جريمتنا أم جريمة
الغرب 5\6
بين سوء العرض
وسوء القصد
بقلم :د . يحيى هاشم حسن
فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
a-9-0@maktoob.com
ذكرنا في المقال السابق أن كثيرين يتساءلُون .. إلى
أي مدى أفلحنا في نقل الصورةِ العظيمة لنبيّنا صلى الله عليه وسلم إلى العالم إن
كنا جادين في تجنيبه
الكثير من الإساءات التي يوجهها له أعداء الإسلام ؟
وذكرنا أننا بالطبع مقصرون جدا في هذا الاتجاه ، لكن ليست القضية الآن كما يردد كثيرون : أن المسلمين هم المسئولون عن عداء الغرب لهم
، حيث يسيئون عرضهم للإسلام … ليبرروا لسادتهم غرس أنيابهم في لحومنا .. كلا
إنها على العكس من ذلك ، أنهم فى الغرب يتجاوزون سوء العرض هذا ويذهبون مع سوء قصدهم وعدم
قبولهم للآخر إلى عمق علاقتهم بالحضارة الإسلامية ؛ باعتبارها خطراً موضوعياً على
حضارتهم . إنه من السطحية والسذاجة أن يظن البعض منا أن
المسألة ترجع إلى طريقة عرض الإسلام… وتنتهي المشكلة عند ما يبدأ المسلمون عرضا
صالحا
وإلا فقولوا لنا ..
هل كان أرنست رينان المستشرق الفرنسي الشهير متأثراً بسوء عرض الجهلاء منا للإسلام وهو في ذورته الأكاديمية يصرح بعدوانيته وسوء قصده في عدم قبوله للآخر " للإسلام ": إذ يقول في خطاب
افتتاحي في الكوليج دوفرانس
حول تصنيف الشعوب السامية في تاريخ الحضارة
..( . الشرط الأساسي لتمكين الحضارة الأوربية من
الانتشار هو تدمير كل ماله صلة بالسامية الحقة : تدمير
سلطة الإسلام الثيوقراطية ، لأن الإسلام لا يستطيع
البقاء إلا كدين رسمي ، وعندما يختزل إلي وضع دين حر وفردي فإنه سينقرض . { ؟؟
} هذه الحرب الدائمة، الحرب التي لن تتوقف
إلا عندما يموت آخر أولاد إسماعيل بؤسا ، أو يرغمه الإرهاب { أي إرهاب يعني ؟!! } علي
أن ينتبذ في الصحراء مكاناً قصيا .
الإسلام هو النفي الكامل لأوربا ، الإسلام هو
التعصب ، الإسلام هو احتقار العلم ، القضاء علي المجتمع المدني ، إنه سذاجة الفكر
السامي المرعبة ، يضيٌق الفكر الإنساني ، يغلقه دون كل فكرة دقيقة ، دون كل عاطفة
لطيفة ، دون كل بحث عقلاني ، ليضعه أمام حشو سرمدي : " الله هو الله " . المستقبل هو إذن لأوربا ولأوربا وحدها ،
ستفتح أوربا العالم ، وتنشر فيه الدين الذي هو الحق، الحرية ، احترام البشر ، هذا
الاعتقاد القائل بأن ثمة شيئاً ما إلهياً في صلب الإنسانية{ عقيدة التجسد !! } … )
!! أنظر كتاب " الإسلام اليوم
لمارسيل بوازار " بحث الحبيب الشطي الأمين العام
لمنظمة المؤتمر الإسلامي ووزير خارجية تونس الأسبق صــ 34
ــ 35 طبعة 1986 ــ اليونسكو .
فهل تريدون منا أن نصدق أن أرنست رينان – وهو من
هو في قمة الاستشراق - في صورته المشوهة عن الإسلام
عمدا قد تأثر بسوء العرض منا ؟
أو فقولوا لنا لماذا يكتب " باول شمتز " المستشرق الألماني المعروف
مثلاً في كتابه " الإسلام قوة الغد العالمية " ــ قبيل الحرب العالمية
الثانية ــ ليصرح بعدوانيته وسوء قصده في عدم قبوله للإسلام إذ يُحذر من تواكب الحركة الإسلامية مع
الحركة القومية الإسلامية " وما يمثله ذلك من خطر محدق بالغرب !! يقول المؤلف
( إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوربا ، وهتاف يجوب آفاقها يدعو إلي
التجمع والتساند الأوربي لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو ويزيل النوم عن عينيه.
فهل يسمع الهتاف أحد ؟ ألا من يجيب ) .انظر كتابه "
الإسلام قوة الغد " ترجمة د. محمد عبد الغني شامة صــ
356
. حتى إنه ليقلل من أهمية افتقاد العالم الإسلامي للتقدم التكنولوجي في هذه
المعركة التي ينذر قومه بها ،
إذ يقول ( من الممكن أن يعارض المرء هذا الرأي .. فإن الإسلام فقد سيطرته علي بعض
الأشياء المادية ، وخاصة ما يتصل بالحرب ، فهو لم يلحق
بالتقدم التكنولوجي الحديث . ولا أستطيع أن أدرك لماذا لم يعوض الشرق الإسلامي ما
فاته في هذا الميدان ، إذ لا تحتاج العلوم الحديثة إلي طبيعة عقلية خاصة ، بل
يتطلب الإلمام بها والتفوق فيها الخبرة وتوجيه الخبراء
، ومن المؤكد أنه غالباً ما يحدث أن تكون حضارة ذات منزلة عالية في التقدم
التكنولوجي .. هي أقل درجة من حضارة أخري لم تبلغ تطورها بعد في هذا المجال ما
بلغته الأولي ، إذن فهناك احتمال كبير في أن يصبح شعب ظهر حتى الآن أن مواهبه في
الناحية التكنولوجية ضعيفة سيداً علي شعب آخر استولت التكنولوجيا علي حواسه
ومشاعره ، فلم ينقذه أحد .. لماذا لا يتعلم العالم الإسلامي ما تعلمناه في مجال التكنولوجيا ، وفي
مقابل هذا : سوف يكون من الصعب علينا استعادة التعاليم الروحية التي فقدتها
المسيحية ، بينما لم يزل الإسلام يحافظ عليها . ) المصدر
السابق.
ويبني المؤلف تحذيره علي ما يلمسه من مصادر القوة التي يملكها العالم
الإسلامي ؛ وهي : الموقع الجغرافي ، والخصوبة البشرية ، والثروات والمواد الخام
والدين الإسلامي ( الذي له قوة سحرية علي تجميع الأجناس البشرية تحت راية واحدة
بعد إزالة الشعور بالتفرقة العنصرية من نفوسهم ، وله من الطاقة الروحية ما يدفع
المؤمن به علي الدفاع عن أرضه وثرواته ، بكل ما يملك مسترخصاً في سبيل ذلك كل شئ حتى روحه .. يحرص علي التضحية بها
فداء لأوطان الإسلام . ) .
ثم يتساءل : ( أي قوة وجدانية بعثت هذه الإرادة اليوم في
الشرق ؟ ) ثم يجيب برؤية صحيحة ( قوة الوحدة الفكرية للإسلام ، ووجود الإحساس الحي
للدين الإسلامي ، فهو ينتصر في كل مكان ينزل فيه الميدان مع الأيديولوجيات الأخرى )
.
بل إنه ليستشعر الخطر من مجرد أداء المسلمين لفريضة الحج واتـجـاهـهم إلي
القبلة في صلواتهم .. إذ يقول ( إن اتجاه المسلمين نحو
مكة ــ وطن الإسلام ــ عامل من أهم العوامل في تقوية وحدة الاتجاه الداخلي بين المسلمين ، وأسلوب يضفي علي جميع نظم الحياة في المجتمع
الإسلامي طابع الوحدة ، وصفة التمسك . ).
بل إن ناشر الكتاب الألماني يقدم له بهذه العبارة ( باول
شمتز عاش في القاهرة عدة سنوات ويعرف جيداً الأسس التي
ينبثق عنها تطلع الشعوب الإسلامية إلي الاستقلال ، الذي يعد أهم مشكلة سياسية في
الوقت الحاضر ، وهذا الكتاب يوضح الخطر المتوهج الذي يمر عليه الإنسان في أوربا
بكل بساطة ، وفي غير اكتراث ، فأصحاب الإيمان بالإسلام يقفون اليوم { قبيل الحــرب
العالمية الـثــانية } في جبهة موحدة معادية للغرب … وهذا الكتاب هو نــداء وتحذير
يجب أن يلقى الاحترام الجدي من أجل مصالح الغرب وحدها. ) .هكــــذا ، فهل كتب باول شمتز ما كتب بعد الحادي عشر
من سبتمبر ؟ أو كتبه عن سوء فهم ؟ أو لما وجده من سوء
عرض للإسلام يرتكبه بعض الجهلاء من هنا أو من هناك ؟ !!!
أو فقولوا لماذا يصرح المفكر الأمريكي الأستاذ بجامعة هارفارد " صامويل
هانتنجتون " بعدوانيته وسوء قصده في عدم
قبوله للآخر – الإسلام - عندما نشر كتابه
المعروف باسم ( صدام الحضارات ) وفيه يبشر لصدام مستقبلي هائل بين الديانات
والثقافات الحديثة ممثلة في الثقافة الأوربية الأمريكية الغربية من ناحية ، وبين
الديانات والثقافات القديمة .. لكنه خص الحضارة العربية الإسلامية بأكثر قدر من
التركيز لأنها ـ كما يعتقد ـ ستكون أولي تلك الحضارات القديمة وأقدرها علي
الازدهار وتحدي الغرب قريباً ، ولذلك يقول الرجل : ( يجب علي الغرب الاستعداد من
الآن لصدام المستقبل هذا ، بل العمل علي إجهاض قوة الحضارات الأخرى ، خاصة
الإسلامية قبل أن تكتمل . ) .
، فهل كتب صامويل هننجتون ما كتب بعد الحادي عشر من سبتمبر ؟ أو كتبه عن
سوء فهم ؟ أو لما وجده من سوء عرض للإسلام يرتكبه بعض
الجهلاء من هنا أو من هناك ؟ !!!
وفي نفس اتجاه هنتنجتون نجد دراســة أخــري نـشـرتـها مجلة الايكونومست البريطانية في 8 يناير عام 1994 ، ركزت علي أن
مستقبل العالم مهدد بقوتين كامنتين أمامهما فرصة البزوغ ، بل الصدام مع الآخرين : هما
اليابان والقوة الإسلامية المنتظرة! مقال صلاح حافظ ــ الخليج 25/2/1994 .
وها هو الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية
ــ ريتشارد نيكسون : يصرح بعدوانيته وسوء قصده في عدم قبوله للإسلام وهو يدرك السمة الحضارية للإسلام ، حيث
يقول ( إن الإسلام ليس ديناً فقط ، وإنما هو أساس حضارة رئيسية ، إننا نتحدث عن
العالم الإسلامي بصفته كياناً واحداً ــ ليس لأن هناك مكتباً إسلامياً يوجه
سياساته ، ولكن لأن الدول منفردة تشترك في اتجاهات سياسية وثقافية مشتركة مع
الحضارة الإسلامية ككل . ) (انتهزوا الفرصة ــ ترجمة حاتم غانم ، طبعة فبراير 1992
صــ 40 .) فهل كتب نيكسون ما كتب بعد الحادي عشر من سبتمبر ؟ أو كتبه عن
سوء فهم ؟ أو لما وجده من سوء عرض للإسلام يرتكبه بعض
الجهلاء من هنا أو من هناك ؟ !!!
ثم يقول ريتشارد نيكسون : ( للعمل في العالم الإسلامي فإن علي صناع السياسة
الأمريكية المناورة داخل وكر أفعي من سم النزاعات
الأيديولوجية والصراعات الوطنية ) .والمدهش أنه يعترف
بعد ذلك بأن بعض الأمريكيين ( يتغاضون عن حقيقة أن الإسلام لا يشمل مبدأ ارهاب وأن ثلاثة قرون قد مرت منذ أن انشغل المسيحيون في حروب
دينية في أوربا . ) فهل من سوء عرضنا فهم نيكسون
؟ .
ثم يعترف بفضل الحضارة الإسلامية فيقول : ( بينما
ذبلت أوربا في العصور الوسطي تمتعت الحضارة الإسلامية بعصرها الذهبي ، وقد أسهم
الإسلام بمجهودات هائلة في مجال العلوم والطب ،
والفلسفة ، وفي كتابه "عصر الإيمان " لاحظ ول ديورانت
أن الإنجازات الهامة في كل الميادين قد تحققت علي يد مسلمين في هذه الفترة ، وكان
ابن سينا أعظم الكتاب في الطب ، والرازي أعظم طبيب ، والبيروني أعظم جغرافي ، وابن
الهيثم أعظم صانع للآلات البصرية ، وجابر أعظم كيميائي .. وكان العلماء العرب
فاعلين في تطوير الفكرة العلمية .. وعندما دفع الرجال العظام من عصر النهضة
الأوربية إلي الأمام حدود المعرفة .. فقد رأوا أكثر لأنهم وقفوا علي أكتاف
العمالقة من العالم الإسلامي . ).
ثم يقول ريتشارد نيكسون ( إن حضارتنا ليست متفوقة علي حضارتهم الموروثة ،
إن شعوب العالم الإسلامي كانوا أكثر مقاومة لجاذبية الشيوعية من مقاومة أولئك في
الغرب ، وإن رفضهم الواسع للمادية وثقافة الغرب الأخلاقية المسموح بها ـ أي في الغرب ـ رجعت عليهم بالفضل . )
وطيلة خمسة قرون من 700 إلي 1200 م ــ كما يقول نيكسون ــ فإن العالم
الإسلامي تقدم وتفوق علي العالم المسيحي فيما يتعلق بالقوة الجيوبوليتيكية
، ومستوي المعيشة ، والمسئولية الدينية ، وتقدم القوانين ، ومستوي تعلم الفلسفة ،
والعلوم والثقافة .
ثم يرجع انحسار الحضارة الإسلامية إلي انتصارها في الحروب الصليبية ، كما
يرجع تفوق الغرب إلي انهزامه إذ يقول ( إن عقوداً من الحرب قلبت الطاولات ، وكما
كتب ديورانت : إن الغرب خسر الحرب الصليبية ، لكنه ربح
العقائد (!! ) ، وتم طرد كل محارب مسيحي من أرض اليهودية
والمسيحية المقدسة ( كذا !! ) . لكن الإسلام استنزف نتيجة انتصاره المتأخر ، ودمر
وخرب علي يد المغول ــ بالمقابل ــ في عصر من ظلام الغموض والفقر ، بينما المهزوم
مدفوعاً بالجهد ونسيان الهزيمة تعلم كثيراً من عدوه ، ورفع الكاتدرائيات في السماء
، وعبر بحور العقل ، وحوٌل لغاته الجديدة إلي لغة دانتي
وفيلون ، وتحرك بروح معنوية عالية إلي النهضة ) فهل كتب
نيكسون ما كتب تحت سوء عرض منا للإسلام .
وحين أصدر جان بيرك المستشرق الفرنسي ترجمته
لمعاني القرآن عام 1990 وجدناه يبرر اهتمامه بتقديم معاني القرآن للغرب بقوله ( لأن
الكثير من المفكرين والناس الآن ينبذون الصورة المادية للحياة المعاصرة ، ويرفضون
مجتمع الاستهلاك ، هذا المجتمع المادي المحض .. ويفضلون علي المدنية المعاصرة
مدنية الإسلام الروحية وينادون بالعودة إليها )
فهل كتب جان بيرك ما كتب تحت سوء عرض منا للإسلام
ولكن بيرك يلتف بخبث فيصرح بعدوانيته وسوء قصده
في عدم قبوله للإسلام إذ يقدم في ترجمته
للقرآن الكريم بعض معاني القرآن مشوهة فكأنه أراد أن يقول للمفكرين الغربيين الذين
أصبحوا يرفضون حضارة الغرب الآن ويرون أنها علي وشك الانهيار، لأنها فقدت الأساس
الروحي والأخلاقي .. يريد أن يقول لهم : وهذا هو الإسلام أيضاً ملئ بالخرافات
والتناقضات .. ) ألخ مقال رجب البنا
صــ 9 ، الأهرام 6/3/1994 .
أما جان بيرك نفسه فيكاد يلتمس لنفسه العذر فيما
يكون قد حدث من مخالفة في ترجمته للقرآن الكريم يعتذر بالرجوع إلي وجوب الأخذ
بالمنهج التاريخي إذ يقول : ( يبقي صحيحاً القول بأن الديناميكية الدينية ذاتها
تتطور عبر التاريخ ــ ليس في مبادئها وأصولها بالطبع ، ولكن في صياغتها وأشكالها
وتطبيقاتها ، فتلك أشياء خاضعة للتأقلم والتطور وتختلف باختلاف العصور والأزمات ) الأهرام
29/7/1995 .
ومن الواضح لدينا أن استثناءه ( المبادئ والأصول )
من عملية التأقلم.. الخ ، ليس إلا تغطية لفظية لهدفه من الترجمة ، وهو إيصال
الديناميكية الدينية التاريخية إلي ( صياغة ) المبادئ
والأصول ، وما ذلك إلا صياغة كلمات الله تعالي ما دمنا بصدد ترجمة القرآن الكريم
خلافا لتصريحه ، وهذا المنهج التاريخي هو
المدخل " الحديث " لنسف أصالة المسلمات الإسلامية .
فهل ذهب جان بيرك إلي ذلك نتيجة سوء فهم أو سوء
عرض .
وإذا كان ما تقدم أمثلة مستوحاة من بؤرة المستشرقين فلنا مقال قادم نستوحي
أمثلته من ساحة المبشرين ، والتربويين ، والسياسيين ، ثم نعقب بالتساؤل عن موقف
الأزهر
أهو سوء عرض منا ذلك الذي جعل منصٌراً مثل : بروس
ج. نيكولز يصرح بعدوانيته وسوء قصده في عدم قبوله للإسلام بعد أن يدرك حقيقة الإسلام بدقة يغبط
عليها حين يقول : إن الإسلام هو أكثر من عقيدة دينية ، إنه نظام متكامل للحياة
والدين. فالإسلام يدمج كل المؤسسات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية علي
أسس الإيمان والاقتناع والالتزام بقبول الله رباً ، والاستسلام كلية لإرادته ، ثم
يستمر قائلاً : ( إن مركز الابداع في الإسلام هو التوحيد
، أي الشهادة بأن لا إله إلا الله ، والتوحيد يعني أن الله هو الخالق أو السبب
الجوهري لكل الوجود والنشاط ، ويؤكد أن الإنسان هو المسئول عن تحقيق إرادة الله )
. ثم يستمر قائلاً ( ففي المؤتمر الإسلامي الدولي الذي عقد في لندن في نيسان (أبريل)
1976م حول " الإسلام وتحديات العصر " ، تم تقديم الإسلام كنظام متكامل
من القيم ومصدر إلهام لكل منجزات العلم والدراسات الإنسانية والمصدر الوحيد الراسخ
للإيمان والسلوك . ) أنظر كتاب " التنصير : خطة لغزو العالم الإسلامي " وهي
تضم مجموعة أعمال الـــمــؤتمر الذي عقد عام 1978 بكولورادو
بالولايات المتحدة الأمريكية ، ونشرته دار MARK
، ونشر بالعربية . صــ
214
فكيف يمكن القول إذن بأنهم يحاربون الإسلام لأنهم لم يفهموه ، وانهم لم يفهموه لسوء في عرضنا ؟ .
انظروا مثلاً إلي الفهم الصحيح للإسلام الذي
يقدمه المنصر كينيث أ . كراج عن الإسلام ، حيث يقول :
( دعونا نواصل الحديث عن الجسور ،
إن للقرآن والإنجيل أرضية مشتركة من الإيمان بالخلق : " هو (الله) الذي يقول
كن فيكون "
إن الخلق المبدع هو لله والأرض الطيبة كذلك ،
والتي ينظر إليها علي أنها مسكن الإنسان ومجال نشاطه و"الأمانة" التي
حملها
والإنسان هو " خليفة " الرب
في "حكم" النظام الطبيعي
وهو في ذلك مسير بإرادة إلهية
وتفهم الغاية الإلهية بالنسبة للعالم من خلال
تسخيره للإنسان الفلاح والزارع والتقني والفنان والعالم الذي يمتلك ويستكشف
ويستغل العالم بتفويض إلهي
كما أنه يكون مسؤولاً عن أعماله هذه أمام الرب
فالإنسان مخلوق أدني من الرب ، وهو عبد للسلطة
الإلهية ، وخليفة ومندوب في مواجهة الطبيعة .
من هذا المنطلق توجد جوانب عديدة من الفهم المشترك تساعدنا علي القيام
باتخاذ الموقف الصحيح في وجه كل ما من شأنه أن يتعدى علي الكرامة الإنسانية
والمجال الإلهي ، وليس فقط فيما يتعلق بالقضايا المعاصرة كالسلطة والبيئة ،
والمسؤولية عن الموارد والعدل الاجتماعي والتراحم ، بل بأكثر من هذا ،
والقرآن ( سورة 2 : 33 وما بعدها ) يقرر أن الشيطان هو رأس الاتهام، فبعد
أن اعترض علي خلافة الإنسان ، ثم تمرد علي الرب لنفس السبب ، فإن هدفه التاريخي هو
إغواء البشر وتشتيت وإفساد العمل البشري والثقافة ، حتى يستطيع أن يثبت للرب خطأ
ما قام به { حاشا لله } بتكريمه للدور الإنساني ، وهذه الموضوعات مثيرة جداً
وإذا كان من الواجب " أن ندع الرب يكون رباً "
يجب علينا كذلك " أن نجعل الإنسان يكون إنساناً "
ومن هنا بالطبع كانت ضرورة الهدي كما يطلق عليه الإسلام ، والذي يسترشد به
الإنسان في أزمة مصيره عبر التاريخ ، ومن هنا أيضاً جاء تعاقب الأنبياء المرسلين
لتحذير وتوجيه الاستجابة البشرية ، إذن فالنظرة القرآنية إلي الأنبياء في التاريخ
لا تختلف كثيراً عن مرامي أمثلة المسيح عن الكرم والكرامين
والرسل ، فخصوصية مهمة اليهود غير واردة ، ولكن مسؤولية الإنسان أمام الرب في
تسخير الطبيعة عبر التاريخ حقيقة هامة في المفهوم الإسلامي للخلق، وفي مكانة
النبوءة المتميزة في التاريخ .
هنا تبرز بالطبع بعض العقبات ، ولكن قبل أن نتطرق إليها هنالك بعض السمات
القرآنية الأخرى لمخلوقية الإنسان الأساسية ، والتي
تساعدنا في مهمتنا ، فالطبيعة تحت وصاية الإنسان هي بالنسبة للقرآن دنيا من
الآيات، وهذا اللفظ موجود في كل صفحة من صفحات القرآن تقريباً ، إن الآيات تشد
الانتباه ، وهذا هو أساس العلم كله فالإنسان يلاحظ ويراقب ويصنف ، ثم يسخر الظواهر
الطبيعية ، والإسلام هنا يشعر بالفخر والاعتزاز في تشجيعه السيادة الإنسانية من
خلال اليقظة الماهرة والقيام بالجهد اللازم وبكل دقة ، ونحن ننحني لننتصر ،
فالطبيعة لم تعط العلوم من خلال طرح بيانات معينة ، بل حقق ذلك الإنسان من خلال
التساؤلات التي طرحها علي الطبيعة "والتي" قامت بالرد عليها .
غير أن اليقظة التي تتطلبها هذه الآيات هي أكثر بكثير من كونها عقلانية . ) .
ثم يقول : ( إن النفور الموروث لا يزول بسهولة ، وكثيراً ما يؤكد القرآن
علي أنه قدم بطريقة تسهل علي الناس فهمه ، فالقرآن ليس طلمساً
قصد به إخفاء الحقيقة من خلال التعبير والأخبار ، كما تدعي ذلك فئة من الأحبار . )
.
ثم يقول : ( لقد رأينا كيف يشرع الإسلام فيما يخص الله ، والإنسان ، وإضافة
إلي ذلك يري القرآن أن هذا التشريع يلائم الطاعة في
وجود شروط معينة ، تمثلها بصورة عامة الدولة الإسلامية التي أُنيط بها النظام السياسي منذ الهجرة
ويأتي بعد ذلك نمط الحياة اليومي " الصلوات اليومية الخمس والصوم والحج والزكاة "
ونظام التكافل الاجتماعي في الأمة الإسلامية
وعلي ضوء هذا فقد نظر الإسلام إلي الإنسان علي أنه يمكن أن يتحسن حتى يبلغ
درجة الكمال ، فالإسلام واثق بأن التشريع في القرآن والرحمة في المجتمع والسنة
التي يمكن أن تحتذي والانضباط في الأنماط الاجتماعية والرعاية التي يمكن أن يوفرها
نظام الحكم الإسلامي ستكون كافية لتحقيق واجب الإنسان والدعوة الموجهة إليه
لعبودية الله ....
إن الكتاب المقدس الذي يدعو إلي أن عيسي هو المخلص يلزمه أن يواجه الحيرة
الأساسية والكراهية الراسخة في الإسلام لهذا المفهوم ، ولكن حتى هنا وبسبب صعوبة
المهام التي نواجهها هنالك بعض الأمور اللاهوتية العقيدية
التي ينبغي توضيحها :
انطلاقاً من مقطع هام في القرآن (4 : 157 وما يليها ) ونتيجة لاعتبارات
أخري في اللاهوت الإسلامي ، فإن الإسلام يري :
أ - أن المسيح لم يصلب .
ب - أن الصلب ما كان من
الواجب أن يحدث .
جـ - أن الصلب لا حاجة له أن يحدث .
فالإسلام ينكر حدوث الواقعة تاريخياً ويرفض احتمال حدوثها علي أساس أخلاقي
كما يرفض الضرورة لها علي أساس عقائدي . ) .
ثم يقول : ( فالمسلمون يعتقدون أن يسوع ما كان ينبغي أن يتعذب بهذا المعني
الذي يتضمن عجز الرب في الدفاع عن خادمه " بل وأكثر من هذا إن قلنا ابنه !
" . ومن هذا المنطلق فإن الرب " يودع قدرته "
في حقيقة أن المسيح لم يمت
علاوة علي ذلك فإن تحمل عقاب الإثم نيابة عن الآخرين
ليس من الأخلاق في شئ . فالقرآن يقول { ولا تكسب كل نفس
إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخـري } ( سورة 6 : الأنعام
) . إذ لــيـس من الــعــدل معاقـبة (أ) لذنب ارتكبه ، (ب) ، ولهذا فالمسلمون
يشعرون بأن فكرة البديل النصرانية هي فكرة غير أخلاقية إلي حد بعيد . ) .
ثم يقول : ( ولكن هل هذه المعاناة التي تفتدي الإنسان ضرورية
للقدرة الكلية الإلهية ، فالإسلام يقول أن رحمة الله تسع جميع مخلوقاته والقرآن
يؤكد : ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) . ( 82 يس) . وهذا يعني
أن المغفرة الإلهية عمل مهيب يحدث دون جهد ، ولهذا فإن فكرة " المخلص " الذي
" مكن " الرب من أن يغفر لنا توحي بالعجز الرباني
فهل يحتاج الرب أبداً " للمساعدة " من أجل
تحقيق إرادته ؟
وهذا يوضح أننا نحتاج لأن نكون فطنين وحذرين جداً فيما نقوله أثناء الدعوة {
يقصد تبشير المسلم } خشية الوقوع في مفاهيم خاطئة
ما هي الطريقة التي يمكن أن نوضح بها "
"ضرروة " الصليب باعتباره شكل ومضمون القدرة
الربانية في المغفرة ؟
هل يمكن لمغفرتنا ــ إذا جاز التعبير ــ أن تكون
مشكلة الرب ؟ . ) المصدر السابق من ص 274 إلى 281
هكذا يفهم المنصر الإسلام
بسم الله ما شاء الله !!
رؤية ولا شيخَ دعوة ِ لها
إذن فالأمر في دائرة التنصير لا يرجع إلي سوء الفهم ، أو سوء العرض ، ولكنه
يرجع إلى عدوانية وسوء قصد في عدم قبول
للإسلام فيما يقول جورج بيترز في بحثه بعنوان " نظرة شاملة عن إرساليات التنصير
العاملة وسط المسلمين " .: ( إنني أميل إلي الاتفاق مع فاندر
وزويمر وفريتك وآخرين فيما ذهبوا إليه من أن الإسلام
حركة دينية معادية للنصرانية
مخططة تخطيطاً يفوق البشر (!!!) لمقاومة إنجيل ربنا
يسوع المسيح
إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية ،
وترفض بكل وضوح موثوقية وصحة الإنجيل وأبوة الرب ، وأن
المسيح ابنه ، وضرورة موته وكفايته لمفهوم الخلاص ، وتبرير بعثه .
إنه الخلاف الأكبر في النصرانية وفي الكتاب المقدس أملنا في الخلاص .
ولكن محرك هذا الخلاف هو الإسلام وليس النصرانية
وفي ذات الوقت فالنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعياً
وسياسياً ، ويفوق في ذلك النظام الشيوعي (!!) .. )
هكذا ليست المسالة في سوء الفهم إذن
ولكن العقدة ليست هنا ، !! العقدة
في التوصيل الأمين ، توصيل هذه الرؤية إلى جماهيرهم ، هنا ينغلق الباب ويأتي المنصر نفسه ، ليعلن
الحرب وليقول ( ولكن هذه الحقيقة يجب ألا تحبط عزم المنصرين
... )
ثم يقول : ( إن الإله الموجود فينا !! أعظم من الإله الموجود في العالم ، وأعظم حتى من الإله الذي يتحدث عنه الدين الإسلامي .
) المصدر السابق من ص 549 – 568
هكذا كـأنما القضية تأتي انطلاقا من أرضية الشرك للاختيار بين الآلهة !!
هذا بالنص ما جاء في تصريحات وخطب
الجنرال وليام بويكين نائب وكيل وزارة الدفاع الأميركية
لشؤون المخابرات ودعم الجهد الحربي الأخيرة ضد الإسلام والمسلمين كدين وكأمة وقوله
بأن المسلمين يعبدون (وثناً) وليس (إلهاً حقيقياً) ، وإن الحرب ضد الإسلام
والمسلمين ليست فقط مشروعة بل واجبة
بالنسبة للمسيحيين واليهود
في تصريحات المسئول الأمريكي هذه يظهر التلاحم بين التبشير المسيحي
والسياسة الأمريكية والحركة الصهيونية في موقفهم جميعا من الإسلام
ذلك أن قول بويكين هذا – ووفقا للدكتور: د. عبد الله النفيسي - لم يأت من
فراغ وليس فلتة لسان أو زلة شخصية ، بل هو اتجاه راسخ في الولايات المتحدة ، واتباعه يفوق عددهم السبعين مليوناً من المواطنين الأميريكان
الذين يتركزون في وسط الغرب والجنوب عموماً ، ولهم مئات
الكنائس والمعابد ، وعندهم قنوات تلفازية كثيرة ومئات
الإذاعات المنشورة فوق الأراضي الأميركية وفي أنحاء عديدة من أقطار العالم ، ومن
أعلام هذا التيار الصهيو- مسيحي الشخصيات التبشيرية
التالية أسماؤهم : جيري فالويل ، وبات روبرتسون ، وبيلي غراهام وغيرهم ، وقد سبق
هؤلاء الجنرال بويكين ومنذ أشهر بسب القرآن الكريم
والرسول صلى الله عليه وسلم
وقد كتب في هذا الموضوع الكثير من الكتب في الولايات المتحدة نفسها وفي
أوروبا ، ومن أشهر ما كتب في هذا الموضوع
كتاب بول ميركلي بعنوان (الصهيونية المسيحية 1891- 1948
(The
Politics Of Christian Zionism) ) ، يتتبع فيه ميركلي العلاقة بين الحركة الإنجيلية المسيحية والحركة
الصهيونية ، وأن الأولى حضرت كل مؤتمرات الصهاينة وشاركت في مداولاتها وحرضت
الصهاينة على السعي لتأسيس وطن قومي يهودي في فلسطين ، وشاركت مشاركة فعالة في
التحضير الدبلوماسي والسياسي لهذا الأمر
خلاصة فكر التيار الصهيو- مسيحي الذي يحكم الآن
في البيت الأبيض أنه ينبغي أن يحرص جميع المسيحيين المنضوين تحته على دعم الكيان
الصهيوني بكل الوسائل ، وتحريض جميع يهود العالم إلى الهجرة إلى فلسطين والتجمع
هناك ، ذلك أن (قيامة المسيح) حسب معتقد هذا التيار لن تحدث إلا إذا تحولت كل أرض
فلسطين إلى أرض يهودية، ومحاولة رامسفيلد وزير الدفاع
الأميركي لملمة الموضوع والحديث عن تحقيق مع بويكين لا
ينفي رسوخ هذا التيار في الإدارة الأميركية.
وينصح الدكتور عبد الله النفيسي لمن أراد أن
يستزيد أن يقرأ كتاب ميركلي
القيم ومن لم يجده فليقرأ كراسة محمد السماك المنشورة في بيروت (دار النفائس) وعنوانها
(الصهيونية المسيحية) وهي كراسة قيمة وثمينة وثرية من حيث المعلومات، وقد فصل في
هذا الموضوع الدكتور يوسف الحسن في
أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان: (البعد الديني لسياسة الولايات المتحدة) وقد
نشرت هذه الأطروحة في سلسلة مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ، وهي أطروحة
قيمة وثمينة وثرية للمهتمين بمتابعة تفاصيل هذا الأمر.
فلنقارن هذا الموقف التآمري -- بين التبشير والدولة والصهيونية من الإسلام --
بما وجدناه من الفهم الدقيق الذي طرحه المبشرون في مؤتمر كلورادو
لنسأل من يود أن يجيب : أتراه يرجع كما يشيع بعض سدنتهم إلي سوء الفهم منهم أو سوء
العرض منا ؟
وإذا كان البعض يحاول أن يعتذر عن ذلك بما يقرره الكاتب الدكتور ديفيد بلانكس
أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بمجلة " الكتب وجهات نظر " بعدد إبريل 2003 ص عن مستوي الجهل السياسي الذي
يتمتع به المواطن الأمريكي قائلا ( إن معظم الناس لا يقرءون حتى الصحف ناهيك عن
الكتابة إليها وعموما تكشف رسائل القراء وجهة النظر المتطرفة سواء كانت في اتجاه
اليمين أم ناحية اليسار ) ثم يقول : ( أما فيما يتعلق بالإسلام والعرب والشرق
الأوسط علي وجه الخصوص فهو لا يعرف شيئا ألبتة بل ولا
يهتم كثيرا بذلك ) ثم يقول : ( وهناك الكثير الذي يمكن قوله فمعظم الأمريكيين لا
يقرءون صحيفة واشنطن بوست ونيويورك تايمز
بل إن شبكة سي إن إن الدولية
التي يعتبرها المراقبون في الخارج مرجعا ليست متاحة داخل الولايات المتحدة ، ولا
يشاهدها الأمريكيون بالمرة ، )
فإننا يجب أن نفهم أنه الجهل الإرادي التلقيني المبرمج غير المعذور الراجع إلى
عدوانية غير مبررة وسوء قصد في عدم
قبول الإسلام
انظروا ما جاء عن برمجة هذه العداوة المغرضة التي تصل إلي جذور البرامج
الدراسية في الغرب : وقولوا لنا : هل تقررت بدافع سوء عرض منـا للإسلام ؟ في
الولايات المتحدة الأمريكية وفي الكتب المدرسية الفرنسية والبريطانية
أنظر مارسيل بوازار في كتابه " الإسلام
اليوم " ، ترجمة ونشر اليونسكو ، صــ 22 إلي صــ 30
هذا التلقين المدرسي هو الذي حبلت
به منذ الصغر أذهان بريطانية وقحة
من أعضاء الحزب القومي البريطاني اليميني الذين يصفون الإسلام بأنه كريه وأعربوا
عن شعورهم بالفخر لإهاناتهم للمهاجرين المسلمين ودينهم
والقرآن الكريم. جاء ذلك في برنامج تليفزيوني بثه تليفزيون هيئة الإذاعة
البريطانية ب ب
سي الذي اذيع بتاريخ 15\7\2004
وقال نيك جريفين زعيم الحزب القومي خلال البرنامج: " بهذه
الطريقة انتشر هذا الدين الكريه الخبيث علي يد حفنة من المعتوهين قبل نحو 1300 عام
حتى اصبح الآن يجتاح بلدا تلو الآخر!!
( المصدر : موقع إسلام أون لا ين ، و موقع BBC بالعربية في 15\7\2004 )
هذا هو التلقين المبرمج الذي تتعرض له أجيال الغرب في دراستهم للإنسانيات ،
والإسلاميات . بدءا من الأطفال إلى زعماء السياسات وكبار المفكرين والمستشرقين
ثم يأتي العلمانيون سماسرة الغرب من أشباه المثقفين منا الذين لم يقرءوا –
بفهم – كتابا في التراث الإسلامي على ما به من نقاشات محتدمة بين ما احتواه
من المتن والشرح والحاشية والتعليق أولئك
الذين لا يحسون بالقذى في عيونهم ليسقطوا
تهمة التلقين على المناهج الدينية
الإسلامية ذرا للرماد في العيون عما عليه التلقين هناك وتبريرا للعبث الجاري في
المناهج الدراسية الإسلامية بأوامر أمريكية
؟
فهل يمكن للحوار الساذج أن يخلصنا – أو بالأحرى يخلصهم من هذه النفايات
التربوية المتراكمة على صدورهم منذ قرون ؟ ، أم أننا نحتاج إلى بعوث تضع لهم
برامجهم ؟ أم ماذا ؟
إننا نؤكد أن قادة هؤلاء عندما يختارون موقع العداء للإسلام وحضارته ، ويصفونه بوكر الأفعى ، كما فعل نيكسون ، فإن
ذلك لا يرجع في الأعم الأغلب ــ كما يشيع البعض ــ إلي سوء عرض منا ، أو سوء فهم
منهم ، ولا يرجع إلي ما عليه حال المسلمين اليوم من تخلف ، أو ما عليه حال بعضهم
من تطرف ، ولكنه يرجع إلي سوء قصد منهم بإدراكهم الاختلاف الجذري في أصول كل من
الحضارتين، وبإصرارهم علي إبادة الآخر وفقا لما درجوا عليه في إقامة حضارتهم
الخاصة
ومن هنا فإنهم
يفزعون إلي خططهم التلقينية المدروسة في الإساءة إلي الإسلام ،
وتشويه صورته عمداً ، وبكل ما يملكون من وسائل الدفاع عن الذاتية الخاصة لوجودهم
الحضاري . فهل ما يزال بعض أبواقهم يعتذرون لهم بإلقاء
اللوم على الضحية ؟
وفي هذا السياق يسجل د. حسن أبو طالب رجوع مؤتمرات الحوار الأخيرة بخفي
حنين اللهم إلا في كشفها عن المواقف
المقررة سلفا ، إذ يقول : ( قليل
من التطورات الجارية ينطبق عليها وصف الأحداث الكاشفة, أي تلك التي تكشف عن حقائق
كامنة لم تكن تدركها العين إلا بشق الأنفس.
…..….
وأيا كان الأمر ففى حلقات الحوار وندواته
العديدة بدا الأمر وكأنه مطلب من الضعفاء مقابل إصرار خفى
من أطراف أوربية وغربية على ان اللحظة الراهنة هى لحظة تفوق تتيح إعلان الانتصار الكامل للحضارة الغربية على
كل ما عداها من حضارات, بما فى ذلك تجاهل الحقوق
والاستمرار فى الظلم التاريخى
لشعوب بأكملها, والتمسك بالمعايير المزدوجة وحتى الثلاثية فى
حل المظالم التاريخية, وفى وضع ما يراه الغرب حلولا للمشكلات التى
تنغص وتعطل حلم الانتصار الكامل للحضارة الغربية, لاسيما مشكلة الانتشار النووى.
الأكثر من ذلك فقد بدا فى كثير من الحوارات أن
القادمين من الشرق العربى المسلم يناضلون من أجل تصحيح
التشوهات التى لحقت بالإسلام وبالمجتمعات المسلمة, وفى
التفرقة بين مبادئ الدين نفسه, وبين حركات أو جماعات أساءت تفسيرها ولا تعبر أبدا
عن التيار الساحق فى الأمة الإسلامية.
أما القادمون من الغرب الأوروبى الأمريكى ـ مع استثناءات محدودة ـ فلم يكن يعنيهم الأمر كثيرا,
بقدر ما كان يعنيهم إقناع أو جذب المشاركين إلى أرضية الحضارة الغربية وقبول ما
يصدر عنها من معايير ومنظومات قيم .) المصدر المصريون بتاريخ 27 \2\2006 كتب: بتاريخ
16 – 2 – 2006 نقلا عن : سويس انفو
وإذا كان الدكتور حسن أبوطالب يشير في مقاله
القيم إلى شيء من أسباب هذا الفشل بكون الحوار نخبويا فهل يكون الحل في وفد يتولاه
الهواة ويسيطر عليه التسرع والارتجال وسوء التوقيت ويستهدف تبويس
اللحى والخدود ، وينخرط في تحقيق هدف الخصم بإلقاء طوق النجاة لهم في أزمة حاضرة ؟
أوقصد خبيء !
إن سبب كراهيتهم مسجل في قوله تعالى " ولن ترضى عنك اليهود ولا
النصارى " إلخ ، إنه في " حتى تتبع ملتهم "
سواء كانت هذه الملة مسيحية كاثوليكية أو أرثوذكسية ، أو بروتستانتية ، أو إنجيلية
،أو صهيونية ، أو " مسيحية ثقافية " ،" أو مسيحية علمانية " نعم مسيحية
علمانية ، أو قل إن شئت علمانية مسيحية تقبع هناك خلف ما هو منسوب للكتاب المقدس "
" إعط ما لقيصر لقيصر ،
وما لله لله " !! . ،
وعدم رضاهم المقرر في الآية يرجع
إلى حقيقة جوهرية في أن محمدا صلى الله عليه وسلم
والقرآن الكريم كانا المرآة التي كشفت لهم
قبح ذاتهم فكان لامفر أمامهم من أن يكرهوا
المرآة ، أو يؤمنوا …. فالذين آمنوا عرفناهم في إسلامهم مثل " أتيين دينية" في كتابه المترجم عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود ، ، أو خبأهم
العلمانيون التنويريون عنا في أدبياتهم مثل جوتة الشاعر في كتابه " الديوان الشرقي للمؤلف الغربي "
للدكتور عبد الرحمن بدوي ، وما أذاعو من جعبته غير
كتابه " آلام فرتر" عن الغرام الصاعق ، أو كتابه " الأنساب
المختارة " عن أسرار العشق والهيام !!
… والذين لم يؤمنوا أعلنوا علينا صراع
الحضارات ،ولسان حالهم هانتنجتون ، " وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " 103
يوسف
إنه يرجع في جوهره إلى ما
قدمته الدكتورة زينب عبد العزيز بقولها : ( أما موقف الغرب من الإسلام فهو واحد لم
يتغيّر ، منذ أن تأكد الكنسيون أنه ليس بهرطقة من الهرطقات
الدينية التى يتعيّن عليهم إقتلاعها
حفاظا على ما ينسجون، وما أكثر ما اقتلعوا ، وإنما رسالة كاشفة لكل ما قاموا به من
تحريف و تزوير فى النصوص والعقيدة. ومن اللافت للنظر أن
كل ما قاله العلماء فى الغرب المسيحي منذ عصر التنوير
حتى يومنا هذا، فى اتهاماتهم للأيادى
العابثة فى الكنيسة ، سبقهم إليه سيدنا محمد عليه
الصلاة والسلام منذ أربعة عشر قرنا ، بما أوحى إليه به فى
القرآن الكريم : فكل الذى يدينه القرآن هو بدعة
التأليه، وبدعة التثليث ، والشرك بالله عز و جل ، وتحريف النص وتبديله. وكل ما
يطلبه الله سبحانه وتعالى أن تحكم كل أمة بما أنزل إليها – وليس بما ثبت تحريفه
وتزويره. فلا إكراه فى الدين ، والإسلام لا يعرف نظام
المبشرين ولا محاكم التفتيش ولا الإصرار على فرض الدين : فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر. والحساب يوم الحساب.
وخلاصة كل هذه الحروب والمعارك ، فى نهاية
المطاف ، هو المحاولات المستميتة من الجانب الكنسي للحفاظ على كيان الكنيسة ، الذى تم نسجه باختلاق العقائد واقتلاع الآخر، أمام وضوح رسالة
الإسلام وبساطته. …...
لذلك لا يكف التعصب الكنسى عن محاربة الإسلام
كما لايكف عن سبّ نبيه الكريم بأقبح ما يمكن تصوره من
الألفاظ والصفات ، والرسومات التى نشرتها الجريدة
الدنمركية ليست بذات بال بل ولا تقارن بالنسبة لما سبق وقالوه عن الرسول صلوات
الله عليه ، وكلها موجودة منشورة فى الكتب الغربية
القديمة والحديثة سواء الأعمال الأدبية أو الدينية التبشيرية أو المدرسية، بل منها
رسومات فى بعض كنائس إيطاليا مأخوذة عن أجزاء من "جحيم
" دانتى تصور سيدنا رسول الله بما لا يمكن لإنسان
أن يصفه من إهانة جارحة. . ولا أحد يتكلم خشية الفتنة
المزعومة ! ) ! ( جريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 18\2\2006)
وبعد :أما آن لنا أن نعرف أين القضية ؟ هل ترجع كما
يشيع البعض إلى سوء الفهم أو سوء العرض ؟ ويكفي فيها
رحلة حوار دعائية ؟
وهل يجدي الحوار المرتجل شيئا فيما
جاء من ترسيخ العداوة المغرضة الممنهجة والتي لا ترجع إلى سبب عارض من سوء الفهم ، أو لسبب
عارض من سوء العرض ، هي العداوة الممنهجة التى تصل إلى جذور البرامج الدراسية فى
الغرب
إننا نؤكد أن هؤلاء عندما يختارون موقع العداء للإسلام وحضارته ، ويصفونه بوكر الأفعى ، كما فعل نيكسون ، فإن
ذلك لا يرجع فى الأعم الأغلب ــ كما يشيع البعض ــ إلى
سوء عرض منا ، أو سوء فهم منهم ، ولا يرجع إلى ما عليه حال المسلمين اليوم من تخلف
، أو ما عليه حال بعضهم من تطرف ، ولكنه يرجع إلى اختلاف جذرى
فى أصول كل من الحضارتين، وفى الوقت الذى يدركون فيه ذلك يدركون تحرك كل منهما نحو العالمية ،
فيجعلهم ذلك يفزعون إلى خططهم المدروسة فى الإساءة إلى
الإسلام ، وتشويه صورته عمداً ، وبكل ما يملكون من وسائل الدفاع عن الذاتية الخاصة
.
إنه لمن التفاؤل الساذج أن يعلق الموضوع على شماعة التقصير في عرض الإسلام ، لابد من الذهاب إلى جذر القضية :
أن نؤمن حقا بقوله تعالى : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع
ملتهم ) فإذا لم نطلب " رضاهم " أو لم نحصل عليه لم يكن لنا أن ننكر
عليهم التعبير عن قبائح " سخطهم "
.
أما الموقف الاستراتيجي في معالجة ظاهرة الإساءة بالرسوم وغيرها فلعانا
نوفق إلى بيانه في ختام مقالنا القادم
والله أعلم
يتبع