إضاءات على نظام الحكم في الإسلام

 

 

بقلم :حسن الحسن

A_l_hasan@yahoo.dk

 

تميز نظام الحكم في الإسلام عن غيره من الأنظمة القائمة حين تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة  تميزاً تاماً. فقد كان النظام السياسي الذي أرساه النبي الكريم في دولة الإسلام الأولى، مغايراً للنموذج القبلي السائد في الجزيرة العربية، وكذلك كان مبايناً للنموذج الإمبراطوري السائد في فارس والروم، سواء من حيث الشكل أو المضمون، ما يعني أن الإسلام قد أتى بنظامٍ فريدٍ في الحكم من غير تأثر بما هو قائم، وأن ذلك النظام هو النموذج الوحيد الذي ينبغي تطبيقه، على اعتبار أنه يجسد أحكاماً شرعية تخرج من مشكاة النبوة مباشرة.

 

ويتميز نظام الحكم في الإسلام باستناده إلى الشرع الذي يسود كافة أرجاء المجتمع والدولة، في وحدة سياسية تصوغ الأمة على اعتبارها جماعة واحدة، تبايع خليفة واحداً على الحكم بكتاب الله وسنة نبيه. ولو توقفنا عند بعض الأحداث التي آلت إلى بناء دولة الإسلام، لوجدنا أن العمل على إقامة ذلك النموذج كان هدفاً تقصد النبي تحقيقه منذ بداية سعيه لإقامة الإسلام شكلاً ومضموناً.

 

 فأما من حيث المضمون، فقد رفض النبي عرض سادة قريش الذين أتوه فقالوا له (إن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا)، ورفض النبي كافة الصفقات التي استهدفت التنازل عن الدِّين، كلِه أو جزءٍ منه.

 

وأما من حيث الشكل فقد أبى النبي الكريم قبول عرض قوم بني عامر بن صعصعة، بعد أن أتى إليهم، ودعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم نفسه طالبا منهم النصرة لدينه، فأجابوه إلى ما أراد، إلا أنهم اشترطوا عليه قائلين: (أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ رفض (النبي الكريم) ذلك قائلاً: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقالوا له:...لا حاجة لنا بأمرك ، وأبوا عليه). وفي هذا المثال نجد أن النبي قد رفض التخلي عن أمر يتعلق بشكل نظام الحكم الذي يريد تحقيقه، حيث أن الإسلام قد اعتبر ضمن جملة من الأدلة الشرعية أمر السلطان راجع للأمة، تبايع هي من ترتضيه منها على شرط الحكم بكتاب الله وسنة نبيه.

 

ومن الجدير ذكره، أن النبي الكريم قام برفض تلك العروض المغرية في وقت كان يعاني فيه مع أصحابه ظروفاً غاية في الصعوبة والقسوة، حيث عادته قريشٌ وكانت أشد ما تكون عليه من خلافه وفراق دينه، فكانت تحبس من قدرت على حبسه وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين. وفي تلك الأجواء شرع النبي الكريم في طلب النصرة من أهل القوة بغية إيجاد قوة تسند الإسلام فتكون له حماية ووقاية وتمكيناً.

 

ويستفاد من ذلك الرفض النبوي المتكرر لتلك العروض، رغم حاجة الدعوة وحامليها الملحة لمن يؤويهم ويحميهم، أن النبي الكريم أراد تأسيس الدولة الإسلامية على منهج معين وضمن شكل معين باعتبارهما وحياً من الله تبارك وتعالى، وأنه لا خيار أمام العاملين لإقامة دولة الإسلام في وجوب التزامهما. ويظهر الثبات النبوي بشكلٍ جليٍ عندما طلب منه عمه أبو طالب مهادنة قريش وملاينتها، وأنه ما عاد قادراً على الصمود بوجه ضغوطهم، فرد الرسول الكريم عليه قائلاً (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه). وكان النبي الكريم يدعو ولسنوات طويلة وفود الحجيج والقبائل للإسلام، فيبدأ هؤلاء وأولئك بالاشتراط عليه ومساومته على أمره، فيقول لهم (فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم).

 

وفي هذا السياق، تعتبر بيعة العقبة الثانية، التي انتقلت الدعوة الإسلامية بموجبها من مرحلة الاستضعاف إلى التمكين ومن محنة التعذيب والقهر إلى منحة النصر والظفر، أحد المفاصل المحورية في مسيرة النبي الكريم لإقامة الدولة الإسلامية، مضيئة بذلك جوانب مهمة في ذلك النظام الذي يريد الإسلام إقامته في واقع الحياة. فقد تحققت في تلك البيعة النصرة المطلوبة للدعوة النبوية على النحو الذي ينسجم تماماً مع مبتغاها، فتم عقد تلك البيعة، وانتقل النبي بموجبها مهاجراً من مكة إلى المدينة ليصبح حاكمها المطاع، مشكلاً بذلك الدولة الإسلامية الأولى.

 

وفي وقفة مع هذه البيعة نجد أن الأنصار قد فهموا بشكلٍ لا يرقى إليه أي شك أن النبي الكريم هو من سيكون الآمر الناهي في دولة المدينة، وأن نظام الحكم الذي يبتغي إقامته عليه الصلاة والسلام، له متطلبات وعليه التزامات تتعارض مع ما كان سائداً من عادات وأعراف ومواثيق، حيث أدركوا أن تلك البيعة تقتضي وضع الأنصار كافة إمكانياتهم ومقدراتهم بإمرة النبي الكريم، وأن الأمر كله رهنٌ بما سيشكله النبي من نظام يحل مكان النظام القبلي الذي كان يرفض أن يأتمر القوم بغير سيد منهم فكيف بمن هو قادم من خارج القوم، فضلاً عن أنه رجل مطاردٌ من قبل قومه، ولذلك فقد فكر الأنصار ملياً قبل أن ينجزوا البيعة وقال أبو الهيثم بن التيهان وهو أحد نقباء الأنصار(يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم)، وفي هذا إشارة واضحة على استعدادهم لتقبل النظام الجديد وما سيبنى عليه من فسخ اتفاقاتهم السابقة مع عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان اتُفِقَ على تتويجه ملكاً على المدينة وكذلك يعني دخول علاقاتهم مع قبائل اليهود المحيطة بالمدينة طوراً جديداً يخضع للنظام الجديد، وهو ما حصل بعد ذلك. وبمجرد أن وصل النبي الكريم أبواب المدينة في هجرته إليها خرج له مئات الأنصار مسلحين يستقبلونه، قائلين له وكان معه أبو بكر الصديق (أدخلا  آمِنَينِ مطاعين).

 

وعليه فقد كانت بيعة العقبة الثانية بمثابة تأسيس لانقلابٍ على كافة الأوضاع القائمة في المدينة بخاصة والجزيرة العربية بعامة والتي انتهت بولادة أول دولة للإسلام وبإقامة نظام حكم فريد ومتميزعن كافة ما هو سائد من نظم حكم في حينها. وُيلحظ من تتبع سيرة النبي الكريم أنه كان يعمل لتحقيق ذلك النظام وإقامته منذ وقت مبكر من دعوته.

 

وبهذا يظهر جلياً أن القصد من وراء حيازة السلطة لم يكن الملكَ أو الزعامةَ أو الثروةَ، ولم يكن المراد مجرد اقتباس ما هو رائج وشائع من أنظمة حكم وصبغها بصبغة الإسلام، بل كان المطلوب أن يتحقق من تلك السلطة ولادة نموذج معين في الحكم من حيث الشكل والمضمون، نظام يجسد إظهار أمر الله على النحو الذي يرضيه، ولهذا كان لا بُدّ من الوقوف بدقة على النموذج الذي أقامه الرسول الكريم بغية فهمه وإقامته مجدداً في حياة الأمة.

 

وأخيراً فإنه من الخطأ أن يقال إن هذا النظام أو النموذج لم يطبق سوى في العهد النبوي وفي فترة الخلافة الراشدة ومن ثم تحول نظام الحكم الإسلامي إلى نماذج أخرى، ولذا فمن الممكن الآن وبعد طول زمان من اعتماد نظام حديث وشكل مغاير لكل ما سبق طالما أن ذلك يحقق المقاصد العامة للشريعة، نعم من الخطأ أن يقال ذلك، فبغض النظر عن صدق ما بني عليه هذا الادعاء من أحكام أو من بطلانه أو من عدم دقته وإمكان دحضه، فهذا ليس موضوعنا هنا، إلا أننا كمسلمين يجب علينا أن نتحدث عن دولة الإسلام، تلك التي سعى النبي وأصحابه لإقامتها، والتي توفي النبي الكريم وهي قائمة تامة متكاملة، والتي تعتبر النموذج الوحيد الصالح شرعاً كمعيار لتقويم كافة أنظمة الحكم من حيث الصحة والبطلان أوالاستقامة والانحراف.

 

والمطلع على نظام الحكم في الإسلام والمعايير التي تحكمه يجد أنها غير متوفرة بأي من الأنظمة السياسية القائمة في العالم اليوم، فنظام الحكم في الإسلام يتناقض مع الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية كما يخالف الأنظمة القومية والوطنية بكل أشكالها، ديقراطية كانت أو دكتاتورية. فنظام الحكم في الإسلام هو دولة الخلافة، وقواعده التي يبنى عليها هي الحكم بالإسلام ووحدة الأمة وبيعة إمام واحد على كتاب الله وسنة رسوله. وأجهزته الأساسية تتعلق بالخليفة ومعاونيه والجهاد والولاة والقضاة والإدارة ومجلس الأمة. وأما تفاصيل دولة الخلافة فإنها كثيرة قام بتناولها وشرحها علماء الأمة قديماً وحديثاً ضمن مصنفات السياسة الشرعية والأحكام السلطانية والدستورية.