حماس و الحسابات الداخلية و الدولية الدقيقة المنتظرة

 

 

بقلم: علي حسين باكير

            باحث أردني

 

سجّلت حماس الخميس في 26-1-2006 انتصارا مدوّيا في الانتخابات التشريعية التي حصلت, و نالت اثرها 76 مقعدا من أصل 132, فيما نالت فتح 43 مقعدا في المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد. الاعلان عن هذا الانتصار و الجديد في كمّه و نوعه قد ترك أثرا مدوّيا على الصعيد العالمي خاصّة لدى الولايات المتّحدة, اوروبا و اسرائيل.

 

لقد فاجأت نتائج الانتخابات حماس نفسها كما صرّحت, و لم تكن المفاجاة في الفوز بقدر ما كانت في الانتصار الساحق بالأغلبية التي حقّقتها. فحتى الغربيين على الرغم من انّهم يعلمون انّ حماس ستحقق فوزا بقارق ضئيل عن فتح او تخسر بنفس الفارق الضئيل عنها ايضا, الاّ انّهم تفاجاؤوا بهذا الانتصار و بهذه الطريقة.

 

و نستطيع أن نقول انّ عوامل عديدة كانت وراء هذا الانتصار الساحق في هذه الظروف من بينها على الأقل:

اولا: انّ الحملة الانتخابية الشرسة لحماس, رافقها فساد شديد لدى فتح و في كافة  فروعها و انظمتها و على كافة المستويات.

ثانيا: انّ حماس و على الرغم من أنّها ذات توجه اسلامي الاّ انّ حملتها ركّزت على البعد الاجتماعي و تحسين ظروف الفلسطينيين و اقلّه وقف الهدر و الفساد.

ثالثا: انّ خيرا الناخب كان بين جهة لها تاريخ طويل في سوء الادارة و انتشار الفساد بينما هي في الحكم و أخرى لها تاريخ في تقديم المساعدات الاجتماعية و المساندة المعنوية و هي خارج السلطة.

و على كل حال فوجود حماس في السلطة التشريعية الآن يطرح عددا من التساؤلات من بينها:كيف ستستفيد حماس من الغالبية التي حصلت عليها و كيف و أين ستوظّفها؟

 

لو انّ حماس حصلت على اغلبية ضئيلة سواء في الربح او الخسارة كان يمكن ان تستفيد من ذلك بدفع فتح للواجهة في أي عملية مفاوضات فيما تشرف هي على الجهة الأمنية و تتجنب المفاوضات مع اسرائيل و تشرف على الشارع الاجتماعي فيما تبقى فتح تحت الضغوط.

 

لكن الوضع الآن مختلف, فالأغلبية الساحقة لصالح حماس و عليها تشكيل حكومة و هي نظريا و حسابيا تستطيع تشكيل أي حكومة دون فتح وا غيرها. و لكن هل ستقوم بذلك, ام أنّها ستفضل اشراك الآخرين مع سيطرتها على الحكومة -و هو ما سيجري على الأرجح- أم ستاخذ وقتها في التفكير بعد المفاجأة التي حلّت لها و ترى الخطوات اللازمة فيما بعد؟!

 

و في حال حصول ائتلاف حكومي, فانّه من المرجح أن تستمر المساعدات الغربية للسلطة و يبقى التواصل مع امريكا و اوروبا قائما بشكل اسهل. لكن المشكلة ان وجود حماس في السلطة سيطرح اشكالية المقاومة. فأي عمل عسكري من قبل حماس سيعتبره الغرب و اسرائيل ارهاب دولة ممّا سيؤدي الى استهداف مرافق السلطة و قطع العلاقات و المساعدات عنها و هو ما سيفتح الباب لاستهداف النظام الفلسطيني بشكل عام و الشعب بشكل خاص.

 

في المقابل, فانّ حماس تدرك اهميّة و قيمة امتلاك اغلبية سياسية و هي هنا يمكنها المناورة من خلال دمج جناحها المسلح في اجهزة الامن الوطني الفلسطيني  لتجنب ضغوط نزع السلاح, و قتال اسرائيل عبره اذا خرقت او انتهكت أي هدنة او اتفاق او اعتدت على الفلسطينيين.

 

طبعا هذا يفترض بطبيعة الحال انّ حماس سيكون لها تأثير عبر غالبيتها او عبر نموذجها على باقي الفصائل الفلسطينية و من بينها الجهاد الاسلامي و جناح فتح الساخط.

 

السؤال الثاني, كيف ستتعامل امريكا مع سلطة تدعو في دستورها الى تدمير اسرائيل و مع حزب سياسي يقاتلها؟ بالتأكيد ستكون هناك معضلة كبيرة و لكن أمريكا ايضا ليس باستطاعتها اهمال هذا التطور الكبير في ضوء الدعوة الى الديمقراطية. حسنا الديمقراطية هنا توصلنا و نحن ندعو الى استعادة حقوقننا و تدمير اسرائيل, فهل ستقبلون الديمقراطية ام لا؟

 

هل ستلتزم امريكا و اوروبا في شعاراتها عن تسويق الديمقراطية و نشرها في الشرق الأوسط؟ ام انّهم يريدون ديمقراطية "عميلة , مستوردة" كما في العراق و أفغانستان؟

لقد سبق للغرب و لامريكا أن اطاح العديد من الديمقراطيات. فقد  أيّدت أمريكا المسعى الفرنسي لابطال نتائج الانتخابات الجزائرية التي فاز بها التيار الاسلامي فوزا ساحقا و صرّح وزير الخارجية الأمريكية آنذاك (بايكر) بأنّ بلاده ترفض قيام اسلام سياسي حتى و ان جاء بالطرق الديمقراطية الانتخابية لأنّ ذلك يمثل تهديدا للمصالح الأمريكية و للدول الموالية لها و للسلام العالمي في العالم. وكذالك كان الأمر عندما فاز حزب الرفاه في تركيا عام 95 فدعمت الانقلابيين ضده كي لا يصل الاسلاميون حتى بالطرق الديمقراطية ذات المفهوم الأمريكي. و قد أطاحت امريكا بالعديد من الديمقراطيات في امريكا الوسطى و الجنوبية.

و كما يقول الكاتب و المفكر الأمريكي المعروف "نعوم تشومسكي"  حيال موضوع نشر الولايات المتحدة للديمقراطية: نستطيع أن نفهم بسهولة سياسة الولايات المتحدة في العالم الثالث:" نحن نعارض-و بمثابرة و اصرار- الديمقراطية اذا كانت نتائجها خارج نطاق سيطرتنا , و المشكلة مع الديمقراطيات الحقيقية أنها عرضة للوقوع فريسة للهرطقة التي تزعم أنّ على الحكومات الاستجابة لمصالح شعوبها بدلا من مصالح المشتثمرين الأمريكيين" انتهى كلام تشومسكي.

 

و كما ذكر "المعهد الملكي للشؤون الدولية" في لندن في دراسة له عن نظام العلاقات الامريكية الدولية مؤدّاها أنّه "بينما تقدم الولايات المتحدة خدمة "لسانية" للديمقراطية فانّ التزامها الحقيقي هو ل"مشروعات الرأسمالية الخاصة" و عندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد فعلى الديمقراطية أن ترحل و لا بأس أن يحل محلها حكّام التعذيب و القتل".

فهل بعد هذا سيصدّق أحد أنّ أمريكا ملتزمة بنشر الديمقراطية في لشرق الأوسط؟؟! و ماذا اذا أوصلت هذه الديمقراطية الاسلاميين الى الحكم في جميع الدول خاصة و أنه أمر طبيعي في ظل ظروف الكراهية المتنامية ضدّ أمريكا!! فوز حماس يعتبر مقياسا لمن لم يعرف حقيقة امريكا و أوروبا بعد.

 

و لا شكّ انّ انتصار حماس سيفتح ايضا حسابات اقليمية و دولية عديدة, و سيقوي من موقع القوى التي تخوض مواجهة دبلوماسية مع امريكا مثل سوريا و ايران, لكنّها في نفس الوقت قد تعطي اثرا ايجابيا للاسلاميين في باقي الدول العربية بحيث ينعكس ثقلهم الحقيقي في الشارع و ينتقل الى السلطة السياسية.

 

الاّ ان ّهناك امر وجب علينا التنبيه اليه, و هو انّه و في حال تقاعس حماس عن مقاومة اسرائيل فهذا سيفتح الباب امام فصائل غير فلسطينية او فلسطينية ساخطة منشقّة ترى في انّ المقاومة الفلسطينية قد تنازلت عن الحد الادنى المقبول في مقارعة العدو و ذلك مقابل ثمن سياسي او برتوكول دولي يفترض عدم المقاومة عسكريا من موقع سياسي أو بشكل رسمي, و مثال فتح أبو عمّار لا يزال حاضرا, و لعلّ القاعدة ستكون اكبر المستفيدين من ذلك في حال حصوله لأنّها لطالما امتنعت عن دخول البوابة الفلسطينية على اساس وجود رجال قادرين على المواجهة من الداخل و خوفا من تخريب الوضع القائم هناك, لكنّ تنازل المقاومة الفلسطينية عن دورها او تهاونها فيه سينسف كل ذلك و سننتقل الى المرحلة الأكبر من الصراع مع اسرائيل حينها.

 

فالحسابات المحلية و الدولية دقيقة جدا, و اللاعبين و الفاعلين الدوليين ينحصرون في حالتنا بالمقاومة العربية و الاسلامية في حين انّ الانظمة العربية غير مدركة لما يجري من حولنا و مستسلمة بشكل انبطاحي لكل ما يحصل, و مصيرها معروف و المسألة مجرد وقت.