلّفات سياسية أخلاقية ككليلة ودمنة ورسائل غوريغوريوس، ومحرّرات سياسية دينية كنهج البلاغة وكتاب الخراج.
وأما في القرون المتوسطة فلا تؤثر أبحاث مُفصّلة في هذا
الفن لغير علماء الإسلام؛ فهم ألّفوا فيه ممزوجاً بالأخلاق كالرّازي، والطّوسي،
والغزالي، والعلائي، وهي طريقة الفُرْسِ، وممزوجاً
بالأدب كالمعرّي، والمتنبّي، وهي طريقة العرب، وممزوجاً بالتاريخ كابن خلدون، وابن
بطوطة، وهي طريقة المغاربة.
أمّا المتأخِّرون من أهل أوروبا، ثمَّ أمريكا، فقد
توسَّعوا في هذا العلم وألّفوا فيه كثيراً وأشبعوه تفصيلاً، حتَّى إنّهم أفردوا
بعض مباحثه في التّأليف بمجلّدات ضخمة، وقد ميّزوا مباحثه إلى سياسة عمومية،
وسياسة خارجية، وسياسة إدارية، وسياسة اقتصادية، وسياسة حقوقية، إلخ. وقسّموا كلاً منها إلى أبواب شتَّى وأصول وفروع.
وأمّا المتأخِّرون من الشرقيين، فقد وُجد من التّرك
كثيرون ألّفوا في أكثر مباحثه تآليف مستقلّة وممزوجة
مثل: أحمد جودة باشا، وكمال بك، وسليمان باشا، وحسن فهمي باشا، والمؤلّفون من
العرب قليلون ومقلّون، والذين يستحقّون الذكر منهم فيما نعلم: رفاعة بك، وخير
الدّين باشا التّونسي، وأحمد فارس، وسليم البستاني،والمبعوث المدني.
ولكنْ؛ يظهر لنا
أنّ المحرِّرين السّياسيين من العرب قد كثروا، بدليل ما يظهر من منشوراتهم في
الجرائد والمجلات في مواضع كثيرة. .. )طبائع الاستبداد للكواكبي
ومع ذلك، فالشيخ محمد عبده يرى )وجوب طاعة أولي الأمر
بشروط ، ويشرح ماهيتهم عند تفسيره لقوله تعالى
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْر مِنكُمْ ) (النساء: 59)، فيقول إنهم : "جماعة
أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام، والعلماء ورؤساء الجند، وسائر
الرؤساء والزعماء، الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة !!! .) د ابراهيم عبد الباقي
ولكنه يلتف ليوافق
الأفغاني بحرارة على فكرة محاولة اغتيال الخديوي إسماعيل أثناء مروره
اليومي بعربته على جسر قصر النيل ، للتخلص من استبداده وإسرافه ، ولينضم إلى
أستاذه في محاولة إدخال الماسونية في مصر في أواخر أيام
إسماعيل باشا - وفقا لتصريحه بذلك لصديقه
مستر بلنت - ،{ أنظر " اليهود والماسون في مصر "
للدكتور علي شلش ص 227 – 235 } ليفتح
الباب للاستقواء
بالأجنبي ، و لعمليات الاغتيال التي
مارسها الثوريون العلمانيون طوال القرن
العشرين
ويظهر " الدكان " العلماني في خطته الفكرية التي (عمل فيها – كما يقول
الدكتور إبراهيم عبد الباقي في دراسته القيمة عنه - على محاربة الجمود الديني من
خلال الانفتاح على العلم ومفاهيم التمدّن، واللجوء إلى العقل لا التقليد، كما أنه
أسهم في نشر بعض الآراء والمواقف الحديثة، التي اضطر إلى الاستعانة بها في مواجهة المفكرين المسيحيين والغربيين، على الرغم من
وعيه بمخاطر انتشار الأفكار والقيم الغربية في المجتمع الإسلامي. وكان موقفه هذا
إيذاناً ببدء تسرب هذه القيم إلى الفكر الإسلامي، على عكس ما كان يريد ويتمنى، حتى
عدّه البعض أنه أحد الذين أسهموا بإدخال "العلمانية" إلى العالم العربي
والإسلامي، إذ "فتح الباب على مصراعيه لكل أولئك الذين أتوا بعده من
المستغربين، أمثال: قاسم أمين، وعلي عبد الرازق، وغيرهم ) د إبراهيم عبد الباقي،
ولطائفة كبيرة من الماسونيين والشخصيات المرموقة بدءا
من سعد باشا زغلول إلى أحمد ماهر باشا وفؤاد سراج الدين ( علي شلش ص 237 – 239 )
ولسائل أن يسأل عن سبب غلبة هذا الدكان – دكان العلمانية
- على ما عداه من دكاكين من ميراث الشيخ ؟ وللإجابة نقول : أقوى هذه الأسباب
فيما نعتقد : ما استقر في وجدان الأمة من قابلية الاستعمار وما يزال ، وما صاحب
هذا " الدكان " من الاستقواء بالاستعمار في أطواره المختلفة : كل ذلك بتوريد ودعم
ووصاية " من الماسونية أولا و العولمة أخيرا مما
يصب في دكان العلمانية ، الملتبسة بتوقيع
الشيخ محمد عبده .
هذه هي العلمانية وذلك بابها الذي فتحه لها الشيخ ومن ثم
فهي إذ تقفل الدكاكين الأخرى اليوم في
مبنى ضريح الشيخ تحرص ألا يُـمس محمد عبده ولو مسا رفيقا وألا
يذكر إلا بوصف الإمام ، وهم الذين لم يعرف عنهم غيرة على الإسلام في غير هذا
الموضع ، بل هم لا يثورون حين يمس رسول الله وأصحابه ، ويرون أن ذلك مما تسعه حرية
الفكر والاختلاف .
ومن الحق – كما يقول الدكتور
محمد محمد حسين -
أن الذي يقرأ محمد عبده في مناظراته مع رينان
ومع فرح أنطون يحس بالتناقض في أنه كان يريد ـ أن يقيم
سدا في وجه الاتجاه العلماني يحمي المجتمع الإسلامي من طوفانه - ولكن الذي حدث – كما
يقول ألبرت حوراني في كتابه " Arabic Thought in the Liberal Age." -- أن هذا السد قد أصبح قنطرة للعلمانية عبرت عليه
إلى العام الإسلامي لتحتل المواقع واحدا تلو الآخر ، ثم جاء فريق من تلاميذه وأتباعه فدفعوا نظرياته واتجاهاته إلى
أقصى طريق العلمانية ) الإسلام والحضارة الغربية محمد محمد
حسين ص 79
إنها العلمانية المحلية بالذات هي التي " تفتي " اليوم بشرعية التماثيل !! وتسهل الطريق إلى
عبادة المستبد وتأبيد نظامه ، والركوع أمام صنمه .
وكما أكدنا في مقالات سابقة : إنها الغطاء العصري التنظيري
، للزندقة التي سموها التنوير، ولذبح المسلمين الذي يسمونه الديموقراطية
، وللردة الثقافية التي يسمونها التجديد ، ولمحو الهوية التي يسمونها الحداثة
وفي سياق ذلك
ظهر التشويه الذي شاع شيوعا كبيرا منذ وقت طويل - على سبيل المثال - في أعياد رأس السنة الميلادية حيث اتخذوا منها
إجازة رسمية وطنية للمسلمين ، وحيث يهرول المسلمون أو كثير منهم نحو اقتفاء أثر المسيحيين في الاحتفال بهذه
الأعياد، دون أن توجه لهم الدعوة لاستضافتهم من أصحاب الشأن الذين ربما يكونون أكثر حرصاً على الاستقلال
بخصوصياتهم في هذه الاحتفالات ، ويغارون عليها من أمثالنا كما يغار العاشق .
ويأتي هديه صلى الله عليه وسلم بتسديد مباشر ضد هذا
الاحتفال - ونحن نسقطه من وعينا تماما - في
قوله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا:
كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد
أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر). رواه
أبو داود ، والنسائي .
والقضية فيما نود أن نطرحه هنا أكبر من قضية الاحتفال أو
التماثيل في حد ذاتها ، حيث يتلاعب
العلمانيون بتهريجهم حول قيمة الموضوع أو أهميته ، وإنما هي تنفتح لقضية كبرى أعم، هي قضية
التغطية العلمانية على تدمير الهوية الإسلامية والتميز الثقافي للشعب المسلم ، هذا
بينما يوجد بيننا هدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحذرنا بأخطر لهجة وأشد
أسلوب من فقدان الشخصية ويفرض علينا فريضة أهملناها هي : التميز الثقافي
ومن المهم أن
ندرك أن ما تقوم به العلمانية من تشويه للحالة الإسلامية يأتي بتشويش من ألحان نشاز عن الثقافة والتطور
والتطوير ، ما هي في حقيقتها إلا ردة
ثقافية مبنية على الجهل بالإسلام والتطور والتطوير معا ، وفي جهلهم بالتطور نقدم
المقال القادم
أما جهلهم بالإسلام ففي جهلهم بأنه وهو يشرع في بناء
عقيدته الشاملة للدين والدنيا والآخرة ، يستعصي بذاتيته على
الخضوع لثقافة بشرية غريبة ، يأتي في صلبها الأصنام - أو قل التماثيل - لأنه محض أمر من الخالق ، يستظهر فيه عبودية المخلوق
، يريد به أن ينزل عند أمره ، وأن يسلك
مسلك المأمور ، بالطريقة التي شاءها ربه ،
لا بالطريقة التي يشاؤها له فرعون اللعين ، أو اللات أو العزى
، أو عشتروت ، أو صنم من أصنام التطور ، أو وثن من اوثان الاستبداد أو
نصب من أنصاب الفن ، أو عجل من عجول
الثقافة .
هذا بينما يوجد بأيدينا هدي الرسول محمد صلى الله عليه
وسلم يحذرنا بأخطر لهجة وأشد أسلوب من فقدان الشخصية ويفرض علينا فريضة التميز
الثقافي التي أهملناها والتي كان من دلائلها توجيهه صلى الله عليه وسلم - في حس
حضاري رفيع – فيما رواه أبو داود وصححه ابن حبان : ( من تشبه بقوم فهو منهم )
– وقوله صلى الله عليه وسلم :
(خالفوا المشركين ، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب) رواه الستة
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الستة أيضا: ( إن اليهود
والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)
و فيما رواه
الترمذي وأبو داود : ( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس )
وما رواه مسلم
عن ابن عباس قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه
قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ! فقال: إذا كان العام المقبل
إن شاء الله صمنا اليوم التاسع . قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم.ا
واهتمّ الرسول صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس
لها، فقيل له: انصب رايةً عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه
ذلك، فذكروا له القنع وهو شبور
اليهود، فلم يعجبه ذلك، ، فذكروا له
الناقوس فقال: "هو من فعل النصارى" ، إلى أن أرِي عبد الله بن زيد
الأذان في منامه. رواه أبو داود وأصله في الصحيحين.
وروى مسلم في صحيحه أن الرسول
صلى الله عليه وسلم قال: " فصل ما
بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"
ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه : كانت اليهود إذا حاضت
فيهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، ،
فقال :صلى الله عليه وسلم " اصنعوا
كل شيء إلا النكاح" ، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من
أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم في صحيحه.
وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم سلوكَ سبيل المغضوب عليهم
والضالين ، جاء في الصحيحين أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر
ضبّ لدخلتموه" ، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟!"
وفي رواية
للبخاري جاء قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تقوم
الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ"، قيل: يا رسول
الله، كفارس والروم؟ قال: " ومن الناس إلا أولئك؟!"
و ما مات الرسول إلا وقد نهى عن كل ما يدعو إلى المشابهة
والمماثلة، حتى إنه في مرض موته قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى ،
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" أخرجاه في الصحيحين
( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا
كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) النساء:89.
وكان من دلائل حرصه على التميز الثقافي : تشوقه صلى الله عليه وسلم إلى تغيير القبلة ،
واستجاب له ربه فيها بقوله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما
كنتم فولوا وجوهكم شطره ، وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما
الله بغافل عما يعملون ،ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ،
وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ، ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما
جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين " البقرة 144
والخروج على هذه الفريضة – فريضة التميز القافي يتحقق - فيما وضع أسسه الطهطاوي ومن بعده محمد
عبده وأتباعهم من العلمانيين - بإهدار هذه التعاليم في مجموعها كما هو حال المسلمين اليوم
في مناخ الهزيمة الحضارية التي وقعوا فيها ، وبين محاورها الدفاع عن الأصنام
فهل يستغرب القارئ إن سحبنا
هذا التصور على المشاركة في صناعة التماثيل
؟ بكونها خطوة متقدمة في تغيير جوهري يصبح الإسلام بعده مقبولا عند اللورد
كرومر و البارونة كوكس ؟؟!
والخطر الذي يهدد الشخصية الإسلامية ليس في كل مسألة من
مسائل هذا الانمياع في الشخصية الغربية أو المسيحية على
حدة ، ، إنه
ليس في مسألة الملبس أو اللحية أو الأعياد كل منها على حدة، كما يحلو للمدافعين عن
مثل هذا السلوك أن يناقشوا الموضوع ليجوز لهم بعد ذلك أن يبرروا أو يهونوا من
الأمر...
ولكن الخطر هو أن مثل هذا الاحتفال يأتي ضمن عملية
علمانية شاملة تجري على قدم وساق، بأساليب الغزو الثقافي ،
منذ وقت طويل ، وحذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم منذ وقت طويل أيضا.
إن مقاومة حملة
الغزو الثقافي نتفة نتفة
أشبه بمقاومة هجمة سبع شرس مرة بالتعامل
مع لبدته ، ومرة بالتعامل مع نظرة عينه اليسرى ، ومرة
بالتعامل مع ظفر من أظفارمخلبه الأيمن ... وهكذا
لابد من مواجهة عليمة بحقيقة الغزو وأطواره وأهدافه ضمن
خطة شاملة .. مساوقة
لخطة الشيطان في صراعه مع الإنسان منذ آدم عليه السلام ،
، مرورا بحال المسلمين اليوم في علاقتهم مع شيطان العصر
- وإلى أن تقوم الساعة .
هذا ولقد كانت استراتيجية الشيطان في معركته مع الإنسان تقوم على مبدأ أساسي
: ذلك هو سحبه من منهج الاتباع إلى منهج الابتداع ، أو
بعبارة أصح : من منهج الاتباع لله ، إلى منهج الاتباع لأعوان الشيطان ، هكذا كان حال الشيطان الأستاذ "
إبليس " مع آدم في الجنة ، وهكذا حال الشيطان التلميذ مع المسلمين في برامجهم
للتعليم والتربية الدينية والجهاد والحياة الكريمة والثقافة .
يقول سيدنا
إبراهيم لأبيه : ( يا أبت إني قد جاءني من
العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك
صراطا سويا ، ياأبت لا تعبد الشيطان ، إن الشيطان كان
للرحمن عصيا ) 42-43مريم
وقد ضرب الله
لنا المثل لذلك في قضيتين متشابهتين : قصة آدم مع الله ،
وقصة موسى مع الرجل الصالح . هنا لابد من الاتباع ؛ اتباع آدم لأمر الله ، واتباع موسى لأمر الرجل الصالح .
والمشكلة أن
سماسرة الشيطان من بعض المفكرين المعاصرين يملئون الساحة ضجيجا : أن صراعا يدور
بين منهج الاتباع الذي تلتزم به الرجعية الدينية ،
ومنهج الإبداع الذي تلتزم به الحداثة التقدمية التنويرية في طبعتها الأخيرة
الأمريكية الإبليسية العصرية . وقد جهل هؤلاء أو
تجاهلوا أن الاتباع هو الأصل بالنسبة للإنسان ، سواء
آمن بالله أولم يؤمن ، لا مفر للإنسان من أن يسلك مسلك الاتباع
، لأنه - على شتى المستويات - عندما يكتشف
أنه ذو علم ضئيل .. أمام مصدر يكتشف فيه أنه ذو علم واسع فلابد من الاتباع . هذا
شأن البشر جميعا : العقلانيين ، والتجريببين ، واللاأدريين ، والنفعيين ، هم جميعا : اتباعيون
.
ولا مجال هنا لشرح ذلك بالتفصيل أنظر كتابنا فلسفة
التسليم
حتى ما يسمى الإبداع الفني ، هو في أصله عميق الاتباع ، فالفنان المبدع لا يكون عبقريا إلا بأن يتبع حالته
الوجدانية ، التي تدفعه - في شبه غيبوبة - إلى إنجاز النوع الفني الذي يعمل في
أسره ، وفي نطاقه : شاعرا كان ، أو نحاتا ، أو رساما ، أو قصاصا ألخ
وإذن فالقضية
أولا وأخيرا هي قضية اتباع ، اتباع
لله ، أواتباع لغير الله إبليسا أستاذ ا أو شيطانا
تلميذا .
وكما قلنا سابقا من لم يتبع الله ورسوله تبع غيره حتما . إنه الاتباع العكسي ، الذي
يحذرنا منه العليم الخبير : يقول تعالى ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ،واتبعوا أهواءهم ) 16 محمد
وفي الرؤية الإسلامية فإن دور الشيطان– إبليسا استاذا كان أو تلميذا مسيصهيونيا -
مع الإنسان في هذه الحياة لا يدعو للابتئاس ، أو الحزن ، أو الخوف المرضي : تلك
مسيرة ابتلاء واختبار وارتقاء ، يقول تعالى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا
وعلى ربهم يتوكلون ، إنما سلطانه على الذين يتولونه ، والذين هم به مشركون ) 99
النحل
***
ثم يأتي الكلام عن وهم انحطاط الصمنية المحرمة عن
مستوى التطور : تطور العقل البشري المعاصر إلى مستوى المنهج الوضعي باعتباره أرقى
ما وصل إليه العقل البشري متحررا من رجعية الدين والخرافة والميتافيزيقا .
ومن خلال هذا
الوهم تصور الشيخ محمد عبده أن رجوع الإنسان إلى عبادة الأصنام أو التماثيل لم يعد
واردا
ولقد تأثر في ذلك ( بأسفاره وتنقلاته في أوروبا،
واجتماعه بأهل الرأي فيها من المثقفين والساسة ، إذ قوي الأمل لديه في إصلاح أحوال
المسلمين؛ على غرار أوروبا التي ارتقت
ارتقاء عظيما في العلوم، والصناعات، والسياسة، وغير ذلك، .... وكان يقول عندما يهم
بالسفر إلى أوروبا: إنني ذاهب لأجدد نفسي ) د: إبراهيم
عبد الباقي
وليس غريبا أن يتردد
في كلام الشيخ مصطلحات التطور والارتقاء كراسب من رواسب علمه بنظرية التطور
الحيوي عند دارون ، ، والتي تبلورت فكريا عند أوجست كونت ( 1798 - 1875 ) في قانون الأحوال الثلاثة
للتطور العقلي . الذي كان يذهب إلى أن الاضطراب العقلي الذي تعانيه الإنسانية
مرجعه إلى أن الناس يعتمدون على ثلاث فلسفات متعارضة هي :
الفلسفة اللاهوتية ، والفلسفه
الميتافيزيقية ، والفلسفة العلمية أو الوضعية .
ويعبر عن قانون الأحوال الثلاث بالصيغة الآتية :
(بناء علي طبيعة العقل الإنساني لا بد لكل فرع من فروع
معلوماتنا من المرور في تطوره بثلاث حالات نظريه متتابعة : الحالة اللاهوتية أو
الخرافية ، الحالة المتيافيزيقية أو المجردة ، وأخيراً
الحالة العلمية أو الوضعية..
؛ انظر فلسفة أوجست كونت تأليف ليفي بريل
ترجمة دكتور محمود قاسم ودكتور السيد محمد بدوى طبعة 1952 ص 34 ،35 0
.
ولسنا هنا بصدد نقد قانون الأحوال الثلاث وقد فعلنا ذلك في مقال سابق - :
والذي يهمنا هنا أن نعلم أن الفلسفة
الوضعية التي قامت علي استبعاد الدين والميتافيزيقا انتهي زعيمها الفيلسوف أوجست
كونت (1798-1875) إلي وضع ما سماه "دين الإنسانية"
{ وفي هذا السياق : أنصحك بأن
تتحسس جيبك كلما استمعت إلى ما يتردد على ألسنة النخبة الثقافية من شعار " الإنسانية
؟ !!}
وفي دين الإنسانية تكون "الإنسانية"
هي المعبود ، وأبطالها هم موضع التعظيم والتكريم ، بل ذهب أو جست كونت إلي
ابعد من ذلك ، حيث وضع لهذا الدين الجديد معبداً حقيقياً ، تنتصب فيه التماثيل !! ويصاغ
فيها تمثال المعبود "الإنسانية" علي هيئة أنثي ، وتقام بجواره تماثيل
نصفية لأبطال التاريخ
وهاهي التماثيل تطل برأسها في صلب فلسفة التطور العقلي
ومراحله ، بالرغم ممن يهرجون علينا بأن من شأن التقدم أن يواري عبادة التماثيل
التراب !!
... في يوم الجمعة 10 ابريل 1846 أي بعد وفاة معشوقته
بخمسة أيام فقط نجد كونت يبدأ في تأسيس "دين الوضعية"
المعبد: شقتها الخاصة التي عاشت فيها
قدس
الأقداس: المقعد المكسو بالقطيفة الحمراء الذي جلست عليه عندما زارته لأول مرة
وآخر مرة في بيته رفات
"أم البشرية" خصلات من شعرها ، منديلها رسائلها، وشاحها قفازها، صورتها
الخ
إنجيل
الوضعية: مجلد مكون من 560 صفحة ، ويحتوي علي ألف رسالة
حب !! كان قد كتبها لها خلال سنتين ابتداء من أول لقائه بها
الي وفاتها
وبعض رسائلها القليلة
وهاهي بعض طقوس "دين الوضعية" كما عرفها أوجست كونت
في مؤلفه "الوصية"
صلاة الصبح :فيها
الكاهن أوجست وأتباعه من تلاميذه أمام محراب كلوتيلد أي المقعد المكسو بالقطيفة الحمراء
وتستهل الصلاة بهذه الكلمات :"من
الأفضل أن يحب الإنسان علي أن يكون محبوباً ،
أما آخر دعاء فيقال أمام الرفات : وداعاً يا شريكة حياتي الدائمة وداعاً يا زوجتي وابنتي وداعاً يا أم البشرية
معابد أم البشرية :
والشيء العجيب أن ديانة الوضعية ما زالت لها معابدها حتى
اليوم في فرنسا – على الأقل في
عام 1977 بعد الميلاد : وبعد وفاة الشيخ محمد عبده بأكثر من سبعين
عاما - وما زال يحج إليها الوثنيون من
أتباع الوضعية المتطرفة !! وأشهر هذه
المعابد في شارع بابين في باريس حيث الشقة التي عاشت فيها كلوتليد وفي شارع "مسيولي
برنس" حيث الشقة التي عاش فيها أوجست كونت، هذا غير عشرات المعابد الأخري في باريس !!
والأعجب من هذا أن أكبر معبد لكوتليد
"أم البشرية" مقام الآن في ريودي جانيرو في البرازيل
وأعجب العجب أن
علم البرازيل يحمل شعار ديانة الوضعية كما تصوره (كونت)
أما الفيلسوف العاشق فرغم حبه ظل محتفظاً بكامل قواه العقلية الفلسفية
والعلمية فقد عاش بعد كلوتيلد
أحد عشر عاماً وكان يلقي فيها محاضراته في
الجامعة كما ألف ثلاثة كتب أخري عن الوضعية أهمها وأشهرها "السياسة الوضعية"
انظر مجلة اكتوبر في 13/11/1977 0
وإذا كان البعض قد يتخيل أن له أن يدافع عن وضعية كونت بالحط من هذا الدين
بدعوى أنه - أي هذا الدين- إنما يعبر عن هلوسة عاشق .. فإننا نجد من المؤرخين من
يجد لها الدين مكانه في البناء المنطقي للمذهب الوضعي عند كونت، بالرغم من علاقة
الحب تلك
يقول الفيلسوف الفرنسي الشهير إميل بوترو
بعد أن يتساءل :
كيف تم إدماج هذا الدين في المذهب الوضعي باسره ؟
يقول: (حصل ذلك على اثر هوى كومت لكوتيلدى
فو, هذه واقعة لا سبيل إلي الشك فيها ، ...) العلم والدين
ص 53 0
ويقول إميل بوترو: (لا تتجه
عبادة المذهب الوضعي إلي ذكري أبطال الإنسانية فقط بل موضوعاتها الأساسية :
الموجود
الأعظم أو الإنسانية
والمعبود
الأعظم أو الأرض
والبيئة
العظمي أو المكان
هذه الأقانيم الثلاثة ثالوث
المذهب الوضعي )
.. ويبدو
التناقض صارخاً بين الوضعية من حيث هي احتجاج علي الألوهية
والميتافيزيقية ، ...والإنسانية من حيث هي كيان ميتافيزيقي غيبي
يقول أميل بوترو:
(لئن اتخذنا الإنسانية مقياساً للأشياء فلن نغلق باب عصر
المباحث الميتافيزيقية والدينية إلي الأبد، ولكنا نفتحه من جديد) العلم والدين ص 3
0
ويقول ويليام جيمس عن الديانة الوضعية: (لقد أصبحت قوانين
الطبيعة المادية في هذه الأيام أيام الفلسفة الوضعية موضوعات مستحقة للتمجيد الذي
لا يكون إلا لله) العقل والدين ص 89 0
ويقول عن جناح من أجنحة الوضعية المتشددة في وضعيتها :
(... إنهم يقولون "دع العالم يفني ليحيا العلم" كما قال
أشباه لهم "دع العدل يتم ولو أفني العالم" فهل تجدون وثناً صنع في كهف
أجمل من هذا الوثن؟) العقل والدين ص 89 0
وكيف لنا أن نفسر تلك العقليــة الغربية التي تتشبث
بنبوءات التنجيم كتشبث القرون الوسطي ، وذلك حيث ينتشر التنجيم الآن في العالم
الغربي بصورة لم يعهدها الشرق من حيث التعمق والتبويب
والاستقصاء . نذكر في هذا الصدد مقالا
للأستاذ عباس العقاد بمجلة أخبار اليوم 21 /1/1956 ونذكر أيضاً جريدة الجمهورية بعددها الصادر في 18
نوفمبر 1977 لنري كيف يعتمد الشعب الألماني علي قراءة البخت والعرافين والعرافات
وكيف استشري هذا الأمر بينهم ، حتى صارت العرافات من أعلام المجتمع ، وحتى صار لكل
من رجال السياسة والاقتصاد مستشارون خاصون في قراءة الطالع
ونذكر أيضا ما أصبح شائعا عن دور العرافات في ترتيب أمور
البيت الأبيض - في أمريكا - وقصر الرئاسة في عصر فرانسوا ميتران ، في التسعينيات
من القرن الحالي .
هاهي التماثيل الوثنية الصنمية
المحرمة تلتف كالثعبان بين جحور المنهج
الوضعي المادي الملحد لتصنع أصنامها جهارا نهارا وتنصبها فوق هيكل الوضعية المادية
المعاصرة ... وسوف تستمر إلى وقت تفيق فيه الإنسانية من غفلتها على صوت الإسلام ،
صوت محمد – صلى الله عليه وسلم - داعي التوحيد والصراط المستقيم ، في إصراره
المطلق على نفي الشرك ونفي الوثن ونفي الصنم ونفي التمثال ، وإن تقطعت أنفاس
العلمانية وإن انقطعت أو تحشرجت
أم أنهم في ربع
الساعة الأخيرة يتحرشون ؟
على الأقل إنهم : بالإسلام
يتحرشون– كما تقول الكاتبة المجيدة صافيناز كاظم في جريدة الشرق الأوسط - تحت عنوان "التماثيل... التماثيل "
: ( .. «المتحرشون» يعودون إلى زار تقطيع الهدوم
والبكاء والنواح على «التماثيل»، التي يدعون أن مفتي الديار المصرية قال بتحريمها
من الباب للطاق، .... ؟ كأنه
كان من المنتظر منه أن يهمل سؤال مواطن يريد أن يعرف
أحكام دينه، أو كأن المطلوب منه أن يترك ركائز العلم الفقهي ويقول: قال الشيخ محمد
عبده! وما إعجابهم بقول الشيخ محمد عبده سوى أنه قال ما
تهواه أنفسهم! ولقد هاجت هذه الزوبعة منذ عامين حين اعترض سكان مدينة زايد في
منطقة 6 أكتوبر على تمثال لنحات أميركي تم وضعه عند مدخل مدينتهم، وقام رئيس الحي
بإزالة التمثال، تلبية لرغبة سكان المدينة: .. فإذا
بدائرة المتحرشين تطلق صرخات الاستدعاء لحلقة النار وشواء رئيس الحي وتمزيقه في
وليمة نهش جماعية، بدعوى الذود عن قيم «التنوير»! وطبعا،
في هذا الحفل البدائي، تمت جرجرة المسكين الأستاذ الإمام محمد عبده يستشهدون بـ«فتواه» في «التماثيل»، كأنهم قد أطاعوه في كل شيء وتقلدوه
بالسمع والطاعة في ترك كل «المحرمات» التي أفتى بتحريمها! ولا
أدري لماذا تكون فتوى الشيخ محمد عبده حجة تدمغ فتوى الدكتور علي جمعة ولا تكون
فتوى الدكتور علي جمعة حجة تدحض فتوى الشيخ محمد عبده؟ ومن الفيصل في ذلك غير
العلماء المتخصصين؟ سبحان الله!)
وبعد : فإذا كان
لأحد أن يأخذ من فتوى الشيخ محمد عبده التي أصدرها في القسم الثاني من حياته - مرجعا للتقليد – يكون حجة له أمام الله مع
احترامنا الكامل لمرحليته وتقلباته وتراثه المتنوع – فإننا نهديه هنا هدية – على غرار الهدية التي قدمها الأستاذ
رجاء النقاش لفضيلة المفتي الحالي – نهدي
إليه ما قاله اللورد كرومر وألفرد بلنت عنه وانظر في
ذلك : " الاتجاهات الحديثة في الإسلام " تأليف ا . ر. جب ترجمة كامل سليمان ، تاريخ الأستاذ الإمام
لمحمد رشيد رضا ، و " التاريخ السري لاحتلال مصر " لـ ألفريد بلنت ، وما كتبه الأستاذ الدكتور محمد محمد
حسين في كتابيه الرائعين : "الإسلام والحضارة الغربية " الطبعة السابعة 1985
و " الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر " نشر مؤسسة الرسالة الطبعة
السابعة 1984 م ، و" حصوننا المهددة من الداخل " مما قدمنا طرفا منه
سابقا
وله بعد ذلك أن
يستفتي من يشاء ويقلد من يشاء وحسابه عند الله
والله أعلم