أطوار بهجت

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

لن توجد المفردات التي تعبر بصدق عن مدي خسة ونذالة أولئك المجرمين الذين خطفوا أطوار بهجت وزميليها من بين الجموع وقتلهم ورمي جثثهم وقد نخرتها رصاصات الغدر طولا وعرضا. لا أحد يستطيع أن يتخيل حتي في أكثر سيناريوهات الرعب قذارة أن يقدم رجل مهما كان دينه ومذهبه أن يتعامل مع شابة جميلة وبشوشة ومسالمة وعزلاء بهذه الوحشية التي يستحيل استساغتها من أشد الأعداء شراسة وحقدا فكيف يمكن أن تقبل من أبناء جلدتك ودينك، فلا أبسط قيم الإنسانية التي تجمعنا ـ مهما تعددت مللنا ومشاربنا ـ تسمح ولا رباط الدم والعقيدة يغفر.

 

لقد قتلت أطوار لذاتها، كما قال أحدهم ، أي أنها علي عكس كثيرين من زملائها لم تلق مصرعها في قصف أو تبادل نيران أو عند حاجز تفتيش بل إن من جاء يسأل عنها قصدها هي بالذات مع أن لا شيء علي الإطلاق، علي الإطلاق، يمكن أن يبرر المس بشعرة منها سواء تعلق الأمر بتقارير صحافية أرسلتها أو آراء عبرت عنها أو محطة كانت تعمل بها أو أخري التحقت بها، فضلا عن أن الاعتبارات الإنسانية الدنيا ما كانت لتجعل شخصا سويا يقدم علي تصفيتها بهذا الانحطاط فقد كان يمكن أن يكون خطفها وتهديدها رادعا كافيا حتي وإن كنا لا نقر ذلك أيضا لكنه يبقي بما لا يقارن أفضل من قتل آنسة لم تسئ لأحد وكانت العائل الوحيد لأمها وأختها بعد ما رحل الوالد.

 

حين تقدمت أطوار للعمل في المكتب الجديد لقناة الجزيرة في بغداد بعد سقوطها، وكان ذلك في نهاية ايار (مايو) بداية حزيران (يونيو) 2003، شاءت الصدف أن أكون بصحبة الزميل تيسير علوني من أوائل من التقي بها وشجعها فقد لمسنا فيها عاطفة جياشة وحبا جارفا للمهنة التي عرفتها أولا في الصحافة المكتوبة قبل التلفزيون العراقي. وبسرعة كبيرة فرضت أطوار نفسها خاصة وأنها لم تكن تتعامل مع مخاطر التغطيات الإخبارية اليومية الدامية في العراق من منطلق أنها فتاة بل كانت دوما أول من يرغب في الذهاب إلي أرض الحدث عند كل تفجير أو اشتباكات وأذكر جيدا كيف جاءتني ذات يوم من أيام حصار الفلوجة الأولي في نيسان (أبريل) 2004، وكنت وقتها في بغداد ثانية، وهي غاضبة متأففة من أن وضاح خنفر و كان حينها مديرا لمكتب بغداد لم يبعثها لتغطية التطورات الملتهبة هناك وفضل عليها زملاء آخرين من الذكور وعبثا حاولت تهدئتها من أن وراء ذلك خوفا عليها وليس تشكيكا في كفاءتها.

 

لهذا تحديدا لم تطق أطوار صبرا بعد أن أغلق مكتب بغداد في آب (أغسطس) 2004 فلم تستطع أن تتأقلم لا مع عمل غرفة الأخبار في الدوحة ولا مع بعض التغطيات الخاصة في عمان والقاهرة. كانت تعشق العراق الذي جعلت خارطته قلادة في رقبتها لذلك عادت إليه بنهم شديد تبحث عن الأحداث المشتعلة وكأنها فراشة لا تكترث من الاقتراب من ضوء سيحرقها بالتأكيد بل لعلها ظنت أن براءتها ووسامتها وعلاقتها الطيبة مع جميع الفرقاء السياسيين تشفع لها في الملمات. وحتي حين ارتدت الحجاب لم أشأ أن أسألها عن ذلك فقد فهمت أن في هذا الاختيار الشخصي البحت بعض الحرص ربما علي عدم الاصطدام مع مناخ عام بات مهيمنا في البلاد.

 

شجاعة أطوار وجرأتها تجعلني أتخيلها في ساعتها الأخيرة تجادل خاطفيها وتفحمهم لكن رهط من تعاملت معهم كان علي الأرجح من أولئك الذين أقفلوا دماغهم بمفتاح ثم رموا به في دجلة أو الفرات لذلك لم يرعوا قليلا أو كثيرا بل وقد تكون أغاظتهم أكثر في سجالها معهم كما يشهد علي ذلك جسدها المثقوب برصاصات الجهل والحقد من أعلي رأسها إلي أخمص قدميها.

 

بعد استشهادها بيومين جاءتني زميلة في غرفة الأخبار لتقول لي بأن أطوار تحدثت إليها قبل يوم من الفاجعة وأنها تبعث إلي بالسلام... الله يسلــّـمك يا أطوار وأنت بين يدي السلام نفسه.