الدولة الاسلامية
حقيقة نظرية وعملية في سيرته عليه السلام
بقلم : الهادي بريك
ألمانيا
كتابة الصحيفة بين كل أهل المدينة من يهود ومسلمين ـ أوسا
وخزرجا ومهاجرين ـ هو ثالث أكبر عمل تصدى له عليه
السلام بعيد هجرته .
درس أولي سريع كبير : أمة أمية تلقن الدنيا درسا
في الكتابة لحفظ حقوق الناس :
الصحيفة مكتوبة بخط اليد في مجتمع
لا تكاد تعثر فيه على كاتب فضلا عن قارئ لا بل ربما لما يتنزل قوله " إذا
تداينتم بدين إلى أجل مسمى فأكتبوه" بعد ولم يكن
مجال حقل الصحيفة من حيث عدد المنضوين تحت لوائها من كل الديانات والاعراق كبيرا ربما لا يتعدى مئات .
فما الذي حمله عليه السلام على إعتماد الكتابة
في تلك الظروف ؟
ألا يعكس ذلك حسا حضاريا نبويا عاليا ورقيا مدنيا لا
قبل للثقافات من حوله ولا من قبله به ؟
أليس ذلك يؤكد حسن القيام على حقوق الناس جميعا في العدل والقسط والامانة من خلال توثيق العقود السياسية والاجتماعية الغليظة
كتابة وإعلانا ونشرا وإشهادا حتى لا يعذر جاهل بجهله ولا يلومن
ظالم إلا نفسه ولا يستسلم للغبن وضيع ولا يقتل الكمد مقهور مغمور ؟
درس ثان : الاسلام يرشح نفسه لقيادة العالم وبسط
الحكم بالعدل بين الناس .
مما ورد فيها " وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم
وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ
ـ يهلك ـ إلا نفسه وأهل بيته " ثم راحت تعدد يهود كل قبيلة كما عددت فيما سبق
منها مؤمني كل قبيلة ثم تقول " وأنه لا يخرج ـ أي من يهود ـ منهم أحد إلا
بإذن محمد صلى الله عليه وسلم " وكذلك " وأن بينهم ـ اليهود والمسلمين ـ
النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة " وكذلك " وأن النصر للمظلوم " و " إن المدينة
حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة " و " إنه ما
كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو إشتجار يخاف فساده
فإن مرده إلى الله عز و جل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
كما تؤكد في البداية " ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم فإنهم أمة واحدة
من دون الناس ... يتعاقلون بينهم ويفدون عانيهم " وسحب التعاقل وفداء
العاني على كل قبيلة من قبائل المسلمين .
1 ــ عالمية الاسلام دعوة ودولة تقوم على أساس
الاعتراف بالخصوصيات :
من أكبر نقاط القوة في الاسلام هي تلك أي :
ـــ " ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس " أي
إنفتاح الاسلام دعوة ودولة
وحضارة وثقافة لكل إنسان مطلقا دون أدنى إعتبار لماض
أبدا لا بل دون إعتراف بطقوس ومراسم تثقل كاهل الاديان الاخرى والحضارات الاخرى التي لا ينتمي لها الانسان
سوى بعد التعرض لمسلسل من الاختبارات المضنية حتى أن اليهودية تشترط يهودية الام أو أم الام ثم تقسم الناس
فيها دينا إلى مواطنين دينيين درجات تماما كما كانت تفعل الحضارة اليونانية أم
الديمقراطية الغربية المعاصرة وأصل حضارتها فلسفيا وثقافيا تقسيما للناس إلى نبلاء
وعبيد وليس الشأن في المسيحية ببعيد عن ذلك كثيرا لا بل هي في مستوى الطقوس
الدينية أشد ضيقا غير أنه لما تلقت الضربة القاضية قبل قرون قليلة ماضية على يد ما
سمي بعصور التنوير والنهضة فوتت ـ ولو غصبا عنها ـ للنظام الغربي ـ سيما في طبعته الاروبية المركزية
الراهنة ـ في تحديد مراسم الانتماء إليها حضاريا وثقافيا إلى الدولة العلمانية
ولعل من أبرز الادلة على ذلك عدم تساوي المسيحيين العرب
مع إخوانهم الغربيين لا بل عدم تساوي الغربيين الشرقيين مع إخوانهم الغربيين فضلا
عن عدم تساوي السود منهم بالبيض ووصل الضيق من دهاقنة
تلك الحضارة وسدنة كنيستها العلمانية حدودا في ملاحقة الرأي المخالف أفضت إلى
إعادة نصب محاكم التفتيش لطرد حرية التفكير سيما إذا
تعلق بما يسميه أكبر الدارسين للمسألة اليهودية والصهيونية من مثل الدكتور عبد
الوهاب المسيري في موسوعته العلمية التي ليس لها نظير
لا في القديم ولا في الحديث في موضوعها ب " تهود أو تصهين
المسيحية ".
كانت تلك النقطة إذن ثورة من لدن الاسلام حين
أعلن منذ اليوم الاول بأن الامة
الاسلامية ليست أمة منغلقة عن الانسان
في أي وضع كان فلا يحتاج للانتماء إليها سوى إلى قرار منه هو ذاته لا يحتاج حتى
إلى إعلانه في الناس مهما كانوا قرباء منه فضلا عن أن
يخضع لطقوس دينية أو فكرية بمثل ما هو في الديانات والحضارات الاخرى
. نقطة الانفتاح التلقائي غير المشروط من لدن الاسلام
أغرت الانسان بالانتماء إليه لان ذلك هو معيار الحرية
الذي لا يكذب وكيف يكذب معيار لا يتحاكم فيه الانسان
سوى لنفسه هو ؟
ـــ النقطة الثانية هي ماعبرت عنها الصحيفة "
يتعاقلون بينهم ويفدون عانيهم
" . التعاقل هو تعاون أبناء القبيلة الواحدة على
دفع غرامة قتيل من قبيلة أخرى أي هو ضرب من التأمين الاجتماعي السائد بين الناس في
الغابر والحاضر . فكرة التعاقل تقوم على حفظ حق كل تجمع
بشري ذي خصوصيات محددة في تفعيل وحدتهم الداخلية ضمن النسيج الاجتماعي العام الذي
يضم ذلك التجمع بما يضمن آداءه لواجباته وتمتعه بحقوقه
حيال المجتمع الاكبر أو الكبير .
التعاقل نظام إجتماعي
تأميني عربي جاهلي معروف تعامل معها الاسلام بسياسة الاقرار شأنه مع كل نظام صالح حتى لو إقتضى
ذلك مراجعة بعض تفاصيله إذ لا يصلح بالانظمة الاجتماعية
والاقتصادية للناس عامة ـ دون إستثناءات معروفة ـ ما
يصلح في العقيدة من إخبار ولا في العبادة من إنشاء .
ذلك يعني أن الاسلام جمع إلى نقطة قوته الاولى أي إنفتاح أمته على الانسان طرا مطلقا دون نصب أي طقوس لا دينية ولا فكرية ولا
وضع أي شروط للانتماء ولو كان شرط الاعلان ـ إلا في
حالات أمنية معلومة ـ مناقضا ما قامت عليه الاديان
والحضارات السالفة واللاحقة من إنغلاق شوفيني هو بمثابت السجن الديني أو الفكري ... جمع إليه بعد ذلك كونه يعترف بالولاءات من كل ضرب كلما
كانت أدنى مرتبة من الولاء الاعظم للاسلام
ومحكومة بخلقه على نحو يحمي حق الخصوصيات
الثقافية داخله وخارجه في تصريف شؤونها التي تليها من مثل نظام التعاقل وما يقوم اليوم بين الناس من أنظمة إدارية فدرالية أو
كنفدرالية شبيه بذلك شكلا على الاقل
.
2 ــ مخ النظام الاسلامي بعد بسط الشورى هو
الاعتراف بالاخر ضمن دولته وحضارته :
" وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ".
تعرض مفهوم الامة في الاسلام
لكثير من التحكم سواء في إتجاه تمييعه وإفراغه من
خصوصياته الجامعة المانعة أو في إتجاه ضبطه بصرامة
الثكنات العسكرية وتحويله بالنتيجة إلى
ضرب جديد من ضروب الكهنوت الديني بمثل ماهو في اليهودية
أو المسيحية . وليس هذا موضوعنا الان .
وستلفى لفيفا من أولئك وهؤلاء اليوم وغدا وسيشغبون
عليك شاهرين سلاح اللغة وربما تجد الواحد منهم يتمنى لو
أنه عليه السلام لم يستخدم تعبير " أمة مع المؤمنين " ولا شك في أن أخبث
وأقوى ضغط يمكن أن يخضع لجبروته الانسان عندما تستبد به
الهزيمة هو ضغط الواقع . يسري ذلك في قضايا كثيرة من مثل المرأة والفن والحكم وغير
ذلك . وليس هذا موضوعنا الان .
لو درست سلوك النظام الاسلامي يومها في موقفه من
اليهود خاصة لوقفت على عجب مثاره أنه جانب الوقوع بكل
حكمة وفصل وإختيار في مطبين كثيرا ما نقع فيهما نحن
اليوم . كان أمامه طريقان يسيران حيالهم فإما أن يتجاهل وجودهم بالكلية وأنى لهم
أن يلحقوا به ضررا ولم يبق بيت واحد تقريبا في المدينة قبيل وصوله إليها عليه
السلام إلا وقد دخلها الاسلام الذي يعمل فيها سرا وعلنا
قبل ذلك بعامين كاملين ليس عبر السفير الكريم مصعب فحسب ولكن من خلال النقباء كذلك . وكثيرا ما تعمد الاقليات
عندما يكون ذلك سانحا لها إلى قلب موازين القرار من خلال السلاح الديمغرافي وذلك كان ميسورا للاسلام
جدا . وإما أن يبادر بصيغة من صيغ الابادة العرقية حيال
اليهود ولو إجلاء أو إكراها على الاسلام أو تضييقا في
المعايش وهو منزع ميسور له جدا كذلك .
لم إختار إذن منهجا وسطا جديدا غير مألوف يقوم
على بسط السلطان السياسي لا الديني على قاعدة الاعتراف بالخصوصيات والحقوق دينا
ودنيا مما يؤدي ولو عمليا بالنتيجة ـ لتجاوز حوار عقيم في موضوع الامة ـ إلى أمة إسلامية لا تستنكف عن جمع كل دين ولون وعرق
ولغة وحضارة وثقافة إليها .؟ وهو ما وقع بالفعل بدء من حركة الفتوحات شرقا وغربا .
يمكن الجواب عن ذلك بمداخل كثيرة أدناها أن الاسلام
يعمل فوق الارض على حسن تفعيل نقطتي قوته آنفتي الذكر : بسط عالميته سياسيا لا دينيا إلا ضمن حركة إعتناق حرة وتفويض للخصوصيات لتصريف شؤونها الداخلية ضمن ذلك
البسط . لولا ذلك لما دخل الناس في دين الله أفواجا ولمن يراجع حضارة الاسلام في الاندلس فضلا عن سائر أروبا
الجنوبية على الاقل في مظانها
يقف على عجب عجاب لا تتسع له هذه العجالة .
لك أن تسأل سؤالا أخر مهما جدا هنا وهو : لم لم يتوسع الوجود اليهودي
في العالم ولم يتمدد عدديا ؟ سؤال لو
أحسنت الجواب عليه ظفرت بخير كثير فلا تدع عاملا آخر يشغب
عليك وعلى جوابك وهو أن ذلك الضمور العددي قابله تضخم نوعي . ذلك التضخم يعزى إلى
عوامل جديدة حديثة بدأت مع تداعي الخلافة للسقوط وإحتضان
أروبا لذلك الوجود وفرضه عسكريا على أمة منهكة حصلت
فيها النبوءة الاولى أو التحذير الاول
" تنقض عرى الاسلام عروة عروة
أولها الحكم وآخرها الصلاة ".
3 ــ الوحدة الداخلية الاسلامية أولى مقاصد ذلك
النظام :
أولا من خلال وحدة القيادة " ولا يخرج منهم أحد إلا بأذنه عليه السلام
" وغير ذلك مما هو منشور في الصحيفة في ذات المعنى .
ثانيا من خلال وحدة المجتمع " أن بينهم ـ اليهود
والمسلمين ـ النصر على من حارب هذه الصحيفة ". وهو ما يعبر عنه اليوم بالوحدة
الوطنية لتنوع مكوناتها .
ثالثا من خلال نبذ الظلم وإعلان الحرب عليه كائنا من
كان الظالم والمظلوم سواء بسواء
"إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ ـ يهلك ـ
إلا نفسه وأهله "
" وأن النصر للمظلوم " دون أن يحدد دينه ولونه وعرقه ولغته ولا
أي معطى آخرأبدا .
رابعا من خلال إعلان قدسية وحرمة الثروة الداخلية بكل معطياتها أن تستأثر
ظلما أو تبدد هدرا.
" وأن المدينة حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة
" وما يعنيه ذلك من رفع لسقف الخيانة العظمى لصالح طرف خارجي .
درسان معاصران :
1 ــ الاسلام والسياسة أو منزلة الدولة في الاسلام :
قبل تسجيل كلمات في ذلك لابد من الاعتراف من لدن المؤمنين بشمول الاسلام للحياة والانسان والزمان
والمكان والحال شمولا نظريا عقديا مكينا يمكن أن يخضع لسنن التدرج والتأجيل
والاستثناء ـ وكلها أدوات أصولية معروفة في فقه التنزيل ـ بأن ما يحتله هذا المحور
في التفكير الاسلامي المعاصر من أهمية قصوى جدا ليس
عامل صحة سوى بمنهج المقارنة إذ أن إخضاع الثوابت العقدية العظمى في زمن ما إلى
الحوار المبدئي فيها ـ دون فقه التنزيل ـ يعكس ردة . أما مقارنة فإنه أمر يحسب
للصحوة الاسلامية المعاصرة على مدى القرون الثلاثة
الماضية .
معنى وذلك ومقتضاه هو أن ذلك الحوار في مستوى ثابت عقدي مكين لا يعد سوى
إنهاكا للجهد أو نزولا إلى المربع الاول من النقاش لاعادة تثبيت ثابت لا قيام للعقيدة بدونه مع ما يصحب ذلك من إستنزاف للطاقات لا ريب في كونه مقصودا من أعداء المشروع الاسلامي . ولا يعني ذلك أن سلطان
الزمان والمكان والحال والعرف ليس له من أثر على أعباء التجديد والاجتهاد.
كثيرا ما يتقوقع الحوار في تلك المباحث حول حفر من التراشق اللغوي والتعدد
المصطلحي وذلك من مثل أنه لا وجود لدولة إسلامية ولكن دولة تقيم الاسلام أو أن الدولة الاسلامية
دولة مدنية خلفيتها الثقافية إسلامية وما شاكل ذلك . كل
ذلك غرق في الاصطلاحية التي لا يمكن توحيدها بين الناس والعاقل من تجاهل الاسم ما
أمكنه ذلك كلما كان التأويل العرفي يحتضنه ولو بوجه واحد ومن ذلك إصرار البعض على
لفظ الخلافة حتى بتضييع رسالة الاسلام أن تحرر بلغة
معاصرة تفتح للدعوة الاسلامية قنوات إتصال مع غير المسلمين أو تطمئن الحيارى من غيرهم.
وستلفى بعض الذين يسرفون في الاتجاه إلى الحرفية اللغوية يواجهونك بالقول
بأن كل مصطلح يحدد وعاءه الفكري وأن المعركة في جزء منها إصطلاحية
وغير ذلك مما لا يحصى من الفروع التي لا يضمن أحد عدم جورها على الاصول والجواهر .
معنى ذلك ومقتضاه أمران :
ــ أولهما هو تقديم العناية بمقصد الاسلام من
الخلافة والدولة والبيعة وغير ذلك على العناية بالاسماء
التي لن تلبث أن يطرأ عليها التغيير تماما كما تحولت الخلافة إلى دولة وهو تحول واقعي
ميداني لا ينقص من قدره بحث أسباب ذلك أو نتائجه . ومعلوم أن القرآن الكريم حدد
بالنص والكلمة رسالته من الجماعة إذ شدد على معاني العدل والقسط والامانة والشورى والحرية وكرامة الانسان
والقوة والقيادة واجبات وحقوقا ومصدرية الشريعة ـ لا الفقه ـ وسلطان الجماعة أو الامة أو الشعب . إذا قامت تلك القيم فوق الارض
فلا تثريب عليك بعد ذلك لا قبله أن تسمي إطارها خلافة أو دولة أو نظاما أو جمهورية
أو مجلسا .
ــ التهيؤ للفراغ ولو جزئيا من مباحث الجدل النظري سيما
مع تعمق يشوبه التحكم والتفرع ونزعة الأرأيتيين لحساب
التخطيط لتسلل الاسلام ولو في حد أدنى إلى حد أدنى من
حقول الحياة السياسية وإلتزام التوازن في المطالبة
بالبديل الجاهز الكامل للدولة الاسلامية بين تحرير الحد
النظري الادنى المطلوب ثابتا وفقه واقع وبين المراهنة
على عامل التجربة والزمن والتصحيح .
2 ــ بناء الدولة الاسلامية على أكبر أساس ثقافي
وعملي ينجزها وينجحها هو : الحرية .
ما ينبغي على المسلمين الملتزمين العاملين في حقل الدعوة الاسلامية اليوم بأن أغلبهم ـ أجل أغلبهم أقول ذلك مع أسف
شديد ـ يهونون من كون بوابة الحرية هي أشد الابواب
مناسبة للعقيدة والشريعة من ناحية ومناسبة للواقع المعاصر من ناحية أخرى لتقدم
مسار الدعوة والحركة بسرعة قليلة التكاليف والتضحيات وأكثر أمنا نحو توفير شروط
الدولة الاسلامية .
أجل أقول ذلك مع الاسف الشديد وهو يسري ـ ولو
بنسبة أدنى من تلك الاغلبية قليلا ـ على التيار الوسطي
الذي يتغنى بالاعتدال والتوازن وحسن فقه الاسلام
والواقع معا .
معنى ذلك ومقتضاه هو أن إحدى أكبر ثغرات ذلك التيار المسؤول
عن تقدم الحركة هو إهماله للتعبئة الثقافية المتشبعة بأدق وأنفس طيبات محاصيل علوم
الفقه أصولا ومقاصد وقواعد ومقامات أحيانا لحساب فقه في الواقع وأحيانا أخرى لحساب
التبسيط والارتجال والتعويل على إجتهاد المفكرين
والفقهاء ولو كانوا معاصرين وكل تلك الامور معضلات
ومشكلات .
أما في ما دون فعاليات ذلك التيار فإن حال الخصام مازالت هي الغالبة على
علاقة الاسلام ودعوته بالحرية الانسانية
وإن لم تكن خصومة معلنة فهي مسكوت عنها فوق تنور ملتهب .
كلما لم ترد كلمات الحرية في القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة فإنها
منبوذة أو غير مطلوبة معانيها وإلا فلم لم ينص عليها
بصراحة مادام قد نص على كل شئ ؟
ومرة أخرى يفيئ بنا الامر
إلى سلاح الضغط الواقعي فمادامت الحرية خطاب غير المسلمين بل لغة المحاربين منهم
فإنها قطعا غير حلوة المذاق .
لا بل مرة أخرى ننقل كلام إبن تيمية عليه الرحمة
والرضوان في حق حكام التتار أيام غزو بغداد من موقع المعاصرة والمعايشة والمكابدة
وهو على تنور يوقده علماء وفقهاء عصره من إرتبط منهم
بالسلطان أو إبتعد عنه ... مرة أخرى ننقل كلامه فنصب به
جام غضبنا ـ تحقيقا للمناط بلغة الاصوليين
ـ على مشاهد عصرنا . ولم لا ؟ أليسوا جميعا كفارا أو
ظلاما ؟
مرة أخرى نخطئ في نصب ميزان فقه التنزيل وكأن إماما بمثل الامام الشاطبي عليه الرحمة لم
يحرر فيه كلمة واحدة لا بل كأنه لم يجتهد في ما سيق إليه ممن سبقه فيه . وما
حاجتنا إلى فقه تنزيل ؟ القرآن والسنة بين أيدينا ننزلهما نحن بأيدينا جملة لا
تفصيل فيها وفورا لا تدرج فيه وعلى كل الناس والاوضاع
دون تمييز . هكذا فعل عليه السلام وهكذا فعل الراشدون والسلف.
ملاحظة ختامية أخيرة :
يتوفر أهل المدينة اليوم وفي أيام معدودات جدا على ثلاثة مقومات تضمن سلامة
البناء الاجتماعي وهو بناء جاء على وزن " ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء "
. من هم أولى العلماء بالخشية إذا كنا نؤمن بأن كلام الله سبحانه أولى من كلام
البشر بالسياقات المعنوية التي تعين على حسن الفهم تركيزا لذهن السامع ؟
من هم لو لم يكونوا العلماء بسنة إختلاف الناس
والدواب والانعام بعضها على بعض لونا يسري على الدين
واللغة والعرق والمذهب والملة والطائفة والذوق الخ ...؟ هل يكون من يجهل ذلك عالما
جديرا بذلك المكان السامق من الخشية ؟ أما للعربي فلا بالتأكيد لان التنزيل تغنى بعربيته في أحد عشر موضعا إعجازا وتحديا .
قام البناء الاجتماعي لاهل المدينة بأسرهم
وبتنوع ألوانهم تنوع ألوان دوابهم ونعمهم على أسس ثلاث إنتهى
منها اليوم عليه السلام :
1 ــ مسجد رغم تواضعه يحقق الاجتماع للعبادة
تماما كما يحقق الاجتماع للتعارف والتعاون.
2 ــ تكافل إجتماعي مدين لاخوة
الاسلام وفق برنامج عملي ينمي الاقتصاد ويقضي على تطاحن
الطبقات ومشاكل الاقليات .
3 ــ دستور سياسي يقوم على وحدة القيادة وتنظيم إختلاف
الاديان والاعراق على قاعدة
العدل والقسط والامانة والشورى والقوة وصون الوحدة
الداخلية .
تلك هي أصول فلسفة الدولة في الاسلام وليست
أعمال ما بعد الهجرة لترتيب مؤقت .
تلك هي منابع قوة كل تجمع إسلامي يحسن قراءة سيرة نبيه عليه السلام .
ذلك هو عين ما يصلح بنا اليوم شبرا بشبر ولكن على قاعدة " العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالاشكال والمباني " .
والله تعالى أعلم