ازالة الجدار وتفكيك المستوطنات ودحر الاحتلال

 

 

 

بقلم :منير شفيق

 

موضوعان يتوجب حسمهما في هذه المرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية الاول: هل يمكن القبول، او يجوز، بالامر الواقع الذي يفرضه الجدار والمستوطنات ومصادرة القدس والاغوار، والطرق الالتفافية وتقطيع اوصال ما يتبقى من الضفة الغربية مما سيفرض تهجيراً جديداً لمئات الالوف تحت ضغط عذاب التنقل وصعوبة العيش، والانقطاع عن الارض وشح المياه. وذلك اذا ما قبل بالامر الواقع المذكور؟

 

بالطبع، لا يمكن التسليم بهذا المصير للضفة الغربية واهلها، وارتداداته على المنطقة، تحت أي ظرف من الظروف، ومع أي حجة من الحجج. لأن التسليم بهذا الامر تحت حجة العجز او «الواقعية» او التسويف يعني حلول النكبة الثانية التي لا تقل خطورة عن نكبة 1948 حتى لو كانت اقل حجماً من ناحية الارض والمهّجرين. لأنها تشمل القدس والمسجد الاقصى والمقدسات المسيحية والاسلامية وما تبقى من الوجود البشري. ثم اعتبارها خاتمة المصير للقضية الفلسطينية.

 

هذا بالتأكيد ما خطط له شارون وهو ينهزم من قطاع غزة بعد ان فشلت استراتيجيته العسكرية والسياسية في القضاء على المقاومة والانتفاضة والصمود الشعبي. وهذا ما توطأت معه وعليه ادارة بوش اولاً، ثم سكوت الرباعية ثانياً سواء أكان بصورة مباشرة ام غير مباشرة مثلاً ترك مصير الضفة الغربية للمفاوضات ومن بعدها مصير «الحل النهائي». فخريطة الطريق قد تركت الجدار يبنى والمستوطنات تتوسع، وركزت على تفكيك فصائل المقاومة، كما جعلت من كل قرار والتزام دوليين سابقين مجرد مرجعية «رشوة وهمية للفلسطينيين والعرب» فيما التقرير اعطي للمفاوض الاسرائيلي الذي بيده الارض والمدعوم بالضغط الدولي التلقائي «الاتوماتيكي» على الفلسطينيين والعرب.

 

باختصار، لا يمكن القبول بهذا الامر الواقع ولا بد من تغيير ومهما كلف الثمن والا تجرعنا النكبة الثانية». ومن بعدها كارثة «حل الدولتين» - «الحل النهائى».

 

اما الموضوع الثاني فهو هل تغيير هذا الامر الواقع ممكن؟ بمعنى هل يمكن هدم الجدار الذي اوصت محكمة العدل الدولية بهدمه، وهل يمكن تفكيك المستوطنات التي حكمها حكم الجدار، وهل يمكن فرض الانسحاب واستعادة القدس وتأمين المسجد الاقصى من التقسيم فالهدم؟

 

الجواب نعم، ونعم قوية استناداً الى قراءة مدققة لموازين القوى والظروف الدولية والاقليمية، وما نشأ من ظرف فلسطيني جديد بعد الانتخابات يسمح بتغيير قواعد اللعبة والافادة من معادلات الوضع الراهن.

 

يمكن الاكتفاء في هذا الصدد برؤوس العناوين التالية: ثمة سابقتا جنوب لبنان وقطاع غزة، وامامنا ترنح الاحتلال الامريكي في العراق وفي افغانستان وما تعانيه ادارة بوش من ازمة داخلية مربكة، ومن فشل حيثما وضعت يديها، وما مثل ما يجري في امريكا اللاتينية، وما جرى بالنووي الكوري ببعيد، وفي منطقتنا تواجه ازمات مع ايران وسورية ولبنان، والاغلب ان تجري الرياح فيها على غير ما تشتهي السفن الامريكية - الاسرائيلية.

 

ولعل نقطة الضعف الوحيدة في هذه المعادلة تكمن في عدد من المواقف العربية وعلى التحديد السياسات الرسمية الخاصة بقضية فلسطين وادارة الصراع مع العدو الصهيوني لكن اذا استطاع الوضع الفلسطيني الجديد ان يوحد الموقف الفلسطيني وراء هدف هدم الجدار وتفكيك المستوطنات ودحر الاحتلال واسترداد كل الاراضي المحتلة في حزيران 1967 ثم ان يوحّد استراتيجية ادارة الصراع ابتداء من ازالة وهم وجود مسيرة سلمية او مفاوضات، والتكامل باعلان التصميم على تحقيق الهدف المذكور باشكال الضغوط والمقاومة الشعبية السلمية والدفاع عن الذات والمقاومة في وجه الاجتياحات والاعتداءات ثم الضغط لتوحيد الموقف العربي والاسلامي وما امكن من مواقف دولية ورأي عام عالمي فعندئذ يصبح هدم الجدار وتفكيك المستوطنات ودحر الاحتلال ممكناً.

 

- قال احدهم لنسلم بأن الجدار يمكن هدمه او زحزحته بشكل ملموس ولنسلم بامكان فرض انسحاب واسع لكن من المحال تفكيك المستوطنات فمن يرى كتل الاسمنت حول القدس لا يستطيع تصور اخلاءها وهدمها؟

 

- لكن ما دامت كتلا من الاسمنت فهي تشترى وتهدم او تبقى ويبيعها من سلب ارضها أفلم يحدث مثل هذا في قطاع غزة؟

 

- لكن قطاع غزة شيء وهذا شيء آخر؟

 

- لكن المبدأ واحد فقد قيل ان جنوب لبنان شيء وفلسطين شيء آخر ثم تبين ان قطاع غزة ليس شيئاً آخر؟ والآن يقال القطاع شيء والضفة شيء آخر؟ المسألة الفارقة هنا كمية ومعنوية لأن الارض في الحالتين فلسطينية ومدعاة بأنها «ارض اسرائيل» ثم لا شيء غير ممكن اذا كبرت الخسارة بمعناها الشامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري والمعنوي والرأي العام الدولي «ارتفاع نسبة الرأي العام في اوروبا في امريكا الى أعلى باعتبار اسرائيل اخطر دولة على الأمن والسلام في العالم تليها الولايات المتحدة»، وجعلت الخسائر اكبر من الاحتفاظ بهذه الكتل الاسمنتية.

 

وبكلمة اذا حسم امر هذين الموضوعين فإن الامر الواقع الذي يراد فرضه سيصبح عبئاً لا يطاق اسرائيلياً وامريكياً واوروبياً ويجب تغييره فنحن معنا الحق وقوة الحجة، ونتائج التجربة، ولا يبقى غير توحيد المواقف او تقريبها واحتلال العزيمة والصبر والجرأة على تغيير امر واقع لا يمكن العيش فيه والتعايش معه.