صيف سياسي مصري ساخن
بقلم:السيد أبو داود
مع ارتفاع درجة حرارة الطقس في مصر
إيذانا بدخول فصل الصيف الساخن، تزداد الأحداث السياسية هي الأخرى سخونة والتهابا.
وتواجه النظام المصري ثلاث قضايا أساسية عليه أن يتعامل
معها، وسوف يحدد تعامله مع هذه القضايا نوع رد الفعل الجماهيري.
وهذه القضايا الثلاث هي الاستياء والسخط في صفوف
القضاة، والاستعداد لتمديد قانون الطوارئ، ومعالجة أحداث الفتنة الطائفية التي
أصبحت مدينة الإسكندرية علامة عليها وموطنا لها.
انتفاضة القضاة
ونبدأ بالقضية الأولى وهي ما يمكن تسميتها بـ 'انتفاضة القضاة'.. والتي يقودها
نادي القضاة، والتي بدأت قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة، وكانت
مطالب القضاة فيها هي إجراء انتخابات نزيهة، والمطالبة بالإصلاح السياسي والتحول
الديمقراطي. وجاءت انتفاضة القضاة متزامنة في العام
الماضي مع حراك سياسي لم يشهد له الشارع المصري مثيلا من عقود طويلة. وكانت حركة كفاية لاعبا أساسيا في هذا الحراك، ولعب الإخوان
المسلمون دورا فرعيا وثانويا في إطاره، وإن كان هذا الدور لا يمكن إنكاره. ولكن بعد شهور لم نعد نسمع صوتا لحركة كفاية كما لم نعد نسمع
صوتا للإخوان.
وبقي القضاة سائرون في انتفاضتهم بوتيرة واحدة، ما تلبث أن تهدأ حتى تعود
للاشتعال مرة أخرى. وقد كان لعمليات التزوير والبلطجة التي حدثت في الانتخابات
البرلمانية التي كان القضاة مشرفون عليها وشاهدون على الحقيقة فيها، أبلغ الأثر في
استفزاز القضاة للمضي في انتفاضتهم، والمطالبة بالتحقيق فيما جرى من أحداث في عدد
معين من لجان الانتخابات، والتي أعلنت فيها النتائج على غير الحقيقة.
وبدلا من أن تدخل الحكومة في حوار مع القضاة للتعرف على مطالبهم ـ التي هي
في أغلبها مطالب الحركة الوطنية المصرية ـ ومحاولة الالتقاء معهم عند نقطة مشتركة،
بدأت في إخافتهم وترويعهم، فأصدر وزير العدل قرارا بإحالة اثنين من كبار
المستشارين، وهم في نفس الوقت من قادة انتفاضة القضاة إلى لجنة الصلاحية.
ويسعى الوزير حاليا لإصدار قرارات جديدة بإحالة عدد
أكبر من المستشارين من أعضاء لجنة متابعة الانتخابات إلى لجنة الصلاحية.
المراقبون يعتبرون أن ما يحدث الآن من
الدولة تجاه القضاة إنما هي مذبحة لهم تفوق مذبحة القضاة التي حدثت لهم عام 1969
إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر.
وإذا كانت الحكومة تتحجج بأن القضاة ليس لهم أن يشتغلوا بالسياسة، كما ينص على ذلك القانون، فإن ما فعله القضاة، من كشف عن التزوير
في الانتخابات التي أوكلهم القانون حق الإشراف عليها، كان عملا مهنيا وليس سياسيا،
وكان نابعا من حرصهم على إجراء انتخابات نزيهة.
انتفاضة القضاة جاءت تعبيرا عن حالة احتقان شديدة بينهم وبين الحكومة على
مدار سنوات طويلة، حيث تعرض القضاة خلالها إلى شتى أنواع التضييق من وزارة العدل،
والمجلس الأعلى للقضاء، أدت إلى فقدان القضاة لاستقلالهم.
وإذا كان النظام السياسي المصري قد اختار أسلوب المواجهة
والتأديب مع القضاة، فان هذا المسلك يدل على أن أسلوب المعالجة الأمنية ما زال
مسيطرا، على حساب النضج السياسي، وتحقيق بعض من مطالب القضاة وتهدئة الشارع
السياسي.
بين الطوارئ والإرهاب
قبل الانتخابات الرئاسية الماضية تحدثت الأوساط
السياسية المصرية عن سن قانون لمكافحة الإرهاب يكون بديلا لقانون الطوارئ وقالت
هذه الأوساط إن هذا القانون يحتاج من عام ونصف إلى عامين لإقراره في مجلس الشعب.
ثم جاء الرئيس مبارك في الأسبوع الماضي ليعلن أنه
سيمدد العمل بقانون الطوارئ ـ الذي ينتهي سريانه في شهر يونيو من هذا العام، قائلا
إن وجود فراغ تشريعي قبل إصدار قانون مكافحة الإرهاب الجديد سيكون خطرا شديدا.
هذا التأكيد من جانب الرئيس مبارك اعتبره المراقبون
والمعارضة السياسية دليلا على أن النظام السياسي المصري ليس لديه النية للسماح
بحرية سياسية أكبر.
وهؤلاء يرون أن الدولة تستريح لقانون الطوارئ لأنها
تستخدم السلطات المخولة لها في هذا القانون في الحد من النشاط السياسي لتيارات
المعارضة السياسية، وتقييد الاجتماعات العامة والاحتجاجات والتظاهرات.
ويستغرب المراقبون من إصرار الدولة على تمديد قانون الطوارئ في وقت لم يعد
هناك مبرر له، بعد أن اختفى العنف المسلح الذي طالما تحججت الدولة به .
المعارضة السياسية في مصر ترفض القيود التي يضعها قانون الطوارئ على حرية
الأشخاص في التنقل والاجتماع، وما يمثله من انتهاك لحرمة المواطنين الخاصة، وحرية
الرأي، والنشر، والبحث العلمي والأدبي والفني، والقبض على المشتبه فيهم دون إبداء
أسباب، وإهدار حق المحاكمة العادلة، وإحلال القضاء الاستثنائي محل القاضي الطبيعي ...
الخ.
الجديد في الموضوع أن الشارع السياسي المصري متخوف من
أن تعمد الحكومة إلى أن تبقي على مضمون قانون الطوارئ داخل بنود قانون مكافحة
الإرهاب المزمع إصداره.
ضعف أمام الملف الطائفي
ونصل إلى القضية الثالثة وهي أحداث الاحتقان الطائفي
بين المسلمين والنصارى والذي عبر عن نفسه بعدد من الأحداث في مدينة الإسكندرية
التي ظلت طويلا بعيدة عن هذه السخونة الطائفية.
ملف العلاقة بين المسلمين والأقباط منذ زمن طويل في يد جهاز الأمن، وقد فشل
هذا الجهاز فشلا كاملا في إدارة هذا الملف لأنه لا يتعامل مع القضية إلا بلغة
العصا وهي لغة قد أثبتت فشلها الذريع في حماية الأمن
القومي المصري على شتى المحاور.
وقد تناقلت وسائل الإعلام شكوكا أن تكون أحداث
الإسكندرية الأخيرة هي من تدبير جهات قد تهدف إلى أن يظل هذا الاحتقان موجودا.
وربما يكون من الأفضل سحب هذا الملف من يد الأمن والدفع به إلى جهاز مدني
محايد يتبع رئيس الجمهورية، يسيطر عليه خبراء سياسيون واجتماعيون من الطرفين , بحيث
يتعامل هذا الجهاز مع تلك القضية تعاملا راقيا يضع في حسابه ضرورة المواءمة بين
الحقوق والواجبات المطلوبة من المسلمين والمسيحيين في مصر , ويعود بها إلى سنوات التفاهم والتعايش الإيجابي بين الطرفين .
نحن نهيب بالنظام السياسي أن يتحلى بالقوة
والحكمة لفعل ذلك، ويواجه استقواء الكنيسة المصرية
بالنفوذ الأمريكي و أقباط المهجر.
إن من الأسباب الرئيسية للاحتقان الطائفي انسداد
أفق الإصلاح السياسي أمام جميع المصريين.
فهل يستطيع النظام السياسي المصري التصدي لهذه المشكلات ورفع المظالم التي
يشتكي منها المسلمون والنصارى على حد سواء؟.