عن البرنامج الاجتماعي لحركة "حماس"
بقلم :أحمد أبو زينة
تزايد بعد فوز حركة "حماس" في
الانتخابات التشريعية الفلسطينية اللغط، وكثرت التساؤلات التي تُثار حول البرنامج
الاجتماعي للحركة، والتي كانت قد بدأت أصلاً خلال الحملة الانتخابية. والملاحظ أن كثيراً من تلك التساؤلات تصب في خانة التشكيك،
والتخويف من المواقف، والتوجهات الاجتماعية لحماس، وآثارها على الحقوق والحريات
الخاصة والعامة. ومع التوقف عند ما يقال ويشاع فإن من
السهولة بمكان ملاحظة قلة الدقة والافتقار للموضوعية، والأسس العلمية في تناول
الأمور وتحليلها.
يعلم الجميع أن "حماس"
تتبنى الإسلام كمرجعية وأيديولوجيا، وهذا حقها بالطبع، تماماً كما يمكن لأيّ حركة
أو حزب أو تنظيم أن يتبنى أية عقيدة أو منهج، سواء أكان اشتراكياً أم ليبرالياً أم
غير ذلك. والإسلام كدين وعقيدة –كما يعلم الجميع أيضاً- يمتاز بالوسطية، والاعتدال، والتوازن في كل أموره. و"حماس"،
وهي جزء من التيار الإسلامي الوسطي، تتبنى الفهم الوسطي للإسلام، وهو الفهم الأعم
الأغلب لدى الأكثرية الساحقة من المسلمين ومن الحركات الإسلامية، وبالمقابل فإنه
لا يمكن إنكار أن هناك تزمّتاً وتشدداً في فهم وممارسة العديد من المسلمين
والحركات الإسلامية. ولا يمكن لأي محلل أو مراقب يمتلك
حداً أدنى من الموضوعية، إلا أن يُفرّق بين الحركات الإسلامية الوسطية منها
والمتشددة.
وتأسيساً على ما تقدم
وتطبيقاً له، لم يُعرف عن "حماس" أنها قامت، كحركة، باستخدام العنف لفرض
رؤاها وتصوراتها على المجتمع الفلسطيني، أو على أي فرد من أفراده ذكراً كان أم
أنثى، ودعك من تصرفات فردية هنا أو هناك لا تسلم منها حركة، ولا يمكن تحميلها أكثر
مما تحتمل. بل إن "حماس" تدرك بفهمها الوسطي والمتزن أن مسائل الإيمان
والعقيدة، وما يتصل بهما من سلوك هي أمور مناطها القلب والاقتناع، ولا يمكن أن تتأتى بالإكراه. إلا أن
هذا لا يعني بالطبع أن تتخلى "حماس" عن أحد أدوارها المهمة، وهو الدور
الدعوي والتربوي، وهو دور الأنبياء والرسل أساساً، والأمانة الملقاة على عاتق كل
من يفهم الإسلام كدين شامل لكل مناحي الحياة. فاجتهد
دعاة وعلماء الحركة الإسلامية في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وحثّ
الناس على الالتزام بتعاليم الإسلام، حتى يضمنوا سعادتهم ونجاتهم في الدنيا
والآخرة.
واستطراداً فإن مسألة
العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة والحياة، هي مسألة لا تعني "حماس"،
كحركة إسلامية تؤمن بالتصاق الدين الإسلامي بكل مناحي الحياة والنشاط الإنساني،
وأن الإسلام حين يُفصل عن واقع الحياة والناس، لا يعود هو الإسلام خاتم الأديان
وناسخها، وما أروع وأبلغ ما قاله الإمام الشهيد "حسن البنا"
في هذا المجال مخاطباً الإخوان المسلمين: "إذا قيل لكم -أيها الإخوان- إلامَ
تدعون؟ فقولوا: ندعو إلى الإسلام، والحرية فريضة من فرائضه، والحكومة مبدأ من
مبادئه. فإذا قيل لكم هذه سياسة، فقولوا هذا هو الإسلام،
ونحن لا نعرف هذه الأقسام". فالإسلام دين عبادته سياسة، وسياسته عبادة.
وبالعودة إلى موضوعنا الأساس لا بد من الإشارة
والتنبيه إلى أن الجمهور عندما انتخب حركة "حماس"، فإنه يعلم تماماً
ويدرك بكل وعي البرنامج والتوجهات الاجتماعية للحركة. بل يمكننا القول أن البرامج
الاجتماعية هي ما تُميّزفي حقيقة الأمر بين الفصائل
المختلفة، خاصة في ظل التشابه الكبير بين البرامج السياسية لهذه الفصائل. فكون "حماس" حركة إسلامية يشكل أحد الدوافع المهمة
في شعبية وجماهيرية هذه الحركة، وتالياً في التصويت لها، فالشعب الفلسطيني أصلاً
شعب محافظ يحترم دينه وعقيدته. ومن ثم لا يعود هناك مبرر
منطقي ووجيه، للتخوف من برنامج اختارته الأغلبية عن معرفة ووعي وإدراك.
ثم إن "حماس"
وإن كانت تطمح في النهاية إلى وضع برنامجها الاجتماعي الإسلامي موضع التطبيق، فإن
هناك فرقاً كبيراً، لمن يعي ويفكر، بين الأهداف والاستراتيجيات بعيدة المدى، وبين
الأهداف المرحلية والآنية، والتي تكون ممكنة ومنطقية التطبيق. وفي
هذا المجال، فإنه ليس لأحد أن يدّعي أن هناك خداعاً أو تحايلاً في الأمر طالما أن
البرامج الانتخابية توضح ما تهدف الأحزاب والحركات تطبيقه وتنفيذه في الدورة
الانتخابية. فبذلك تُقطع الطريق على أي متوجس أو متشكك. وعملية
التدرج في التطبيق سُنّة إلهية ومسألة حميدة. ونحن هنا نستحضر قول الخليفة عمر بن
عبد العزيز لابنه، حين رآه الابن متباطئاً في تطبيق الشريعة فقال له: "يا أبت
لمَ لا تنفذ الأمر، فوالله لا أبالي لو غلت بي وبك القدور. فأجابه الخليفة
الذكي: "يا بني إن الله قد ذم الخمر في آيتين وحرمها في الثالثة، وإنني أخشى
أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة".
وفي نفس السياق، ولما كان موضوع المرأة وحقوقها
من أبرز المواضيع التي تُطرح للنقاش فيما يتعلق بموقف "حماس" منها، فإن
أبرز رد ممكن في هذا المجال هو حقيقة مكانة المرأة في داخل "حماس"،
فالقطاع النسائي في حركة "حماس" قطاع نشيط جداً، وربما ليس من قبيل
المبالغة القول أنه أنشط الأطر النسوية وأكثرها فاعلية
في كل الفصائل الفلسطينية. وأذكر أن الكتلة الإسلامية في
إحدى الجامعات الفلسطينية كانت تُعاير بأن أصوات الطالبات هي السبب في نجاحها شبه
الدائم في الانتخابات الطلابية، وكانت الكتلة ترد بأن هذا الأمر مبعث فخرها
واعتزازها. ثم أننا في الواقع العملي نجد النساء
والفتيات الإسلاميات عاملات في كل الميادين بلا استثناء، فمنهن الطبيبة والمهندسة
والمحامية والمعلمة والصحفية... الخ. وفي هذا أبلغ رد
عملي على كل الدعاوى، والتخرصات التي ما تنفك تحاول
الإساءة إلى صورة ومواقف الحركة الإسلامية.
مسألة أخرى جديرة
بالملاحظة والاهتمام في هذا المقام، وهي أن معظم الاتهامات والمخاوف تصدر عن أقلية
في المجتمع الفلسطيني، لها نظرتها الخاصة للأمور، وعجيب أمر هؤلاء، فهل يريدون أن
يفرضوا رؤاهم وتصوراتهم على المجتمع، ولماذا؟ ومن قال ذلك؟ وحتى
لو سلّمنا جدلاً أن رؤاهم وتصوراتهم في خطر، فلماذا لا يُسلّمون بأنهم الأقلية،
وأنه لا مناص أمامهم من الانصياع لرغبة الأغلبية. ونحن هنا نطالب هؤلاء بالكشف عن
حقيقة موقفهم إزاء الإسلام كدين وكمنهج حياة، وكمصدر رئيس للتشريع، كما نص على ذلك
القانون الأساسي الفلسطيني، وهو طلب نشك كثيراً بإمكانية التجاوب معه، لما ستؤدي
إليه الإجابة الحقيقية من تبديد ما تبقّى من تأييد لهذه الأقلية، بالكاد يمكن
تجميعه من هنا أو هناك.