في عالم الحيوان السياسي
ومفتاح الشخصية الأمريكية
بقلم:هشام
الناصر
http://www.maktoobblog.com/Alnasser_Hesham
1 – السياسة ومفتاح شخصية العقيدة الأمريكية
للسياسة
تعريفات كثيرة، منها "رعاية مصالح الخلق" كما قال "أبن
خلدون"، ومنها "عقلنة الفوضى" كما قال الأستاذ (ولا داعي لإرداف
الاسم، هيكل)، وهو أكثر عمقا ويتلاءم مع طبيعة العصر الحالي، ومنها "فن
الممكن" وهو تعريف ذوي الياقات البيضاء المعينين بالواسطة السحرية مثل معظم
العاملين في الخارجية المصرية، ومنها التعريف الأثير للفراعين والمستبدين وهو
"سياسة من ساس ويسوس"، يستوي فيها الرعايا والعبيد السبايا مع قطعان
البقر والجاموس، ومنها التعريف الغربي الأمريكي وهو "علم وفن إدارة الصراع
وحل النزاع"، وهو نوع رفيع من الإدارة تسخر لها كل العلوم والتقنيات، من السبرانية
القديمة وعلوم السلوكيات إلي المعلوماتية وبحوث العمليات، مرورا بكل أنواع العلوم
الطبيعية (Natural) كالتاريخ والمنطق والعلوم المُخلقة صناعيا (Artificial)
كالهندسة كمثال، بحيث تتسم أساسا
بالفاعلية (Efficiency)، فإن لم يتيسر فليكن التأثير الأدائي (Effectiveness)، علما بان الفارق بين
الاثنين واسع وشاسع، فكل ما يتسم "بالفاعلية" هو ذو "تأثير
أدائي"، والعكس ليس صحيحا، والفارق بينهما هو حساب العائد والتكلفة، أي أن
الغاية المثلي هو تعظيم العائد وتقليل الفاقد لصالحك ، والعكس تماما لعدوك وخصمك.
ومن
العلوم إلي الأدب، ونتذكر مصطلح "مفتاح الشخصية" الذي استخدمه أستاذنا
الكبير "العقاد" في "العبقريات"، لأنه أنسب توصيف للعقيدة
الأمريكية (وليس فقط للسياسة أو الإستراتيجية).
وأخذا
بمقاييس ومعايير "العقاد" يمكن القول أن "مفتاح شخصية" العقيدة الأمريكية (Doctrine) هو "التاجر"
الذي يهتم أولا وأخيرا "بالتكلفة والعائد"،
بصفتها كيان مؤسسي نفعي (Business Enterprise) أكثر منه وطن وأمة متجانسة (!!)، مهما زينوا الكلام وتمادوا في
الدعاية والإعلان. وهذا ليس ذما وقدحا ولكنه توصيف مستمد من التاريخ الإمبراطوري
المُخلق للكيان الأمريكي (وعلي المهتمين مراجعة سلسلة من مقالاتنا منذ أكثر من
عامين عن نشأة الإمبراطورية الأمريكية).
وإذا
أردنا إلقاء مزيد من الضوء علي الآفة الأمريكية (بالخصوص) والغربية بالعموم يجب
العودة إلي الفكر الفلسفي للعقلية الغربية في قانون (أو نظرية) الوجود وفي إيجاد
العلاقة بين الطبيعة وما وراء الطبيعة (الغيبيات – الميتافيزيقيا). علما بأننا لا
ندعي الكمال كأمة إسلامية، ولكن الفارق بيننا وبينهم أن آفتنا تكمن في
"تطبيق" المنهجية – أي الممارسة – بينما آفتهم في بنائية منهجيتهم
ذاتها.
والمتابعين
للحركة الفلسفية والعلمية الغربية (الألمانية بالخصوص) سيجد ظاهرة (نراها جنونية)
وقد ثبت فشلها عمليا، وهي محاولة اختزال الكون كله في صيغة موحدة (!!). بدأها رب
أربابهم (!!) "هيجل" في بدايات القرن التاسع عشر بمحاولة اختزال كل المتناقضات
والتوترات في سياق وحدة عقلانية شاملة أطلق عليها "الفكرة المطلقة" أو
"المعرفة المطلقة". وهي نفس المحاولة التي حاولها العالم الشهير
"إينشتين" في اختزال حركة الكون كله في معادلة واحدة (وهو ما فشل فيه
فشلا ذريعا وأمضي النصف الثاني من حياته، بعد نظرية النسبية، عقيما غير منتجا، بل
وأيضا مثيرا لسخرية وشفقة باقي العلماء).
ووصف
"هيجل" برب الأرباب يعود إلي أنه المرجع الأساسي للفكر المتطرف اليساري (ومنهم شتراوس
وماركس)، وكذا للفكر المتطرف اليميني (الهيجيليين المحافظين !!) وللفكر النازي
بتمجيد الجنس الآري، وكذا "للبروتستانتية المتحررة" المزدهرة في
الولايات المتحدة الأمريكية، وللأفكار الوجودية والبرجماتية والوضعية والمنطقية.
فإذا كان ماركس (كمثال) هو رب الشيوعية
و"لينين" نبيها، فإن "هيجل" هو رب الأرباب. ولا يفوتنا
الإشارة إلي مقولة “ديورانت": << لقد فقس "هيجل" الأستاذ
الإمبراطوري بيض الاشتراكية (!!)>>. لاحظ التوصيف، إمبراطوري واشتراكية
(!!).
والحديث يطول في هذا المضمار وقد عرجنا عليه في اضطرار،
وخلاصته أن إشكالية الفصل بين "العقلانية والمنطق" و"الإيمان
بالغيبيات" كانت محور الجدل في الفكر اليوناني القديم، وقد تناول علماء
الحضارة الإسلامية هذه الإشكالية بالفحص والتمحيص وأزالوا عنها اللبس والغموض
(الكندي – الفارابي – أبن سينا – التوحيدي – ابن رشد)، وانتقلت الأفكار العربية
إلي الغرب (عن طريق الأندلس أساسا)، لكن الكهنوت الكاثوليكي الأوربي بالعموم
ومحاكم التفتيش بالخصوص منعت هذا الفيض المعرفي عن علماء الغرب ذاتهم بالقوة
والإرهاب والقتل.
ومن بعض الأمثلة البسيطة علي
التأثر الأوربي بالحضارة العربية نجدها في مقال لأحد الباحثين وهو الأستاذ "محمد البخيت" والذي نقتطف منه أمثلة تأثر العديد
بفلسفة أبن رشد (المتوفى سنة 1198)، القائمة علي أعمال من سبقوه كالفارابي وأبن
سيناء والغزالي، ومنهم
"دانتي"، الذي نعت أبن رشد (بالشارح
الأكبر)، والقديس الإيطالي "توماس
أكويناس"
مؤلف كتاب إجمال أللاهوت
(Summa
Theologica) وفيها
تم استخدام كتابات أبن رشد للوصول إلي مبدأ عدم التناقض بين الإيمان والعقل، وهي
الفكرة التي بني عليها البحث العلمي بين العلماء المسلمين، وتأثر بها علماء الغرب
وأدت إلي تفجير عصر النهضة. كما ذهب الكاتب بالقول إلي وجود مدرسة فكرية تسمي
الأبن رشدية (Averroism) تأسست عليها العديد من
الأفكار الأوربية.
ومن التناقضات التي يدور فيها العقل الأمريكي (وخاصة
الإنجيليين الجمهوريين) هي الازدواجية الشديدة التي تحتاج إلي تحليل سيكولوجي أكثر
منه سياسي، والتي تتمثل في إيمانهم بالعلمانية والفلسفة الوضعية التي تنكر
الاعتراف بالأفكار المسبقة للقوانين (وهي التي تسمي بالمبادئ الخالدة التي يؤمن بها
أصحاب المذاهب الطبيعية)، وفي نفس الوقت يقومون بتوظيفها في التوليفة اللوثرية
الكالفينية (التي أسميناها قنطرة التواصل بين العهد القديم والعهد الجديد)، وفيما
أضافوا إليه من أساطير أنبيائهم المحتالين (أسطورة هرمجدون كمثال) وغيرها.
إنه أغرب "كوكتيل" أو توليفة شهدتها الإنسانية
في تاريخها، وهو يفوق إي حالة انحدار إنساني بعد حالة إيمان برسول رباني، والسبب
المنطقي (الذي نراه وحيدا) هو ظروف نشأة المسيحية الضعيفة بالمقارنة بنشأة الإسلام
القوية التي حمته وحفظته، وهو الأمر الذي نري فيه حكمة ربانية تتجلي في طبيعة
الديانتين السماويتين.
عفوا .. خرجنا عن سياق الموضوع الأساسي، وهو مفتاح شخصية
العقيدة الأمريكية – شخصية "التاجر" الذي يهتم "بالعائد
والتكلفة"، أي المكسب والخسارة، الذي يقودنا إلي الأسلوب الأمثل في التعامل
مع الأمريكان وهو أن يكون بنفس منطقهم ومفتاح شخصيتهم، ويكون أساسا مضادا لغايتهم،
ونعني هنا تعظيم خسائرهم وفاقدهم وتقليل عوائدهم.
نعم من الممكن، بل ومن المتوقع (طبقا للحسابات المادية)
أن يحقق الأمريكان أهدافهم ويجنوا أرباحهم – لكن بأي خسارة وتكلفة – تلك هي
المسالة وحل المشكلة (!!).
***********************************
2 - في عالم الحيوان
السياسي
فجأة
أمتلئت كتب ومقالات التحليل السياسي، العالمية والعربية، بتشبيهات وإسقاطات من
عالم الحيوان إلي عالم الإنسان، جاء بعضها في ذكر صريح وأخري في رمز وتلميح، وبدا
الأمر وكأننا نستعيد واحدة من أكثر التحف الشرقية والإسلامية وأوسعها انتشارا وهو
كتاب "كليلة ودمنة" الذي نبت في بلاد الهند وترعرع في بلاد فارس وأزهر
علي يد "أبن المقفع" في العصر العباسي، والذي لم يكتف بالتعريب والصياغة
وأنشأ أربعة فصول إضافة. ورغم الفارق في
الحالتين إلا أن المشترك فيهما هو أنسنة الحيوان وحيونة الإنسان (إن جاز التعبير)
تبعا للشراكة في الصفات والسمات، بهدف إيصال المعني المقصود إلي المتلقي المنشود.
وكان
ذكر إسقاطات المحللين والكُتاب فرصة للقيام بالمقارنة بين طبائع أطراف الصراعات
السياسية (علي مستوياتها المختلفة) وبين طبائع مناظرة لما يذخر به عالم الحيوان
(ومنه الحشرات). وسوف نذكر أمثلة هذه الإسقاطات الحيوانية (ومن بينها الحشرية) علي
عالم السياسة الدولية والإقليمية والقطرية، ثم نتناول كل منها بتفصيل، وبمقدار عال
من الجدية.
1 –
المثال الأول هو "الخنزير الأمريكي"، وهو مستوحي من كتاب السيدة "
فكتوريا كلارك" (المتحدثة السابقة باسم البنتاجون، ومساعدة وزير الدفاع
الأميركي السابقة لشؤون العلاقات العامة)ـ الذي جاء تحت عنوان رئيسي هو "أحمر
شفاه علي وجه خنزير" - (Lipstick on a Pig)، وعنوان فرعي هو
"كيفية الفوز في عصر عدم اللف والدوران (عدم التحايل)، من شخص خبير بأصول
اللعبة" – (Winning
in the No-Spin Era by Someone who knows the game). والكتاب يصور أخطاء الإدارة الأمريكية في حرب العراق وكم
التحايل والأكاذيب الذي استخدم لتجميل الصورة القبيحة، مستعيرا المثل الأمريكي
الذي يتم استخدامه حينما لا يكون هناك جدوى أو فائدة من أي محاولات تجميل إذا كان المراد
تجميله أو تحليته خنزيرا. وهو بالمناسبة يماثل المثل المصري العامي (إيش تعمل
الماشطة في الوش العكر).
2 –
والمثال الثاني جاء من الكاتب الصحفي "جمال فهمي" عما أسماه
"بصراصير التوريث"، ويقصد بها جحافل تلك الحشرة الكريهة القميئة التي
خرجت علي المجتمع المصري من بالوعات حزب التوريث ولجنة سياسات الحزب الوطني التي
يرأسها فخامة نجل فخامة رئيس البلاد. والأخ "جمال فهمي" بالقطع يتمتع
بالذكاء والحصافة، لذا فقد قصر حديثه علي صراصير "الدكان الصحفية" التي
تحولت إلي "مرحاض" خاص و"مشتمة" لكل من يجرؤ علي
"الاقتراب والتصوير" من "ولي عهد البلاد" صاحب الجنس
"الآري" الذي مجده "هيجل" في أطروحته الفلسفية. وللعلم فإن
الجنس "الآري" لم يعد مقصورا الآن علي الشعب الألماني كما كان قديما بعد
قرار لجنة سياسات الحزب الوطني المصري الأخير بتعديل تعريفه ليكون هو الجنس
المنوفي الاسكتلندي (!!).
3 –
أما المثل الثالث فهو عن "الحمار الأوربي"، كناية عن الانقياد والغباء.
فبالرغم من أن أوربا هي الأصل وأمريكا هي الفرع، إلا أن هناك غشاوة غير مبررة علي
بصر وبصيرة رجال الفكر والسياسة الأوربية جعلتهم لا يدركون أن "أوربا هي
الجائزة الكبرى" في المشروع الإمبراطوري الأمريكي –
وهذا موضوع يطول فيه الشرح وسنتناوله بتفصيل بإذن الله.
4 – وهناك أحاديث أخري عن اكبر "عشة فراخ" في
العالم وهي الضفة الغربية وقطاع غزة الفلسطينيتين. وهناك أحاديث عن
"دوبرمانات" الأجهزة الأمنية المصرية – والدوبرمان هو نوع من الكلاب
الألمانية شديدة الشراسة تستخدم في الحماية والحراسة.
5 – أما أطرف ما جاء في عالم الحيوان السياسي فهو قصائد
شاعر الرصاص "أحمد مطر"، وفيها قال عن اتفاقية السلام المصرية
الإسرائيلية وخروج مصر من العباءة العربية (مع التصرف):
فجأة دون مقدمات أو نُذرِ، فر "الثورُ" من
حظيرة البقرِ. ثارت العجول في الحظيرة، بعضها يبكي فرار قائد المسيرة. وبعض يتحسر
علي ما قدمه من شعيرة، وشكلوا علي الأثر، محكمة ومكلمة ومؤتمر.
قال قائل: هذا قضاء الله وقدر،
وقال أخر: لقد صبا الوغد وكفر، وقال المتفائلون: لعله علي سفر. وفي نهاية المؤتمر
أتفق جموع البقر علي منحة فرصة أخيرة لعله يعود تائبا للحظيرة. وبلغة المال وبيزنس
الأعمال أرسلوا عرضا مغريا بمرسال. ستة
مليارات دولار سنوية لحل أزمته الاقتصادية. فأهان الثور مرسالهم وفجر، قائلا: فلوس
إيه يا عالم يا غجر !!. أنا أبن الفراعين حضارة ألاف السنين يا عالم يا متخلفين،
أنا نسل "أبيس" يا متاعيس !!، العز والهيلمان مع الغرب والأمريكان، أهل
التقدم والحضر. ومرت الأيام، وعام ورا عام، تغيرت القواميس وتعدلت النواميس (!!)،
الأبقار والنعاج تبعت ثورها وأسلمت ضروعها وحليبها، أما الثور الفحل فلم يعد فحلا
(!!)، أهانوه وخصوه ورغم انه ثور لكنهم
حلبوه (!!) وفي الساقية علقوه، وبعد ما مصمصوه استنسخوا منه عجل (بتلو) صُغنن
أسموه أيضا "أبيس" يكمل معاهم المشوار بالتوريث !!.
وللحديث
بقية إن كان لنا في العمر بقية