حماس بين
سلطة فتح وسؤال التسوية والمقاومة
بقلم : ياسر الزعاترة
لسنا من المؤمنين
بعجز الحركات الإسلامية عن إدارة الدولة في العالم العربي أو الإسلامي، فهؤلاء
الذين يديرونها هنا وهناك ليسوا عباقرة زمانهم لكي لا يتوافر في الحركات الإسلامية
مثلهم، كما أن الأطراف الأخرى ذات الصدقية والخبرة لن
تقول للإسلاميين (لا) في حال عرضوا عليها المشاركة في الحكومة أو السلطة.
نقول ذلك ابتداءً لأن
هناك من سعى إلى الخلط بين فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وبين
مسألة الفشل المتوقع والطبيعي للحركات الإسلامية في إدارة الدول لو وصلت إلى
السلطة، ذلك أن زهد حماس في السلطة وعدم سعيها تبعاً لذلك نحو تحقيق الغالبية التي
تحققت لم يكن بسبب ما ذكر آنفاً، وإنما لاعتبارات تخص الوضع الفلسطيني ولا تتوافر
في سواه.
الوضع الفلسطيني يتمتع أو يعاني بتعبير أدق من
فرادة تجعله أكثر صعوبة بكثير، فنحن لسنا هنا إزاء دولة مستقلة ذات سيادة، حتى
بمنطوق السيادة الناقص الذي تعاني منها الدولة القطرية العربية والإسلامية في ظل
السيطرة الغربية على العالم.
السلطة الفلسطينية هي
في واقع الحال وضع ملتبس بين الدولة المستقلة وبين الدولة أو المنطقة الواقعة تحت
الاحتلال، والنتيجة أنها حكم ذاتي تحت الاحتلال، لكنه ليس حكماً ذاتياً يقبل وضعه
ويتعايش معه، بل يصارع من أجل الخروج إلى أفق الدولة والاستقلال ومن أجل تحرير ما
تبقى من أرضه.
في هذا السياق نحن
أمام منطقة حكم ذاتي يتحكم الاحتلال بمداخلها ومخارجها، ويتحكم بمائها وكهربائها
وحركة أفرادها، لكن ذلك ليس كل شيء، إذ إنه يتحكم بها
من النواحي الأمنية ويدخل مناطقها وقت يشاء ويعتقل ويقتل على النحو الذي يحب. أي
أنه «احتلال ديلوكس» بحسب تعبير شلومو
غازيت، القائد السابق لاستخبارات الجيش الإسرائيلي.
هذه هي السلطة التي يريد البعض امتحان حماس من
خلالها، أكانت قادرة على تحقيق المعجزات أم لا؟ ولا تسأل بعد ذلك عن الولايات
المتحدة ودعمها المطلق للدولة العبرية، إلى جانب انحياز الغرب عموماً لها.
الذي لا يقل أهمية عن
ذلك بالنسبة لحركة حماس هو أنها إزاء سلطة بنيت في ظروف استثنائية، لا كما تبنى
الدول، فقد بنيت على أساس فصيل واحد يتحكم بكل شيء
فيها، وهو الذي يتحكم بالأجهزة الأمنية والمخابرات عموماً، فضلاً عن الوزارات
والمؤسسات.
وعندما نتحدث عن سلطة
أقيمت في ظل ظرف استثنائي ورفض عارم لمسار أوسلو الذي أنتجها، ومن قبل فصيل معين، فإننا نتحدث عن سلطة أقيمت على نحو فاسد من رأسها
حتى أخمص قدميها، الأمر الذي يؤكد إننا إزاء وضع بالغ التعقيد.
قد يقال هنا، ولكن لماذا تشارك حماس في وضع من
هذا النوع؟ وهنا نشير إلى معارضتنا لتلك المشاركة من الأصل؛ إيماناً منا بأن خيار
الأقلية مشكلة، لكن خيار الأغلبية مشكلة أكبر، فيما رأى المؤيدون الذين لم يتوقعوا
هذا الفوز إمكانية تحقيق جملة من المكاسب من الوجود في المجلس للتشريعي، على رأسها
تخفيف أعباء المرحلة السياسية الجديدة ممثلة بخريطة الطريق ومتطلباتها التي تستعيد
متطلبات أوسلو في مطاردة الفصائل وتفكيك بنيتها التحتية.
من هنا يمكن القول إن حماس ستكون إزاء مشكلتين
أساسيتين، تتعلق أولاهما بإصلاح أوضاع السلطة، والأجهزة أمنية والمؤسسات، فيما
تتعلق الثانية بمسألة المقاومة والتفاوض، والسؤال هو كيف ستتصرف الحركة إزاء هاتين
المشكلتين؟
بالنسبة للمشكلة
الأولى الأكثر تعقيداً من وجهة نظري، يمكن القول إن ما سيزيدها تعقيداً هو سلوك
حركة فتح التي لن تألو جهداً في السعي إلى إفشال التجربة بكل الوسائل الممكنة؛
المشروع منها وغير المشروع، وسيكون عماد تحركها هو العمل على استمرار السيطرة على
مفاصل السلطة، وعدم السماح لحماس بإحداث تغيير جوهري فيها، ما يعني أن غنمها سيكون
لفتح، فيما غرمها أمام الناس على حماس.
إنها تلك المعادلة
التي ستشتغل عليها فتح مع الأسف، والتي تتمثل في منح حماس الحكومة مفرغة من
مضمونها، فيما قد تؤدي محاولة حماس إحداث تغيير سريع في الوضع إلى ردة فعل عنيفة
قد تصل حدود انقلاب على شاكلة الانقلاب الجزائري، أكان مباشرة، أم من خلال
الاحتجاج بتضارب الصلاحيات مع الرئيس المنتخب، وهو قائد فتح عملياً، الأمر الذي قد
يفضي إلى حل البرلمان وإعلان حالة الطوارىء استناداً
إلى حساسيات الوضع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني!!
لمواجهة هذا الموقف
المعقد، يبدو أن على حماس أن تفكر، في تشكيل حكومة «تكنوقراط»
يرأسها شخص مستقل مشهود له بالنزاهة تكون مهمتها معالجة الأوضاع الداخلية أمنياً
ومؤسساتياً من أجل تخفيف أعباء الحياة على الشعب الفلسطيني، وإذا قيل إن الخارج
الأمريكي والأوروبي لن يقدم للفلسطينيين مساعدات، فإن على حماس أن تلجأ إلى الدول
العربية وإلى الشارع العربي والإسلامي برمته تحت شعار ساعدوا الفلسطينيين في
مواجهة من يريدون إذلالهم. وفي اعتقادي أن المدد سيكون كبيراً، ولا سيما حين يكون شعار المقاومة هو المتبنى في مواجهة الاستخفاف
الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني وحقوقه.
المسألة الثانية التي ستواجه حماس هي مسألة
المفاوضات والمقاومة، وهنا يمكن القول إن هذه المشكلة ليست بالغة التعقيد إذا ما
نجحت الحركة في التعامل مع المشكلة الأولى، وإذا ما أحسنت ترتيب أوراقها على النحو
المطلوب.
ما يجب أن يقال ابتداءً هو أن ما سيسهل التعاطي
مع هذا الملف هو أن أزمة التسوية لم تكن يوماً أزمة الفلسطينيين، وإنما أزمة
الإسرائيليين الذين لا يريدون منح الفلسطينيين شيئاً يذكر.
ضمن هذه الرؤية على
حماس أن تتعامل مع هذا الملف، إذ يجب الحذر من استدراجها إلى مقولات الاعتراف
بالدولة العبرية التي يرددها قادة الغرب والشرق، إذ إن الإسرائيليين هم الذين يجب
أن يعترفوا بالحقوق الفلسطينية، وينفذوا قرارات ما يسمى الشرعية الدولية، وحين
يفعلوا ذلك لكل حادث حديث.
ينبغي أن تتحول هذه
المقولة إلى لازمة على ألسنة المتحدثين باسم حماس، إذ لا رد على مقولات الموقف
السياسي غير المطالبة بتنفيذ الإسرائيليين لمطلب الانسحاب الكامل من الأراضي
المحتلة عام 67 بما فيها القدس وعودة اللاجئين والإفراج عن الأسرى، وبعد ذلك لكل
حادث حديث.
ليس ثمة ما يمكن التفاوض عليه أو الحديث بشأنه،
ولا يتوقع هنا أن تكرر حماس أخطاء فتح فالقرارات الدولية واضحة. ليتفضلوا وينفذوها وبعد ذلك لكل حادث حديث، ولا اعتراف بخريطة
الطريق ولا بأي شيء آخر ينتقص من حقوق الفلسطينيين التي يعترف
بها العالم.
يمكن بالطبع حل هذه
الإشكالية عبر جملة من الخطوات إذا كان لا بد من عملية سياسية تتواصل، فمن جهة
يمكن استعادة الحديث عن إحالة مرجعية التفاوض إلى منظمة التحرير، ولكن بعد تشكيلها
على أسس جديدة تأخذ في الاعتبار تجربة التفاوض الطويلة، فضلاً عن توزيع القوى
الجديد في الساحة الفلسطينية.
يمكن أيضاً تشكيل
لجنة وطنية تتشكل من رموز فلسطينية من الداخل ومن الشتات (لتأكيد حق العودة) تأخذ
على عاتقها إدارة العملية السياسية ضمن رؤية لا تقل عن دحر الاحتلال عن الضفة
الغربية وقطاع غزة وإعادة اللاجئين والإفراج عن المعتقلين، كما يمكن إحالة الملف
إلى مصر إن قبلت بذات الشروط المطروحة، ما يعني وضع الكرة في ملعب الإسرائيليين
الذين لا يمكن أن يقبلوا بذلك، والنتيجة هي استمرار الصراع.
أما مسألة الاعتراف
التالي من عدمه فلا ينبغي الخوض فيها، وهي ليست ضرورية في كل الأحوال، ولطالما
شاركت في الحكومات الإسرائيلية أحزاب لا تعترف بشيء اسمه الشعب الفلسطيني. ونتذكر أن حزب الله قد حقق الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب
اللبناني من دون قيد أو شرط.
يتبع هذا الملف
بالطبع ملف المقاومة، وهنا لا بد من توفير إجماع وطني على برنامج المقاومة بذات
الطرح المشار إليه، بصرف النظر عن السلوك الإسرائيلي المقابل وإمكانية أن يمضي في
الاتجاه الذي اختطه شارون وتبناه خلفه أولمرت، أي
الانسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية وحشر الفلسطينيين في تجمعاتهم السكانية
شرق الجدار.
هنا لا ينبغي أن تكرر حماس خطأ السلطة بقبول
تنسيق الانسحاب مع الإسرائيليين كما حصل في قطاع غزة، الأمر الذي تركه رهينة بيد
الإٍسرائيليين، بل يجب أن ترفض ذلك وتعلن استمرار المقاومة بكل الوسائل المتاحة،
سلمياً وعسكرياً.
ما يجب أن يكون
واضحاً هنا هو أن الوضع العربي والدولي البائس الناتج عن الغطرسة الأمريكية في
العراق وأفغانستان لن يتواصل طويلاً، إذ سيكون برسم التغيير مع تواصل الفشل
الأمريكي، وحين يحدث ذلك لن يكون بوسع الإسرائيليين أن يفرضوا على الفلسطينيين ما
يريدون وسيكون بوسع خيار المقاومة والصمود الذي حرر قطاع غزة أن يحرر الضفة
الغربية أيضاً، وإن لم يحدث ذلك وتواصلت الغطرسة الإسرائيلية فسيتواصل الصراع
برمته كرافعة للوضع العربي والإسلامي وصولاً إلى حل جذري يقتلع المشروع الصهيوني
من المنطقة، ويضع الأمة على سكة الوحدة والنهوض.