جريمتنا أم جريمة الغرب

في قضية الاعتداء على مقدساتنا الإسلامية

1\3

 

 

 

بقلم :د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

a-9-0@maktoob.com

 

بعنوان دفاعاً عن محمد صلى الله عليه وسلم جاءتني  رسالة  كريمة في البريد الألكتروني من السيد الأستاذ أبو البراء عادل باناعمة  20/12/1426هـ كتبها بمداد الدمع والدم والغضب ممزوجا بنجوى الحمد والاعتذار إلى الله ذي القدرة القاهرة ، وعطر الحب والتقدير لرسوله  سيدنا محمد خير الأولين والآخرين ، عليه الصلاة والسلام ، و على آله الكرام …

 

وأحسب أني  لم أكنْ معه في وطأة شعوره وشعور الكثيرين بالذهول مما حدث ، إذ الذهول إنما يأتي بدافع من المفاجأة و حسن الظن بمن يعتدي عليك ، وفي هذا المقام يكون حسن الظن بهؤلاء الأوغاد ذنبا نستغفر الله منه إضافة إلى استغفارنا من تفريطنا وهواننا ، من حقنا بل من واجبنا أن نشعر بالاستشناع والاستبشاع ، والقرف والتقزز من حطة المستنقع النفاقي القذر الذي يتحرك منه خصوم الإسلام ، لكن ليس من حقنا أن نشعر بالمفاجأة ، وكيف نشعر بالمفاجأة وربنا سبحانه وتعالى يقول مخاطبا رسوله الكريم : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ، قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير  ) 120 البقرة

وكيف نشعر بالمفاجأة ونحن نذكر ما استحضره  أبو البراء مما كتبه السياسيّ والمؤرخُ الفرنسيُّ هانوتو في عامِ اثنين وتسعمائةٍ وألفٍ للميلادِ قائلا :  بأنّه لا دواءَ للتعصّب الإسلاميِّ إلا نسفُ قبر النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم .. يومها مادتِ الدّنيا ، وارتجّتِ الأرضُ ، وكان الأمر على ما نقله كاتبنا من وصف شاعر الإسلام أحمد محرّم :

 

غضب الحماةُ لدينِ أحمدَ غضبةً

نُصِرَ الإله بها وعزَّ المصحفُ

هاج الحماةُ فهاجَ كلُّ مشيعٍ

عَجَلِ الوقائعِ بالفوارسِ يعصفُ

ضجت شعوب المسلمين وراعهم

ظلمُ الألى لولا السياسةُ أنصفوا

 

واضطرَّ هذا الوقح هانوتو لأن يرجع عن رأيه في خطابٍِ رسميٍّ ألقاهُ من بعدُ .

وها نحنُ اليومَ نرى التطاولَ على ذاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا على قبرِهِ فحسبُ ، فلا نجد من المسئول الكبير عن دين الإسلام ممثلا في شيخ للأزهر – غير الاعتراض بكون محمدا  ميت لا يملك الدفاع عن نفسه – خرس لسانه  - كأنه يعتبر نفسه عفنا ميتا لا يملك الدفاع عن عقيدته التي هي موضع الهجوم وهي باليقين في أوج حيويتها وقوتها وانتشارها  ولأنها باليقين لها رجالها ، وإلا ما هوجم رسولها الأعز.

ها نحنُ اليومَ نرى التطاولَ على ذاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا على قبرِهِ فحسبُ فلا نجد الشيخ في مستوى الشاعر ، ولا نجد الشعب في مستوى الأحياء

فما الذي حدث ؟

 

خلاصة الوقائع كما لخصها الكاتب الإسلامي الكبير  فهمي هويدي:  أنه في الثلاثين من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي 2005 نشرت صحيفة «يولاندز بوسطن»، وهي من أوسع الصحف اليومية انتشاراً في الدنمارك اثني عشر رسماً كاريكاتورياً للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، أقل ما توصف بها أنها بذيئة ومنحطة إلى أبعد الحدود، ومع الرسوم نشرت الصحيفة تعليقاً لرئيس تحريرها عبر فيه عن دهشته واستنكاره إزاء القداسة التي يحيط بها المسلمون نبيهم، الأمر الذي اعتبره ضرباً من «الهراء الكامن وراء جنون العظمة»، ودعا الرجل في تعليقه إلى ممارسة الجرأة في كسر ذلك «التابو»، عن طريق فضح ما اسماه «التاريخ المظلم» لنبي الإسلام، وتقديمه إلى الرأي العام في صورته الحقيقية (التي عبرت عنها الرسوم المنشورة).

وكما يقول الأستاذ فهمي هويدي : كان لنشر الصور الكاريكاتورية وقع الصاعقة على المسلمين الذين يعيشون في الدنمارك (180 ألف نسمة، يمثلون حوالي 3% من السكان البالغ عددهم 5.4 مليون شخص)، كما كان له نفس الصدى في أوساط ممثلي الدول الإسلامية في كوبنهاجن

فعقد 11 دبلوماسياً منهم اجتماعاً بحثوا فيه الأمر، وقرروا مطالبة الصحيفة بالاعتذار للمسلمين عن إهانة نبيهم، ولكن رئيس تحريرها رفض الاعتذار، فطلبوا مقابلة رئيس الوزراء الدنماركي لإبلاغه باحتجاجهم على نشر الصور، فرفض مقابلتهم بدوره، وأبلغهم من مكتبه بأن الأمر يتعلق بحرية التعبير التي لا تتدخل فيها الحكومة، وقيل لهم إن بوسعهم اللجوء إلى القضاء إذا أرادوا.

حين علم بالأمر الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور اكمل الدين احسان أوغلو، فإنه وجه خطابات إلى رئيس وزراء الدنمارك والمسؤولين في الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي دعاهم فيها إلى التدخل لوقف حملة الكراهية ضد المسلمين، واتخاذ موقف حازم إزاء الإهانات التي توجه ضد نبيهم، وكان محور الردود التي تلقاها ـ خصوصاً من رئيس الوزراء الدنماركي ـ أن قضية حرية التعبير تمثل ركناً أساسياً في الديمقراطية الدنماركية، الأمر الذي اعتبر رفضاً لاتخاذ موقف إزاء الحملة

في الوقت ذاته تحرك سفراء الدول الإسلامية في جنيف، وقدموا شكوى إلى مفوضية حقوق الإنسان في العاصمة السويسرية، اعتبروا فيها موقف الصحيفة الدنماركية محرضاً على العنصرية والكراهية للمسلمين، فقررت المفوضية تحري الأمر وإعداد تقارير عن الموضوع يفترض أن ينتهي إعدادها يوم 24 من الشهر الحالي( فبراير 2006) .

أدرجت المسألة ضمن جدول أعمال القمة الإسلامية التي عقدت في مكة في السابع من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبناء على ذلك عبرت إحدى توصيات المؤتمر عن القلق إزاء الحملات الإعلامية المسيئة إلى الإسلام ونبي المسلمين، وأشارت إلى مسؤولية جميع الحكومات عن ضمان احترام الديانات المختلفة، وعدم جواز التذرع بحرية التعبير للإساءة إلى الأديان والمقدسات.

..أخيراً، في أعقاب كل تلك التطورات، تطرق رئيس وزراء الدنمارك إلى الموضوع في بيان رأس السنة الميلادية، الذي بثه التلفزيون قال فيه إن حكومته تدين أي تعبير أو تصرف يسيء إلى مشاعر أية جماعة من الناس، استناداً إلى خلفياتهم الدينية أو العرقية، وبهذه الإشارة المخففة، تصور الرسميون في كوبنهاجن أنه تمت تسوية الأمر، في الوقت الذي بدا فيه لكل ذي حس سليم أن الجرح أكبر وأعمق بكثير من أن يداوى بكلمات عامة وخجولة من ذلك القبيل.

من ناحية أخرى، كانت بعض المنظمات الإسلامية في الدنمارك قد رفعت قضية ضد الصحيفة التي تبنت الإساءة البذيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن المدعي العام رفض القضية معتبراً أن نشر الرسوم الكاريكاتورية تم في إطار حرية التعبير التي يحميها القانون، وفي حين اختص رئيس تحرير صحيفة «يولاندز بوسطن» بالقرار، فإن صدوره شجع صحيفة مسيحية محافظة أخرى في الترويج «مجازينت» على إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية الاثني عشر، ومن ثم الترويج لحملة السخرية البذيئة من نبي المسلمين ودينهم.) اهـ

 

وتأكيدا لاتساع مساحة التأييد لهذا الهجوم الإجرامي وعدم اقتصاره على الرسميين لم يقف الأمر عند هذا الحد فقد واصلت الصحف في مختلف البلاد الأوربية مساندة ونشر هذه الصور إحياء منهم  لتقليد جاهلي قديم في : توزيع دم الضحية  بين القبائل ، فنفرت صحف الكراهية والحقد الغربية الصليبية لإعادة نشر الصور المسيئة : في أسبانيا : صحيفة آبي ثي ، وصحيفة " إيل بيريو ديكو " . إيطاليا : صحيفة " لاستامبا " وصحيفة " إيل كوريري لاسيرا " . سويسرا : صحيفة " بليك " . . هولندا : صحيفة " دي فولكسكرانت " . ألمانيا : صحيفة " دي فيليت " . فرنسا : صحيفة " فرانس سوار " وترتب على ذلك أن تدخل مالك الصحيفة رامي لكح وهو مصري الأصل بإقالة رئيس التحرير بينما لم تدن الخارجية ما فعلته الجريدة في بيانها الصادر يوم الأربعاء 1\2\2006 . وتليفزيون " بي بي سي " البريطاني . والإعداد لمسيرة يوم السبت 4\2\2006في الدانمرك لحرق المصحف . وقد أيد الشعب الدانمركي بالأعلبية في استطلاع رأي أيد حكومته بعدم تقديمها اعتذارا عن الحادث .

تقول  د : نورة السعد بمقالها بجريدة الشعب بتاريخ 28\1\2006 ( إن الإساءة لم تكن هفوة رسام كاريكاتير فقط، بل كانت وفق تخطيط هدفه كما يقولون أن صاحبه  : " ضاق ذرعاً من تناقص الحرية في بلاده وأنها مهددة من دين ليس غريباً عليه اللجوء إلى العنف" !! وقبل هذه الحملة  قام المحرر الثقافي في الصحيفة يو. بوستن بإرسال دعوات إلى 40 رساماً يحثهم على رسم النبي صلى الله عليه وسلم!! (12) منهم لبوا الدعوة!! ونُشرت الرسوم في عدد الصحيفة.

.. . وقادت السفيرة المصرية جزاها الله خيراً 11 سفيراً معتمداً ليقوموا بزيارة رئيس الوزراء ومقابلته ويرفض مقابلة السفراء!! وتكافأ السيدة بعد ذلك بنقلها إلى جنوب أفريقيا!!

تفاعل الجميع مع الحدث ، وأخذت آلاف الرسائل تصل إلى الصحف الدنماركية (مع أو ضد) تناقش بحدة مبدأ حرية التعبير. ويقال إن جهاز المخابرات الدنماركية قام بإخفاء وحراسة عدد من الرسامين بعد تعرضهم لتهديدات مباشرة!!

وطالبت المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو) بمقاطعة المهرجان الثقافي (صور من الشرق الأوسط) الذي سيقام في الدنمارك صيف هذا العام .

وهددت منظمة التعاون الإسلامي  بدفع أعضائها الواحد وخمسين عضواً إلى اتخاذ خطوات بالمقاطعة الاقتصادية والسياسية للدنمارك. ) اهـ

ولقد دعت منظمات متطرفة إلى مظاهرة فى أحد ميادين "كوبنهاجن" لإحراق المصحف الشريف, وحددت للمظاهرة موعداً هو الثانية عشر ظهر السبت أوالاثنين القادم 6/2/2006م  .

هل ما زلنا نستغرب أونذهل من صدور هذا الكم الهائل من الحقد والكراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبله بشهور كانت الإساءة موجهة للقرآن بمحاولة تدنيسه وتحريفه فيما نشروه مما سموه الفرقان الحق ، وهم يردفونه اليوم بهجومهم على رسول هذا القرآن : أليست القضية أن القرآن والرسول كشفا قبحهم في عقائدهم ، ووثنيتهم ، وشركهم وجاهليتهم ، وانحطاط أخلاقهم وثبتا صورتهم القبيحة على مدار القرون والتاريخ ، فكرهوا كما يقال : المرآة ، وإنه لهو التصرف الوحيد المنطقي لمن لم يؤمن ؟

ونرجع  لكاتبنا الكبير الأستاذ فهمي هويدي لنراه يحسم في مقاله الجدل المتمسح بحرية التعبير  فيقول : ( ليس صحيحاً أن السخرية والطعن في نبي الإسلام ورموز المسلمين يعد من قبيل ممارسة حرية التعبير، لأن الذي تعلمناه في دراسة القانون أنه لا توجد حرية مطلقة إلا فيما يخص حرية الاعتقاد والتفكير، أما التعبير فهو سلوك اجتماعي يرد عليه التنظيم في أي مجتمع متحضر، وعند فقهاء القانون في النظام الأنجليسكسوني وفي النظم اللاتينية، فضلاً عن الشريعة الإسلامية، فإن حرية التعبير يسبغ عليها القانون حمايته طالما ظلت تخدم أية قضية اجتماعية، ولا تشكل عدواناً على الآخرين، وللمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة أحكام متواترة بهذا المعنى، والعبارة المتكررة في تلك الأحكام تنص على أن حماية حرية التعبير تظل مكفولة طالما تضمنت حداً أدنى من المردود الاجتماعي النافع، ونصها بالإنجليزية كما يلي:

A minimum of social redeaming value

إن كل القوانين تجرم سب الأشخاص والقذف في حقهم ، حيث لا يمكن أن يعد ذلك نوعاً من حرية التعبير، لأن السب في هذه الحالة يعد عدواناً على شخص آخر، ومن ثم فأولى بالتجريم سب نبي الإسلام الذي يؤمن بنبوته ورسالته ربع سكان الكرة الأرضية، وحين حدثت في الأمر الدكتور أحمد كمال أبو المجد وهو خبير قانوني دولي، أيد ما ذكرت وأضاف أنه حتى إذا سلمنا بأنه لا توجد نصوص في التشريعات الدنماركية تعاقب على سلوك الصحيفة المشين، فإن هناك التزاماً أخلاقياً وسياسياً يفرض على المسؤولين في الدولة إدانة ذلك المسلك ، انطلاقاً من الحرص على حماية المعتقدات الدينية ودفاعاً عن فكرة التعددية الثقافية.

… إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: لماذا لا تعلن حكومات الدول الإسلامية استهجانها واستنكارها لموقف حكومة الدنمارك بشكل صريح وحازم، أسوة بموقف منظمة المؤتمر الإسلامي التي دعت إلى مقاطعة المؤتمر الدنماركي عن الشرق الأوسط، … ) نقلا عن الشرق الأوسط

 

ثم يخفف كاتبنا أبو البراء من ذهوله ليذكرنا  بنفاقية الغرب في تمحله في حرية الرأي متذكرا قانون ( معاداة السامية ) ! القانون الذي وقعه بوش قبل انتخابه الثاني عام 2004م بضغطٍ من اللوبي اليهوديّ ، ويقضي بوجوب منعِ كل نشاطٍ معادٍ للساميّةِ ، والسامية هنا : اليهودُ أو الصهيونية أو إسرائيل !! بموجبِ هذا القانون تصبحُ الدولُ كلها ملزمةً برصدِ أي نشاطٍ تشمّ منه رائحة المعاداة للسامية ومن ثمّ تقديم صاحبِهِ ( للعدالةِ ) لينال جزاءه !

 

ونعودُ مع  أبي البراء  إلى الوراء ، إلى مقدمة هيكل لكتاب: " الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"  لروجيه جارودي ص : 7 ، 8   حيث وجدنا فيها ما ذكره بشأن دوجلاس ريد وهو من أبرز الصحفيين البريطانيين الذين غطوا الحرب العالمية الثانية في كتابه الذي صدر في الولايات المتحدة سنة 1947 بعنوان ( بعيدا وواسعا ) وقد استوقفته بعد الحرب أسطورة المحرقة النازية والترويج لها خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية وكان أسلوب ريد – كما يقول هيكل – عمليا يستند بالدرجة الأولى إلى الأرقام ودلالاتها التي لا تكاد تكذب في حسابه ، ولقد أورد إحصاء عصبة الأمم عن عدد اليهود في العالم في 1938 وهو أخر تقرير سنوي لهذه المنظمة الدولية قبل الحرب العالمية الثانية ثم قارنه بما ورد في اول إحصاء أصدرته الأمم المتحدة وهي المنظمة الدولية التي حلت محل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية وقد صدر عام 1947 ، وإذا المقارنة تظهر أن عدد اليهود في العالم بعد الحرب ( 1939-1945 ) بقي بعدها كما كان قبلها في حدود 11 مليون نسمة ، وكان تقدير دوجلاس ريد أن المحرقة النازية – وقد حدثت فعلا – لم يزد ضحاياها عما بين ثلاثمائة ألف إلى أربعمائة ألف ( أي حجم الزيادة التي كان يمكن أن تطرأ على تعداد اليهود في سبع أو ثمان سنوات ) . .. وترتب على ذلك أن تعرض دوجلاس ريد لحملة جامحة واختفى كتابه من المكتبات ، واختفى المؤلف نفسه من الحياة الصحفية والحياة العامة كلها ودفنه النسيان – وفقا لتعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل .

 

وإلى مقدمة " الأساطير الإسرائيلية "  أيضا لنجد ما حدث لدافيد إيرفنج المؤرخ البريطاني المدقق الذي شاءت الظروف أن يشهد الأستاذ محمد حسنين هيكل واقعة ضربه ضربا مبرحا بينما هو يتناول الإفطار في مطعم "ريشكو " في شارع " سوث أودلي " على بعد أمتار من مقر السفارة المصرية في لندن . ولم يكن السبب أن " دافيد إير فنج " كتب عن المحرقة النازية ، وإنما كان السبب أنه راح يبحث ويتقصى ثم شاع في أوساط كثيرة أنه اوشك على ملامسة الحقيقة لأنه سبق الجميع إلى الأرشيف السوفيتي وهو خزائن الأسرار الحقيقية عن المحرقة بحكم الظروف ، لأن الجيش السوفيتي كان هو الذي زحف على بولندا لمطاردة وطرد الجيش الألماني منها سنة 1944 ، ولما كان أكثر من80% من يهود ما قبل الحرب العالمية الثانية يعيشون في بولندا ، فإن أشهر وأهم المحارق النازية لليهود كانت على الأرض البولندية ، ومن ثم كان الجيش السوفيتي هو الذي دخلها ، وهو أول من رآها وكشف عن خباياها ، ثم كان أن استقرت أوراقها جميعا بكل أسرارها في خزائن أرشيف الدولة السوفيتية التي أغلقته كما أغلقت كل شيء ، ثم انفتحت الأبواب عليه حين تراخت وتهدلت قبضتها وذراعها عندما تراخت وتهدلت إرادة الدولة السوفيتية وكرامتها . وكان دافيد إيرفنج يعرف أين وكيف يبحث عن أسرار المحرقة النازية وسار بقدميه في السراديب الرطبة ومد يده إلى الرفوف والأدراج . وثارت عاصفة الغضب ضد إيرفنج ووصلت إلى درجة التحرش به وجره إلى الشارع والاعتداء عليه ، ثم التحريض عليه إلى درجة الحصار ، كل ذلك وهو لم يكتب بعد ما توصل إله في كتاب ، لكنه كان يكفي لعقابه أنه وصل إلى أقرب نقطة من الحقيقة ، أي من المصدر الذي يفوق غيره من المصادر في دقة وصحة ما لديه .) اهـ هيكل

أما روجيه جارودي المفكر الفرنسي  المشهورُ فيقول في صدرِ كتابه عن أساطير إسرائيل : " بعد ما يربو على نصف قرن صدرت خلاله مؤلفاتي عن كبريات دور النشر الفرنسية أجدني مضطرا اليوم لأن أصدر هذا الكتاب على نفقتي لأنني أقدمت على انتهاك حرمة أحد المقدسات : ألا وهو انتقاد السياسة الإسرائيلية ، وهي الحرمة التي سيحميها من الآن فصاعدا قانون جيسوفابيو الصادر في 13 يوليو 1990 والذي يعيد إلى فرنسا " جريمة الراي " .. وبذلك يتوارى ضعف الحجة وراء قانون قمعي " " [ ص : 13 ] .ويعاقب جارودي على تشكيكه في عدد ضحايا الهولوكست ، ويطارد اجتماعيا وإعلاميا ، ويصدر الحكم بسجنه لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ .

هذه هي حرية الرأي عند أدعياء الطبعة الحضارية من يأجوج ومأجوج الرجل الأبيض في بلاد "الحضارة"

 

ورجوعا لرسالة كاتبنا أبي البراء لنراه يسوق دون قصد ما يؤكد انعدام المفاجأة واستبعاد الدهشة  إذ تأتي هذه الرسومات – وفقا لما جاء في رسالته - جزءا من ( الحملة الدانماركية ) ضد الإسلام ، " بدءاً من التصريح الذي نقل على لسان ملكة الدانمرك مارجريت الثانية والذي قالت فيه : إن الإسلام يمثل تهديداً على المستويين العالمي والمحلي . وخلطت فيه الملكة بين المتطرفين وبين الإسلام ، وحثت حكومتها على (عدم إظهار التسامح تجاه الأقلية المسلمة)، وانتهاءً بمواقع الإنترنت التي يطلقها دانمركيون أفراداً ومؤسساتٍ خاصةً تحذر من السائقين المسلمين لأنهم (إرهابيون وقتلة) ! ومروراً بقول النائب الدانماركيّ : إن الإسلام منذ بداياته كان عبارة عن شبكة إرهابية!! وبالحملة العامة في الصحف ومحطة التلفاز العامة التي أعلنت الحرب ضد الإسلام والمسلمين " [

 

 

ولكن أخانا أبا البراء ما يزال يتساءلُ .. إلى أي مدى أفلحنا في نقل  الصورةِ العظيمة لنبيّنا صلى الله عليه وسلم إلى العالم ؟

 

وهو سؤال مشروع في أحد وجهي القضية ، ولكنه لا يصح أن يخفي الوجه الآخر الذي لا يزال فاعلا : تشكل من طبيعة إبليسية قديمة  منذ عصر أبي جهل وأبي لهب إلى عصر جورج بوش وجاك سترو وجاك شيراك ؛  من عهد قبائل الأعراب الذين كانوا الأشد كفرا ونفاقا ، إلى عصر قبائل أوربا المتوحشة الذين هم اليوم أشد من سابقيهم جهلا وكفرا ونفاقا وسطوة .

ومن هنا فإننا نذهب إلى أن الفكر الإسلامى المعاصر يخطئ خطأ جوهرياً عندما يناقش موضوعاته ومشاكله بعيداً عن الإطار العام لها ألا وهو الذاتية الإسلامية وصراع الحضارات .

وعلى هذا الأساس ــ من الاعتراف بذاتية الإسلام ــ علينا أن نعترف بأن هناك تناقضاً بين النسق الإسلامى ــ أو بتعبير آخر بين الحضارة الإسلامية ــ والحضارة التى تسمى " غربية تارة ، وأوربية تارة ، وعالمية تارة أخرى " .

وهو إذن تناقض موضوعى : تماماً كما يكون التناقض بين المحافظة على " ذات " فى مقابل المحافظة على " ذات " أخرى .

ويخطئ من يظن أن هذا التناقض ــ أو الصراع ــ يرجع ــ فحسب ــ إلى ثأر تاريخى ، أو كراهية انفعالية متبادلة أو إلى سوء الفهم بين الجانبين . كلا ليس الأمر كذلك .

ليست القضية أننا طرنادهم من الشرق الأوسط قديماً ، حيث هو فى نظرهم قد كان مستعمرة أوربية : يونانية ، ثم رومانية ، لقرون طويلة ، ثم قضى عليها الإسلام .

وليست القضية أننا طرنادهم ــ كما يعتقدون ــ من الجزيرة العربية ، تلك التى يقول عنها القس الشهير " زويمر " ؛ : إن للمسيح الحق فى استرجاع الجزيرة العربية ؛ ــ نعم هكذا ــ أو طبقاً لقول القس جيمس كانتين مؤسس الإرسالية الأمريكية عام 1889 ( إن من واجبنا أن نعيد ( !! ) هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية ) .

ليست القضية أننا أنزلنا المسيح إلى منصب النبوة ، وحرمناه مجد الألوهية وكشفنا بقرآننا أكاذيبهم حول شخصة المسيح ، وصحة الأناجيل .

وليست القضية أنهم ضربونا بقبضات شديدة استمرت قرنين فيما يسمى الحروب الصليبية .

وليست القضية أنهم افتروا على الله الكذب وشتموا رسول الله ، وها هم يشتمونه ، وهتكوا مقدساتنا ، وها هم يهتكونها وقذفوا أمهاتنا وكتبوا فى أعراضنا ما لم يكتبه " اليهود " عن " مريم " وها هم يكتبون

وليست القضية أنهم طردونا من الأندلس ، أو أزاحونا من على حدود فرنسا ، أو أزهقوا وجودنا فى مناطق من أوربا الشرقية وشمال البحر الأبيض المتوسط ..

وليست القضية أنهم يسفحون دماءنا فى افريقيا ، وأوربا ، ويقطعون شرايينا فى آسيا ، ويتركونها تسفح أنهاراً وجداول ..

وليست القضية أنهم أخرجوا فلذات أكبادنا من فلسطين ويستوردون إليها من لا يكادون يعرفون أكثر من أسماء قبائلهم ممن يسمون " الفلاشا " .. ليست القضية ذلك فحسب .

لو أن القضية كانت ذلك ــ فحسب ــ لجاز لبعض أبواقهم أن يخدروا وعينا بكلام عن التسامح الذي لم يخلق إلا لنا !! ونسيان الماضي الذي ابتدعه المخلوعون من التاريخ ،  ، وتصفية الأحقاد ، " التي اصطنعها الخادعون لافتراس المخدوعين ، واستقبال العولمة  " بأيد متشابكة وقلوب مفتوحة " .. و" الصفح الجميل " الذي ينادي به مفتي مصر في حلقة بتليفزيونها مساء الثلاثاء  31 \  1 \ 2006ردا على تصويرهم القبيح لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم  كـــــلا ...

إن التناقض بين ذاتية الحضارة الإسلامية ، وذاتية تلكم الحضارة الغربية ، أو " الأوربية ، أو " العالمية " تناقض موضوعى تحركه النظرة إلى المستقبل ، أكثر مما تحركه مواريث التاريخ ، أو عقم الحاضر ...

تناقض يتحرك بطبيعته من كونهما حضارتين متنافستين على "المستقبل " .حضارتين تتصف كل منهما " بالعالمية " ...فالإسلام دين " عالمى " وحضارة عالمية . وهذه الحضارة ــ الغربية ــ تعلن على الأشهاد أنها حضارة " إنسانية"وتصدر إلى أنحاء العالم قيمها ومفاهيمها فيما تسيمه " الديموقراطية " و"حقوق الإنسان " و" قرارات مجلس الأمن " . حضارة أخذت تدس أنفها فى كل دولة ، ومدينة ، وشارع ، وزقاق ، وبيت ... "أخذت تقول : نعم ، وتقول : لا ، فى شئون السياسة والاقتصاد ، والتربية ، والاعلام ، والحرب ، والثقافة والرياضة ، وأوقات العمل ، وأوقات الفراغ ..

وهى تتسرب بكلمتها تلك تحت شعار " العالم الذى أصبح كقرية " عن طريق : الخبر ، والجندى ، والكمبيوتر ، والمعلومات والقروض ، والمنتديات ، والمؤتمرات ، ومراكز البحوث ، والسلام الزائف ... " .وهى مستعدة لإدخال كلمتها عن طريق النظريات المزيفة عن " نهاية التاريخ " ، لفوكوياما ، أو عن طريق كلمة وقحة لمأجور مؤتمرات يقول لك: أنت تأكل خبزهم فيكف ترفض " هُمْ " نـــعــم نعم ، حضارة تزعم أنها إنسانية ، عالمية ، والإسلام رسالة عالمية أيضاً . ومن هنا كان التناقض شيئاً غير قابل للنسيان . كان التناقض بين حضارتهم وبين الإسلام ــ كدين وعلم وحضارة ــ تناقضاً موضوعياً ، ومعركة على " المستقبل " . وللأسف فإنهم يدركون هذه الحقيقة أكثر مما ندركها نحن ... فهم أساتذة " تاريخناً " الذى نتعلمه منهم ... وهم أساتذة الاجتماع والنفس .. وهم أساتذة الاقتصاد ... وأساتذة الفلك والفضاء ...وهم أساتذة الاستراتيجية ، والسياسة ، والحضارة ... هم يدركون بمقتضى أستاذيتهم لعلم الحضارة : أنه لا مكان فى العالم لحضارتين " عالميتين " ... إلا أن يقع بينهما تنافس ، وتزاحم ، وتدافع ، وتآكل فى الحدود ، وصراع على محل " القلب " ..

وإذن فسيلعنهم تاريخهم إن تركوا فريستهم ـ نحن ـ بعد أن اصطكت الركب ، وناخت الأقدام ...

إنهم يدركون هذه الحقيقة ويحسبون أنهم يلعبون " الآن " الدور الأخير فى معركتهم مع هذه الحضارة " الإسلامية " ليقذفوا بها إلى مكان سبق أن قذفوا إليه " الهنود الحمر " !!

هم يدركون هذه الحقيقة ويعلمون ـ أكثر مما علموا عن الهنود الحمرـ أنهم يتعاملون مع حضارة " عاتية " دوختهم واستعصت عليهم ـ فى وقت أصبح فيه وُرٌاث هذه الحضارة فى أضعف حالاتهم وأحط أحوالهم ..

ولذا فإن ضعفنا لا ينسيهم خطورة حضارتنا ، ولا ينسيهم خطورة انبعاث هذه الحضارة مرة أخرى .

إن ضعفنا ـ الذى يعيرنا به أفراد منا يسيلون بكلماتهم كما يسيل الحوض بالماء النازل فيه ـ هذا الضعف لا ينسيهم قصوائية المعركة التى تدور ، ولكنه يُسـيـٌل لعابهم لضربتنا الضربة الأخيرة ، وللقضاء علينا القضاء النهائى . إنهم يعتقدون أنهم أمام الفرصة التاريخية التى إن أضاعوها فسوف تدور الدائرة عليهم من جديد . لـــــذا فإنهم يصفٌوننا جغرافياً ، ويصفٌوننا جسدياً ، ويصفٌوننا تاريخياً ، ويصفٌوننا حضارياً .. يزهقون قطرات الدم الأخيرة من عروق حضارتنا من حقيقة ذاتنا . من جوهر وجودنا . إنهم يدركون أن المعركة معركة حضارية موضوعية بين حضارتين عالميتين تتقاتلان على " المستقبل " .

ومن هنا فإنهم يلعبون معنا اللعبة بوجه جامد ، وعصب بارد ، وبسمة " المشفق " على " الذبيح " .

كأنه يقول : لماذا تتعب نفسك ، وتتعبنا معك ، فأنت قدرنا ، ونحن لا نتركك .. فتعال ساعدنا على أن ندخلك أحضان الفناء . إنهم يقتلوننا ، نعم . وهم يقتلوننا بإشفاق ؟ نــعــــم !! لأن نظرتهم إلى القضاء علينا نظرة موضوعية !! تماماً كالذى يذبح شاة .. ويربت على وجهها ، وربما ... يقبلها ، ثم يذبح !!هكذا حالهم معنا ، وهكذا حالنا معهم !!يقتلوننا بالمذاهب الفلسفية ، وبالروح العلمية ، ومناهج البحث .

يقتلوننا ويستغربون : لماذا لا نُقتٌل ؟ !وللأسف ـ الذى يصل إلى حد الكارثة ـ ينخدع البعض منا ببسمة القاتل ، فينهضون إلى مساعدته بهدهدة الذبيح . نعم ؛ ولقد ساعدناهم في جرائمهم  ، وساعدناهم من قبل كثيراً . ساعدناهم بجريمة الاعتداء على ذاتية الإسلام . ساعدناهم بجريمة تفكيك النسق الإسلامى . وساعدناهم بجريمة تزييف " الكلمات " و " المصطلحات " الإسلامية .

وساعدناهم بجريمة مودتنا وموالاتنا لهم رغم تحذير الله لنا في قوله ( لا تجد قوما يؤمنون باله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) 22 الممتحنة

أفهمونا أن الغرب قد جاء إلينا من أجل " الاستعمار " .

وابتلعنا الكلمة ، وقد كان الصحيح أن يقولوا إنه جاء إلينا من أجل "الاستخراب "

وأفهمونا أن استعمارهم ــ أو استخرابهم ــ هو من أجل " القطن " ، لتشغيل مصانع النسيج فى يوركشاير ؟ والآن ماذا بعد " القطن " ؟

وأفهمونا أن استعمارهم ــ أو استخرابهم ــ هو من أجل قناة السويس .والآن ماذا بعد قناة السويس .. ؟

وأفهمونا أن استعمارهم ـ أو استخرابهم ـ قد جاء من أجل البترول والآن ـ أو بعد الآن ـ ماذا يكون بعد البترول ؟ !

" تعمية " على الهدف فى عملية الصراع الحضارى ؟!

ذلك أنه قد كان لنا ـ وما يزال ـ زعماء فكرهم خريجو كلية فكتوريا، والميردى دييه ، وقهاوى باريس ، وشارع الشانزلزييه ، وقبعات التخرج فى عقر جامعاتنا !!

ذلك أنه قد كان لنا ومايزال مفتون يدعوننا إلى الصفح ذي السم الجميل في مواجهة الحقد السرمدي القبيح فلم يكن لفمهم ـ وهو ممتلئ بشرابهم أو بدراهم عملائهم ـ أن ينطق بأن القضية صراع حضارات ، أو بأنها تناقض عقائد . وعندما ظهرت آثار أنيابهم في لحم مقدساتنا ؛ بعد أن انكشف الغطاء ــ فى صراعنا معهم ـ عن التأخر الحضارى الذى " نتمتع " به ، … بعد أن ظهرت الكلمة ، إنها " صراع الحضارات " تارة ، و" صراع أديان تارة أخرى " ، ، جرى تزييفها مرة أخرى فقالوا : هو صراع حضارى ؛ ولكنه يعنى أن " نتحضر " مثلهم ، أو بأن نتدين بمثل دينهم . أن نعيش كما يعيشون .ونلبس البذلة كما يلبسون . ونحلق الذقن كما يحلقون . ونأكل بالشوكة كما يأكلون . أن نتحضر بمثل ما يتحضرون . أن نحكم بشريعة الجاهلية كما يحكمون وليتهم أرادوا من ذلك أن نأخذ من حضارتهم " الوسائل " التى تعيد الحياة إلى حضارتنا ، والطاقة  إلى " وجودنا " ؛ والسلامة إلى " نسقنا " ، والقوة لديننا !! لا ولكنهم يهدفون إلى أن نخسر حضارتنا ، ونعيش بحضارتهم ، أن نخسر ديننا ونعيش بعلمانيتهم . أزاحوا الفهم الصحيح لحقيقة صراع الحضارات وتعددية الأديان ، وأنه صراع يدور بين عقيدتين أو بين حضارتين تتمتع إحداهما ـ اليوم ـ بالسيادة على العالم ، وتنزوى أخراهما فى جمود .

صراع بين حضارتين ، إحداهما يمكن أن نسميها " إنسانية " بحق !! أى يستقل بها الإنسان فلسفة وتوجهاً ، وتطبيقاً ، وأخرى " إسلامية " إلهية !!

نعم : فالإسلام دين حضارة ؛ أو حضارة دين ، وقد وضع حجر الحضارة الإسلامية على الأرض فى تلك الزاوية التى كتب عليها قوله تعالى { إنى جاعل فى الأرض خليفة . } 30 البقرة .

فالحضارة وفقاً للمفهوم الإسلامى مراد إلهى ، يصنع وفق التكليف الإلهى ، وقيام حضارة مقابلة تتصف  بالإنسانية دون " الإلهية " ، هو إعلان لمعركة حضارية موضوعية بالمفهوم الصحيح لهذه الكلمة . لن تنتهى هذه المعركة فى تصورهم إلا بإبادة الإسلام وحضارة الإسلام . ولن تنتهى فى تصورنا إلا بصنع الحضارة وفقاً للتكليف الشرعى .

 

فى ظل هذا التصور عن الصراع الموضوعى المستقبلى بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية يصبح من الطبيعى أن تستحضر النظرة الماضوية عن هذا الصراع من أجل تجنيدها فى معركة لا مفر منها . الحروب الصليبية ..سقوط الأندلس ... سقوط الدولة العثمانية ... هجوم الاستعمار .. تفكك القوميات ... سقوط بغداد .. سقوط المسجد الأقصى .. زرع العلمانية فى قلب الأمة وأحشائها . الهجوم الصريح على الإسلام ... تزييف الإسلام ومحاولة صنع “ الإسلام الجديد “ الذى أوصت به مؤتمرات التبشير .تزييف فى الاقتصاد . ، فى التربية فى اللغة ، فى الأدب ، فى الفن فى الأخلاق ... وصولاً إلى تشويه الذاتية الإسلامية ثم القضاء عليها فى معركتها الأخيرة : زحفاً من الشمال بكتيبة إسرائيلية ... أو صربية .. وزحفاً من الجنوب بكتيبة تنصير ... أو وثنية ... وإطباقاً فى النهاية على مصر . ثم الجزيرة !!وهنا تنتهى ــ فى حسبانهم ــ الحروب الصليبية ! لكن هل ينتهى التاريخ ؟! قائمة سوداء غليظة السواد ، منقوعة فى السم ، ملطخة بالدم ، مصنوعة من الأشلاء ...والحق أن عداءهم لنا لم ينشأ مع ظهور محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان هو أقوى رموزه الإسلام ــ وإن كان قد تضاعف معه ــ ولكنه كان قبل الإسلام ، ومع قوة الإسلام والآن .. أتعرفون ماذا قال هيرودت عن طريقة جمع أحجار الأهرامات ؟ أتعرفون كيف اغتصب اسم " مصر " على أيديهم فصار إيجبت بينما إسم مصر هو هو منذ وجود الهيروغليفية والعبرية والفينيقية والآرامية والأشوريـة ؟

أتعرفون كيف أطلقت أكذوبة " مصر هبة النيل " لتحرم المصريين من شرف العمل والكفاح والجهد الذى كان وسيلة ترويض هذا النيل وتهذيبه والاستفادة منه ؟ كم من شعوب مر عليها النيل فلم يجعل منها هبته ؟ إنهم هم المصريون الذين اضطهدوا على يد الفتح الاسكندرى (اليونان ــ البطالمة ) ثم على يد الرومان حتى تخلصت مصر من اضطهادهم على يد الإسلام ؟

وصل اضطهاد الرومان للمصريين والتنكيل بهم الذروة فى عصر الامبراطور ــ دقلديانوس (284 م) فكانت أول سنة من حكمه مبدأ اتخذه المصريون لتقويمهم المعروف بتاريخ الشهداء أو التقويم القبطى ؟

ثم استمر الاضطهاد بعد ذلك أربعة قرون تقريباً كانت حصيلتها نشأة الرهبانية وفرارها إلى جبل المقطم وغيره من الصحارى وإنشاء الأديرة ؟ وجاء الإسلام فأرجع إلى مصر اسمها وأمنها وسلامها وحرمتها ؟ ولم يكن العرب غرباء على مصر قبل الإسلام : اسألوا الجيولوجيا تقول لكم إن صحراء مصر الشرقية جزء من التكوين الخاص بالبلاد العربية، والبحر الأحمر ليس إلا أخدوداً أو شقا بين الجانبين .واقرءوا سورة الفجر لتروا كيف جمع القرآن الكريم بين العرب البائدة ومصر ( عاد وثمود ... ومصر ) : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، التى لم يخلق مثلها فى البلاد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، وفرعون ذى الأوتاد الذين طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد . }.

إن ما يحكى عنه بعض الكتاب – مثلا - عن اعتراف الإسلام بتعددية الأديان أو تعددية الحضارات ، إنما هو نوع من الخلط أو الإبهام .

فالتعددية التى جاء الاعتراف بها فى الإسلام إنما هى تعددية الأمر الواقع ، وليست تعددية الأمر التكليفى ، أو ما ينبغى أن يكون .

تعددية الأمر الواقع فى الأديان كما فى قوله تعالى { لكم دينكم ولى دين . } سورة الكافرون .

تعددية الأمر الواقع فى الشرائع كما فى قوله تعالى ــ وهو بصدد توجيه الرسول  فى التعامل مع أهل الكتاب : ــ { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ، ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاسـتـبقوا الخيرات ، إلى الله مرجعكم جميعاً ، فينبئكم بما كنتم فيه تـختلفون . } 48 المائدة .

وهى تعددية الأمر الواقع فى الحضارات فى قوله تعالى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز.} 40 الحج .

تعددية الأمر الواقع بين إيمان وإسلام وإحسان فى جهة ، وكفر ونفاق وفساد ومعصية فى جهة أخرى ، وليست تعددية الأمر التكليفى المطلوب ولا تعددية الأمر الذى ينبغى أن يكون .

ففى الإسلام { إن الدين عند الله الإسلام } 19 آل عمران ، { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه . } 85 آل عمران .

{ وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا . } 29 الكهف ،{وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍٍ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا . } 98 مريم .

وفى الأمر الذى ينبغى أن يكون ليس إلا شريعة واحدة بين الأنبياء جميعاً .

ولا تختلف بين نبى ونبى ، ورسالة هنا ورسالة هناك إلا اختلافاً عارضاً ــ بحسب الاختلاف فيها بين عالمية ومحلية ، وخالدة ومؤقتة ــ اختلافاً لا يستحق الخلاف " كما يفيد ذلك قوله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذى أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . } 13 الشورى.

وفى الأمر الذى ينبغى أن يكون ليس إلا حكم الله وحده أو مايبنى عليه : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .} 44 المائدة ... { فأولئك هم الفاسقون } 47 المائدة... { فأولئك هم الظالمون . } 45 المائدة .

وفى الأمر الذي ينبغي أن يكون ليس إلا حضارة واحدة { إنى جاعل فى الأرض خليفة } 30 البقرة... { ولينصرن الله من ينصره . } 40 الحج.. { وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ، ألا إنهم هم المفسدون ، ولكن لا يشعرون . } 11 البقرة.

 

وفي الأمر الذي ينبغي أن يكون مع العدو ليس إلا المقاومة بأطيافها المختلفة ، وإلا فالمفاصلة الكاملة : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض .. ) ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ، قل إن هدى الله هو الهدى ) ( لا تجد قوما يؤمنون بالله ورسوله يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم .. )

إن ردنا يجب أن يكون أقوى من مقاطعة البضائع

نعم ومرحبا بالرد بالمقاطعة الإسلامية للمنتجات الدانماركية , يُذكر أن الخسائر المبدئية المتوقعة من مقاطعة دولة واحدة فقط كالسعودية تُعد بمليارات الريالات. وقد تم صباح اليوم الثلاثاء 31/1/2006م إغلاق مصنعٍ دنمركيّ بالسعودية.

لكن علينا أن ندرك تأصيلا للقضية أن الاعتداء  على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسب جريمة نكراء وبخاصة إذا كانت مطروحة للذيوع والانتشار عن طريق الشعر أو ما شابه من أشكال التعبير ، ومصداق ذلك نجده في السيرة النبوية في حادث  قتل امرأة قصدا لقولها الشعر في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم : ففي المنتظم في التاريخ لابن الجوزي : في سرية عمير بن عدي : يقول : ومن الحوادث في هذه السنة‏:‏ سرية عمير بن عدي بن خرشة إلى عصماء بنت مروان لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة‏.‏

وكانت عصماء تعيب الإسلام وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول الشعر‏.‏

فجاءها عمير في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها  فنحى الصبي عنها ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها‏.‏

وصلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة‏.‏

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أقتلت ابنة مروان ‏"‏ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ ‏"‏ لا ينتطح فيها عنزان ‏"‏‏.‏ )

ومن ذلك نجد قتل شيخ عجوز للسبب نفسه :  في : ( سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي في شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة‏.‏

وكان أبو عفك شيخًا كبيرًا يهوديًا قد بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر‏.‏

فقتله سالم بن عمير‏. )

" مدنيون " ولكن " غير أبرياء " لا ينتطح فيهم عنزان

قتل  امراة ترضع في مخدعها وشيخ كبير السن بالغ الكبر

كل منهما يصدق عليه أنه " ما كان ليقاتل " ، وأنه ينطوي تحت مصطلح " المدنيين " لكن أحدا منهما لم يكن ليصدق عليه أنه بريء ، وإنما هو من " المدنيين "  الذين يعملون في تعبئة الجيش، بقول الشعر في هجاء الرسول والمسلمين ، وما أدراك ما الهجاء بقول الشعر في البيئة  الثقافية إذ ذاك ، وما أدرك ما الرسوم الكاريكاتورية المستحدثة في ذيوعها وقوة تأثيرها ومخاطبتها للغرائز والأهواء ، بعيدة كل البعد عن تبادل الآراء  فهي من ثم ينبغي أن تعامل كفرد من الجيش بل ككتيبة فعالة ، بل كهيئة من هيئات الجيش  التي تعمل في نطاق الحرب النفسية أوالتوجيه المعنوي – أو ينبغي أن تعامل كمؤسسة من مؤسسات المجتمع إذ كانت أشبه بقناة فضائية تعبيء الرأي العام ضد المسلمين اليوم . – وربما استحق القتل  تبعا لمقاييس المصلحة وقرار القيادة

أما اليوم ولعجزنا فإن ردنا يجب ألا يكتفي بالاعتذار ، ذلك الذي يتلاعب فيه السياسيون بما هو في معنى الاعتذار حقا ، أو في مستوى الأسف ، أو في مستوى القلق ،  أو ما أشبه من كلمات الضحك على الذقون التي برعوا فيها ، مما يقولونه اليوم ليلحسوه غدا ، مما يجب التمعن فيه وعدم الاكتفاء به ما لم يصل – في تقديري – إلى التعويض الإيجابي بإنشاء مؤسسة للسيرة النبوية على أعلى المستويات ، في قلب كوبنهاجن وكل عاصمة شاركت في هذا الاعتداء

 

ويناجي السيد أبو البراء عادل باناعمة رسول الله وليسمح لي أن أردد وراءه :

بأبي أنت وأمي يارسول الله .. يا أشرف الخلائقِ ..

ما أشرفكَ أنتَ وما أهونَ من ينالُ منك..

أتهجوه ولست له بكفءٍ ؟

فشركما لخيركما الفداءُ

يامن هو أولى بنا منّا ..

( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) [ الأحزاب : 6 ]

يامن جعلك الله خاتم النبيين ..

( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) [ الأحزاب : 40 ]

يامن جعلك الله أسوة للعالمين ..

( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً )[ الأحزاب : 21 ]

يا من بعثك ربك رحمةً للبشرِ أجمعين ..

( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ )[ الأعراف : 157 ] .

يامن توعّد اللهُ من آذاك بالعذاب المبين ..

( والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [ التوبة : 61 ]

يامن أُمِرْنا بتقديم حبه على كل محبوبٍ ..

( قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ ) [ التوبة : 24 ] ..

( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) [ الشيخان ]

ألم تقل لنا يا أحبَّ الناسِ :

( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) .

ألم تقل :

( أحبّوا الله لما يَغذوكم من نعمه ، وأحبوني لحبّ الله إياي ) [ الترمذي ، وقال : حسن غريب ] .

…اللهم صل وسلم على نبيك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبِهِ أجمعين .

هذا هو نبينا نحبُّهُ كأنفسِنا .. بل فوق أنفسنا .. فقد جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن هشامٍ قال عمر : يارسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي . فقال : ( لا ، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ) ، فقال عمر : فأنت الآن والله أحبّ إليّ من نفسي ! فقال : ( الآن يا عمر ) .

هذا هو نبيّنا الذي تطاول عليه الأرذلونَ جهلاً أو حماقةً أو صلفاً ..))

والله أعلم

يتبع