ماذا لو
وافقت حماس على وثيقة الأسرى؟
بقلم :ياسر الزعاترة
لعل السؤال الأول
الذي يطرح نفسه في سياق الجدل حول وثيقة الأٍسرى هو السبب الذي يدفع حركة فتح
والرئيس الفلسطيني إلى تبنيها بكل هذه الحماسة، أما السؤال الثاني فيتعلق بالسبب
الذي يدفع حماس إلى التحفظ عليها على رغم توقيع ممثل عن أسراها عليها.
ما يؤكد أهمية السؤال
الأول هو أن بنود الوثيقة لا تنسجم البتة مع الطرح السياسي للرئيس الفلسطيني محمود
عباس، ولا للقيادة المتنفذة في حركة فتح هذه الأيام،
فهي تتحدث عن حق المقاومة، بل عن ممارستها وإنشاء جبهة موحدة لها، كما تتحدث عن
تحرير الأسرى بكل الوسائل، في حين لا تشير من قريب أو بعيد إلى خريطة الطريق التي
يتحدث عنها الرئيس الفلسطيني كل يوم، فضلاً عن تأكيدها على إعادة تشكيل منظمة
التحرير على أسس جديدة تأخذ في الاعتبار المتغيرات السياسية في الساحة الفلسطينية.
أما في البرنامج السياسي فالحديث يدور عن دولة كاملة
السيادة على الأراضي المحتلة عام 67 بما في ذلك القدس الشرقية، مع التركيز على حق
العودة للاجئين، وهو حق يتسامح أبو مازن في تطبيقه كما ورد في تصريحات كثيرة نقلت
عنه.
معلوم أن محمود عباس
يقف ضد المقاومة، وهو صاحب نظرية رفض العسكرة، وهو من طالب بنزع سلاح قوى
المقاومة، في ذات الوقت الذي ماطل في قضية إعادة تشكيل المنظمة على رغم طرحها في
حوار القاهرة الذي عقد في آذار عام 2004، والوعد بالشروع في الحوار حول الموضوع
خلال شهرين.
الأكيد أن الإجابة
على سؤال السبب الكامن خلف رفض حماس للوثيقة أو التحفظ على بعض بنودها هو ذاته
الذي يقف خلف تبني محمود عباس وقيادة فتح الحقيقية خلفها، ويتمثل في أن المطلوب
بالنسبة لفتح هو بصمة حماس على النص المتعلق بالموافقة على «الشرعية العربية
والشرعية الدولية»، وحين تفعل ذلك ستكون قد تساوت مع حركة فتح وصدّقت الرهانات
التي طالما تحدثت عن تنازلها عن ثوابتها إثر الدخول في السلطة، الأمر الذي سيضرب
مصداقيتها في الشارع، وعندها سيكون بوسع فتح أن تطالب بانتخابات جديدة في ظل
استمرار الأزمة القائمة بشأن الرواتب وازدواجية السلطة ومسألة الأمن، لاسيما ورئيسها
يملك صلاحية حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، هذا إذا لم يتكفل
الإسرائيليون بتخريج اللعبة عبر اعتقال أعضاء البرلمان من حركة حماس في الضفة
الغربية، وأقله عشرة آخرين من بينهم بما يغيب أغلبيتهم النيابية.
هكذا يمكن القول إن
المطلوب من حماس لا يعدو أن يكون التوقيع على الوثيقة والتنازل عن ثوابتها بشأن
عدم الاعتراف بالعدو والقبول النهائي بالدولة المحدود بحدود 67، أما البنود
التالية فسيجري تجاهلها بالكامل، وإلا فهل هناك من يقتنع بأن فتح ستوافق على تشكيل
المنظمة على أساس جديد يمنح حماس والجهاد نصف مقاعد مجلسها الوطني بما يوفر لهما
الفيتو على أي قرار سياسي؟
لو صح ذلك فلماذا لا
تتم عملية إعادة تشكيل المنظمة خلال شهور لتغدو هي المرجعية السياسية العليا
للفلسطينيين كما تنص الوثيقة، وتتحول إليها صلاحية البت
في البرنامج السياسي للفلسطينيين، أم أن المطلوب هو ما ذكرنا، وليصار إلى تجاهل
جميع البنود الأخرى والاكتفاء بتشويه حماس وإقصائها من الحكومة غير مأسوف عليها من
أكثرية الفلسطينيين؟
حماس بدورها أدركت
حقيقة الفخ الذي نصب لها، ولذلك لم تتردد كثيراً في رفض التوقيع على الوثيقة
برمتها، مع الإشادة بمضامينها الجيدة الكثيرة، ومن دون أن تسيء إلى الأسرى الذين
وقعوا عليها ومن ضمنهم الشيخ عبد الخالق النتشة الذي
تسرع فيما يبدو ولم يلتفت إلى المعضلة التي يحويها النص، أو لعله لم ير في ذلك
بأساً، فيما أعلن أسرى حماس والجهاد في مختلف السجون أنهم لم يطلعوا على بنود
الوثيقة. وفي العموم فمن يقرأ نصها الطويل لا بد أن يدرك بكل بساطة أنه إزاء نص فتحاوي لا صلة له بلغة حماس وخطابها على رغم ما ذكرنا حول
المضامين الجيدة التي تجمع عليها الفصائل الفلسطينية.
كل ذلك يؤكد أن قرار
فتح وقيادة السلطة بإفشال حركة حماس وإقصائها من الحكومة ما يزال على حاله، بصرف
النظر عما إذا كان الانتظار سيطول حتى نهاية الأربع سنوات، أم سيجري ترتيب لعبة
سريعة قبل ذلك بحل الحكومة بسبب عجزها عن تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني كما سيقال
في حينه؟
ليس أمام حماس
والحالة هذه غير التشبث بخطابها، إلى جانب التأكيد على موافقتها على مبدأ إعادة
تشكيل المنظمة على أسس جديدة بحيث تصبح مرجعية عليا لكل الفلسطينيين في الداخل
والخارج، ولا قيمة هنا لاعتقاد البعض أن المرونة يمكنها أن تحل معضلة الحصار.
من جانب آخر، فإن
بوسع محمود عباس أن يذهب إلى المفاوضات لوحده، وحماس لن تمنعه من ذلك كما صرح
قادتها، وإذا تمكن من الحصول على الدولة بالمواصفات المذكورة آنفاً، فإن حماس
ستؤدي له التحية ومعها جميع الشعب الفلسطيني، حتى لو تواصل رفض الاعتراف بشرعية
الاحتلال، ويجب أن يتواصل. أما منح الدولة العبرية
اعترافاً جماعياً مجانياً جديداً بعدوانها فلا يبدو منطقياً بحال من الأحوال.