صورة من المستقبل
بقلم : محمود شنب
الصورة التى تناقلتها الصحف المصرية ـ خلال
الأسابيع القليلة الماضية ـ لجمال مبارك نجل الرئيس المصرى
وإلى جواره خطيبته خديجه الجمال والتى
ظهرت فيها بملابس كاشفة وغير لائقة ـ تصور البعض أنها تمثل اعتداءً من الصحافة على
حرمات الناس وخصوصياتهم ... لكن الحقيقة التى كانت وراء
نشر هذه الصور تقف على النقيض تمامًا من هذا التصور ، فالصورة لم تكن تلصص من
الصحافة ولا اعتداء على خصوصيات الآخرين وإنما جاءت بمباركة من جمال وأسرته بعدما
دفعوها دفعًا إلى وسائل الإعلام بقصد نشرها على هذا الشكل من أجل تهيئة الشعب المصرى لتقبل أمور لم يكن يألفها ولم تكن موجودة من قبل ..
هذه الصورة تهدف إلى الإعلان عن بداية عهد جديد من التطور الاجتماعى
من منظور غربى يريد جمال مبارك وأسرته الحاكمة فرضه على
أسلوب الحياة فى مصر .
وعلى حد علمى لم يسبق أن أهين الشعب المصرى بمثل هذه الصور منذ عهد الملكية وحتى وقت نشر هذه
الصور التى تتعارض مع الذوق العام وصحيح الدين ، فمنذ عهد
الملك فاروق ومحظياته والمصريون لم يشاهدوا صورًا سافرة
للأسرة الحاكمة بمثل هذا الشكل .. لم يحدث ذلك من أسرة محمد نجيب ولا من أسرة عبد
الناصر ولا من أسرة السادات ولا حتى من أسرة حسنى مبارك الذى
حكم مصر لأكثر من ربع قرن .. إلى أن اقتحم هذا الشاب المنفلت والمدلل حياة
المصريين وأراد أن يفرض عليهم أسلوب حياته المرفوض شعبيًا وأخلاقيًا
.
وما فعله جمال مبارك ـ بنشر هذه الصورة ـ يمثل احدى
مصوغات التعيين المطلوبة غربيًا وأمريكيًا من أجل تنصيبه حاكمًا للبلاد ، والصورة
تمثل إعلان واضح وبالبنط العريض لما يجب أن تكون عليه شكل الحياة فى مصر ، وكان لابد من مقابلة هذا الأمر المعيب برفض واستنكار
شعبى ورسمى على نطاق واسع من
قِبل الشعب ومن قِبل المؤسسات الدينية الموجودة فى مصر
، فمصر ليست بار ولا كباريه ولن تكون ، ومصر ليست فى
حاجة إلى فتاة إعلانات أو عارضة أزياء .. مصر فى حاجة
إلى فتاة تؤمن بالله وبالأخلاق وبمن تكون قدوة للنساء .. مصر فى
حاجة لمن تكون على نهج خديجه بنت خويلد وليست على نهج خديجه بنت الجمال ، وعلى الحاكم وأسرته أن يكونوا أكثر الناس إلتزامًا بتعاليم الإسلام وألا يكونوا عناوين للسفور والتعرى وتشجيع الناس على اقتراف الفواحش والرذائل .
منذ أيام قليلة اعترض علماء السعودية على ظاهرة اختلاط النساء بالرجال فى الندوات والاجتماعات التى تقام
بالمملكة ، ورفعوا من أجل ذلك مذكرة إلى حاكم البلاد لمجرد أن قدمت إحدى النساء
لمؤتمر عقد فى السعودية ... فأين مجمع البحوث الإسلامية
وأين مشيخة الأزهر وأين علماء مصر من نشر هذه الصور المهينة للمجتمع المصرى
؟!!
وإن كان هذا هو حال جمال مبارك اليوم وهو يتودد للشعب من أجل توريثه للحكم
، فكيف يكون الحال يوم يتمكن من حكم البلاد وفرض سطوته عليها ؟!!
إن الصورة تمثل مخالفة صريحة وواضحة لكل الأعراف والقيم والدستور والقانون
، وهى تدعو لأهداف تتناقض مع نصوص الدستور حيث ينص الدستور على أن الشريعة
الإسلامية هى المصدر الرئيسى
للتشريع ، وهل من أصول الشريعة أن تتعرى النساء ويتبرجن ويظهرن فى المجتمع ووسائل الإعلام بمثل ما ظهرت عليه سيدة مصر
القادمة خديجه الجمال ؟!!
قلنا مرارًا وتكرارًا ولن نمل من القول بأن جمال مبارك لم يكن منذ الصغر
مؤهلاً لحكم البلاد .. لم يتعهده
معلم أمين ، ولم يتعهده محفظ ولا حكيم ، وقد نشأ منذ
نعومة أظافره على حب المال والتجارة وعقد الصفقات والتربح ، ورضع منذ الصغر حب
أمريكا ، وانفطم على طبائع الغرب وسلوكياته ، وكل سفرياته كانت إلى هناك ، ولقد
سافر وأقام بأمريكا أكثر مما سافر وأقام فى المجتمعات
العربية والإسلامية .. لم نعرف له فكر أو أى نوع من
أنواع الأدب ، ولم نقرأ له كتابًا أو ديوانـًا للشعر .. لم نقرأ له مقال ، ولم
نشهد له بنضال ، ولم يمضى يومًا فى مظاهرة ، ولم ينحاز
يومًا لهموم شعبه وقضايا أمته ... فكيف تـُحكم مصر بمثل هذا الشاب ؟!!
أى خير يرجى من مثل هذا الشاب ؟!! ... والخطاب يقرأ من
عنوانه ، والقصيدة التى تبدأ بالكفر لا خير فى أبياتها حتى لو حوت الدرر وشملت كل فنون الشعر .
وعجبًا أن تمر هذه الواقعة دون أن نتحرك ، وعجبًًا أكثر أن ينتظر الشعب حتى
وقوع الكارثة الكبرى يوم يتولى الحكم دون أن يجاهد من الآن من أجل منعها !!
يا ساده ... إن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة
ومنع الحريق أفضل من التعامل مع نيرانه .
إن الأخلاق الإسلامية التى يسخر منها جمال مبارك
ولا يعيرها أدنى إهتمام تعد أحد أهم مقومات الحياة
السوية فى المجتمعات العربية والإسلامية ، ولقد حذرنا
الله تعالى من التعرى وكشف العورات ، وجاء تحذيره فى سورة الأعراف فى أعقاب مخالفة
آدم وزوجه لتعاليم الله واستجابتهما لوساوس الشيطان ، وكان ذلك سببًا فى إظهار سوءاتهما ... وتلك هى
الكارثة ، وقد نجح الشيطان فى ذلك وسقط آدم وزوجه فى الاختبار بعدما ذاقا الشجرة ، وانكشفت سوءاتهما وطفقا
يخصفان عليها من ورق الجنة ، وبعد أن اعترفا بالذنب وطلبا من الله الرحمة والمغفرة
قال الله لهما : (( اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )) وحتى
لا يقع أبناء آدم وذريته فى نفس الخطأ ويرتكبوا نفس
المعصية خاطبهم المولى بقوله : (( يَا بَنِي آدَمَ لاَ
يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ
يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ
هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا
جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ )) والله
يريد أن يستر الإنسان والشيطان يريد أن يكشفه ويعريه : (( يريد الله أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيمًا
)) .
وتعرية النساء هدف غربى أصيل يتسلل إلينا فى كل وقت وحين تارة باسم التنوير وتارة باسم التحرر وتارة
باسم السياحة وتارة باسم الفن ... تعددت المبررات والهدف واحد ، وتلك هى المشكلة .
يحضرنى هنا موقف عظيم وحوار حضارى وأخلاقى جرى بين الإمام على
كرم الله وجهه والسيدة فاطمة ـ بنت رسول الله ـ رضوان الله عليهما ، فقد روى
الإمام على أنه كان عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : أى شئ خير للمرأة ؟؟ فسكتوا ، فلما
رجع الإمام على ـ رضى الله عنه ـ إلى بيته سأل السيدة
فاطمة ـ رضى الله عنها ـ نفس السؤال : أى شئ خير للنساء ؟؟ .. قالت : لا
يراهن الرجال ، فذكر الإمام على ذلك لرسول الله فقال تعقيبًا : (( إنما فاطمة بضعة
منى )) تلك هى النماذج الطاهرة والصالحة التى يجب أن نحرص على الإقتداء بها فى
كل زمان ومكان ، لكن الحقيقة أن العالم كله أصبح يعم الآن بالفساد ـ إلا من رحم
ربى ـ وصار يموج بالمعاصى والذنوب ، وما فعله الشيطان
مع آدم وزوجه يفعله الآن مع ذرية آدم على قدم وساق حتى أصبحت الرذيلة عنوان للتمدن
، وأصبح السفور عنوان للرقى ، وأصبح الاختلاط عنوان للتحضر ، وصار العالم على
اختلاف عقائده يجاهر بالمعاصى والفواحش والشذوذ ويطور
أساليبها ويرعاها ، ولا أحد يريد أن يتوب ويستغفر الله مثلما فعل آدم وزوجه ، وهذا
أمر فى غاية الخطورة لأنه يمثل قمة التحدى
للخالق وقمة الفساد الأخلاقى .
لقد اقتدى شبابنا بالغرب فى كل فنون التعرى وتمسك بهذه المنطقة بالذات وهو يعلم أن هلاك الأمة فى الذنوب وأن العرى أساس كل بلاء .
لقد تحولت وظائف الحكام فى ديار الإسلام إلى نفس
وظيفة الشيطان فى جنة آدم حيث الترغيب فى اللهو والدعوة إلى الإباحية من خلال تشجيع الاختلاط وتكريم
أهل الفن والاحتفاء بهم فى كل المناسبات حتى عم الفساد
وأصبحنا نشاهد خصور الفتيات فى شوارع القاهرة والعديد
من المحافظات وداخل الحرم الجامعى ، وانتشر الفساد
والانحلال دون مقاومة أو تحفظ ، وأقيمت من أجله المسابقات التى
تكشف السوءات وتظهر العورات ، وراجت بضاعة الجنس ، وازدهرت صناعة اللهو ، وانتشرت
وسائل الشيطان ، وكانت النتيجة مزيدًا من التحلل ومزيدًا من العلاقات الغير شرعية
ومزيدًا من قضايا إثبات النسب والزواج العرفى ، وانتصر
الشيطان بالسلطان !!
وإذا صار التعرى نهج الكبار وتعامل معه الشعب باللا مبالاة وبتلك البساطة التى
نتعامل بها الآن مع مثل هذه الصور .. فقل على الدنيا السلام ..!!
لقد وصل التعرى رأس السلطة وصار قرين الرئاسة
وبمن سيطلق عليها مستقبلا "سيدة مصر الأولى" فأى
نوع من الكوارث يمكن أن ينتظر البلاد ؟!!
إن صورة جمال مبارك وخديجه الجمال لم تـُنشر
رغمًا عن السلطة وإنما بإيعاز منها ومباركة ، فتلك الصورة هى
التى ستحدد ملامح مصر المستقبل ، وتلك الصورة هى الصورة التى أريد للشعب أن
يألفها ويتعودها ويتعامل معها بسلاسة ويسر .
الصورة لمن لم يراها منشورة على صفحات جريدة الغد العدد 54 الصفحة 11 بتاريخ
الأربعاء 22 مارس 2006 وفى الصورة ترتدى خديجه ملابس أشبه بملابس حجرات النوم وأشد سخونة من ملابس
الفنانات ، فهل يجب أن تكون هذه الصورة إحدى سمات سيدة مصر الأولى التى سوف تحكم مصر من وراء الكواليس ؟!!
ألم ينبهها أحد إلى خطورة هذه الصورة فى هذا
التوقيت بالذات ؟!!
أين أهلها ؟!!
أين خطيبها المرشح للرئاسة ؟!!
أين حسنى مبارك نفسه إن كان يريد الخير لإبنه
؟!!
أين شيخ الأزهر وعلماء الإسلام ؟!!
إن هذه الصورة لا تمثل اعتداء على حياة جمال مبارك الخاصة مثلما يدعى مصطفى
بكرى فى جريدة الأسبوع ، فرجل مثل جمال مبارك لا يمكن
الفصل بين حياته الخاصة وحياته العامة إذا تعاملنا مع الأمر على أنه الحاكم القادم
لمصر أبينا أم رضينا .
وعلى الأستاذ مصطفى بكرى أن يتنبه لخطورة بعض مواقفه التى
قد تنجم حتمًا من جراء بعض سياساته التى كثيرًا ما يمسك
فيها العصا من المنتصف بغية إرضاء الشعب تارة وإرضاء السلطة تارة أخرى ، وإن كنا
وللحق نراه إلى جانب الشعب فى أكثر المواقف ومع السلطة فى القليل منها ، ولكننا لا نرى للسلطة المصرية ميزة واحدة
تجعله ينحاز إليها فى أى من
المواقف ، فالسلطة كلها سوءات وجرائم ، وليس من الحكمة أن يخدع المرء نفسه ويهادن
جلاديه مقابل إتقاء الضرر وضمان الاستمرار المهنى على حساب المبادئ ، وهذا الكلام لا يمكن توجيهه إلا
لإنسان فى مكانة وحجم الأستاذ مصطفى بكرى خوفـًا من أن
تتسرب وطنيته ومحبته من قلوب الناس تسرب الماء من بين الأصابع المنفلتة ، فهل يعقل
مثلا ألا يجد جمال مبارك من يدافع عنه غير مصطفى بكرى ، وهل يعقل أيضًا أن تظل
"الأسبوع" أقل الجرائد المصرية تغطية لقضية التوريث على خطورتها
وأهميتها ؟!!
إن مصر اليوم فى أمس الحاجة لمداد كل قلم شريف
.. كفانا لهو وعبث ، وكفانا ضياع وتشتت !!
لقد أتم جمال مبارك كل الأوراق المطلوبة لإعتماده
حاكمًا لمصر خلفـًا لوالده ، والأوراق المكشوفة هى أقل
الأوراق خطورة ، وما خفى كان أخطر وأعظم ، وهناك من
المستندات ما هو على درجة عالية من الخطورة والسرية قدمها جمال مبارك لأمريكا ودول
الغرب ولا نعلم عنها شيئـًا ، وهناك من المستندات ما طلب منه أن يجهر بها ويعلنها والتى كان من بينها تلك الصورة التى
أريد منها أن تشكل نقلة نوعية فى طريقة التعامل مع
الشعب بهدف تغيير عقائده وسلوكياته .