قطاع الطرق

 

 

بقلم د.محمد زارع

    dr_moh_zaree2002@hotmail.com

 

  بداية أعتذر لقرائي الأعزاء عن هذا الغياب الاضطراري  .. لأني كنت مختطفا في سجون مبارك مع نخبة من خيرة شباب ورجال ونساء مصر – أحسبهم كذلك ولا أزكي على الله أحدا –

.. وفد أفرج عن عدد قليل من هؤلاء الذين اختطفوا أثناء مظاهرات وفعاليات تأييد القضاة في مطالبهم العادلة .. ومازال المئات منهم خلف الأسوار .. وعشرات الآلاف معتقلون منذ عقود طويلة دون تهمة أو ذنب .. ومازالت مصر كلها أسيرة في قبضة هذا النظام القمعي المستبد الذي بلغ الذروة في الاستهتار والتبجح والحمق والقبح

.. وقد بات واضحا لكل ذي عينين أن عصابات أمن الدولة وبلطجية الأمن المركزي والمنحرفين من ضباط الشرطة هم الذين يحكمون هذا البلد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

.. وحين يكون الأمر في يد هؤلاء الشواذ أخلاقيا المتخلفين عقليا الذين يفوقون قطاع الطرق .. وحين تكون صورة مصر بهذا الشكل المهين الذي رآه الناس في العالم كله وشهدوا كيف يداس شرفاء مصر بالأحذية علنا .. فلا أمن ولا أمان .. ولا كرامة لوطن يحكمه أمثال هؤلاء .. ولن يقبل أي كلام عن الإصلاح وما شابه ذلك من عبارات يلوكها أنصار هذا النظام .. ولا بد من السعي بجد والتركيز بوعي على التغيير .. التغيير الحقيقي الذي يشمل السياسات والنظم والأشخاص .. إذ لا يمكن أن يتم أي إصلاح في وجود هذه الشرذمة الفاسدة المفسدة التي تحكم مصر الآن .. ولا يمكن أن يستقيم الذيل الأعوج أبدا .. وفد بلغ بهم الجنون والسقوط درجة لم نكن نتصورها .. فأصبحوا كالكلاب المسعورة .. ينهشون كل من يقابلهم .. يلهثون باستمرار .. وينبحون ليل نهار .. لأنهم ضلوا وأضلوا .. وطغوا .. وتمادوا في الطغيان .. فضاع صوابهم .. وفقدوا رجولتهم .. وانعدمت مشاعرهم وإنسانيتهم .. وانقلبت فطرتهم .. وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا .. وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا

.. هجموا غلينا كالحمر الوحشية .. لا يتحسبون لكبير أو صغير .. ولا يفرقون بين رجل أو امرأة .. ولا يرعون حرمة أو قيما أو أعرافا .. لقد فوجئت بشخص يجذبني بشدة وعنف فوقعت على الأرض وظللت لحظات لا أقوى على النهوض من هول المفاجأة والذهول .. فحملوني عنوة وزجوا بي في سيارة تقف على بعد أمتار وسط وابل من الإهانات والركلات والألفاظ البذيئة التي لا أريد أن أدنس بها قلمي .. أو أجرح بها مشاعر قرائي .. وحين نظرت في السيارة وجدت بجواري الدكتور /  جمال العشري أمين صندوق نقابة صيادلة الدقهلية فسلمت عليه .. وحاولت الاتصال بأحد الأصدقاء لأخبره بما جرى .. فخطفوا مني التليفون وأغلقوه .. ثم شرعوا في وضع عصابات محكمة من القماش البالي فوق أعيننا حتى لا نرى أين نحن وإلى أين سنذهب ؟ ! .. وعلى إيقاع الشتائم والألفاظ السوقية وصلت بنا السيارة إلى سجن استقبال طرة حيث وجدت عددا من الأصدقاء والوطنيين من كل الاتجاهات .. فأدركت أنهم يريدون حبس كل الأصوات الحرة والشريفة بمصر .. وأنهم يدبرون أسوأ المؤامرات .. ويكيدون لمصر كلها كيدا عظيما .. ولكني أيقنت في نفس الوقت أن كيدهم ضعيف .. سوف تنجو مصر من ضره وتسلم من شره .. وتركونا لساعات طويلة لا ندري ماذا سيفعلون بنا .. ثم نقلونا إلى سيارات الترحيلات الغليظة .. والعصابات مازالت فوق أعيننا .. وإذا حاول البعض أن يختلس بعض النظرات انهالت عليه اللكمات من حيث لا يدري .. ومكثنا ساعات طويلة داخل هذه السيارات الكئيبة .. لا طعام ولا شراب .. ولا حمامات .. وكانوا يقولون لنا بكل بساطة .. تستطيعون التبول داخل السيارة لأنه لا توجد تعليمات بخروج أحد .. وبعد ست ساعات متواصلة من الإلحاح والرجاء استطاع البعض أن يحصل على السماح له بالتبول بجوار عجلة السيارة التي يركبها وهو معصوب العينين مقيدا بالسلاسل مع أحد زملائه .. وبالطبع لم يستطع الكثيرون إنجاز عملية التبول وسط كل هذه الظروف الصعبة .. وعادوا ليواصلوا الرحلة المريرة إلى نيابة أمن الدولة بمصر الجديدة .. بينما ذهب الباقون إلى المحكمة الجزئية بالجلاء .. حيث تليت التهم المنسوبة إلينا وهي إهانة رئيس الجمهورية وإثارة الشغب وتعطيل المرور وإثارة الفتنة الطائفية وتكفير المجتمع .. إلى آخر هذه التهم المعتادة التي حفظها الناس عن ظهر فلب

.. وبعد انتهاء هذه الجلسات الصورية عدنا إلى سيارة الترحيلات مرة أخرى ليتكرر ما كنا فيه ثم أودعونا سجن مزرعة طرة بعد أن قضت النيابة باستمرار حبسنا خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق

.. وفي الأسبوع القادم إن شاء الله نستكمل القصة