عندما تدور الدوائر على أعوان السلطة

 

 

بقلم : محمود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

mahmoudshanap@hotmail.com

 

·    فى القاهرة وأمام نادى القضاه سُحل قاض ورئيس محكمة فى الطريق العام من قِبل قوات الأمن المصرية ، وضُرب بالأحذية على وجهه ، وبالعصا على كل أجزاء جسده حتى كـُسرت له ثلاث فقرات من عموده الفقرى والترقوه ، وأصيب اصابات خطيرة فى الكلى ، ولم يتركوه إلا وهو غارقـًا فى دمائه على سرير بمستشفى كليوباترا يحكى للأستاذ مصطفى بكرى ما أصابه قائلاً : ( .... طرحوني أرضا وأوسعوني ضربا.. صرخت فيهم قلت لهم: انا رئيس محكمة، قدمت لهم الكارنيه، لكنهم سبوني بأبي وأمي.. داسوا علي وجهي بالاحذية الثقيلة ومزقوا ملابسى وراحوا يسحلونني في الشارع ).

·    فى العريش ضابط أمن الدولة يضرب إمام مسجد أم القرى بالحذاء على وجهه لمدة ساعة !! ... ويستدعى بين الحين والحين أئمة وخطباء وعمال المساجد ليوجه لهم أشد صور الأذى البدنى والنفسى .. يضربهم ويصفعهم ويوجه لهم السباب الفاحش والبذئ بالأب والأم ويقذف أمهاتهم بالزنى ويصفهم جميعًا بأنهم منافقون ولصوص وسماسرة .. هذا ما كتبوه بالنص فى المذكرة التى رفعوها لرئيس الوزراء وآخرين !!

فى الواقعة الأولى كتب الأستاذ مصطفى بكرى معلقا وقائلاً :

( ماذا بقى بعد ذلك ؟! ... هل بقى أحد لم يتعرض للإهانة والبهدلة فى هذا البلد ؟! .. إن مصر كلها لا تساوى شيئا فى نظرهم .. نحن مجرد سبايا فى حظائرهم .. لا كرامة ولا عدل ولا قانون .. قولوا لي من هم حلفاء النظام؟ ماهي قاعدته؟ من هم انصاره؟ الاجابة واضحة وضوح الشمس انه نظام يعادي الجميع، يطلق قنابله علي الكافة لا يعرف خصومه من حلفائه.. خسر الصحفيين وخسر المحامين وخسر الاطباء والمهندسين وخسر الاحزاب وخسر الناس والان خسر القضاة ) !!

وفى الواقعة الثانية اجتمع أئمة المساجد بالعريش فى مسجد القرمان بعد أن فاض بهم الكيل وأرسلوا مذكرة موقع عليها 36 إمامًا وشيخًا وأرسلوها لرئيس الوزراء ووزير الداخلية ووزير الأوقاف وشيخ الأزهر ومحافظ شمال سيناء ومدير الأمن بالمحافظة ورئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس الشعب يستغيثون فيها ويستنجدوا بالمسئولين من أجل الوقوف معهم ودفع الضرر عنهم .

لم يتحرك أحد من المسئولين للتحقيق فى الواقعة الأولى ولا الثانية وكأن شيئا لم يحدث ..!!

فى زاوية أخرى ـ من زوايا مصر المحروسة ـ نشاهد أطفال ونساء وكهول يبحثون فى مقالب القمامة عما يسدوا به الجوع من الزبالة ، ورئيس وزراء مصر أحمد نظيف يقضى ليلة واحدة فى سويسرا تكلف الدولة ثلاثة ملايين و400 ألف جنيه مصرى حيث اصطحب معه زهور بـ 35 ألف جنيه وشيكولاته بـ 20479 جنيه وويسكى وأمور أخرى بباقى المبلغ ... "صوت الأمة ـ 10/4/2006" .

"تقتير هنا وإسراف هناك" ... مقولة خالدة أطلقها شيخ الأزهر الحقيقى رحمة الله عليه الشيخ عبد المجيد سليم ـ أيام كان للأزهر وزن وقيمة ، وكان له شيخ مسلم يغار على عرضه ودينه وكرامته وإنسانيته !!

فى زاوية أخرى فاز الشاب إبراهيم عبد الجواد "هيما" 23 سنة بلقب ملك جمال مصر بعد أن خاض المسابقة ضمن 19 شاب من خيرة شباب مصر تم تصفيتهم لخمسة بعد استعراض السيقان والجسم ولبس المايوه ، واختارته لجنة التحكيم المكونة من دوللى شاهين ومى سليم وآخرون ممن عاينوا البضاعة وأصبح أجمل رجل فى مصر !!

... تلك هى مصر ..

مصر المنحلة بحاكمها وكتابها ومشايخها وإعلامها وتعليمها وثقافتها ..

مصر التى تأكل أولادها مثل "أمنا الغوله" ..

مصر التى لا تصنع زرار قميص ولا إبرة خياطة ولا قلم رصاص بعدما استغنت بالتسول عن الزراعة وبالاقتراض عن الإنتاج وبالسرقة عن العمل والإجتهاد ..

هذه هى مصر مبارك التى كثرت فيها السقطات والذلات وتعدت حدود الاحتمال ..

ورغم هذا السقوط والانحدار ارتفع سقف الجنون الرئاسى والتسلط القيادى حتى وصل إلى درجات عليا نالت من منزلة وكرامة أساتذة الجامعات ورجال القضاء والمشايخ والعلماء ، ويحدث ذلك على مرأى ومسمع من كل العالم دون أدب أو حياء ... وإن كان هذا هو حال السلطة مع صفوة المجتمع ورموزه وأخياره فكيف يكون الحال مع البسطاء من الناس ؟!!

كيف تعلو عصا "عسكرى" الأمن المركزى الجاهل الذى لا يعرف حروف اسمه ولا يعرف الشمس من القمر .. كيف تعلو هذه العصا النجسة فوق هامات رجال القضاء ورجال الدين وأساتذة الجامعات ورجال الصحافة والإعلام وتنهال عليهم ضربًا وسبًا وركلاً دون وعى أو إدراك أو تمييز ؟!!

لقد غيب النظام عقول فرق مكافحة الشغب وحولهم إلى وحوش كاسرة لا تميز ولا تفكر بعد أن عزلوهم عن الفهم الصحيح وحسن إدراك الأمور وجعلوهم سبايا وظائف نتنة لا عقل لهم ولا فكر ، فأصبحوا لا يعلمون الفرق بين القاضى وماسح الأحذية ، أو بين أستاذ الجامعة وبائع الجرائد ، أو بين الشيخ حامل القرآن وبائع الترمس ، فتعاملوا بقسوة مع الجميع ، وأسقطوا هيبة عظماء الأمة من أجل أن يرفعوا هيبة نظام فاشل سقط  بأفعالهم تحت الأقدام .

لقد انتقلت يد السلطة الباطشة ـ بغباء وعبط وهبل ـ من معاداة البسطاء من الناس إلى معاداة رموز الدولة والصفوة فيها ، وهذا يمثل قمة الشرود الفكرى وقمة الخلل القيادى الذى سيدفع النظام ـ قريبًا جدًا ـ ثمنه لا محالة ، ولرب ضرة نافعة ، فما أحوج البسطاء من الناس إلى من يدافع عنهم من علية القوم بعد أن تساوى الجميع فى المعاملة السيئة وقهر السلطة !!

لقد شعر النظام بخطر التغيير القادم لا محالة فكشف عن وجهه الحقيقى وراح يتعامل بغلظة وقسوة مع الجميع ، وأصبح شأنه شأن الثور الهائج المستفز الذى يضرب فى كل اتجاه دون وعى أو تمييز .

إن تطورات الأحداث بهذا الشكل ترجع فى الأساس لطول عهد الفساد وانتشار جرائم السلب والنهب مع عدم الخوف من المساءلة أو العقاب .. إن كل مسئول فى مصر الآن يفعل ما يشاء دون خوف من أحد بعدما تحصن بجرائمه خلف جرائم الآخرين فكل من يسقط يهدد بإسقاط الآخرين والكشف عن المستور !!

لقد انتشرت فى دوائر السلطة تجمعات مريبة لها قوانين عجيبة تبيح فعل كل شئ ولا تعبأ بقانون ولا دستور ولا بحساب أو عقاب ، ولقد انتهى زمن المثل الشعبى القديم ( من كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة ) .. لقد تغير هذا المثل بعدما بنيت كل البيوت والمنتجعات والفلل والقصور من ألواح الزجاج وأصبح واجبًا احترام اللصوص بعدما تساوت مساوئهم وأصبحوا يعيشون وسط توازنات الرعب فلا أحد يستطيع أن يلقى أحد بالحجارة بعدما تساوت البيوت الزجاجية وعاش سكانها عيشة الدول الكبرى التى تمتلك الأسلحة النووية لكنها لا تستطيع استخدامها خشية أن يصيبها الضرر الذى قد يحدثه رد الفعل الآخر فشعروا بالطمأنينة رغم خطورة أوضاعهم وعاشوا فى مأمن فرضه الخوف من بعضهم البعض !!

اليوم يتباهى الفساد فى مصر ويستعرض عضلاته ويعلن بأعلى صوت : من كان منكم بلا فساد فليقذف الفاسد بحجر ..

اليوم يتباهى الفساد فى مصر ويستعرض عضلاته ويعلن أن حزبه الحاكم فوق الجميع .. فوق القانون والدستور ، وقد أصبح شأنه شأن مجلس الشعب : سيد قراره !!

لقد تشبعت الأجواء بالفساد والتسيب والإنفلات وظهر فى مصر فكر جديد حمله الحزب الوطنى على أكتافه من أجل فرضه وتسويقه .. هذا الفكر الجديد يعمل بأسلوب "فن التوريط" حيث يستلزم تلويث الجميع وعدم ترك أى مكان فى أى موقع دون تلويث حتى يضيق الخناق على الشرفاء ويصبح الخيار ما بين أمرين لا ثالث لهما : إما التوريط وإما التضييق حتى يترك المسئول موقعه ويُستبعد عن عمله .

وللتوريط والتلويث فى فكر الحزب الحاكم طرق عديدة وكثيرة يعيها جيدًا كل مسئول فى مصر ـ من أول توزيع الأراضى المتميزة بثمن بخس وقروش قليلة إلى إصدار أذون الإستيراد للخامات الهامة ، واحتكار سلع معينة والتوكيل فى عقد الصفقات المشبوهة والمشاركة فى لجان الخصخصة وبيع القطاع العام وإدخال الأبناء الشرطة وتعيينهم فى الوظائف المرموقة ، وكلها أمور يكسر بها الحزب الحاكم عيون نواب الشعب وفق قواعد ومعادلات وضعها الكبار فى السر ولا يخشوا من افتضاح أمرهم فى العلن لأنهم فى الأساس لا يخشون من أحد ، فمن يسقط فى الطريق منهم يهدد الآخرين بكشف جرائمهم فيجد بدلاً من اليد الواحدة ألف يد تدافع عنه وتحميه ، وفى هذا الأمر أرونى فاسدًا واحدًا فى عهد مبارك حاسبته الدولة ونالت منه العدالة ...

فى يوم من الأيام وفى ثمانينيات القرن الماضى وداخل أروقة مجلس الشورى وقف إثنان من وزراء الداخلية السابقين حيث كال كل منهم الإتهام للآخر وهدد كل منهم الآخر بالإعلان عن جرائمه وكشف مفاسده وفتح سجلاته .. أحدهم إتهم الآخر ببيع السلاح للمتطرفين والإرهابيين فى صعيد مصر وأعلن أنه يملك من الوثائق والأدلة ما يثبت كل حرف يقوله ، ووقف الآخر ليرد عليه ـ أمام رئيس المجلس ـ ملوحًا إلى أعلى بدوسيه ممتلئ بالأوراق والوثائق معلنـًا أن فى هذا الدوسيه صورًا من أوراق يمكن أن تشعل النار فى مصر كلها إذا أعلن عنها ، ولأنه رجل أمن محترف فقد وضع أصول هذه المستندات فى مكان أمين سوف يتم الكشف عنها لحظة تصفيته أو تعرضه لأدنى خطر .

وعلى الرغم من خطورة هذا الحدث وما يحتويه من أسرار وجرائم ومفاسد لم يحال الوزيران إلى لجنة تحقيق أو تقصى حقائق ولكن تم احتواء الموقف بصورة ودية على طريقة "سيب وأنا أسيب" لأن الفضائح ستطول الجميع ولن ينجو منها حتى رئيس الجمهورية .... يومها كتب الأستاذ مصطفى أمين متعجبًا وقال على صفحات الجرائد ما معناه : إن الذى حدث فى مجلس الشورى شئ لا يمكن تصديقه ولا يمكن تمريره بمثل هذه السهولة فأى شئ هذا الذى يملكه كل وزير على الآخر وعلى الآخرين ويستطيع به إحراق البلد بكل من فيها ؟!! .. كتب وتساءل لكن أحدًا لم يجيب ، وعلى "مصطبة" النظام .. أو منصة المجلس جلس المتخاصمان برعاية رئيس المجلس وبعض الذين ارتعدوا خوفا وتم فك الإشتباك والتراضى على حساب الحقيقة وحساب الوطن .

وتمر السنين ويستشرى الفساد ويستعصى العلاج ، وفى آخر انتخابات لمجلس الشعب يسقط الدكتور مصطفى الفقى ويُعلن عن ذلك فى الجرائد الرسمية ، وما بين عشية وضحاها تتغير النتائج ويُعلن فى الصباح نجاح الفقى ورسوب الدكتور جمال حشمت ، ويعيش الفقى بعد ذلك أوقات عصيبة من كثرة الجدل والاستهزاء والسخرية ويصبح موضع سخرية من الجميع إلى أن ضحك عليه نواب المجلس وهو يتلو القسم فى أولى جلسات المجلس ، وعندما زاد الضغط النفسى والعصبى عليه إنفجر مهددًا فى مقال كبير على الصفحة الأخيرة من أخبار اليوم فى 14/1/2006 قائلاً : ( أريد أن أقول كلمة أخيرة فى هذه الأيام الصعبة التى مررت بها : مرحبًا بفتح ملفى بشرط فتح جميع الملفات ) ... نفس أسلوب اللصوص ونفس فرمان الفساد الذى يذكر الجميع بالإنحراف والفساد ، وإن كان ذلك لم يرفع عنه الخطأ لكنه مكنه من تكميم الأفواه وربط الألسن وفك الإشتباك .. إنه لا يريد أن يحتكم لشرع ولا دستور وإنما يريد الإحتكام إلى القانون السائد الذى وضعه اللصوص فى التخلص من ورطته وإظهار حجته .

وفى التعديل الوزارى الأخير جاء التغيير ليؤكد هذا المعنى حيث تم إستبعاد كل الوزراء الذين حاولوا الإصلاح وصعب على النظام تلويثهم وتوريطهم فخرج المهندس أحمد الليثى وزير الزراعة ومعه الدكتور أحمد جمال الدين وزير التعليم ليدفع الرجلان ثمن نظافتهم وثمن تجرأهم على اللصوص عندما أصروا على فتح ملفات يوسف والى وحسين كامل بهاء الدين .. عندها استغاث اللصوص فتم الاستبعاد على الفور وكأن التغيير الوزراى قد جاء خصيصًا من أجل ذلك .

ولننظر للصحافة المصرية فى تعاملها مع هذا الأمر ، ولنختار منافق واحد من بين كتاب النفاق ، حيث كتب محمد فوده على الصفحة الأخيرة من جريدة المساء فى 10/1/2006 مشيدًا بهذا التعديل وداعمًا لموقف الفاسدين فى عامود طويل تحت عنوان "من الواقع" وبأسلوب هو أقرب لأسلوب صبيان العوالم الذين يجمعون النقوط فى الأفراح الشعبية حيث يقول : ( تحية خاصة لوزير الزراعة الجديد أمين أباظه .. لأنه وضع المستقبل نصب عينيه ورفض أن ينظر إلى الخلف، هذا هو الفرق بين البنائين والنباشين .. فالوزير الذى ينبش فى ماضى سلفه لا يمكن أن يحقق إنجازا ملموسا ولا خطة ولا هدفا .. أما الوزير الذى يبنى على ما حققه سلفه ويصحح الأخطاء إن وجدت ، فهو الذى يحمل أعباء بلده وهو الذى يريد لها الخير.

قال الوزير أمين أباظه إنه يرفض فتح أى ملف سابق على وجوده بوزارة الزراعة وأنه جاء لاستكمال مسيرة التنمية الزراعية المصرية حيث سيتم إدخال نظام الزراعة التعاقدية مع المصدرين قبل زراعة المحصول.

إن تصريح وزير الزراعة الجديد بأنه يرفض فتح أى ملف سابق على وجوده يعنى أنه لن ينبش فى أعمال سلفه الدكتور يوسف والى ، وأيضا فيما فعله سلفه المهندس أحمد الليثى.

ونحن عندما نسمع هذا الكلام نتذكر الحملة التى شنها المهندس أحمد الليثى ضد الدكتور يوسف والى حول استخدام المبيدات الممنوعة دوليا ، وكيف ركز المهندس الليثى اهتمامه على هذا الموضوع الأمر الذى اضطر معه الدكتور والى أن يرد عليه فى الصحف واستشهد بفريق من علماء الزراعة الذين أكدوا أنه لم يدخل البلاد مبيدات محظورة.

أيضا حاول الدكتور أحمد جمال الدين موسى وزير التربية والتعليم السابق أن يفتش فى أوراق سلفه الدكتور حسين كامل بهاء الدين ، وأثار موضوع صفقة أجهزة الكمبيوتر وغيرها من الموضوعات لكنه لم يتوصل إلى شئ يحقق أو يؤكد وجهة نظره أو على الأصح شكوكه!!

والغريب أن كلا من المهندس الليثى أو الدكتور جمال الدين لم يكن أداؤهما على المستوى المأمول الأمر الذى أدى إلى تغييرهما فى وزارة الدكتور أحمد نظيف الجديدة رغم أنه لم يمر على تعيينهما أكثر من سنة ونصف السنة.

لقد قال الدكتور نظيف فى تصريحات صحفية إن وزراء المجموعة الاقتصادية الذين تولوا المسئولية فى وزارته الأولى حققوا إنجازات ملموسة ولذلك احتفظ بهم فى الوزارة الجديدة .. أما وزراء الخدمات فلم يحققوا شيئا ولذلك اضطر الى تغييرهم.

وكما بدأنا نعود ونقول : هذا هو الفرق بين البنائين والنباشين! ) .

أرأيتم نفاقا مثل هذا النفاق .. لقد حاولت أن أشبه الكاتب بالكلب ومن دافع عنهم بالكلاب لكننى أحترم الكلاب إذا ما قورنوا بمثل هؤلاء الأفاكين ..

وتمر الأيام والشهور والأعوام ويتكاثر الفساد أكثر وأكثر ويكتب الأستاذ فاروق جويده هوامشه الحره فى 24/2/2006 تحت عنوان "عجائب المصريين السبع" ويتساءل : ( لماذا يزداد الأغنياء غنى فى مصر ويزداد الفقراء فقرا وأحزانا .. ما أكثر الدلائل التى تشعرك دائما أن مصر شعبان .. وصحافتان .. وطبقتان وأكثر .. وإنك إذا تابعت خريطة المجتمع المصرى سوف تكتشف تناقضات غريبة فى كل شئ فى الثقافة ... والفكر والقضايا الإجتماعية .. وسلوكيات الأشخاص .. وأن هناك ازدواجية تحكم كل شئ فى حياتنا.. ) ثم يصبحنا معه بأسلوب غاية فى الوضوح والتميز لنتعرف على خريطة الحياة المصرية فى عهد مبارك فيقول : ( لا أذكر أننى شاهدت فى يوم من الأيام مسئولا مصريا وهو فى زيارة لقرية فقيرة أو موقع بعيد عن مواقع العمل ورأيته يبدو أنه مثل بقية المصريين حيث يسير بلا مصفحات أو حراسة .. وهذا يؤكد تلك المسافة الواسعة بين المواطنين والسلطة وأن كلا منهم فى واد آخر.... إن كل شئ فى الصحف الرسمية جميل ورائع .. وكل شئ فى الصحف الخاصة والحزبية سئ وقبيح .. فأين حقيقة الأشياء .. وإذا كان البعض يبالغ فى تقديم صورة جميلة من خياله .. ويبالغ البعض الآخر فى تقديم صورة قبيحة من الواقع .. فكيف ومتى نصل إلى الحقيقة حتى إن كانت مُرة .

إذا شاهدت التركيبة الإجتماعية فى مصر سوف ترى قشرة صغيرة من الذين ملكوا كل شئ .. وكتلة ضخمة من الذين ضاع منهم كل شئ .. وإذا حاولت أن تقرأ تاريخ القشرة الصغيرة التى جلست على السطح سوف تكتشف أنهم حتى سنوات قليلة كانوا من هذه الكتلة الضخمة ولا أحد يعرف كيف خرجوا منها وجمعوا كل هذه الأموال بلا تعب أو جهد .. وتحتار وتتساءل عن مصير أجيال قادمة كان من حقها أن تشارك وأن تعمل ولكن المجتمع حرمها من الماضى والحاضر والمستقبل ..

والغريب أن تجد أن كل المواقع المهمة وليس المال وحده أصبحت من حق هذه الشريحة أو القشرة التى يخفى بها المجتمع سيئاته .

حاول أن تقرأ مسابقات الوظائف الكبرى .. والأفراح الكبرى .. والعائلات التى أصبحت كبرى .. وصفحة الوفيات والجنازات الكبرى .. والمصانع والصفقات والعقارات الكبرى .. سوف تكتشف أن من يملكون المناصب الكبرى هم أنفسهم أصحاب المشروعات الكبرى .. وأن هناك زواجا باطلا بين المال والقرار وما يسمى اللياقة الإجتماعية .. ومن هنا فإن الغنى فى مصر يزداد غنى حتى وإن كان لا يملك أى مؤهلات لأن يكون غنيا .. والفقير فى مصر يزداد فقرا وهو يعلم مصيره من البداية .. أنه غير لائق اجتماعيا .

ما أكثر الأحكام التى نفذتها مؤسسات الدولة فى دقائق وما أكثر الأحكام التى بقيت حبرا على الورق ابتداء بالطعون وإنتهاء بأحكام إعادة حزب العمل وجريدة الشعب .. وهذا يؤكد هذه الازدواجية وان الدولة إذا أرادت فعلت وإذا طنشت فليس هناك سامع أو مجيب.

وهذا يؤكد أن المجتمع أصيب بحالة من حالات الانفصام فى طبقاته ومسئوليه ورعاياه وفكره وثقافته ... فى التليفزيون الرسمى تشاهد أشخاصا يدافعون بلا حجة ويهاجمون بلا وعى وفى التليفزيون الخاص تجد الحقيقة عارية وقبيحة ومؤلمة .

من الشواهد الغريبة أيضا ردود أفعال المجتمع تجاه ما يحدث فيه والدليل على ذلك ما حدث فى عبارة السلام 98 وما حدث فى كأس أفريقيا كان المجتمع المصرى منقسما على نفسه بين من يدفنون بقايا شهدائهم فى الصعيد ومن يحتفلون بالفوز بكأس أفريقيا فى القاهرة .. كان التناقض واضحا بين الشارع الصاخب المجنون بفرحته .. والقرى الحزينة الباكية بمأساتها .. وفى كارثة العبارة كانت أسر الشهداء تنتظر دورها فى صرف التعويضات بينما اللاعبون يتسلمون الشيكات .. وكانت الاحتفالات تقام هنا والتعزية لا تقام هناك لأن الجثث لم تصل بعد أو لأنها لن تصل على الإطلاق .

فى مصر أيضا أكثر من كتيبة ثقافية وفكرية ولا يجمع بين هؤلاء وهؤلاء موقف واحد .. إن البعض هنا يؤيد الانتخابات الفلسطينية ويقف مع حماس .. ويعارض أمريكا وإسرائيل بينما البعض الآخر يهتف بحياة أمريكا وإسرائيل .. وهناك من يدين المقاومة العراقية .. ويريد القوات الأمريكية .. ومن يهاجم إيران ويدافع عن الوجود الأمريكى .. وهناك من انزعج من وصول الاخوان المسلمين إلى مجلس الشعب .. وهناك من فرح بذلك .. والغريب ألا تجد بين هذا كله منطقة تتفق عليها الأفكار وتتوحد فيها المشاعر لأن كل طرف يخاطب مصالحة أو رؤيته الضيقة لكل ما حوله ) .. هذا ما قاله فاروق جويده وما سمحت له السلطات بنشره .. وما خفى كان أعظم ...!!

..... وتمضى الأحداث وتتسارع المصائب وتتنوع الكوارث ، لكن أحدًا لا يُحاسب .. مازال يوسف والى طليقا فى مملكته بالفيوم لا يستطيع أن يقترب منه أحد وقد فعل فى الشعب المصرى ما فشلت الجيوش الجرارة فى فعله ، وها هو صاحب عبارة السلام الذى عينه مبارك فى مجلس الشورى وأضفى عليه الحماية والحصانة يرتع بأموال الضحايا خارج البلاد معززًا ومكرمًا ولم ترفع عنه الحصانة إلا بعد التأكد من خروجه وهروبه وعيشه خارج البلاد ، ويبقى إبراهيم نافع وملياراته السبعة خارج نطاق المساءلة ، ويبقى شيخ الأزهر وقصوره الثلاث وفتاويه الباطلة خارج نطاق المراجعة ، ويبقى فاروق حسنى وحوله الشواذ من كل جانب ، ويبقى فتحى سرور محلل الحرام ومحرم الحلال ينخر فى العظام بإمتياز ... يبقى الجميع دون مساءلة فالبيوت كلها من زجاج .

ووسط كل هذه المصائب والكوارث يظل مبارك صامتـًا مثل أبو الهول لا يفزع من خطب ولا يقلق من حدث ولا ينطق بشطر كلمة ولا يتحرك قيد أنمله فى أى اتجاه .. عدا الاتجاه الذى يخدم أمريكا وإسرائيل وقد جلس على مقعد الرئاسة لأكثر من ربع قرن أضاع فيهم مصر مثلما أضاع العراق وفلسطين والسودان وأفغانستان !!

وتمضى الأحداث وتتسارع الهموم وكل يوم يمر على مصر يزداد المجتمع تفككا وتفسخا وانهيارا ، ويشاهد المصريين بأم أعينهم مصائبهم وكوارثهم دون القدرة على إيجاد حل أو مخرج خوفـًا من الفتنة وإنهيار الدولة .. كل مواطن بات يسمع بنفسه صوت تفكك الوطن وتمزق نسيجه دون أن يملك القدرة على الحل ..

مرض .. بطالة .. فقر .. عمالة .. فجور .. شذوذ .. هوان .. ضياع .. فساد .. رشوة .. سرقة .. إعتقال .. سحل .. تنكيل وقتل ، ووسط كل هذه الإبتلاءات تتناوب علينا الحكومات الفاسدة تناوب قطاع الطرق واللصوص فى ظل حاكم لا يفهم شئ عن أى شئ وإلا ما كان كل هذا الصمت الذى لا تغيره الكوارث ولا يحركه الضيم ولا تؤثر فيه آهات المرضى ولا ضياع الحقوق ولا انتشار المفاسد والمظالم وجرائم السلب والنهب .. أصبح كالصنم لا يتجاوب مع أى حدث ..!!

وبالله عليكم ... كيف يجد وطن مثل هذا الوطن موضع قدم فى دنيا الأحرار ؟!!

كيف يجد له مكانـًا تحت الشمس فى عصر الحيتان عصر التكتلات والصراعات والتحديات ؟!!

لقد صرنا أضعف من الضعف وأهون من الهوان ، ويكفى أن إسرائيل الآن تتلاعب بأمننا الوطنى والقومى تلاعب القط بالفأر الذى تم الإجهاز عليه فأربكه الفزع ودمره الخوف ، وإننى والله لأشعر فى قرارة نفسى أننا صرنا من الهوان للدرجة التى صارت إسرائيل فيها تلاعبنا برحمة وشفقة وهى لا تعرف معنى الرحمة أو الشفقة .. تلاعبنا بتفجيرات لها دلائل ومعانى كثيرة : 6 أكتوبر ـ 23 يوليو ـ 25 أبريل .. وبيدها فعل ما هو أكثر وأقسى لكنها تكتفى بالقليل حيث المداعبة بتفجيرات محدودة والعبث فى أمننا بيد طولى تجوب البلاد طولاً وعرضًا وتملك الضرر فى أى موقع وأى وقت تشاء ، لكنها تتمهل وتتسلى إلى أن يحين موعد القطف الحقيقى واستعادة سيناء بعدما امتلكت من حكامنا الرقاب ... إنها تتعامل معنا الآن بمنطق : إرحموا عزيز قوم ذل ... ولا حول ولا قوة إلا بالله .

هل هذه مصر يا ساده التى كانت ملئ السمع والبصر ؟!!

هل هذه مصر التى ما نامت يومًا على ضيم وجور وما رضيت يومًا بقهر ؟!!

فى كل موضع وعلى كل رأس وزارة نرى وجوه قذرة وجاحدة وناكرة للجميل جلبها إلينا مبارك من كل حدب وصوب ووضعها على رأس السلطة فى كل مواقع الدولة لينهبوا ويسرقوا ويدمروا ويختلسوا دون خوف من العواقب ، ولقد كلفنا سوء الاختيار هذا الكثير والكثير وجعلنا نقبع فى ذيل الأمم دون وزن ولا قيمة ، وإن لم يفعل مبارك شئ غير سوء الاختيار لكفى جرمه وإثمه فالإتحاد السوفيتى على علمه ونهضته لم ينهار إلا بسوء الاختيار ووضع الأقزام مكان العمالقة واستبدال العظماء بالسفهاء ... إن مبارك يذكرنا بتلك القصة الشائعة عن المسئول الروسى الذى عمل لسنوات طويلة لحساب أمريكا ، وقبل وفاته بقليل أعلن أنه كان يعمل منذ 20 عامًا لصالح أمريكا دون أن يُـكشف ، وكانت كل مهامه تنحصر فى اختيار الأسوأ فى كل المواقع عند اختيار القيادات ، فأصبح له الفضل الأول فى انهيار الإتحاد السوفيتى وتفككه !!

لقد نجح مبارك بإمتياز فى إقامة سلطة طاغية ولكن على حساب دولة عظيمة كانت حتى وقت قريب ـ قبل حكم المنوفية ـ ذات شهرة وسيط وتواجد دولى عظيم غطى مشارق الأرض ومغاربها .

والآن علينا أن نتحرك ولا ننتظر أكثر من ذلك ، فمن يريد أن يعيش لا يطلب إذنـًا بذلك عليه أن يقرع باب الحرية ويدخل دون استئذان ..

وللحرية الحمراء باب      بكل يد مضرجة يُدق

لقد تقاعس كل منا عن أداء دوره حتى نال من تقاعس جزاء من ظلم ، ودارت الأيام دورتها وضُرب الشيخ بالحذاء وسُحل القاضى أمام مبنى القضاه ... هذا الشيخ الذى ضُرب بالحذاء على رأسه لمدة ساعة .. إنما ضُرب قصاصًا لأنه ما دافع يومًا عن مظلوم ولم يستغل المنبر والدروس الدينية فى تبصير الناس بمشاكلهم وحثهم على الجهاد ورفض الذل والإستعباد وسار فى ركب النظام يحدثنا فى كل خطبة عن نواقض الوضوء وصلة الأرحام ولا يحدثنا مرة واحدة عن جرائم النظام ..

وهذا القاضى الذى ضُرب بالحذاء وسحل على الأرض .. إنما ضُرب جزاءً وفاقـًا لأنه أعطى الحكم بالبراءة لكل برئ قبع داخل سجون النظام دون ذنب ، لكنه لم يتابع حكمه وصار كمن يخلف طفلا ويتركه يموت ، فكم من قضاه صمتوا على جرائم التزوير وجور الأحكام وقوانين الاعتقال ورضوا بجور وفساد النظام حتى استدار إليهم النظام وجزاهم بأسوأ الذى عملوا وسحلهم على الأرض استهانة واستهزاء ، فأول من يزهد فى الغادر من غدر له الغادر ، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به ، وأول ما تهون الزانية تهون فى عين الذى زنى بها ... ولا يظلم ربك أحدًا .

أنا مع القاضى الذى أهين ، لكننى لست مع كل القضاه فكثير من القضاه مسئولون أمام الله عما آلت إليه أحوال البلاد ..

وأنا مع الشيخ الذى أهين ، لكننى لست مع كل الشيوخ فكثير منهم ساعد النظام وضلل الشعب وخان الأمانة .. وعلى الجميع أن يدرك أن النظام المصرى يسلك فى تعاملاته مع الآخرين مسلك الدول الباغية التى لا تحترم أحد وقد عبر عن ذلك ذات يوم وزير الخارجية الأمريكى قائلاً : ( ليس لنا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون بل لنا مصالح دائمة ) وهذا هو مبدأ الظلمة والفجرة والفسقة فلا دستور ولا قانون ولا دين ، ولكن مصالح فقط دون النظر لأى قيم أو اعتبارات أخرى .

نحن مع القاضى الذى ضُرب ومع الشيخ الذى أهين ، ولكن كنت أتمنى لو كانوا معنا قبل أن تدور الدائرة عليهم وتقع رقابهم تحت السكين الذى ظل يذبح الشعب لأكثر من ربع قرن دون أن يلتفت إليه أحد من القضاه أو الشيوخ .