معلومات جديدة عن قتل قائد ألوية الناصر صلاح الدين

 

 

لم تكنْ عملية اغتيال العبد يوسف القوقا (44 عاماً) القائد العام لألوية الناصر صلاح الدين هي الوحيدة التي تستهدف قياديّاً في المقاومة، ولكنها برغم ذلك كانت الحادثة الأولى التي أثارت جدلاً كبيراً لا سيما بعد التداعيات العاصفة لعملية الاغتيال والتي جاءت بعد يومٍ واحد من تسلّم الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة إسماعيل هنية مهامها التي أعلنت بدورها عن تشكيل لجنة تحقيق رباعية للوصول إلى الحقائق الغائبة وكانت تلك أول مهام وزير الداخلية الجديد سعيد صيام وأول تحدّي من التحديات التي تواجه الحكومة الفتية.

 

وعودةً إلى تفاصيل عملية الاغتيال وتداعياتها فقد استشهد عبد القوقا "أبو يوسف" جراء تفجير عبوة ناسفة وضعت في سيارة مدنية، على بعد نحو 50 متراً من منزله في حي النصر. وبحسب شهود عيان فإنّ العبوة انفجرت في سيارة من نوع "سوبارو"، تزامناً مع مروره بجانبها، بينما كان متوجّهاً لأداء صلاة الجمعة، في مسجد مرج الزهور القريب من منزله.

 

ومباشرةً بعد عملية الاغتيال اتّهم محمد عبد العال "أبو عبير" الناطق الإعلامي باسم لجان المقاومة الشعبية جهاتٍ فلسطينية بالمساعدة في تنفيذ عملية الاغتيال التي نفى جيش الاحتلال أية صله له بها.

 

وذكر أبو عبير بالأسماء من يتّهم بالتواطؤ في عملية الاغتيال وهم النائب محمد دحلان والقياديّ في "فتح" وسمير المشهراوي ورشيد أبو شباك مدير جهاز الأمن الوقائي وطارق أبو رجب رئيس المخابرات العامة. وبمجرد تعرّض أبو عبير للشخصيات السابقة وحديثه عن اتهاماته لها أُطلِقَت نيران كثيفة على المؤتمر الصحافي الذي كان يعقده وهكذا اندلعت شرارة الفتنة التي أدّتْ إلى مقتل ثلاثة مواطنين فلسطينيين هم سيف الدين الهليس (22 عاماً)، هشام أبو طه (25 عاماً)، وحسني المعصوابي (22 عاماً) وعدد كبير من الإصابات وذلك خلال تشييع جنازة الشهيد القوقا حيث وقعت اشتباكات أثناء الجنازة بين عناصر من لجان المقاومة الشعبية وأفراد من جهاز الأمن الوقائي.

 

من جهتها أعلنت الحكومة الفلسطينية بعد اجتماعٍ طارئ قرارها بسحب المسلحين من الشوارع ووقف الاتهامات المتبادلة وتشكيل لجنة تحقيق في الحادثة. كما أكّد سعيد صيام وزير الداخلية أنّه تم تشكيل لجنة تحقيق رباعية من جهاز الأمن الوطني والشرطة والداخلية والنيابة وأعلن في لقاءٍ مع الصحافيين أنّه تم تكليف النائب العام العسكريّ حمودة جروان برئاسة اللجنة.

 

من جهةٍ أخرى حمّل جمال أبو سمهدانة "أبو عطايا" الأمين العام للجان المقاومة الشعبية في حديثه السلطة مسؤولية حماية المطلوبين، مشيراً إلى عدم جدية الأجهزة الأمنية في ملاحقة العملاء. وقال أبو سمهدانة إنّ الأمر الذي يدعو للشك أنّ الأجهزة الأمنية تراقب تحرّكات قادة المقاومة ومنهم "أبو يوسف" الذي تم إطلاق النار عليه أكثر من مرة.

 

وحول استعدادهم للتعاون مع لجنة التحقيق المشكلة قال أبو سمهدانة إنّ وزير الداخلية سعيد صيام أرسل لهم رسالةً تبلغهم بتشكيل لجنة تحقيق وطلب التهدئة. وأضاف: "ونحن من جانبنا التزمنا بمطلب وزير الداخلية ولكن لدينا تحرياتنا الخاصة وسنقدمها للجهات المسؤولة".

 

وعن تصريحات أبو عبير قال أبو سمهدانة: "مهما كانت تصريحاته قاسية فهذا لا يعطى أيّ مبرّرٍ للاعتداء على جنازة "أبو يوسف" وإطلاق النار على جسده الطاهر الذي أصيب بثلاث رصاصات، والذي أطلق النار هم حراسات نبيل طموس قائد فرقة الموت". وأضاف: "في حياتنا لم نتوقّع شيئاً من هذا القبيل، وهذا يثبت وجود أحقادٍ عليه دفعتهم لإطلاق النار على جسده".

 

وأشار أبو سمهدانة إلى أنّه استشهد في الحادث الشهيد هشام أبو طه بطل اجتياحات رفح والذي يعتبر من أهمّ مقاتلي الألوية، وأصيب عشر مرات قبل ذلك منها خلال محاول اغتيال أبو سمهدانة حيث كان يرافقه. واستشهد أبو طه أثناء حمله جثمان الشهيد "أبو يوسف".

 

وانتقل أبو سمهدانة للحديث عن طبيعة علاقة لجان المقاومة المتوتّرة دائماً بالأجهزة الأمنية، وتحدّث عن علاقته برفيق دربه "أبو يوسف"، وقال: "تعرفت عليه في الجزائر عام 1992م، وبدأت صداقة قوية بيننا والتقت أفكارنا ورؤيتنا للنضال والقضية، وعُدْنا سوياً للوطن عام 1994م وتواصلت العلاقة وتعزّزت بتعارفنا مع الشهيد يحيى عياش والشهيد عدنان الغول والأخ المجاهد محمد الضيف. وكان بيت "أبو يوسف" المقرّ الآمن لهؤلاء الأخوة".

 

ويشير أبو سمهدانة إلى تجربة الاعتقال قائلاً: "تم اعتقالنا سوياً من قِبَل جهاز الأمن الوقائي حيث تمّ اعتقالي عام 1997م لمدة سنة ونصف على خلفية تقديم مساعدات واعتقل "أبو يوسف" خلال فترة اعتقالي، وذلك لعلاقته حينها بالشهيد القائد عدنان الغول والمجاهد محمد الضيف وتصنيع قنابل يدوية في 1998م. ومكث في السجن أربعة أشهر. وفي مرة ثانية اعتُقِل بعد أنْ لجأ إليه الشهيد محمد عبد العال القائد في سرايا القدس حيث كان ملاحقاً من قِبَل أجهزة السلطة الأمنية. كما تمّ قطع راتب "أبو يوسف" وتم إرجاعه فقط بشرط أنْ يكون على كشوف جهاز الأمن الوقائي".

 

وينتقل أبو سمهدانة للحديث عن تشكيل لجان المقاومة في بداية الانتفاضة ويقول: "شكلنا مجموعات عسكرية وكانت مجموعات أبو يوسف ومعه الشهيد إسماعيل أبو القمصان تعمل في المنطقة الشمالية، ومجموعات بهاء أبو السعيد في المنطقة الوسطى. وأنا قدت المجموعات في المنطقة الجنوبية".

 

ويشير أبو سمهدانة إلى أنّ المجموعات سرعان ما بدأت بتنفيذ عمليات مباشرة بالهجوم على باص أمن المعبر وكان حصيلة العملية قتيلين و13 جريحاً، وزراعة عبوةٍ لدبابة وإطلاق نار على سيارة مستوطن على طريق كسوفيم. وتم الاتفاق بعد هذه العمليات على تشكيل لجان المقاومة الشعبية وتم تشكيل القيادة على مستوى القطاع وكانت تضمّني و"أبو يوسف" والشيخ إسماعيل أبو القمصان وآخرين. وتم تكليف الأخ "أبو يوسف" بقيادة الجهاز العسكري ألوية الناصر صلاح الدين، وسرعان ما استطاع ترسيخ دعائم الجهاز وكان شغوف بتصنيع المتفجرات والصواريخ".

 

وحول العلاقة مع الأجهزة الأمنية قال أبو سمهدانة: "أردنا توحيد الجهود ضد الاحتلال، ولكن جهاز الأمن الوقائي بالذات كان حريصاً على جعل اللجان قوة تنفيذية له، وحرصنا من جهتنا على رفض هذا الأمر. ومع بداية الاجتياحات للضفة كان قطاع غزة مهدّداً للاجتياح أيضاً وحدثت اعتصامات لمواطنين يطالبون بتوفير طحين وأصدرنا بياناً طالبنا فيه وزارة التموين بضرورة العمل على توفير الطحين للمواطنين، وهاج حينها جهاز الأمن الوقائي وطالبنا أنْ نشاور قيادة الجهاز قبل الإقدام على اتخاذ أيّ موقف، وهذا ما كنّا نرفضه. وفي إحدى المرات كان هناك سيارة باص تقلّ عدداً من مرابطي الألوية ومرّوا من أمام مقرّ جهاز الأمن الوقائي فقاموا بإطلاق النار على السيارة وهذا الأمر زاد الأمور تأجيجاً. ورغم أنّ "أبو يوسف" كان من الحريصين على تسوية المشاكل على حسابنا وكانت عنده حكمة وحرص على الوحدة الفلسطينية وعلى طهارة البنادق. كما تم اتهام لجان المقاومة الشعبية بزرع العبوة للأجانب وذهب "أبو يوسف" للأجهزة الأمنية وأثبت لهم أنّه ليس لنا علاقة بالموضوع ولكنّهم اتّهموا بعض الأخوة في اللجان وأصرّ "أبو يوسف" على تسليمهم لجهاز الأمن الوقائي وخضعوا لتحقيقٍ قاسٍ جداً ولم يثبت عليهم شيء وحصلوا على قرار إفراجٍ من المحكمة ولم يتم تنفيذه إلا بالقوة".

 

وعن الأيام الأخيرة التي سبقت اغتيال "أبو يوسف" قال أبو سمهدانة: "قبل الحادث بعشرة أيام أعلن جيش الاحتلال أنّه سيقوم باغتيال قلب المقاومة الفلسطينية، والأخ "أبو يوسف" كان مطلوباً وتعرّض لمحاولة اغتيالٍ وقُصِف منزله بالطائرات مرتين وكان من أكثر الشخصيات التي يحقد جيش الاحتلال عليها فهو الذي صنع المتفجرات لتدمير دبابة الميركافاة". ويشير أبو سمهدانة إلى ورود معلومات عن متابعته وكان يشتكي من أنّه يشعر بأنّه مراقب وأحياناً يشعر بأنّ سيارات تابعة للأجهزة الأمنية تراقبه.

 

وأثارت تداعيات اغتيال الشهيد القوقا عدداً من الكتّاب والمحلّلين السياسيين الذين تحدّثوا عن أبعاد عملية الاغتيال ودوافعها ومن المستفيد منها. وفي هذا السياق يقول الكاتب الصحافي طلال عوكل إنّه من السابق لأوانه الحديث عن الدوافع المباشرة التي أدّت إلى عملية الاغتيال، مشيراً إلى أنّ توقيت العملية في اليوم التالي لأداء حكومة إسماعيل هنية القسم أمام الرئيس، إنما يؤشّر على عهدٍ صعب من الصراعات الداخلية التي تستهدف إفشال حركة "حماس" التي أغاظ فوزها بأغلبية مقاعد التشريعي أطرافاً كثيرة، لم تُخفِ عزمها على تضييق الخناق حول رقبة الحكومة. ويرى عوكل أنّ المسؤولية الصهيونيّة واضحة، ولا تخفيها التصريحات التي صدرت عن بعض المسؤولين الصهاينة، ذلك أنّ حكومة الاحتلال أعلنت مراراً ومؤخّراً أنها ستواصل سياسة الاغتيالات بحقّ نشطاء الجهاد وكتائب الأقصى، وكلّ الكتائب بمختلف مسمياتها. وفي كلّ الأحوال فإنّ الكيان الصهيونيّ هو صاحب المصلحة الحقيقية في إشعال الجبهة الفلسطينية الداخلية، وسعت منذ فترة طويلة من أجل تدمير القلعة الفلسطينية من داخلها بعد أنْ أعيتها وسائلها العسكرية والسياسية عن تحقيق هذا الهدف.

 

ويشير عوكل إلى أنّ الحكومة التي لم تكدْ بعد تتسلّم مسؤولياتها الرسمية، جاء ردّها فورياً وسريعاً بالإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق، والطلب من المسلحين الذين ملأوا الشوارع بإخلائها، ومطالبة الجميع بالتوقف عن مواصلة كيل الاتهامات، "رغم أننا لم نسمع اتهاماتٍ سوى من طرفٍ واحد، غير أنّ ما كان يجري على الأرض من تحرّكات وحالة تحفّز كان ينذر بالمزيد من العواقب الوخيمة".

 

من جهته تطرّق المحلّل السياسي هاني حبيب إلى تصريحات وزير الداخلية سعيد صيام عقب الحادث، والتي حملت الاحتلال الصهيونيّ في كلّ الأحوال مسؤولية اغتيال الشهيد القوقا، واعتبارها المستفيدة من هذا الاغتيال وتداعياته.

 

وقال حبيب إنّ تصريحات صيام تشير إلى تجرّده من الانطباعات المسبقة والاتهامات المتسرّعة، وتحليه بمسؤولية عالية في إدارة هذا الملف الشائك، لكن ذلك لم يكنْ كافياً، إلا لأنّه بالكاد أطلّ على الوضع الأمنيّ من خلال ملفات وزارته .

 

وأضاف حبيب: "كنّا نأمل موقفاً عملياً، ولنقل تجريبياً، في إنزال قوى الأمن التي تحت إمرته للشارع، من أجل بسط الأمن والتقليل من مخاطر الاشتباكات بين فرقاء، بعضهم من المحسوبين على السلطة، والبعض الآخر من الفصائل المسلحة، ولا نقلّل من أهمية تشكيل لجنة تحقيق ومحاكمة المتورطين، كما جاء في تصريحات وزير الداخلية، لكن بعض المتورطين كانوا في الشارع يفرضون على الجمهور الفلسطيني بالقوة المسلحة، منع التجول"!.

 

ويتساءل الكاتب الفتحاوي يحيى رباح عن الهدف من اختيار الاحتلال الصهيونيّ ارتكاب هذه الجريمة على هذا النحو وخلال قيام الحكومة الجديدة -حكومة حماس- بتسلّم مهامها؟؟؟.. ويضيف: "الإجابة واضحة تماماً، أنّ (إسرائيل) تريد أنْ تقوم هي بوضع جدول الأعمال، وأنْ تفرضه وأنْ تغرقنا به عكس الاتجاه الوطني الذي يسعى إلى ترتيب الأولويات، ووضع جدول الأعمال بما يحقّق أكبر قدرٍ من المصلحة الوطنية، حيث (إسرائيل) تريد أنْ يكون موضوع السلاح الفلسطيني، السلاح الذي في يد الفصائل والمجموعات والأفراد والعائلات هو البند الأول على جدول الأعمال، وهو الاختيار الأقسى الذي تبدأ به الحكومة الجديدة باكورة أعمالها"، مشيراً إلى أنّ الأحداث الأخيرة تصبّ بالمطلق في خانة الهدف الصهيونيّ، وتساعد بشكلٍ واضحٍ على فرض جدول الأعمال الصهيونيّ.