رامسفيلد في
مرمى النيران الصديقة!!
بقلم :عصام
زيدان
: كان من اللافت
انطلاق 'النيران الصديقة' متزامنة مع أخرى 'غير الصديقة' مع الذكرى الثالثة لغزو
العراق مستهدفة وزير الدفاع الأمريكي 'دونالد رامسفيلد'.
فقد أطلقت وزيرة
الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس
الشرارة الأولى للحرب على رامسفيلد, وتبعها عدد من
العسكريين الأمريكيين, ولكل هدف وغاية, فالخارجية تسعى جاهده لإعادة التوازن
المفقود مع وزارة الدفاع, فيما تسعى القيادات العسكرية لتحميل الوزير مسئولية
الفشل العسكري في العراق.
الخارجية تطلق النار!!
يتركز دور وزارة
الخارجية في العرف السياسي وفي منظومة العلاقات مع غيرها من المؤسسات السياسية في
رسم وتنفيذ سياسية البلاد الخارجية, فيما تكون وزارة الدفاع أداة للحفاظ على الأمن القومي وردع للأعداء في جانب,
وأداة لتنفيذ السياسة الخارجية في حال اللجوء إلى القوة العسكرية من جانب آخر.
وفي الولايات المتحدة
ومنذ أن سيطر 'المحافظون الجدد' على وزارة الدفاع، بدءوا في انتهاج إستراتيجية
تهدف إلى تقليص دور وزارة الخارجية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة, تمهيدًا
لفرض آرائهم ونظرياتهم العدوانية القائمة على شن الحروب الاستباقية,
وفرض السطوة الأمريكية بالقوة العسكرية.
ومع إرهاصات الحرب
العراقية اشتد وطيس المعركة الدائرة بين الوزارتين, حيث عارض وزير الخارجية حينذاك
'كولن باول' شن الحرب دون
إصدار قرار ثان من الأمم المتحدة, فيما كان أعضاء الإدارة الأمريكية، لديهم تصميم
على أخذ الولايات المتحدة إلى الحرب.
فقد كشف العالم البريطاني 'فيليب ساندس' عن مذكرة سجلت محادثة بين باول
ونظيره البريطاني جاك سترو، أوضحت أنه من وجهة نظر باول، ليس هناك دليل كاف لإصدار قرار ثان من مجلس الأمن يدعم
شن الحرب على العراق، ومن ثم فإنه لا يوجد دليل كاف لتبرير ذهاب الولايات المتحدة
للحرب بمفردها.
وقال ساندس في كتابه 'عالم بلا قانون': إن محتويات المذكرة تشير
إلى أن قرار الحرب اتخذ بالفعل في يناير 2003 قبل ذهاب باول
إلى لندن, وأنه كان يخضع لهيمنة الرئيس بوش وأعضاء الإدارة الأمريكية، الذين كانوا
مصممين على الحرب بغض النظر عما يجده المفتشون التابعون للأمم المتحدة.
ومع تفاعلات الحرب ازدادت نبرة وغلبة وزارة
الدفاع وتراجع إلى حد كبير دور وزارة الخارجية,لاسيما ما يخص الشأن العراقي, حيث
زج وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بالجنرال المتقاعد 'جي جارنر' ليكون أعلى مسئول أمريكي
عن إدارة شئون العراق بعد الحرب، وتجاهل اقتراحات وزارة الخارجية بالشخصيات
الأمريكية العامة التي لها دراية بالشأن العراقي.
كما فرض رامسفيلد على المسرح العراقي أحمد الجلبي،
رئيس المؤتمر الوطني العراقي في المنفى، رغم تحفظات وزارة الخارجية عليه.
والرئيس الأمريكي
جورج يوش فيما يبدو أنه وجد في ذلك التنافس مجالاً رحبًا لعرض الآراء المتباينة
واختيار ما يروقه منها وفقًا لرؤيته, وفي ذلك يقول توماس دونيللي،
كبير الباحثين في معهد أمريكان إنتربرايز لأبحاث
السياسة العامة :'إن الرئيس يجد مناخًا صحيًا في ذلك التنافس، ويختار الأفضل
لتنفيذ أهداف سياسته من خطوط كل سياسة يقترحها فريق وزارة الخارجية وفريق وزارة
الدفاع'.
ومن هنا جاء تعيين
الدبلوماسي 'بول بريمر' مبعوثا للرئيس بوش لدى العراق،
حيث اعتبر بمثابة هدنة أبرمها الرئيس بين الوزارتين.
فالسفير بريمر معروف,
من ناحية, بانتمائه إلى تيار المحافظين، كما اشتهر داخل وزارة الخارجية الأمريكية
كسفير بالصرامة، واستعداده الدائم لاتخاذ مواقف حاسمة، والعمل على تنفيذ ما تنطوي
عليه تلك المواقف.
ومن خلال هذا السياق
ومن ثنايا رحى الحرب الدائرة بين الوزارتين يمكن تفهم تصريحات كوندوليزا
رايس, خلال زيارتها لبريطانيا نهاية شهر مارس الماضي
بأن الولايات المتحدة ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية خلال حربها في العراق, على
أنها محاولة لاستعادة الدور المقلص لوزارتها في رسم سياسية البلاد الخارجية, وهو
ما يعني بالضرورة تآكل دور العسكريين.
كما أنها ترسم بذلك
خطًا فاصلاً بين 'نظرية غزو العراق' و'برمجة النظرية وتنفيذها', فهي محاولة جادة
من قبل وزيرة الخارجية لتحميل رامسفيلد المسئولية عن الفشل في العراق, وتبرئة المنظرين
لجدوى الغزو والإطاحة بالنظام والباحثين عن 'الفوضى الخلاقة'.
وقد دخل باول على خط الانتقادات, حيث صرح خلال خطابه في مؤتمر شيكاجو
السنوي لرابطة المجالس التعليمية الوطنية بأن الولايات المتحدة ارتكبت 'أخطاء جدية'
أثناء حرب العراق، الأمر الذي أدى إلى حالة الاضطراب والعنف المتصاعد في العراق،
من بينها أننا لم تكن عندنا قوات كافية على الأرض، ولم نتمكن من فرض ما نريد
فعليًا في هذه المرحلة، ونتيجة لذلك بدأ التمرد ثم انتشر وخرج عن السيطرة'.
وخلال محاضرة أخرى ألقاها في جامعة أركنساس الأمريكية, أكد أن القادة الأمريكيين فشلوا في
الإعداد لما قد يحدث في العراق بعد الإطاحة بصدام حسين.
نيران صديقة..
تلك الانتقادات
المبطنة لرامسفيلد من قبل وزارة الخارجية تلتها حملة
أكثر صراحة وقوة قادها عدد من العسكريين المتقاعدين لتحميل رامسفيلد
ودائرته من المحافظين الجدد الفشل في إدارة الحرب العراقية.
من هؤلاء الليفتنانت جنرال 'جون بتيست' قائد
أول وحدة أمريكية للمشاة بحرب العراق، ما بين عامي 2004- 2005 , حيث أدلى بتصريحات
لشبكة CNN الإخبارية الأمريكية
طالب فيها الإدارة بتعيين قادة يحترمون قيادات وجنود الجيش, مؤكدًا أن رامسفيلد يتعامل بتعالٍ وغرور مع الجنرالات والجنود, وأن
إدارة الحرب في العراق تحت قيادة رامسفيلد فاشلة.
وأكدت 'واشنطن بوست' الأمريكية أن بيتيست رفض
أمرًا عسكريًا بالعودة للعراق، ليكون القائد الثاني هناك، وعلل رفضه ذلك، بعدم اقتناعه
بالعمل تحت رئاسة رامسفيلد.
والجنرال 'جورج نيوبولد'
مدير العمليات العسكرية بالعراق 200-2002 أدلى هو الآخر لوسائل إعلام أمريكية
بحديث عن فشل قيادة رامسفيلد للحرب في العراق، وطالب
بضرورة إنهاء عمله كوزير للدفاع على إثر مشاكل جمة تحدث في العراق نسبها لرامسفيلد.
وحث قادة الجيش
الأمريكي الحاليين على الحديث علنًا عن شكوكهم إزاء حرب
العراق. ودعا إلى استبدال رامسفيلد والعديد من
المسئولين الآخرين 'غير الراغبين في تغيير نهجهم بشكل جذري'.
وعبر في مقال نشرته
مجلة 'التايم' الأمريكية عن أسفه الآن لأنه لم يتحدَ في
السابق المسئولين الذين قادوا الولايات المتحدة إلى حرب العراق، الذي كانت أفعاله
بعيدة عن التهديد الحقيقي للقاعدة.
وأضاف أن القرار بغزو العراق اتخذ بشيء من 'اللامبالاة
والبخترة'، وأن نتيجة سكوت الجيش الأمريكي كانت 'خطة مليئة بالأخطاء نفذت لحرب
ملفقة، بينما ملاحقة العدو الحقيقي القاعدة أصبح جهدًا ثانويا'.
أما الجنرال 'باول إيتون' الذي كان مكلفًا
بتدريب القوات العراقية من 2003 إلى 2004، فصرح في مقال بصحيفة 'نيويورك تايمز' في 19 مارس الماضي بقوله: '...مجملاً، أثبت رامسفيلد أنه غير كفء استراتيجيًا وعمليًا وتكتيكيًا.. إنه 'مسئول أكثر من أي شخص آخر عما حدث لمهمتنا في العراق.. رامسفيلد يجب أن يتنحى' .
والجنرال 'أنتوني
زيني' الذي ترأس القيادة المركزية الأمريكية في الفترة بين عامي 1997 و2000، رأى
أن رامسفيلد، من بين مسئولين آخرين، ينبغي أن يوضع في
موضع المسئولية للأخطاء في العراق، وينبغي أن يتنحى.
وقال لمحطة 'CNN' التلفزيونية: إن رامسفيلد مسئول عن سلسلة من الأخطاء، 'ومنها هدر عشر سنوات
قيمة من التخطيط، الذي كان يأخذ بعين الاعتبار ما الذي سنواجهه في حال احتلال
العراق'.
وخلال مقابلة أجراها معه برنامج 'ميت ذي بريس' على
شبكة ABC الأمريكية سئل زيني عن
الأشخاص الذين يعتقد أنهم يجب أن يدفعوا ثمن فشل السياسة الأمريكية في العراق.
وأجاب -: 'أول شخص يجب أن يستقيل بسبب ما حدث في
العراق هو وزير الدفاع, الذي يجب أن يترك منصبه فورًا'.
وقال عن أوجه القصور في طريقة عمل وزير الدفاع
الأمريكي: 'النزاهة في أداء العمل والقدرة على فهم طبيعة المسئوليات والقيام بها على الوجه الأكمل تعتبر صفات أهم بكثير من مجرد الولاء
للإدارة في البيت الأبيض'.
ودعا زيني إلى تغيير واسع النطاق في طاقم
المسئولين رفيعي المستوى في وزارة الدفاع الأمريكية.وقال: 'هناك سلسلة من الأخطاء الكارثية، ولقد سمعنا مؤخرًَا وزيرة الخارجية تعترف بوقوع
آلاف الأخطاء التكتيكية في التعامل مع العراق، لكنني أعتقد أنها لم تكن مجرد أخطاء
تكتيكية, لكنها كانت أخطاء في الاستراتيجية والسياسة
التي تحركنا وراءها'.
وصرح الجنرال
المتقاعد 'جون سواناك' ـ وهو قائد سابق لفرقة عسكرية
محمولة جوا في العراق ـ إنه يشك في أن يكون رامسفيلد
الشخص المناسب في قيادة الحرب على ما يسمى 'الإرهاب'؛ بسبب تنامي مخاطره، مؤكدًا
أن الحرب على العراق مليئة بأخطاء فادحة.
وقال جون سواناك في مقابلة له مع محطة 'CNN' التلفزيونية: 'إنني على قناعة
تامة بحاجتنا لوزير دفاع جديد، ولدي شعور أنه قد قلل من أهمية الجنرالات الذين
يقودون القوات المسلحة'.
وقد ذهب أندو بزافيتش أستاذ العلاقات
الدولية بجامعة بوسطن في تحليله لهذه الثورة العسكرية إلى أن 'نهاية الحملة
الصليبية الأمريكية في العراق لا تبدو في الأفق القريب, فإن البحث عن أكباش الفداء
بدأ على أشده, وأن كلاً من المسئولين المدنيين الذين قرروا شن الحرب والمسئولين
العسكريين الذين شنوها بدؤوا يتلاومون في الإخفاقات التي شهدتها
هذه المهمة'.
ولكن ريتشارد هولبروك السفير الأمريكي الأسبق في الأمم المتحدة خالف هذا
التحليل, وذهب إلى أن المستهدف بهذه الحملة ليس رامسفيلد
وحده, بل الرئيس بوش ونائبه تشيني, ومجموعة 'المحافظون الجدد', وإن كانت
الانتقادات مبطنة لعدم القدرة على مواجهة هذه الكتلة بصورة مباشرة, لاسيما في زمن
الحرب.
هل حان الرحيل؟
وهذا التحليل الأخير
يقودونا إلى السؤال الأهم, الذي يبرز من ثنايا هذا الهجوم متعدد الجبهات ـ والذي
تزامن مع اختفاء رموز المحافظين الجدد من أمثال بول وولفوفيتز
مساعد وزير الدفاع ، ودوجلاس فايث
وكيل وزارة الدفاع السابق للشئون السياسية وكذلك ريتشارد بيرل
مستشار وزارة الدفاع السابق من المسرح السياسي الأمريكي, هل يعني هذا أن زمان 'المحافظون
الجدد' قد ولى؟
المحافظون الجدد, يبدو
أنهم مصرون على المضي قدمًا في مخططاتهم وأهدافهم, فـ'وليام كريستول'
محرر مجلة ويكلي ستاندرد
والمدير السابق لمكتب دان كويل نائب الرئيس الأسبق جورج بوش الأب والذي يعد الأب
الروحي للجيل الحالي من المحافظين الجدد يصرح بأنه 'لا مفر أمامنا من إثبات قدرتنا
على النجاح في العراق لأن فشل المشروع الأمريكي في العراق سيشكل انتكاسة كبرى
للمحافظين الجدد، ولكنهم لن يختفوا من المسرح السياسي الأمريكي'
ورامسفيلد هو الآخر قلب الطاولة على رايس, رافضا الاستقالة من منصبه, وصرح بأنه لا يعلم ما الذي
كانت تتحدث عنه رايس, واعتبر أن وصف التغييرات في
التكتيك أثناء الحرب بأنها 'أخطاء' يعكس عجزًا في فهم طبيعة العمليات الحربية.
وبرر أهمية تعديل
الخطط العسكرية بقوله: 'إن 'العدو' لديه عقل، فهو يُراقب ماذا تفعل، ثم يُعدّل
خططه وفقًا لذلك، ولذلك فإنه عليك أن تُعدّل أيضًا وتُغيّر تكتيكاتك'، مضيفًا أنه
إذا ما جاء شخص ما 'في إشارة إلى رايس' وقال: إن هذا
خطأ تكتيكي, 'فأعتقد أن ذلك نقص في الإدراك، على الأقل إدراكي أنا، عما تكون عليه
العمليات العسكرية'.
وواقعيًا كذلك نرى
بوش يعرب عن تأييده الكامل لرامسفيلد, حيث وصف قيادته
بأنها 'الفعالة والمتزنة, وهي بالضبط ما نحتاجه في هذه الفترة الحرجة.. إنه يحظى بكامل تأييدي وخالص تقديري'.
ومن هنا كانت رؤية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي
كارتر في كتابه 'القيم الأمريكية المعرضة للخطر' بأن اختيار بوش لجون بولتون كسفير للولايات في الأمم المتحدة يعكس تبني إدارته
لفلسفة المحافظين الجدد, واستمرارية هذا النهج, رغم الاعتراف الضمني بالضعف النسبي
الذي لحق بهذا التيار نتيجة فشل سياساته في تحقيق أهدافها حتى الآن.